القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

محرّكات الإرهاب وتداعياته في سياق أزمة سياسية مفتوحة : عملية عين سلطان نموذجا

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-07-31 13:55:00 | 166 مشاهدة

ملخص:

أمام محاولات التوظيف السياسي المباشر للعملية الإرهابية الأخيرة التي جرت في عين سلطان من ولاية جندوبة التونسية، وأمام دقة الظرف السياسي الذي جرت فيه العملية، يصبح التذكير بمفردات فهم الظاهرة الإرهابية في سياقها الدولي ثم الإقليمي والمحلّي ضروريا. انطلقنا من رصد بانورامي للجريمة الإرهابية الموظّفة استعماريا ومن طرف أنظمة عربية تستميت في تعطيل الانتقال العربي نحو العصر الحديث. ووصلنا إلى تسجيل خصوصية تونسية قد تنجح، لو توفّرت لها شروط الاستمرار، في كسر الدائرة المفرغة التي يتخبّط فيها المجال العربي بين عطالة تاريخية شاملة منتجة لإرهاب "أعمى" وهمجي قابل بدوره للتوظيف "المبصر" المحلي والدولي لإعادة إنتاج العطالة وربما الاندثار.        

مقدّمة:

شكّل حجم العملية الإرهابية الأخيرة وتوقيتها ومكانها وطبيعة هدفها "مفاجأة" ولغزا لمتابعي المشهد السياسي في تونس. مشهد يعيش على وقع أزمة سياسية مفتوحة منذ تعليق وثيقة قرطاج من قبل رئيس الجمهورية بعد فشل الأطراف الموقّعة عليها في الاتفاق حول إقالة يوسف الشاهد من رئاسة الحكومة الحالية. إقالة يتمسّك بها اتحاد الشغل (الذي يدخل بدوره مرحلة دقيقة ومصيرية في تاريخه)، وابن الرئيس بصفته زعيما للشقّ "الأقوى" في ما بقي من حزب نداء تونس، وترفضها عمليا دون حماس وحسم حركة النهضة، ويتردّد في حسمها رئيس الجمهورية، أو يناور، لإدراكه تداعيات مثل هذه الخطوة على مستقبل العملية السياسية برمّتها.

في مثل هذا السياق من الانسداد السياسي وتعطّل آليات التوافق السياسي الموازية لمؤسسات الحكم المنتخبة، وبعد انتخابات بلدية خلخلت جزئيا الخارطة الحزبية التي أفرزتها انتخابات 2014 وسجّلت أضعف نسبة مشاركة منذ انطلاق العملية الديمقراطية، وفي ظلّ ما يتسرّب من أخبار صراعات مفتوحة داخل الحزب الحاكم استعدادا لانتخابات تشريعية ورئاسية مبرمجة لسنة 2019، وبعد سنتين من الهدوء على "جبهة الإرهاب"، تأتي العملية الأخيرة لتضع الجميع من جديد وجها لوجه أمام معادلة تونسية متحرّكة عنوانها: ديمقراطية غير مكتملة أو لا يراد لها أن تكتمل في مواجهة "إرهاب" لا يزال يلفّ هويّته ومحرّكاته وأجندته غموض كبير.

الإرهاب: حجّة لتبرير الاستعمار الحديث وخنجر في خاصرة الديمقراطية العربية الموعودة /الممنوعة:

أصبح معلوما للجميع الدور الجوهري الذي لعبته "الظاهرة الإرهابية" في تخريب الثورات العربية وتمييع مطلبها الديمقراطي التحرّري وتحويلها إلى حروب أهلية طاحنة توشك أن تخرّب كلّ مقوّمات الاجتماع السياسي العربي، وفي إعادة رسم خرائط العلاقات الدولية، وفي إعادة صياغة مفردات الخطاب السياسي العالمي الجديد.

فقد مثّلت هذه الظاهرة "الطارئة" المتغيّر السياسي الدولي الأبرز والأخطر على امتداد العشريّات الأربع الأخيرة والحجّة التي لا تحتاج إثباتا ولا مرورا بمؤسسات الشرعية الدولية المتهاوية لتدخّل قوى الاستعمار العالمي الجديد سياسيا وعسكريا في شؤون الدول العربية تحديدا العاجزة عن حماية سيادتها وتقرير مصيرها.

جرى احتلال العراق سنة 2003 بعد حصار وحشي امتدّ 13 عاما، وتحويله إلى مختبر سياسي "نموذجي" للهمجية الامبريالية الأمريكية بتفجير بنيته الاجتماعية التقليديّة المتنوّعة والمتعايشة حتى ذلك الحين إلى حدّ ما ( تبيّن أنه كان تعايشا اضطراريا تحت دكتاتورية عسكرية حزبية فردانية كانت المغذّي الأكبر للانتماءات الطائفية البدائية التي ستطفو وتحتدّ مع أوّل ارتخاء لقبضة دولة المخابرات عليها) ، وتحويله إلى كيانات طائفية مذهبية متناحرة ليصبح محضنة مثالية للحروب الطائفية الدينية المجنونة وللجماعات "الجهادية" الدموية التي تمّ زرع بذرتها قبل ذلك خلال الحرب الباردة في أفغانستان ورعايتها مخابراتيّا (لوجستيا وسياسيا بتوفير ظروف ملائمة لانتشارها) وصولا إلى أحداث 11 سبتمبر 2001  واتخاذ ملاحقة "ابن لادن" و"تنظيم القاعدة"، مع أكذوبة السلاح الكيمياوي، ذريعة لتدمير العراق واتخاذه منطلقا لتغيير خارطة الاجتماع السياسي العربي الحديث. (وهو مسار لا يمكن الجزم بأن حكومات الولايات المتحدة المتعاقبة منذ بوش الأب ثمّ كلينتون ثمّ بوش الابن مرورا بأوباما وصولا إلى ترامب قد خطّطت له بنفس الطريقة بالنظر إلى حجم الارتباك والتردّد والانقلابات التي شهدتها وتشهدها الآن السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية).

ما جرى في مصر بعد ذلك ثمّ ليبيا واليمن وسوريا سيشكّل منعرجا مصيريّا في تاريخ الجغرافيا السياسية العربية وخريطة العالم. إذ تحت شعار محاربة الإرهاب خرجت مصر بصورة نهائية تقريبا من رصيد النهوض الديمقراطي والتحديث العربي لتسقط في هوّة سحيقة من حكم المسخ العسكري المرتدّ عن الحد الأدنى من مكاسب الليبرالية السياسية العربية التي كانت متوفّرة قبل الانتفاض الشعبي العربي الأخير .

ليبيا أصبحت نموذجا عالميّا فريدا في عشوائية التدخّل العسكري الدولي بذريعة إزاحة نظام استبدادي (وهو استبدادي بحقّ ونجح في تعطيل تطوّر المجتمع الليبي وتجميده في مرحلة القبيلة، ولكنّ استبداديته لم تكن الدافع الفعلي لتدخّل استعماري لا تحرّكه غير مصالحه الاقتصادية) وإغراق البلد في حالة احتراب أهلي عبثي وفوضى اللادولة، يرفع فيها الجميع شعار محاربة الإرهاب، ممّا مكّن شركات النهب الطاقي العالمية من استباحة ثروات ليبيا النفطيّة الطائلة، ومكّن دوائر القرار السياسي الاستعماري من تمييع المطلب الشعبي الديمقراطي الشرعي وإسقاطه من قائمة اهتمامات شعب أصبح سقف طموحه حدّا أدنى من الأمن على حياته وسلامته الجسدية.

شكّلت ثورة اليمن- بما يمثّله من استثناء إيجابي في مجاله الجغرافي العربي بالنظر إلى ثراء تاريخه السياسي الحديث وتقدّم وعي نخبه الديمقراطي رغم بنيته الاجتماعية المحافظة وفقره مقارنة بجيرانه- فرصة حقيقية لاختراق ديمقراطي استراتيجي في محيط عربي تقليدي استعصى على الحداثة السياسية واستقرّ نهائيا في مرحلة ما قبل الدولة. لذلك كان الانقلاب عليها دمويّا وهمجيّا من قبل الجار الموكّل دوليا بالمحافظة على "الستاتيكو التاريخي" الضروري لاستمرار تدفّق حاجيات المراكز الرأسمالية العالمية من الطاقة المتأتية أساسا من هناك.

يحدث كلّ ذلك طبعا أيضا باسم "محاربة الإرهاب" وعناوين فرعية أخرى ك"حماية الشرعية"، عناوين ما فتئت أن تراجعت أمام سفور البعد الدولي في حرب التدمير الانقلابي الاستعماري الدائرة هناك.

في هذا السياق تمثّل سوريا "مصهر" التاريخ العربي وربما العالمي الحديث بما يشهده من تحوّلات سياسية عميقة مثّلت الثورات العربية الأخيرة تتويجا لها وأهمّ علاماتها. تدور في سوريا حرب عالميّة حقيقية يرفع فيها الجميع شعار "محاربة الإرهاب"، يتواجه/يتشارك فيها قطب الهيمنة الاستعمارية التقليدية ممثّلا في الولايات المتحدة الأمريكية (التي تقود تحالفا دوليّا مزعوما لمحاربة الإرهاب) ضد/مع روسيا الطامحة لاستعادة بعض نفوذ ووزن الاتحاد السوفياتي بنفَس قيصري قومي. وتتمّ هذه المواجهة المعقّدة والحذرة على "حدود" مفتوحة تستبيحها قوّة إقليمية/دولية تخوّل لها عقيدتها الصهيونية المؤسسة توسيعَ حدودها باستمرار باسم دحر الإرهاب المتربّص ب"ديمقراطيتها" الاستيطانية القائمة على التطهير العرقي والديني. وتستبيحها معها/مقابلها قوّة إقليمية تبيح لها عقيدة الوليّ الفقيه ممارسة احتلال استيطاني لأرض سوريا باسم حماية "المراقد والعتبات المقدّسة" من جحافل الإرهاب التكفيري الوهابي.

هكذا تلتقي كلّ نقائض السياسة الدولية في تحالف موضوعي براغماتي إجرامي تحت شعار عبثي ديماغوجي مضلّل لاستباحة المجال العربي ومنع قيام ديمقراطيات عربية وطنية. شعار يستحق أن يوصف بأنه "إرهابي" لأنه مانع للاعتراض والتفكير خوّل لرافعيه الكثر أن يستجلبوا إلى أرض سوريا مرتزقة التخلّف والإجرام التكفيري من كلّ بقاع العالم في أكبر عملية توظيف لمخرجات قرون طويلة من الجمود الفكري والعطالة العقلية في المنطقة العربية الإسلامية. عمليّة محتضنة لوجستيّا من قبل مخابرات النظام السوري الاستبدادي لتبرير قمعه الدموي لثورة شعبه، ومموّلة خليجيّا، ومهندسة من قبل مراكز القرار السياسي الاستعماري لتبرير تدخّلها العسكري المباشر في منطقة لا تزال تمثّل سرّة السياسة الدولية لما تزخر به من ثروات طاقية هائلة ومن تناقضات عميقة بين شعوبها المتطلّعة إلى الحرية والتقدّم وأنظمتها الشمولية المكلّفة بحماية مصالح الرأسمالية العالمية المتجدّدة.

ضمن هذا السياق الكلّي نفهم "الظاهرة الإرهابية" كونها كيد استعمار طولى تجد كلّ شروط ازدهارها وانتشارها في مجال ثقافي سياسي عربي إسلامي مغلق وممنوع من التقدّم والديمقراطية. وفي هذا السياق نفسه يجب أن نفهم العملية الإرهابية الأخيرة التي تستهدف ديمقراطية تونسية معطّلة.

السياق التونسي ومستقبل المواجهة بين الإرهاب والديمقراطية:

في هذا السياق العالمي الصاخب والمتحوّل بعمق والمنذر بكلّ المخاطر، شكّلت تونس بعد الثورة تجربة خاصّة في علاقتها بالظاهرة الإرهابية. فقد نجحت الديمقراطية الوليدة المدفوعة بزخم ثوري استثنائي (الثورة التونسية هي فاتحة الثورات العربية) في الصمود العسير أمام "طفرة إرهابية" شبابية مفاجئة لكلّ غرف "التحليل والاستشراف" المحلّية التي تكتفي باستهلاك المعطيات المسرّبة إليها من غرف التوجيه السياسي المخابراتي الغربي. طفرة مصنّعة وموجّهة بعناية نجحت في حرف النقاش العامّ من استحقاقات التحديث الديمقراطي والوطني الشامل والنهائي إلى درك الصراع الملغوم حول الهوية وتطبيق الشريعة وإحياء الخلافة ومثلها من المواضيع اللاتاريخية التي تدغدغ عاطفة الانتماء التاريخي والديني السطحي وتغيّب الوعي التاريخي. طفرة جرى توظيفها بفاعليّة في التجاذب السياسي خلال كلّ محطات الانتقال الديمقراطي للتخويف من الديمقراطية التي ستسمح لهؤلاء بتهديد المكاسب التونسية القليلة في مجال الحقوق والحريات الفردية وعلى رأسها حقوق المرأة.

من هذا المدخل تمّ استهداف الانتقال الديمقراطي التونسي وتعطيله ليشرف مرات عديدة على الانهيار الكامل، فانقسمت بسببه النخب التي توحّدت أيام النضال الديمقراطي ضدّ الدكتاتورية وبلغ هذا الانقسام نقطة اللاعودة بحدوث اغتيالين سياسيّين ثمّ سلسلة من التفجيرات التي استهدفت قوات الأمن والجيش والمنشآت السياحية الحيوية، وتوفّرت تدريجيّا مناخات حرب أهلية كان يمكن أن تندلع في أي لحظة لولا توافقات اللحظة الأخيرة التي انطلقت مع ما عرف ب"الحوار الوطني". لحظة "عقل" يرجعها البعض إلى "طبيعة" الشخصية التونسية المتوفرة على حدّ أدنى من العقلانية والسلمية، في حين يفسّرها آخرون بعوامل موضوعية خلاصتها هامشية المجال التونسي الصغير في الرهانات الاستعمارية الكبرى بما جعل تونس قاعدة لوجستية تحتاج حدّا أدنى من الهدوء لإدارة التحوّلات في المنطقة والإقليم. طبعا لا شيء يمنع تكامل التفسيرين.

المهمّ أن الظاهرة الإرهابية في تونس تمّ التحكّم النسبي في حجمها أمنيّا (آخر عملية كبيرة كانت في مارس 2016 في مدينة بن قردان الحدودية)، والأهمّ أنه تمّ احتواء فاعليّتها وتداعياتها السياسية بإخراجها - نسبيّا أيضا- من مجال التوظيف في الصراع الحزبي منذ نهاية انتخابات 2014 واستقرار حكم توافقي "طريف" أو "مفاجئ" أو "ضدّ الطبيعة" بين حزبين (النهضة ونداء تونس) يمثلان عمليا نقيضين سياسيّين موضوعيّين (فقد تأسس النداء أساسا بهدف إنهاء حكم النهضة قبل أن "يضطرّ" لتشريكها في الحكم في مفاجأة لقاعدته وقاعدة النهضة على السواء).

أن تقع عملية إرهابية بهذا الحجم (أوقعت ستة قتلى من رجال الأمن وثلاثة جرحى) وفي هذا الظرف السياسي الموسوم بالانسداد والترقّب الحذر من طرف الجميع، وبعد هدوء على جبهة الإرهاب ظنّه البعض نهائيّا، فتح الباب واسعا من جديد أمام خطاب توظيفي فجّ من كل الأطراف السياسية التي تبحث عن مدخل مناسب للعودة إلى مشهد بصدد التشكّل من جديد، وفي جزء منه على "أنقاض" العناوين الحزبية القديمة.

طبعا لا شيء يثبت علاقة مباشرة بين "زرّ" سياسي ما والبرنامج الميداني العمليّاتي للجماعات الإرهابية، ولكنّ التوظيف السياسي للعملية الأخيرة كان سريعا ومباشرا وفي اتجاه واحد بما سمح برواج فكرة "الإرهاب الوظيفي" الذي يعمل تحت الطلب لتسريع خطة سياسية ما أو إعادة خلط أوراق لربح الوقت أو "تدوير الحظّ" أو قطعا لطريق أو لصرف النظر عن خطة أهم بصدد التحضير.. أو مجرّد تخبّط يائس لمراكز قوى تشعر أنّ الديمقراطية تسحب من تحتها البساط شيئا فشيئا.

كلّ تلك الفرضيّات/التهويمات لا تمنع تأثير الحدث على سير العملية الديمقراطية المتعثّرة في محطّة دقيقة من محطّاتها.

العملية الإرهابية الأخيرة ونهاية التوافق وتقرير لجنة الحريّات، أية علاقة؟:

سيكون للعملية الأخيرة تداعياتها الفعلية على مستقبل الديمقراطية التونسية ما في ذلك شكّ. فهي تأتي في سياق سياسي دقيق عنوانه الأبرز نهاية التوافق، وعنوانه الثاني عودة التجاذب الإيديولوجي/الديني/ الهووي حول تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة. إذ بتعليق العمل بوثيقة قرطاج الراعية للتوافق، يبلغ هذا الأخير نهايته المنطقية تمهيدا لإعادة توزيع الأدوار قبل انتخابات عامة قريبة. وهو يبلغ نهايته أيضا بسبب تفكّك الطرف الرئيسي فيه وهو حزب نداء تونس الذي يدخل مرحلة خطيرة تنذر باحتمال اندثاره بعد النتائج المخيبة التي مني بها في الانتخابات التشريعية الجزئية بألمانيا ثم في الانتخابات البلدية الأخيرة وبعد أن وصلت الخلافات داخله مرحلة القطيعة الكاملة بين رئيس حكومته "الصاعد" ورئيس هيئته التنفيذية "النازل" وهو قائد السبسي الابن الذي يعمل منذ ثلاث سنوات على تهيئة ظروف "وراثة" والده في الحزب والدولة مكرّسا حالة من العطالة المؤسساتية  داخل الحزب قد تصل به إلى الانهيار الفعلي ما لم تنجح واحدة من المبادرات العديدة المعلنة والخفية في إنقاذه.

نهاية التوافق وتفكّك النداء يكثّفان حراكا سياسيا - بعضه معلن وأكثره خفيّ- بهدف ملء الفراغ الذي سيتركه الحزب كليا أو جزئيا سواء ل"وراثة" مفردات مشروعه السياسي الذي مكّنه من الفوز سنة 2014، أو لمراجعة الطيف/المعسكر السياسي الذي يمثّله النداء لعلاقته مع النهضة التي لا تزال تمثّل- بعد كلّ تقلّبات المشهد السياسي على امتداد سبع سنوات من الثورة، ورغما عنها ربّما- محور العملية السياسية. مراجعة يبدو أنّ تقرير لجنة الحريات وفّر جزءا هامّا من مناخها الضروري بإعادته للجدل الهووي إلى نقطة ما قبل الدستور الذي تبيّن أن التسويات التي أقرّها بين التيارين التقليدي والحداثي لم تكن سوى لملمة تلفيقية لمشكلة العلاقة الشائكة والمتفجّرة بين العقلانية المعاصرة والتصوّر التمامي/النهائي للهوية.

هذا المناخ المشدود يمثّل تحدّيا جديدا لحركة النهضة التي تبيّن لها أن الفصل بين الدعوي والسياسي الذي أعلنته في مؤتمرها العاشر لم يغيّر شيئا من نظرة خصومها لها على أنها الاسم الحركي الجامع للإسلام السياسي برمّته بما يسهّل كلّ أنواع الربط (الفكري والحركي) بينها وبين المجموعات التكفيرية دون الحاجة إلى دليل "إجرائي" قانوني. وهو أمر تعيه قياداتها جيّدا بما يجعلها تحذر كثيرا في التعامل مع تقرير اللجنة ولا تندفع كما فعلت قواعدها في استسهال إجابة فقهية تاريخية جامدة على مشكلات واقعية حقيقية. فهي تعلم أن أية إجابة من هذا النوع ستنسف كلّ جهودها القديمة والعنيدة في تحوّلها إلى حزب مدني يتعاطى مع مشكلات الواقع متخفّفا من كل أحكام فقهية ماضوية جاهزة رغم "مرجعيّته" التي نجح في تضمينها في الدستور "التوافقي".   

الخطير في الأمر أن المستجدّيْن الأخيريْن، نهاية التوافق وتقرير لجنة الحريات، قد يشكّلان أرضيةش-ش\\ مناسبة لتحرّك أو تحريك أو تسهيل تحرّك أو غضّ الطرف عن تحرّك يد مجموعات تكفيرية موجودة فعلا ولم تنتف بعد أسباب وجودها الفكرية والاجتماعية بغاية استهداف خصم سياسي - يبدو أنه صاحب المصلحة الأكبر في استمرار الديمقراطية- و  لمزيد من تعطيل الديمقراطية.. إن استحال إسقاطها.

خاتمة:

 أمام عبثية كل محاولة تبسيطيّة للربط المباشر والفجّ بين الإرهاب والفاعلين السياسيين في محطّة مصيرية من محطّات الديمقراطية التونسية المتعثّرة، نخلص للتأكيد على أن التطرّف العنيف حقيقة موضوعية يجدر التعامل معها ضمن فهم كلّي لها. فهم قدّمنا له في بداية مقالنا وبينّا خطورته ودوره في تخريب الثورات العربية وفي تدمير مقوّمات الاجتماع السياسي العربي.

وضمن هذا الفهم الضروري، أشرنا إلى خصوصيات تاريخية تونسية قد تتيح فرصة نادرة لإحداث الكسر التاريخي الضروري لهذه الحلقة المفرغة من التخلّف والجمود المسهّل للاستعمار، والاستعمار الموظّف للتخلّف.

   عبد الرزاق بالحاج مسعود 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك