القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

ما وراء ملف الفساد في وزارة الطاقة: الأزمة التي تأبى الانفراج

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-09-17 08:19:00 | 208 مشاهدة

 

ملخص :                                                                                   

فاجأ رئيس الحكومة الساحة السياسية بعملية لافتة تحت غطاء محاربة الفساد طالت وزارة حساسة (وزارة الطاقة). وسرعان ما تبين أنها عملية قنص سياسي امتدت شظاياها في شكل رسائل في اتجاهات متعددة. وتبين معها أن هذا الملف وبالطريقة التي أنجز به لا يخرج عن اللعبة السائدة في أفق 2019. وهو ما نحاول استكشافه من خلال عرض رهانات ملف الطاقة (بوصفه أحد أوجه ملف الثروات الوطنية)، وعلاقة هذا الملف برهانات الأطراف الرئيسية الفاعلة في الحياة الوطنية ثم الخيارات الممكنة المطروحة للخروج من عنق الزجاجة.

ملف الطاقة: بين الحلم بالثروة وواقع الجغرافيا السياسية.

أحيى ملف الفساد الأخير في وزارة الطاقة جدلا بذلت السلطة جهدا لاحتوائه واتخذ شعارا "وينو البترول؟". ولم يكن هذا الجدل المتجدد إلا تعبيرة من بين تعبيرات أخرى عن سؤال حائر تغذيه الإشاعة أكثر من المعلومة عن حجم ثروات البلاد ومصيرها. سؤال ظل غائبا قبل الثورة وتغيبه الرواية الرسمية المدرسية التي تلقن "مواطن المستقبل" أن تونس بلد فقير من حيث الثروات التي تنقسم إلى موارد أولية نفدت منها المعدنية ولم يبق إلا الفسفاط، وطاقية منها النفط المتركز  في حقل البرمة وهو في طور النفاد، والغاز الطبيعي الذي اكتشفت بعض الحقول الجديدة منه مثل ميسكار في عرض خليج الحمامات، وتستفيد البلاد من إتاوة على أنبوب الغاز الجزائري نحو إيطاليا. هذا مبلغ التونسيين بثرواتهم. وكانوا يسلمون به ولم يخطر ببالهم أن يشككوا للحظة في الرواية الرسمية. فذاك ما تعلموه في مدرستهم.

جاءت الثورة فجأة فانفتح السؤال على مصراعيه وتغذى من الفضاء الرقمي الذي سمح بانسياب كم هائل من المعطيات اختلطت فيه الحقيقة بالإشاعة وتغذى من رغبة التونسيين في التمتع بثروات بلادهم واختلاطها برغبة المتآمرين على الثورة في تغذية تلك الأحلام برفع منسوبها عبر ترويج الأوهام. وفي ظل ضعف الدولة نمت النزعة الجهوية في الاستئثار بالثروة على حساب بقية مكونات الوطن. وانبعثت من أعماق النفوس روائح الجهوية الكريهة التي بذرها بناة الدولة الحديثة وهم يعمقون الخلل بين الجهات لصالح شريط ساحلي محظوظ على حساب شريط داخلي ينتج الثروة ويراها تغادره فلا ينال منها إلا صورتها وبعضا من فتاتها. وتطورت الأسئلة نحو أعمال احتجاجية تباينت من المطالبة بالاستفادة بجزء من عائداتها في تنمية المناطق المهمشة إلى شعارات انفصالية تطالب باستئثار كل جهة بثرواتها فيما يشبه عملية تدمير ذاتي للوطن. توالدت التحركات الاحتجاجية من قطع الطرق إلى تعطيل الإنتاج. وتحول شعار "وينو البترول" إلى حلم "وطني" يجند فئات الشباب العاطل ومن ورائه المسحوقين بغلاء الأسعار والطامعين في تحول البلاد إلى بلد نفطي وكل من لم يقبل عقله كيف تكون بلدهم بين بلدين عائمين على بحر من النفط وتكون هي عاقرا. لم يصدقوا أن الجيولوجيا ليست بالعدل الذي يتصورونه. وأصبح السؤال محرجا للطبقة السياسية التي انبرت تكذب الحلم وتؤكد الرواية المدرسية. وبدا أن بعض الخارج بدأ يخشى انتشار السؤال من القطر إلى الإقليم، انتشار لهيب البوعزيزي.

تلك الخشية تعكس في الحقيقة ضغوط وإكراهات الجغرافيا السياسية. فملف الطاقة لم يكن يوما ملفا قطريا في أي بلد نام يملك شيئا منه. وازدهار الغرب المتقدم قائم في جزء منه لا على العمل وإنتاج الثروة فحسب، بل كذلك على الحصول على الثروة بالأثمان البخسة، عبر احتكار أساليب التنقيب وما ينتج عنه من عقود غير متكافئة مع مالكي الثروات، ومن ظن من هؤلاء أنه قادر على الاستقلال بثروته، تكفلت به القوة الناعمة والصلبة على حد السواء بحسب درجة عناده. (واذكروا الإيراني محمد مصدق مثالا)

خلال ثورة 25 يناير المصرية وقبل الانقلاب العسكري يذكر رئيس لجنة الطاقة في البرلمان المصري الشرعي أن مسؤولا قبرصيا اتصل به ليطلب منه عدم طرح ملف الثروات الغازية المصرية للنقاش العلني وأن بلاده مستعدة لإعادة مناقشة الاتفاقات السابقة. لم يفهم الثوار الرسالة. فكان الانقلاب على الثورة. وعاد الغاز المصري يتدفق عبر الشبكة القديمة بالشروط القديمة، بل وبأسوأ منها.لذلك لا يمكن معالجة ملف موارد الطاقة في أي بلد إلا بالجمع بين تحويله إلى قضية وطنية جامعة وسياسة ذكية في التعاطي مع القوى الدولية النهمة إلى تلك الثروات.

وما يزيد تعقيد هذا الملف هو تداخله مع أخطبوط الفساد الذي تمتد أذرعه إلى أجهزة الدولة والمصالح الأجنبية. فيتحول إلى ملف تكتنفه الأسرار والألغاز وتعجز أي سلطة هشة على الاقتراب منه خوفا على وجودها ذاته.

وهذا ما يحيلنا على فوهة الأزمة السياسية الأخيرة المرتبطة بالإعلان عن اكتشاف ملف فساد في وزارة الطاقة بالصدفة (!!!) وما رافقه من قرارات صارمة بحل الوزارة ذاتها وإقالة الوزير (مرشح الاتحاد العام التونسي للشغل وابن أحد القيادات التاريخية للمنظمة) وعدد من إطاراتها وإحالتهم على القضاء. حركة تباينت حولها ردود الأفعال من استبشار الرأي العام إلى حذر الطبقة السياسية. واستقر الرأي تدريجيا أن القرار ليس بعيدا عن تجاذبات السياسة وأنه ليس إلا أحد تجليات الأزمة التي تأبى الانفراج والبلاد على أعتاب موعد حاسم وهو إعداد ميزانية السنة القادمة ومن ورائه موعد انتخابات 2019.

أزمة تأبى الانفراج

للحظة ما، بدا أن الأزمة الحكومية قد حسمت لصالح القصبة بعد أن استطاع ساكنها أن يستوعب الهجوم ويفتت الجبهة المضادة له ويصنع جبهة موالية له ويكسب إلى جانبه لاعبا رئيسيا وهي حركة النهضة في حين عجز القصر عن أن يكون حاسما في المعركة بعد أن فشل في أن يكون محايدا. وكان تعليق العمل بوثيقة قرطاج 2 المخرج المؤقت من الانسداد الذي بلغته الأزمة التي بقيت تراوح مكانها بعد أن تشبث كل بمواقفه.

بدت المرحلة بعدها مرحلة تمترس وراء المواقف دون أن يمنع ذلك بروز محاولات بحث عن مخارج وحلحلة الوضع من هنا وهناك. في هذا الوضع بدا الاتحاد العام التونسي للشغل المتضرر الأكبر مما وصلت إليه الأوضاع بعد أن رمى بثقله في المعركة وثبت له أن حليفه (المدير التنفيذي لنداء تونس) ظهر عاجزا عن ضبط كتلته التي انقسمت وتسرب جزء منها إلى غريمه([1]). لكن الأيام الأخيرة من الصيف شهدت حراكا يسبق السنة السياسية الجديدة بما يوحي بتغير ما في المواقف.  نداء تونس ومشتقاته سعت إلى أن تجد صيغة "توافق" فيما بينها استعدادا لموعد 2019 بعد صدمة الانتخابات البلدية. والمدير التنفيذي للحزب قام بزيارة إلى الولايات المتحدة بالتزامن مع زيارة صاحب قناة نسمة إلى فرنسا. ولعلهما أرادا بذلك كسب السند لموقفهما من التغيير الحكومي ومحاولة إضعاف تقارب النهضة ورئاسة الحكومة. لكن يبدو أن الحصيلة لم تكن على مستوى المأمول. ورغم ذلك لم يتراجع عن موقفه من التغيير الحكومي الشامل.

رئيس الحكومة يبدو في مواجهة النداء أشبه ما يكون بفرانكنشتاين الذي خرج عن صانعه. ويعجز هذا الأخير عن إعادة ترويضه. بل إنه امتلك القدرة على استنزاف رصيده البشري([2]) وأن يصنع رصيدا سياسيا له مستقلا عن حزبه بل وعلى حسابه. واختار لذلك حصان مقاومة الفساد الحبيب على قلب الجمهور المتحفز منذ الثورة لكل ما يمت لهذا الملف بصلة([3]).

في هذا السياق يبدو إشهار ملف الفساد في وزارة الطاقة الأخير كمن رمى حجرا في بركة راكدة فحركها ففاحت منها روائح كانت مخفية. حجر يبدو أنه استهدف أكثر من عصفور. البعض يشدد على أن القصر هو أول تلك العصافير بالنظر إلى تداخل العلاقات الأسرية بالسياسة والاقتصاد وبالذات في هذا الملف الذي شهد إحالة أسهم صهر الرئيس المخلوع (سليم شيبوب) في إحدى الشركات النفطية إلى شقيق الرئيس الحالي السيد صلاح الدين قايد السبسي بعلم من شقيقه السيد الباجي قايد السبسي رئيس الحكومة المؤقتة بعد الثورة. معلومة خطيرة في حالة ديمقراطية عادية وفتح ما هو أقل منها من التهم أبواب جهنم على بعض السياسيين ووجدوا أنفسهم بعد الإقالة أمام حكام التحقيق. وبعضهم مثل رئيسة كوريا الجنوبية وجدت نفسها وراء القضبان لتهمة أقل منها (تشغيل صديقة). وفي هذا المستوى يبدو رئيس الحكومة قد أمسك بورقة ثقيلة محرجة للقصر بعد أن اختار الانحياز في الأزمة إلى ابنه. لكن ما تبقى من حزب النداء مصطفا وراء ابن الرئيس وأنصار الاتحاد العام التونسي للشغل يشككون في نوايا رئيس الحكومة من إثارة هذا الملف وينشرون أنه لخدمة أجندته الشخصية([4]). العصفور الآخر الذي يبدو في مرمى الحجر، هو الاتحاد العام التونسي للشغل. فوزير الطاقة المقال ليس إلا مرشح الاتحاد، ابن أحد قادته التاريخيين، السيد خالد ابن السيد حسين بن قدور. وهو ليس دخيلا على الوزارة بل هو أحد أبنائها وكان على علاقة بملف الطاقة. ومن هنا فإن شبهة العلاقة بالملف قائمة. وجرأة رئيس الحكومة على استهداف "وزير الاتحاد" تعيد تأكيد رغبته في الظهور بمظهر الذي لا يخشى سطوة الاتحاد بعدما ظهر من تبرم الرأي العام من جرأة المنظمة وما اعتبره نشطاء الفضاء الرقمي "عربدة وتطاولا على الدولة وتعطيلا للتنمية..." وتجنب القوى السياسية لمواجهته ولجوئها إلى مداراته. وتكفلت الصفحات الرقمية الموالية لرئيس الحكومة بالاستثمار في ذلك ونشر معطيات تؤكد هذه القوة والجرأة من شاكلة قراره بفصل كل المضربين في ميناء حلق الواد.

وهذا ما ينقلنا إلى العصفور الثالث والأهم وهو الرأي العام. فرئيس الحكومة الذي جيء به لأداء مهمة محددة وهي تنفيذ وثيقة قرطاج بما تحتويه من قرارات صعبة تهدد مستقبل أي سياسي، قد استطاب المقعد وامتد حلمه إلى شرق المدينة، نحو قرطاج. ولم يعد مستعدا، بعد أن كبر الحلم في رأسه، ليتحمل أدران المهمات القذرة لصالح غيره. وقد يكون تشجع على هذا التمرد بشبكة العلاقات التي بدأ ينسجها وهو في موقعه. وربما كان ما أبداه سفراء الدول الكبرى من رضا عن أدائه مغريا له. وهو بعد أن رأى الوقع السحري لمفعول شعار محاربة الفساد على الرأي العام قد قدر أثر مثل هذا الشعار في تمهيد الطريق إلى قرطاج. وفي إحدى صور رئيس الحكومة المرافقة لتدوينات حول محاربة الفساد يطالع القارئ شعار "الخوف كان من ربي". وتبدو الصورة قد شكلت بطريقة احترافية جذابة. وهو ما يعكس أن هناك اشتغال على بناء صورة للمستقبل. هذا الحرص على بناء الصورة، والتلكؤ في تطبيق مخرجات وثيقة قرطاج، نبهت النهضة إلى أن مساندتها لرئيس الحكومة من أجل الاستقرار قد تنقلب عليها. وقد تعطي شرعية لرئيس الحكومة فيتشجع على الانقلاب على وثيقة قرطاج التي لا تكتسي أصلا صبغة ملزمة وتقوم على الالتزام الأخلاقي فحسب. ومن هنا تبدو إعادة تذكيرها بضرورة التزام الحكومة بإعلان نيتها في عدم الترشح لانتخابات 2019 عملية استباقية لنوايا رئيس الحكومة.

لقد جاءت هذه الحكومة حصيلة اتفاق بين الأحزاب المساندة لها على أن إنقاذ البلاد من الأزمة يقتضي اتخاذ قرارات موجعة وأن الأحزاب لم تكن قادرة على تحمل تبعات تلك السياسات، وأن النداء الذي تصدر المشهد السياسي كان حريصا على استثمار فوزه دون أن يتحمل تبعاته. ومن هنا كان الشاهد، القادم من النداء، نقطة التقاء هذه الرغبات. لكن بعد أن بانت رغبته في الخروج عما رسم له، أصبحت الأحزاب تواجه نواياه ولسان حالها يقول: بيدي لا بيد عمرو. النداء الذي أراد أن يقطف "الهندي" بيد "ابنه" دون أن يتأذى بشوكه، يعجز اليوم عن كبح جماح الابن الضال، ولعبة التخفي لا يستطيع التحكم فيها تماما (وهو ما اكتشفه في انتخابات البلديات). والنهضة التي أسلمت له قياد الحكم طوعا ليصلح ما أفسد لا تريد أن تكون مطية لطموحات غيرها.

انتفاضة الاتحاد العام التونسي للشغل.

لقد راكمت المنظمة الشغيلة خلال السنوات الأولى من الثورة فائضا من القوة جعلها تبدو فوق الدولة والقانون، وجعل البعض يراها تتحول إلى عائق أمام تقدم البلاد. وبعد 2014 وجدت المنظمة نفسها أمام صعوبة تصريف هذا الفائض من القوة. وأمام سياسة التوافق التي أصبحت شعار المرحلة الجديدة بعد 2014 وجدت نفسها أمام خيار جديد وهو تحويل فائض القوة من الاحتجاج إلى المساهمة في البناء بعد أن تلطخت صورتها. وكان التحدي الأكبر هو الانخراط فيما سمي بالإصلاحات الكبرى مع ما يعنيه ذلك من ارتدادات داخل المنظمة وضرورة ضبط ردود الفعل الغاضبة. كما كان على القيادة الجديدة (بعد المؤتمر 23/ جانفي 2017) أن تضبط أجنحتها الأشد حركية وخاصة قطاع التعليم الثانوي الذي تصدر المشهد النقابي بسقف مطالبه العالية والتي لامست الفضاء السياسي بل تدخلت فيه بعد أن فرضت تغيير وزير التربية.

وقد بلغ هذا المسعى أوجه مع إدارة تحركات قطاع الثانوي وترويضه في آخر السنة بشكل جنب البلاد كارثة السنة البيضاء. لكن قيادة المنظمة رأت أن هذا الجهد يتطلب اعترافا من القيادات السياسية وتثمينا. ولم يكن الثمن أقل من رأس رئيس الحكومة نفسه. وهو مطلب تقاطعت فيه التوازنات الداخلية للمنظمة من ناحية وتوجهات قيادتها مع توجهات حزب النداء من ناحية ثانية. ولطالما عاتب رئيس المنظمة في أكثر من مناسبة قيادات الأحزاب عن تقصيرها في مكافأة المنظمة على حسن إدارتها لملف الثانوي بالتنكر لرغبتها في تغيير الشاهد. وقد دفع هذا التنكر قيادة الاتحاد إلى إعلان تعليق مشاركتها في حوارات قرطاج الأمر الذي دفع الرئيس إلى تعليق العمل بها إلى حين.

وإذا كان تشبث المدير التنفيذي للنداء بإقالة الشاهد مرتبطا بالتنافس الداخلي بين أجنحة الحزب في أفق 2019، فإن التقاء قيادة الاتحاد مع هذا المطلب ارتبط بداية بالتوازنات الداخلية للمنظمة وتمسك بعض أجنحة المنظمة بمعاقبته على موقفه من احتجاجات جانفي 2018 وتحميله مسؤوليتها لطرف سياسي فاعل داخل المنظمة. لكن الأمر تطور بالتقدم في ملف الإصلاحات الكبرى والخوض في مصير مؤسسات القطاع العام. ويشير بعض المحللين إلى جرأة رئيس الحكومة على الاقتراب من حمى الاتحاد والزج بأسماء من رموزه في باحات العدالة من أجل قضايا محرجة مثل الجوسسة (بوعلي المباركي). وامتدت الجرأة إلى التخلص من أحد وزرائه في ملف الطاقة الأخير والتهديد بإحالته للقضاء وحل الوزارة التي كان يشرف عليها. ولعل هذا ما يجعلنا نفهم نسبيا انتفاضة الاتحاد الأخيرة وتصاعد خطاب قيادته تجاه الحكومة. كما تعددت لقاءاتها بالأطراف السياسية الداخلية الفاعلة (الشيخان) وحتى الخارجية (وآخرها السفير الفرنسي). لا يمكن بأي حال أن نغفل تداخل السياسي بالاجتماعي في خطاب وحركة المنظمة الاجتماعية الأكبر في البلاد. وإذا كنا أشرنا إلى بعض السياسي الحاضر في خلفية تحركات قيادة المنظمة فإن ملف القطاع العام (فضلا عن المفاوضات الاجتماعية التي لم تسفر بعد عن اتفاقات مرضية لقواعد المنظمة) يبدو الشغل الشاغل لتلك القيادة. فهي ترى أنه وقع إغفال مقترحات الاتحاد في كيفية معالجة الملف. فالحكومة تذهب مباشرة إلى التفويت في تلك المؤسسات للاستثمار الخاص، بينما يقوم تصور الاتحاد لمعالجة أزمتها على تصنيفها إلى صنفين رئيسيين بالأساس: منشآت يمكن فتح رأسمالها للقطاع الخاص مع المحافظة على صبغتها العمومية مثل الإذاعة والتلفزة التونسية والبنك الوطني الفلاحي وأخرى تتطلب دعم الدولة عن طريق الرسملة في مرحلة أولى أو إعادة الهيكلة القطاعية قبل إعدادها لفتح رأس المال مثل الوكالة الوطنية للتبغ والوقيد وشركة فسفاط قفصة.

ويبدو أن خيار الحكومة المشار إليه دفع الاتحاد إلى قطع الهدنة الصيفية المؤقتة فتصاعد صوت قيادته وتوج بتبني الأمين العام للمنظمة خطابا قويا تضمن حتى الدعوة إلى الإضراب العام التي أصدرها مجمع القطاع العام. وهو ما قرأه البعض على أنه مجرد تسخين لتحسين شروط التفاوض قبل الدخول في المفاوضات الاجتماعية ولا يندرج ضمن المعركة الكبرى على بقاء الحكومة من عدمه بعدما تبين للمنظمة أن رئيس الحكومة يملك من أوراق القوة ما يجعله يتجرأ عليها ويمس من رموزها.

أي خيارات أمام رئيس الحكومة؟

في الواقع لا يجب على رئيس الحكومة أن يكون مطمئنا كثيرا للتوازن الهش الذي يجعله اليوم في موقعه. وأمامه ثلاثة خيارات كبرى:

الاستقالة قبل الإقالة: رغم ألا مؤشرات تدل على وجود هذه النية لديه فإن وصول الأزمة إلى درجة من الحدة والانسداد قد يدفعه إلى هذا الخيار لتحميل الأزمة إلى الأطراف المصرة على إقالته. فهذا الخيار سيكشف العجز عن استبداله ووضع الحلول القادرة على تجاوز الأزمة. وسيكشف – كما كشف ذلك بعد إقالة الحبيب الصيد – أن الأمر لم يكن إلا مزايدة وخدمة لأجندات أخرى غير الخروج من الأزمة. لكن هذا الخيار له أيضا تبعاته. فقوة رئيس الحكومة في موقعه بالأساس. وفقدان الموقع سيفقده الجاذبية السياسية وسيجعل عقد مكاسبه ينفرط، وأول حباته الكتلة التي تجمعت حوله وستجد نفسها مندفعة إما إلى العودة إلى مواقعها الأولى أو البحث عن مراكز جذب جديدة. وسل حينها عن فرصه في أي منافسة سياسية في المواعيد القادمة. لذلك نستبعد ذهابه في هذا الخيار.

إعلان نيته عدم الترشح: هذا الخيار الوارد في كل لحظة سيمكنه من تقوية جبهته بعد أن تشكلت كتلة نيابية من أكثر من 30 نائبا تحت اسم "الائتلاف الوطني"([5]) وبمساندة كتلة النهضة فإن لديه كتلة من 100 نائب إلى جانبه وهو ما يجعل من شبه المستحيل التفكير أصلا في إقالته. ويبقى الإشكال كيف يمكن التوفيق بين طموحه السياسي وهذا الإعلان بعدم الترشح؟ لا بد من التوضيح بأن لغة السياسة تعطي صاحبها من المساحة ما يسمح له بالمناورة لاحقا. وأن من يملك أدوات السياسة يستطيع أن يعول على التأويل لاحقا لإعطاء معان أخرى غير ما تذهب إليه المعاني الأولى للمفردات. ولنذكر بأن النقطة 64 ليست إلا التزاما أخلاقيا غير ملزم. لكن مع ذلك، عليه أن ينتبه إلى أن إعلان مثل هذا الخيار بطابعه الأخلاقي ليس من الحكمة الاستهانة بأثره فيما لو فكر في إخلافه. فغيره أيضا له أدواته التي ستشتغل على تلويثه بذلك. ويبدو من الأسلم والحال كذلك أن يبحث عن عقد اتفاق مع الأطراف الفاعلة يضمن له دورا في المرحلة القادمة. ونعتقد أنه لو احترم الدستور وما يتضمنه من توزيع السلط لما وصلنا إلى عقدة اليوم. لذلك لو تم هذا الاتفاق مع طرف يحترم الدستور ولا يدوس عليه لوضع خارطة طريق مستقبلية تتجاوز مثل الأزمة الحالية وتفتح كوة في المأزق الحالي.

لكن العقدة في هذا الخيار تبقى المنظمة الشغيلة التي أعلن أمينها العام في خطابه الأخير (4 سبتمبر) أنها لم تعد معنية بوثيقة قرطاج. ورغم أن البعض يرى في ذلك سقوطا للوثيقة فإننا نعتقد أن تجربة ما بعد الثورة بينت أن التونسيين كسبوا من الخبرة في إدارة الأزمات ما يجعلهم يفاجئون أكبر المحللين ويسقطون كل المسلمات من أجل مصلحة الوطن. لذلك نعتقد أن المنظمة في لحظة ما ستجعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. وأن أفضل مدخل لذلك هي خطوة معقولة من جبهة الاستقرار الحكومي تعطي المنظمة ما يرضي قواعدها. ونعتقد أن تلك الخطوة يمكن أن تكون من خلال ملف القطاع العام والأخذ برأي المنظمة التي لم تعترض على إصلاحه وإنما على الطريقة، ولم ترفض الخوصصة ولكنها طالبت بتعديل الصيغة حتى تحفظ ثروات البلاد من هجمة الرأسمال الأجنبي خاصة. ونعتقد أن المنظمة بتاريخها النضالي وعمقها الوطني لن تكون خنجرا في خاصرة الوطن. ولكن السياسيين مطالبون بإبداع الحلول التي تراعي مصلحة الوطن والشعب قاعدة هذا الوطن.

التمسك بالبقاء والترشح: وهو حل انتحاري في اعتقادنا. فهذا الخيار يعني تفتيت جبهة الاستقرار الحكومي وعزلة رئيس الحكومة. ولن يفيده ذلك في مستقبله السياسي لأنه سيوحد ضده كل الكتل الفاعلة.

الخاتمة

لا تخفى على كل متابع للشأن العام رغبة رئيس الحكومة بالبقاء من ناحية والحفاظ على خيط مع المستقبل من ناحية أخرى. كما لا يخفى امتعاضه من أن يكون "خماسا" سياسيا يحتطب لغيره. لذلك فإنه بسحب ملف الفساد في وزارة الطاقة الأخير والحجر الثقيل الذي ألقاه في الساحة السياسية (ولا تنطلي علينا كثيرا فكرة اكتشافه بالصدفة) بدا كلاعب ورق ألقى ورقة ثقيلة ليلاعب بها جلساءه على الطاولة. في الطرف المقابل من الطاولة هناك لاعب يضمر في نفسه قول الشاعر "علمته الرماية" ويشكو قلة الحيلة ليرد على اللعبة وقد تفرقت أوراقه، وطرف آخر يهدد بقلب الطاولة، وطرف رابع يملك من الأوراق ما يجعله يلاعب وهو مرتاح ومن ثمة يحرص على الحفاظ على اللعبة في حدود الطاولة. الثلاثة يعتبرون أنهم ركائز الطاولة وأن رابعهم لم يكن إلا ضيف شرف على اللعبة. لكنه بات يحلم بأن يتحول إلى لاعب أساسي.

والسؤال هو كيف ينجح الثلاثة الآخرون في استيعاب طموحه ليحافظوا على اللعبة قائمة والطاولة سليمة؟

الدكتور عبد الرحمن الهذلي

باحث في تاريخ تونس المعاصر وناشط في المجتمع المدني.

 

([2]) لقد تجرأ يوسف الشاهد بعد الانتخابات البلدية على اتهام المدير التنفيذي للحزب بالإضرار به ووعد بأنه سيصلح الوضع وهو ما ترجمه بشق كتلة النداء والجرأة على الاتصال بعناصرها ودعوتها إلى الانشقاق والانضمام إليه.

.https://www.hakaekonline.com/article/94844/نداء-تونس-يتهم-الشاهد-باستقبال-نواب-من-النداء-ليطلب-منهم-الاستقالة-والالتحاق-بكتلة-الائتلاف-الوطني

([3]) يعتبر إحداث هيئة مقاومة الفساد في أحد أبعاده محاولة لاحتواء هذا الطموح الشعبي للقضاء على الفساد. وفي سياق عملها أعلنت في وقت ما أنها أحالت على القضاء 120 ملفا.

http://www.kapitalis.com/anbaa-tounes/2017/01/19/من-بينهم-ملفات-وزراء-إحالة-120-ملف-فساد-عل/
http://www.assabah.com.tn/article/140007/القائمة-الكاملة-لملفات-الفساد-التي-احالتها-هيئة-شوقي-الطبيب-على-القضاء

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك