القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

مسارات الإرباك وإنهاك الدولة في تونس

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-06-30 13:53:00 | 1754 مشاهدة

الخلاصة:
من المستفيد من مسارات الإرباك وإنهاك الدولة في تونس؟لماذا يحاول البعض في كل مرة اختطاف السفينة نحو وجهة غير وجهتها؟ كيف يسعى دعاة الفوضى ومحترفو ا القلاقل من خلال الدعوات المتلاحقة إلى التحضير لساعةصفر موهومة بالتمادي في إرباك الأمنواحداث الفوضىو"إدارة التوحش"؟ من سيتصدى لدعوات تفكيك وإضعاف مؤسسات الدولة وركائز الانتقال الديموقراطي بالبلاد بداية بالبرلمان أصل السلطة الشرعية وصولا إلى مؤسسة الرئاسة وهيئات الدولة؟ أسئلة عديدة تستمد شرعية طرحها من واقع البلاد وما تعيشه من تحديات مع تفشي مظاهر التشتت وكثرة التجاذبات وافتعال الأزمات من طرف مجموعات بعينها تسير في خط التلاقي مع خيارات إقليمية تستهدف أطرافا سياسية بعينها وتحاول إرباك المشهد البرلماني وتسوّق لصورة سيئة ورديئة له ولمنتسبيه هدفها ترذيل النخب وامتهان السياسة وضرب المسار الانتقالي وتجريم الثورة والثوار والتباكي على ما مضى من عهود الفساد والقمع والاستبداد وتمجيدها وتبييض رموزها. إن البلاد وثورتها مستهدفة باعتبارها أولا منبعا للثورات العربية وملهمة لعديد الشعوب وما تمثله من خطرا على الأنظمة الاستبدادية في المنطقة وثانيا لخصوصية داخلية تكمن في مفاجأتها لمعظم النخب داخليا والتي كانت بدورها مرتهنة لنظام القمع والاستبداد والفساد والتي سعت جاهدة إلى المحافظة على مصالحها ومواقعها بإيجاد مكمن لها في اللوبيات المختلفة المرتبطة بمجالات المال والاعمال والاعلام وحتى النقابات لتصبح واجهة غير مخفية لما يسمى بالثورة المضادة. تتقاطع اليوم أهداف بعض القوى السياسية الناشئة مع جحافل الثورة المضادة من خلال دعواتها المتكررة الى تغيير النظام السياسي الوليد والمطالبة بمراجعة دستور الثورة والسعي بأشكال ظاهرة وخفية إلى استهداف البرلمان المنتخب بوصفه السلطة الأصلية. من أجل ذلك تبقى المساعي الجادة نحو تحقيق التمكين الاقتصادي والاجتماعي مطمحا وهدفا لجميع الوطنيين من أجل حماية المسار الديموقراطي من الزيغ والنكوص وتقوية جبهة الصد نحو رِدَّة محتملة. وما أنجزه البرلمان التونسي يوم الاربعاء 17 جوان 2020 بمصادقته بإجماع واسع على قانون الاقتصاد الاجتماعي والتضامني باعتباره استحقاقا من استحقاقات الثورة فرضته التحولات الاقتصادية والاجتماعية في تونس واولوية من أولوياته يندرج في هذا الإطار ويعزز مسار الوعي بأولويات المرحلة.

مقدمة:
ما من شك في أن حقيقة المعركة في تونس ليست بمعزل عن المعارك المخاضة إقليميا بين من هم مع الديموقراطية ومن هم ضدها وهو ما يفسر حالة الاصطفاف المحمومة التي تنتهجها مجموعات من النخب التونسية في غفلة عن مصالح الوطن العليا من أجل وأد التجربة التونسية في مهدها رغم نجاحاتها المتواصلة وما توفره للجميع دون استثناء من مناخات الحرية والديموقراطية وكأنها تمهد بذلك الطريق بوعي أو بغير وعي إلى عودة الاستبداد والتبشير به كحل جذري لبعض مظاهر الفوضى المفتعلة والمركبة والمدفوعة الثمن والتي تتمظهر وتتجلى من خلال مسارات الإرباك وإنهاك الدولة في سعي متواصل وبأشكال متعددة في محاربة كل شرعية والانتقاص من كل منجز  واستهداف كل رمز  وترذيل الثورة وامتهان النخب ونشر  مشاعر الخوف والرعب واليأس من كل تغيير أو تطور أو تنمية والوقوف حجر عثرة أمام مخرجات المسار الثوري ومكتسباته.
وبالرغم من المخلفات التي ألحقتها أزمة "كورونا" بالاقتصاد العالمي بعد توقف عجلة الإنتاج لأمد طويل وتفاقمالعجز جراء حالة الاستنزاف التي أنهكت المقدرات والامكانيات نتيجة جهود الدول في مجابهة هذه الآفة ومحاولة امتصاص آثارها المدمرة على اقتصاديات وشعوبها ، ورغم أن انعكاسات أزمة "كورونا" على اقتصادنا الوطني كذلك أصبحتتنذر   بأيام صعبة تنتظرنا بفعل عمق الأزمة وعظمة حجم الموارد والتضحيات التي يتطلبها إرجاع الأمور الى نصابها، فإن رهاناتنا على  ورقة الوحدة الوطنية وتنقية الساحة السياسية من كل مظاهر الفرقة والتناكف وما تزرعه من تشتيت للصفوف وتفريق للجهود أصبح ضعيفا ومطمحا صعبايؤجل سعي مسار الثورة الدؤوب إلى إنجاز مصالحة تامةبين فرقاء السياسة تنهي كل الأحقاد وتزرع في صفوف الشعب الأملوالثقة واللحمة الضرورية من أجل خوض معركة النصر   وتصحيح الأوضاع وإعادة الروح للاقتصاد وامتصاص آثار ومخلفات هذه الأزمة على البلاد والعباد.  
وبعيدا عن نظرية المؤامرة يحاول البعض في كل مرة اختطاف السفينة نحو وجهة غير وجهتها والمستفيد من ذلك هم دعاة الفوضى ومحترفو ا القلاقل من خلال الدعوات المتلاحقة من أطراف خارجية وداخليةتسعى  بكل جهد للتحضير  لساعة صفر  موهومة عبر إرباك الأمن و احداث الفوضى و إدارة التوحش وسيلتها في ذلك الدعوة إلى تفكيك وإضعاف مؤسسات الدولة وركائز الانتقال الديموقراطي بالبلاد بداية بالبرلمان أصل السلطة الشرعية  وصولا  إلى مؤسسة الرئاسة  وهيئات الدولة وذلك بالتشكيك في شرعية الانتخابات ومصداقية الصندوق وجدية المسار  من أجل فرض أمر واقع بديل يتصدر من خلاله الخاسرون انتخابيا  المشهد من أجل تحقيق مكاسب سياسية  مزيفة مما يزيد من ترسيخ الشكوك في وقوعهم  فريسة سهلة لإغراءاتأعداء التجربة الديمقراطية  بالاصطفاف وراء خيارات محاور تشهر  عداءها للثورات العربية وتسعى إلى إجهاضها وإغلاق قوس الثورة التونسية التي أصبحت تمثل التجربةالديمقراطية الوحيدة في العالم العربي.

1/ البرلمان التونسي أولى قلاع الثورة:
يتعرض البرلمان التونسي إلى استهداف مباشر وعلني بعد سنوات قليلة من كتابة دستور الثورة موفي جانفي سنة 2014، وقد عرفت تونس خلال فترة صياغة هذا الدستور نقاشات معمقة داخل المجلس الوطني التأسيسي تعلقتبطبيعة النظام السياسي الواجب اعتماده انتهت بتبني نظام برلماني معدل منح مجلس نواب الشعب صلاحيات التشريع والرقابة ومنح الثقة للحكومة وسحبها منها والرقابة على عملها وأسند لرئاسة الحكومة جلّ الصلاحيات التنفيذية وحصر اختصاصات رئيس الجمهورية في ثلاثة مجالات فقط هي الدفاع والأمن القومي والعلاقات الخارجية.وقد أثار تبني هذا النظام السياسي مواقف متعددة بين من يرى أنه يؤمّن توزيع السلطات على جهات متعددة بما يحول دون الاستفراد بالسلطة وعودة الاستبداد وبين من يقدّر أنه نظام يشتّت السلطة وأنه سبب الفشل في الإدارة الناجعة للبلاد طيلة السنوات الأخيرة. وقد طُرحت مسألة تغيير النظام السياسي منذ وصول الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي لسدة الرئاسة أواخر سنة 2014 وعاد هذا الجدل ليطفو على السطح مجددًا بعد الانتخابات الأخيرة التي أعادت خلط الأوراق وعدلت في التوازنات وأعادت حركة النهضة إلى صدارة المشهد السياسي بوصفها الحزب الأول بالبلاد.
لقد تحولت الدعواتالمحتشمة لتعديل النظام السياسي وإرساء نظام رئاسي الى حادة وعنيفة مطالبة بحل البرلمان والإطاحة بالسلطة الأصلية المنتخبة واشتدت رحاها مع نجاح المحطة الانتخابية الأخيرة في تونس والتي كانت نتائجها منحازة في مجملها لقوى الثورة ورافضة لقوى الردة والحنين الى الماضي مما أجج المظاهر المستهدفة لهيبة البرلمان عبر التعطيل وإثارة الفوضى وطرح القضايا الجانبية المثيرة للفتن والمقسمة للتونسيين يسهر على ذلك زمرة من النواب والساسة وبعض الفاعلين المعروفين بعداء الثورة والارتهان لأجندات أجنبية وإقليمية مشبوهة أياديها ملطخة بدماء الثوار في كل من ليبيا واليمن وسوريا والعراق وغيرها. وقد اعتبر رئيس البرلمان الحالي الأستاذ راشد الغنوشي في حوار له مع الجزيرة نت "أن دعاوى حلّ البرلمان خارج النص الدستوري وبعيدا عن القانون فيها الكثير من الالتباس، وتُحيل في سياقها الحالي إلى مخططات لضرب الاستقرار في البلاد وإرباك مؤسسات الدولة وتعطيل مصالح المواطنين، وهي مخططات لم تعد خافية على أحد، وتتقاطع مع أجندات محلية وإقليمية لتعطيل مسار الانتقال الديمقراطي الذي تعيشه بلادنا، وإسقاط تجربة فريدة باتت تقضّ مضاجع الانقلابيين والفوضويين. وما نشهده من حملات تحريض وصناعة لأوهام عن احتجاجات في تونس في وسائل إعلام أجنبيّة مشبوهة، هو دليل إضافي على ما تجابهه التجربة التونسية من مشاريع تخريب".
وقد زاد المشهد البرلماني الحالي من تعميق الأزمة مع تفشي مظاهر التشتت وكثرة التجاذبات وافتعال الأزمات من طرف مجموعات بعينها تسير في خط التلاقي مع خيارات إقليمية تستهدف أطرافا سياسية بعينها وتحاول إرباك المشهد البرلماني وتسوّق لصورة سيئة ورديئة له ولمنتسبيه هدفها ترذيل النخب وامتهان السياسة وضرب المسار الانتقالي وتجريم الثورة والثوار والتباكي على ما مضى من عهود الفساد والقمع والاستبداد وتمجيدها وتبييض رموزها. إن استهداف مؤسسة البرلمان يبدو في ظاهره محاولة للإصلاح والتطوير والنهوض بدور نواب الشعب بهدف الاعتناء بقضايا ومشاغل المواطن الحقيقية كحقه في التنمية والتشغيل والصحة والسكن والأمن ولكنه يبدي في عمق أهدافه وتركيبة شخوصه حقدا على الثورة والثوار ورفضا لنتائج الصندوق وما أفرزته الانتخابات وحنينا إلى تجارب قريبة حصدت الرؤوس وأقامت المقاصل وشردت الشعوب وعمقت الجراح ولم تجن شعوبها سوي ثمار الخيبة والحسرة على ثورة أجهضت وحرية سرقت وفرصة من فرص التاريخ ضاعت وانتهت.

2/ الثورة المضادة ومحاولات تدمير مؤسسات الدولة:
إنّ الذين يطالبون اليوم بحل البرلمان سيسعون في أقرب الأوقات إلى الدعوة لإسقاط الحكومة وعزل الرئيس لأن ما يقترفههؤلاء يعدّ استهدافا خطير لمؤسسات الدّولة وترذيلا لأذرعهامعتواصل ممارسات التهريج والإرباك وصلت في وقت غير بعيد الى حد محاولة السطو على كرسي رئاسة البرلمان بالعنف والقوّة واستهدفت مؤسسات السلطة الأصلية كالأمن والقضاء واستهدفت أخيرا المؤسسة السجنيةبالادعاءات الباطلةوالتشويه المتعمد في محاولةيائسة لإقحام مؤسسات الدّولة في تجاذبات سياسوية متعفنة.  إن هذه المحاولات المتكررة للتعطيل والإرباك ليست إلا استمرارا لمحاولات انطلقت منذ الثورة هدفها زعزعة استقرار البلاد والمساس من وسيادة تونس وحريتها ومكاسبها والسعي إلى تدميرها تنفيذا لمخططات اقليمية معادية للبلاد وصح فيهم الدكتور المؤرخ محمد ضيف الله " إن المتابع للشأن الوطني يتذكر أن أعداء الثورة قد سدّوا على أنفسهم الأبواب في الأيام والأسابيع الأولى من الثورة، ثم بدأوا يتحسسون ملابسهم ويفتحون نوافذهم، ثم بدأوا يتواصلون ثم شرعوا في إعادة تنظيم صفوفهم. وها هم اليوم يتحركون على كل الواجهات تقريبا، يخططون ويمولون ويأمرون وينفذون، وتتحرك وحداتهم القتالية في تناغم تام. يظهرون هنا على الشاشات كخبراء ومحللين، وينتشرون هناك في جنح الظلام يخربون، وها هي أعمالهم تشير إليهم، كما لو أنها تصدر عن زر واحد. ومع ذلك فقليلون هم من يشيرون إليه".
عرفت الثورة المضادة في تونس على مستوى رموزوها تطورا ارتبط بتطور مسار الثورة. ففي البداية تشكلت من المتربحين من النظام البائد الذين ارتبطوا به عضويا بحكم طبيعته المافيوزية انظمت إليهم تشكيلات من الأحزاب والشخصيات الفكرية والسياسية التي استعملتها منظومة الاستبداد كديكور احتياطي للترويج لديمقراطية المزيفة. كما اعتلى سدة قيادتها الخاسرون في أول انتخابات حرة في أكتوبر 2011 ممن وجدوا أنفسهم خارج الاهتمام الشعبي وشكلت جبهات سياسية  مثلت الاطاحة بالشرعية الشعبية جوهر وجودها واستعملت لتحقيق ذلك كل الوسائل مستفيدة من تواصل وجود أخطبوط الفساد الذي خلفه النظام البائد والذي مازال مستشريا في العديد من مفاصل الدولة وخاصة في الجهاز الإعلامي والإداري علاوة على  تموقعه المؤثر في الدورة الاقتصادية انتهى باعتصام الرحيل صيف سنة 2013 الذي حاول وأد الثورة والإطاحة بمشروع دستورها الجديد رفضا لمسار التأسيس الديمقراطي الناشئ وانخرط في موجة ردة عُرفت حينها بموجة الثورات المضادّة التي تميّزت بالعودة إلى الانقلابات وحكم العسكر ومظاهر مختلفة من الاحتراب الأهلي واستباحة الاقتتال والفوضى المجتمعيّة كانت أبرز ملامحها تلك المحاولات اليائسة لاقتحام مقرات السيادة واحتلالها في استباحة لكل الأعراف السياسية وصلت بالبعض إلى التجاهر بالدعوة إلى إراقة الدماء وللتضحية بآلاف المواطنين لكسر شوكة الانتقال الديمقراطي أسوة بما كان يجري حينها في دول عربيّة شملتها موجة الربيع العربي وانتصرت فيها قوى الردة والتطرف.
تتقاطع اليوم أهداف بعض القوى السياسية  الناشئة مع جحافل الثورة المضادة من خلال دعواتها المتكررة الى تغيير النظام السياسي الوليد والمطالبة بمراجعة دستور الثورة والسعي بأشكال ظاهرة وخفية  إلى استهداف البرلمان المنتخب  بوصفه السلطة الأصلية وفي عهدته تحديات كبرى لعل أهمها انتخاب المحكمة الدستورية واستكمال مرحلة التأسيس وسن القوانين الضامنة لرفاه المواطن الذي انهكته التجاذبات والمشاحنات ومشاهد الفوضى المفتعلة  في ظل الخشية تجول هذا الحراك الى مطية يركبها أعداء الثورة ومؤسساتها بغاية بث الفوضى وتحقيق غايات خطيرة تسعى للانتكاس بالمسار الانتقالي وتبشر بالعودة إلى شكل من أشكل الحكم الفرداني المؤسس للاستبداد والفساد ووأد الثورة في مهدها.

3/ الثورة التونسية المستهدفة:
لقد حولت الثورة تونس إلى بلد حر تحقق فيه الديموقراطية مكتسبات متواترة بداية من إنجاز دستور الثورة  الذي حضي بإجماع طيف كبير من فعاليات المجتمع  وصولا الى تركيز المؤسسات الدستورية والهيئات القانونية عبر التداول السلمي على السلطة بالانتحاب الحر المباشر في سنوات قصيرة  تولى خلالها السلطة الموزعة ديموقراطيا خمس رؤساء للجمهورية وثلاث رؤساء للبرلمان وثمان حكومات بمشارب مختلفة ومن عائلات سياسية متنوعة كانت  قادرة في أحلك الفترات على إدارة حوار  يغلّب في معظم المحطات مصالح الوطن العليا عبر الحوار  والتوافق وهو ما جعل البلاد وثورتها مستهدفة باعتبارها أولا منبعا للثورات العربية وملهمة لعديد الشعوب  وما تمثله من خطر على الأنظمة الاستبدادية في المنطقة وثانيا لخصوصية داخلية تكمن في مفاجأتها لمعظم النخب داخليا والتي كانت بدورها مرتهنة لنظام القمع والاستبداد والفساد والتي سعت جاهدة إلى المحافظة على مصالحها ومواقعها  بإيجاد مكمن لها في اللوبيات المختلفة المرتبطة بمجالات المال والاعمال والاعلام وحتى النقابات لتصبح واجهة غير مخفية لما يسمى بالثورة المضادة.
لقد استطاعت قوى الشر والتآمر الإطاحة بالثورة المصرية سريعا والانقلاب على الإرادة الشعبية عبر تركيز نظام عسكري استبدادي متخلف فرط في كل المكاسب وأعاد المصريين إلى عصور التبعية والانحطاط والقمع. كما أجهضت حلم اليمنيين في النجاة من براثن التخلف والانحطاط وحولت ثورتهم الشعبية إلى نزاع طائفي مقيت أتى على الأخضر واليابس واستباح البلاد والعباد وسطر الرحلة المتواصلة في غياهب الدمار والحرب. ولم يكن السوريون بمأمن عن كل هذا المد الجارف من الفوضى فقد تدخلت عديد القوى الدولية والإقليمية من أجل القضاء على حلم السوريين في التحرر والانعتاق من براثن السلطة العسكرية وحكم العائلات الفاسدة المرتهنة إلى أجندات العمالة والتبعية والاستلاب. وقد وصل مدى هذه المؤامرات إلى ليبيا وتم إدخالها قصرا في أتون النزاع والحرب بعد ثورة قطعت مع حكم العسكر والانقلاب الذي ضل جاثما على صدور الليبيين طيلة عقود ولم ينتج رفاهً ولا تنمية لبلد يعد من أغنى الدول وأكثرها امتلاكا للثروات. وما يزال الصراع قائما ومستهدفا لكل نفس حر على مدى الوطن العربي مشرقا ومغربا ما دام المتآمرون وصناع الفوضى يعيشون بيننا ويستغلون ما وهبتهم الثورات من حرية للانقضاض عليها ووأدها والقضاء عليها.
لقد عاشت الثورة التونسية محطات عديدة من التأزم كادت تعصف بمسارها وتعود بها إلى مآلات مشابهة لكثير من بلدان الربيع العربي استُعمِل فيها الإرهاب الأعمى كأقصى مظهر من مظاهر الفوضى والذي حصد الأرواح وأزم الأوضاع وهدد الدولة في كيانها وواصلتهذه المناوراتسعيها على مدى سنواتفي بث الفوضى في البلاد واستهداف مؤسسات الدولة كالبرلمان والحكومة والعمل على إسقاطهما والدعوة إلى تغيير  الدستور  وقد وصلت هذه المحاولات  إلى حد المجاهرة بالدعوة الصريحة إلى الانقلاب على البرلمان المنتخب بالدعوة إلى حله واستهداف الحكوماتالشرعية والدعوة  في بعض الأحيان إلى تكليف الجيش بالقيادة وتسيير البلاد في تحد صارخ لكل القيم التي كرستها الثورة وبنت صروحها عبر محطات سياسية كبرى وملاحم نضالية خالدة أكدت حرص الشعب التونسي على حماية ثورته وعزمه على تحصينها من المخاطر  والوصول بالبلاد الى مصاف الدول العريقة في الممارسة الديموقراطية ووأد كل نية في النكوص عنها عبر نبذ العنف ورفض مظاهر الفوضى ودحر قوى الردة والانقلاب والتصدي لكل دعاة الفوضى وفضح مخططاتهم وارتباطهم  بأجندات لا وطنية غايتها وأد الثورة وإفشالها.

4/ الثورة الاقتصادية والاجتماعية بديلا عن الفوضى:
انطلقت ثورات الربيع العربي مع بداية العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرين من تونس لتشمل كلا من  ليبيا ومصر واليمن وسوريا في مرحلة أولى وتتحول إلى حراك شعبي في دول عربية أخرى مثل المغرب والجزائر والبحرين ولكنه سرعان ما توقف لأسباب مختلفة لعل أهمها نجاح دعاة الفوضى في إرباك الأوضاع وإعطاء الفرصة  للثورة المضادة في أن تستعيد مواقعها وتعيد حساباتها في استعادة لما عاشته الثورة الفرنسية في ما نقله المؤرخ " البير ماريوس سوبول" في كتابه "تاريخ الثورة الفرنسية" عن أحد قادة الثورة  الفرنسية قوله "لقد انتقلنا بسرعة من العبودية إلى الحرية، ونحن نسير بسرعة أعظم من الحرية إلى العبودية" عندما سيطرت الفوضى على الواقع السياسي بُعيْد الثورة الفرنسية وساهمت في القضاء على منجزات الثورة  في الحرية والكرامة حتى أصبح الناس ينادون بعودة للعبودية السياسية التي كانوا يعيشونها قبل الثورة، بسبب ما أصبح يتهدّدهم من أخطار في مكتسباتهم الاقتصادية والاجتماعية. وقد نبه رئيس البرلمان التونسي لأستاذ راشد الغنوشيى من الوقوع في هذا المأزق الخطير واعتبر أن "تونس تحتاج في هذه المرحلة بناء خيارات جريئة تقطع نهائيا مع الخيارات الاقتصادية والاجتماعية السابقة وتكون تحت سقف دستور الثورة وخاصّة ما أقرّه الفصل 12 من مبدأ التمييز الإيجابي للجهات، وذلك هو الطريق لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة والتوازن بين الجهات وتحقيق التمكين الاقتصادي والاجتماعي للشرائح الاجتماعية الضعيفة والمهمشة.
ويُفترض في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ البلاد أن تتوحد الجهود وتتظافر منأجل تحقيق الانتقال الاقتصادي وإعطاءالأولويّة القصوىفي التشريع للقوانين الاجتماعية والاقتصادية استجابة لمطالب الشعب الأساسية في الحرية والكرامة  والشغل والسكن والصحة والتعليم والنقل والبنية الأساسي القادرة على مجاراة الطلبات المتزايدة والملحة لفئات عديدة من أنباء الشعب  ودعم المبادرات الخاصة وبعث المؤسسات الصغرى والمتوسطة في كل المجالات الفلاحية والصناعية والتجارية والخدمات والصناعات التقليدية والسعي إلى بناء توافق  واسع يهدف إلى إعداد مشروع لإصلاح المؤسّسات العمومية وإعادة هيكلتها وتعزيز الدور الاجتماعي للدولة عبر إحداث المؤسّساتٍ ذات التشغيليةٍ العالية وتنويع مسالك الإنتاج والتوزيعوترشيد الاستهلاك والتحكّم في التوريد، وتشجيع الاستثمار بغاية الحدّ من تفاقم العجز التجاري وضبط الأليات الضرورية القادرة على توجيه الأولويات الوطنية ضمن خيارات الحوكمة الاقتصادية، ومكافحة التهرّب الجبائي وإهدار المال العام، والتعطيل العشوائي لسيرورة العمل في المؤسّسات الحيويّة.والابتعاد عن كل المسارات المنخرطة في استراتيجياتالتوتر والحروب القذرة التي تهدف الى بث مشاعر الخوف لدى قطاعات عريضة من الشعب من أجل استثمار ها في تمرير أجندات لا وطنية.
وتبقى المساعي الجادة نحو تحقيق التمكين الاقتصادي والاجتماعي مطمحا لجميع الوطنيين من أجل حماية المسار الديموقراطي من الزيغ والنكوص وتقوية جبهة الصد نحو رِدَّة محتملة. ولعل ما أنجزه البرلمان التونسي يوم الاربعاء 17 جوان 2020 بمصادقته بإجماع واسع على قانون الاقتصاد الاجتماعي والتضامني باعتباره استحقاقا من استحقاقات الثورة فرضته التحولات الاقتصادية والاجتماعية في تونس واولوية من اولوياتها يعتبر مؤشرا على تجدد الوعي بالإشكاليات الحقيقية والأولويات الضرورية التي من شأنها أن تخرجنا من حالة الجمود والتردي وتبعد عنا شبح الفوضى في ظل هذه الظروف المتقلبة والناتجة عن مخلفات جائحة كورونا وتأثيراتها السلبية على الواقع الاقتصادي والاجتماعي خاصة مع بلوغ عدد العاطلين عن العمل في تونس حوالي 639 ألفًا في أواخر سنة 2017 من بينهم 264 ألفًا من أصحاب الشهادات العليا أي ما يعادل 42 في المائة من مجمل العاطلين عن العمل وهو ما سيمكن من خلق ديناميكية اقتصادية واجتماعية تمكن من الاستغلال الأمثل للموارد المادية والبشرية، وتساهم في تقريب الخدمات وتلبية حاجيات مختلف الفئات وتحسين ظروف العيش ودعم التماسك الاجتماعي والتنمية المحلية المستدامة.

الخاتمة:
عرفت الثورة التونسية منذ انطلاقتها حالة من الوعي لدى أغلبية من النخب السياسيّة المناهضة للاستبداد تدعو إلى ضرورة تأجيل الصراعات الأيديولوجية فيما بينها وضرورة الالتقاء على مطلب الحريّة ومقاومة الاستبداد إلا أن التحديات المتعاقبة راجعت هذه المواقف وجعلت بعض الفعاليات السياسية تنخرط في افتعال الأزمات وخوض الصراعات الجانبية لغايات سياسوية ساهمت في تعطيل مسارات الإصلاح وصنعت حالة من الإرباك والفوضى على مدر فترات متعددة من مسار الانتقال الديموقراطي.  ولم تستطع الثورة التونسية طيلة السنوات الماضية تجاوز التحديات الاقتصادية والاجتماعية مع تواصل الإضرابات وتعطيل الإنتاج وتعدد مظاهر الحراك الاجتماعي. فقد جمعت الثورة منذ انطلاقتها بين الحريّة والكرامة. ورغم ما حققه مطلب الحريّةمن مكاسب على حساب الاستحقاقات الاجتماعيّة إلاّ أنّ احتداد المطلبيّة طغى على ما سواه ولازم المشهد السياسي على مدى سنوات الثورة رغم اختلاف الحكومات المتعاقبة مما أعطى الفرصة لأصوات منخرطة في أجندات إقليمية بالمناداة والمطالبة بتغيير نظام الحكم وضرب مؤسسات الدولة وحل البرلمان وتسليم السلطة إلى الجيش واجتمعت حول ذلك أطراف متناقضة سياسيا من أقصى اليسار والمنظومة القديمة تسمي نفسها "ثورة الجياع" لكنها في حقيقتها "ثورة مضادة" بشكل مقنع تستهدف الديمقراطية وتستهدف الدولة.
لم يستجب الوضع الاقتصادي في تونس ما بعد الثورة لتطلعات الشباب الذي خرج آنذاك مطالبًا بالتشغيل والتنمية مع تراجعِ المؤشرات الاقتصادية والمالية العمومية إلى مستوى ينذر بمخاطر حقيقية ومع تسجيل معدلاتنمو منخفضة رافقتها مؤشرات في ارتفاع التضخم والعجز في الميزانية مع ارتفاع في نسب البطالة مما عزز الدعوات المنادية بضرورة التخلص من المنوال التنموي القديم خاصة وأن الطبقة السياسية والحكومات المتعاقبة اهتمت بالشأن السياسي ولم تعط الأهمية الكافية للشأن الاقتصادي.إن ما تحتاجه تونس اليوم هو اقتصاد أكثر تضامنًاذو صبغة اجتماعية. فالأرضية اليوم ملائمة أكثر من أي وقت مضى للنجاح نظرًا لتطور العقليات وكثرة عدد أصحاب الشهادات العليا وتوفر القابلية للمشاركة الإرادية في كل الأنشطة الصادرة عن مكونات المجتمع المدني أو المؤسسات غير الحكومية ومع وجود القوانين المشجعة على ذلك. فالاشتغال على الاقتصاد الاجتماعي التضامني مثلا سيشكل فرصة لبناء منوال تنموي جديد في تونس يقوم على الاقتصاد التشاركي التلقائي والتسيير الديمقراطي انطلاقًا من تشخيص المواطنين لاحتياجاتهم وتصور مشاريعهم وتسييرها. وتمثّل تجربة واحة جمنة في الاقتصاد الشعبي التشاركي نموذجا فذّا في تجاوز الانقسام الاجتماعي وتحقيق الرفاه وهي اليوم قبلة الزوّار من أنحاء كلّ العالم بوصفها تجربة رائدة يحتذى بها. والفرصة اليوم سانحة للتوجه بقوة نحو صناعة الثروة وإتاحة الفرص للجميع بعيدا عن النزاعات والصراعات والمؤامرات ومخططات أعداء الثورة.

عبد الباسط الشايب باحث وإعلامي

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك