القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

ما بعد الإسلام السّياسي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-01-11 16:24:00 | 323 مشاهدة

 

 

 

 الملخّص: (نعي الإسلام السياسي)

أراد مهندسو الانقلاب العسكري في مصر أن يكون الانقلاب حدثا تاريخيّا فاصلا يعلن نهاية  تيّار الإسلام السياسي ممثّلا في حركة الإخوان لذلك انبرت النّخب الفكريّة  السياسيّة والإعلاميّة التي ناصرت الانقلاب الدّموي في نعي هذا التيّار وإعلان سقوطه المدوّي وسرعان ما  تحوّل ذلك الاحتفاء الجنوني بالسّقوط  إلى حقيقة إنشائيّة غير استقرائيّة صيغت حولها التّحاليل والمقاربات والقراءات التي انتشرت في ربوع المنطقة العربيّة والعالم تبشّر بتدشين مرحلة حضاريّة جديدة تتخلّص فيها الاوطان من الأشرار المتاجرين بالدّين دعاة الجهل و التخلّف والظّلاميّة أعداء الحضارة والأنوار والتقدّم. لكن منذ فضّ اعتصامي  رابعة العدويّة و النّهضة وما صاحبهما من مجازر وجرائم اندلعت حركة احتجاجيّة عارمة لا تزال متواصلة وبنسق ثابت ومتّسع يتجاوز الاخوان إلى عموم الشّعب المصري وكذّب هذا الحراك المجتمعي دعوى زوال الاخوان واجتثاثهم بشكل نهائي لا رجعة بعده وهي دعوى تقوم على أساس غير موضوعيّ في التمثّل والاستشراف يغفل أنّ الظّواهر السوسيولوجيّة لا تنشأ أو تزول بقرار مهما كانت قوّة الإجراءات المرافقة لذلك القرار  وزجريتها وعنفها.

 

مقدمة:

هو حراك متنام ومتصاعد فشل العسكر وأمن الدّولة و الآلة الإعلاميّة في تحويله عن وجهته السلميّة و استدراجه للعنف وأساسا للسيناريو الجزائري وتحريفه عن مساره المدني ولا أحد يمكن أن يتنبّأ بمآلاته ومنتهاه خاصّة في ظلّ ما يروج عن محاولات للبحث عن حلّ تفاوضي في ظلّ عزلة حكومة الظلّ التي يحرّكها العسكر والانهيار الاقتصادي رغم الأموال التي ضخّتها دول الخليج الدّاعمة بل الشّريكة في الانقلاب . غير أنّ ما يؤكّده هذا الحراك المناهض للانقلاب وحكم العسكر أنّ تيّار الإخوان واقع موضوعيّ له جذور عميقة في وجدان الشّعب المصري وبين فئاته وطبقاته و شرائحه الاجتماعيّة ، ممّا يدفع للتّساؤل :

 

ما هو مستقبل هذا التيّار في علاقة بالشأن العامّ و باعتباره إحدى التعبيرات المتقدّمة لما يسمّى بالإسلام السياسي الذي يواجه إكراهات حداثة عهده بالحكم و إدارة شؤون البلدان المثقلة بتركة الفساد و الاستبداد و الدّولة العميقة ؟... هل مازال لهذا التيّار رصيد و دور في مستقبل المنطقة ؟ ما هي التحدّيات المطروحة على هذا التيّار السياسي ذي الطّابع العقائدي الشّمولي ؟

 

 الإسلام " واحدا و متعدّدا ":

عادة ما يُعترض على هذه التّسميات المتداولة بأنّ الإسلام واحد  شامل و ليس متعدّدا متجزّئا و ليس هناك إسلام سياسي وإسلام صوفيّ وإسلام فقهي وإسلام إخواني وإسلام سلفي وإلى غير ذلك من تقسيم الإسلام وفق معايير متعدّدة . والواقع أنّ نسب هذا التقسيم للإسلام اعتباريّ مجازيّ لا غير فالإسلام واحد ولكنّ الفهم والتّأويل والقراءة كلّها تتّسم بالتعدّد والتنوّع والاختلاف النّظر ومناهج المقاربة فوقع التعبير عن الجزء بالكلّ وعن الفرع بالأصل من باب المجاز المرسل. لكن يجدر السّؤال كيف نميّز بين الإسلام الواحد و المقاربات المتعدّدة وأين ينتهي الإسلام ويبتدئ التّأويل أو بعبارة أخرى كيف نميّز بين رأي الإسلام الثّابت والرّأي الإسلامي الاجتهادي ؟ يمكن من النّاحية الإجرائيّة أن نعتبر الإسلام الواحد الثّابت هو القرآن و ما صحّ من السنّة و أثبت ما فيهما القطعي ثبوتا " و كلّ القرآن قطعيّ الثبوت في عقيدة المسلمين " امّا السنّة مهما بلغت درجات الصحّة فهي ظنيّة الثبوت أي دون القرآن من حيث قطعيّة الثبوت ثمّ القطعيّ دلالة الذي ينزع إلى الثبوت من حيث دلالته اللغويّة ومآلاته الحكميّة وإن لم يخل من القابليّة للاختلاف في التّأويل و التّنزيل . ومن خلال ذلك فالمجال مفتوح للتعدّد والاجتهاد ممّا يعني أنّ تقسيم الاسلام إلى ما كنّا بصدده من تصنيفات وصلت حدّ التّصنيف الجهوي و العرقي : الإسلام الإفريقي و الإسلام الآسيوي والإسلام العربي والإسلام الفارسي والإسلام الأسود ولم لا الإسلام التّونسي الذي أصبح الحديث عنه دارجا  كلّها تقسيمات اعتباريّة لا تعني تعدّدا في الإسلام ذاته بل في الخصوصيات و السّياقات التي رافقت عمليات التقبّل و الفهم و التطبيق.

 

الإسلام السّياسي

بداية لنحدّد مفهوم الإسلام السياسي على نحو إجرائيّ ... هي تسمية أطلقت على الحركات الإسلاميّة التي تتبنّى الإسلام من حيث هو مرجعيّة نظريّة  للسياسة و ترفض اختزال الإسلام في البعد الروحي العقائدي و الطقوسي الشّعائري على تفاوت بينها في تمثّل معنى مرجعيّة الإسلام السياسيّة تأويلا و تنزيلا ... هي تسمية أطلقها الملاحظون من خارج هذا التيّار اقتناعا منهم أنّ الأصل في الإسلام أنّه دين يندرج ضمن المعتقد الشّخصي و اتّخاذه مرجعا للسّياسة يؤدّي الى رهن السّياسي للمقدّس و المتعالي والإطلاقية ويهدّد مدنيّة السّياسة التي تعني في ما تعنيه النسبيّة و الاجتهاد البشري و  تقدير المصلحة و فنّ الممكن ... واختار الخطاب الإيديولوجي إطلاق صفة الإسلامويّة على الحركات التي تندرج ضمن ما سمّي بالإسلام السياسي للتّعبير عن الاستهجان و التّأكيد على زيف هذا الضّرب من الإسلام الإسلاموي و النّزعة التحريفيّة لأتباعه و فكره و برنامجه.  وإن كان مصطلح الإسلام السياسي متمحّضا للحركات الإسلاميّة ذات المشروع السياسي فيمكن أن ندرج فيه كلّ من يعتقد في المرجعيّة الإسلاميّة للسياسة في كلّ ابعادها : النشاط السياسي الحزبي / إدارة الشّأن العامّ / سياسة الدّولة و مؤسساتها / التّشريع ... سواء ترجم  ذلك  الاعتقاد من خلال فعل سياسي عملي أو تأليف نظري ... و تبعا لهذا التّحليل يمكن أن نعتبر المفهوم الإجرائي للإسلام السياسي هو كلّ سلوك نظري أو عملي يدافع عن المرجعيّة الإسلاميّة للسياسة و يريد أن يقيم الدّليل على إمكان ذلك نظريّا وعمليّا في سياق حجاجي حادّ، و لعلّ هذا ما يفسّر سلسلة الكتب و البحوث و النّدوات التي تتواتر عناوينها على نفس الصيغة الثنائيّة : الإسلام و الديمقراطيّة / الاسلام و الدّولة / الاسلام و الاقتصاد / الإسلام و المرأة و إلى غير ذلك من العناوين التي تختبر شرعيّة أن يكون الإسلام مرجعا للشّأن العامّ و جدوى ذلك ونجاعته. وإذا انطلقنا من هذا المفهوم الإجرائي يمكن اعتبار النّشأة الفعليّة لهذا التيّار في بعديه النظري و العملي كانت إثر سقوط الخلافة العثمانيّة و انفصال الدّولة عن مرجعيّة الدّين الرمزيّة و المؤسساتيّة و التشريعيّة حيث يمكن إدراج كلّ المجهود النظري والعملي الذي انخرط في ما يشبه الحركة الاحتجاجيّة على هذا الفصل الدّراماتيكي الحادّ المزلزل للضّمير الإسلامي. و في توصيف هذه الحركة طيلة عقود من الزّمن إلى حدود التحوّل النوعي الذي تشهده المنطقة حاليّا يمكن أن نلاحظ الطّابع التبشيري و الإحيائي و الاحتجاجي و الحجاجي الذي غلب عليها في سياق استراتيجيا الإقناع بأصالة المرجعيّة الدّينيّة للسياسة ومشروعيّة ذلك وجدواه في تحقيق الدّيمقراطيّة و الحريّة و العدالة و التنمية .

و اصطبغ سلوك منظوري هذه الحركة الواسعة بسمات الاهداف والمقاصد والسياقات والملابسات التي حفّت بنشأتها وتطورها على اختلاف مكوناتها وتلويناتها...

كما أنّ المحن والاضطهاد والصعوبات التي مرّ بها مناضلو هذه الحركة إبّان فترة الاستبداد قد أضافت لها ذلك الزخم العاطفي الانفعالي الذي رسّخ شعور الغربة حيث يعود مجد الإسلام كما بدأ مع الغرباء . والسّؤال الذي يجب أن يطرح اليوم هل مازال الاسلام السياسي بمواصفاته تلك و هويّته التي تشكّلت في خضمّ التجاذب و التّدافع يستجيب للتّحديّات التي يقتضيها مسار الربيع العربي من خبرة و كفاءة نظريّة و عمليّة  في إدارة الشأن العامّ ؟

 

الإسلام الحضاري

والمقصود به تجاوز إسلام الشّعار والتحدّي و الاغتراب والإثبات الهووي " نسبة إلى الهويّة " إلى إسلام تجديديّ يؤسّس لمقومات نهوض جديد واستئناف حضاري يؤسّس على كلّ منجز بشريّ أصيل وذو جدوى بكلّ ما يعنيه ذلك من مدنيّة و رقيّ قيمي و رفاه اجتماعي و تقدّم في مجال العلوم والمعارف والثّقافة والإبداع والفنون والصّناعات والمحافظة على البيئة ... هي ليست مهمّة حزب أو فئة أو فصيل أو مذهب بل مهمّة كلّ من يؤمن بالمرجعيّة الحضاريّة للإسلام نقلا و عقلا و تجربة تاريخية و مقاصد ومن يمتلك الطّاقة المعرفيّة والمنهجيّة و الاجتهاديّة النّوعيّة ليبدع  قراءة للإسلام  تترجم قيمه و تعاليمه بالشكل الذي يبني مجتمع الحريّة و الكرامة والعدالة الاجتماعيّة و المساواة و يؤسّس لإسلام المواطنة والحقوق والعقلانيّة و التنوير والأخلاق باعتبار كلّ هذه المضامين روح الشّريعة و حكمتها وعللها وفلسفتها ومراميها ومقاصدها العليا التي تحقّق أهمّ مقاصد الخلق وهي التعارف الذي من أجله خلق النّاس شعوبا و قبائل على هيئة الاختلاف والتنوع لا التّماثل . ودعاة هذا التوجّه الحضاري للإسلام إذا انتظموا في أحزاب أو جمعيّات أو مراكز بحث فيجب أن تكون مدنيّة عصريّة  تحتضن أفضل النّخب و العاملين الذين حصّلوا أفضل تكوين وتأطير وتدريب يواكب التطورات المعرفيّة ولا سيما في مجال التصرّف والموارد البشريّة .

 الإسلام الحضاريّ كونيّ إنسانيّ مُحاور لكلّ ثقافات العالم منفتح على كلّ جهد بشري يتّسم بالحكمة و يؤسّس للحقوق و الكرامة الآدميّة .

هذا الإسلام يتجاوز ثقافة الشّعار والإشهار والانفعال والاحتجاج والمناكفة والمماحكة والادبيّات التقويّة والوعظيّة والفقهيّة والكلاميّة والتفسيريّة التي تعيد إنتاج المعارف الوسيطة دون مراجعة أو نقد أو تجديد. هو إسلام يبدع الشروط المعرفيّة والمنهجيّة لحداثة تنبع أسسها من داخل منظومته القيميّة ومعقوليّته وروحانيّته و مرجعيّته النصيّة المُتَعَقَّلَة المُتَدَبَّرَة .

إسلام يتجاوز حدود ثقافة الملّة و ترتيبات دار الإسلام ودار الكفر أو دار الدّعوة و دار الإجابة إلى سعة دار التّعارف الآدميّ التي يجمعها بين سكان معمورتها أب واحد و أمّ واحدة و تشترك في الآدميّة المكرّمة تكريما متأصّلا مركوزا في أصل الخلق و النّشأة بإرادة الخالق و مشيئته ، إسلام برنامجه إتمام مكارم الأخلاق باعتبارها جوهر الرّسالة المحمّديّة ومبتدأها و منتهاها وأفقها الخلاصي الدّنيوي و الأخروي.

هذا الإسلام لا يمكن أن تجسّده  حركات وأحزاب و تيارات سياسيّة تقليديّة ذات توجه  مذهبي طائفيّ يقوم ترتيب الشأن الدّاخلي فيها وفق نفس قواعد الملل والنّحل الدّينيّة وأدبيّات السياسة الشرعيّة السلطانيّة الوسيطة من سريّة وبيعة و طاعة في المنشط و المكره ومشيخيّة وشورى معلمة غير ملزمة ونزعة طوباويّة عاطفيّة دون استيعاب لآليّات الدّيمقراطيّة العصريّة والسياسة المدنيّة القائمة على المؤسسات والتعاقد المدني واستيعاب لمقتضيات الواقع . لا يمكن لهذا الإسلام الحضاري أن ينطلق ابتداء من توجه شمولي محمول بخلفيات عقائديّة دغمائيّة تبشّر بحكم العالم تحت لواء الإسلام بل يكتسب الإسلام بعده العالمي من خلال الاشتغال على الوطني و حسن استثمار المرجعيّة الإسلاميّة في محاورة الواقع المحلّي بكلّ تعقيداته و تفاصيله و تحدّياته و رهاناته و مطالبه منفتحة في ذلك على كلّ الزّخم المعرفي و القيمي و الحقوقي و المنهجي العالمي ممّا يسهم في المثاقفة وتطوير ثقافة الذّات عن الذّات و عن الآخر. لطالما اعتبرت تركيا في ظلّ حزب العدالة و التنمية نموذجا لنهضة الإسلام الحداثيّ الدّيمقراطي مع إغفال  تجارب أخرى أكثر تجذّرا و توازنا و انسجاما مع مخزونها الثقافي وتاريخها الحضاري رغم الإكراهات والمحاذير التي تحيط بها و نقصد بذلك مثلا التّجربة الماليزيّة التي ظهر فيها مصطلح الإسلام الحضاري في مقابل الإسلام السياسي و الصّوفي والدّعوي والجهادي الذي يجزّئ الإسلام ويجرّده من بعده الحضاري الإنساني القيمي والمعرفي والعملي .

 

وقد طرح هذا التصوّر لأوّل مرّة رئيس وزراء ماليزيا داتو سري عبد الله أحمد بدوي باعتباره رؤية الإستراتيجية لماليزيا في أفق سنة 2020 تحقّق التنمية بكل ابعادها الروحيّة والجسديّة والقيميّة والتربويّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والسياسيّة ... ويقوم تصوّر هذا المشروع الحضاري الشامل على عشر نقاط وردت في مقال د. محمد شريف بشير أستاذ جامعة العلوم الإسلامية بكولالمبور بعنوان الإسلام الحضاري، مشروع النهضة الماليزي نشر في موقع   اسلام أون لاين

1- الإيمان و التقوى: باعتبار أنّ الترقّي الرّوحي يتوقّف على البعد الأفقي في تزكية السّلوك ممّا يعدّ دافعا للعدل والعمل الصّالح والعلاقات السويّة في المجتمع 2- الحكومة العادلة والأمينة

 3- الحرية والاستقلال

4- التمكن من العلوم والمعارف

5- التنمية الاقتصادية الشاملة والمتوازنة

6- تحسين نوعية الحياة

7- حفظ حقوق الأقليات والنّساء

8- رعاية القيم الثقافية الفاضلة

9- حفظ البيئة وحمايتها

10- تقوية القدرات الدفاعية للأمة

 

و تعتبر هذه النقاط تأطيرا لتصوّر  يقوم على محاور و تفاصيل و شروط وردت مفصّلة في المقال المذكور آنفا وتتعلّق بمشروع استراتيجي يؤهّل المجتمع للقيام بأدوار متقدّمة ويمهّد لتجربة صناعيّة وطنيّة متطوّرة تزمع ماليزيا أن تخوضها للانخراط في الاقتصاديات الحديثة دون أن تكون مرتهنة للمنظومة الاقتصاديّة والماليّة العالميّة و تقلّباتها واشتراطاتها المجحفة على حساب الاستقلال والسيادة والمقدّرات الحيويّة للبلد. ويعتبر البروفيسور داتو عبد الله محمد زين، وزير الشئون الإسلامية والأوقاف بماليزيا أحد أبرز المفكرين الماليزيين الذين ساهموا في بلورة هذا المشروع و صياغته النّظريّة و يقول في تعريفه للإسلام الحضاري : "الإسلام الحضاري ليس دينا جديدا ولا مذهبا فقهيا مبتدعا، وإنما هو طريقة تقوم على مثل وقيم الإسلام الخالدة لتعزيز تقدم الحضارة ألإسلامية وهي طريقة لعرض الإسلام بواقعية  وعودة الأمة إلى مصادر الإسلام الأصيلة ومبادئه القويمة. ويعطي مشروع الإسلام الحضاري مزيدًا من الاهتمام لزيادة جودة الحياة الإنسانية لكل الناس بغض النظر عن أعراقهم وثقافاتهم ومعتقداتهم" و يضيف  الإسلام الحضاري "هو اجتهاد بشري وليس وحيًا معصومًا؛ ولذلك هناك احتمال الاختلاف معه". وفي تحديده لخطّة هذا الإسلام  ليصبح مشروعا قائما في الواقع يقول : "الإسلام الحضاري يبدأ من أسفل إلى أعلى، ومن القاعدة إلى القمة، ومن الجمهور والقرى إلى القادة بطريقة منظمة ومتدرجة ورفيقة، وبالتركيز على الأولويات حيث العبرة بالمعاني والمقاصد لا الألفاظ والعبارات".

نحن إذن أمام محاولة للاستئناف الحضاري الشّامل يطرحها عدد من رجال الدّولة في ماليزيا لا باعتبارها أيديولوجيا للتعبئة والحشد الشعبي الانتخابوي أو نموذجا للتّصدير ولا باعتبارها عنوانا لانتماء الهووي أي التمايز قائم على الهويّة في بلد متعدد الثقافات والأديان والأعراق ولا باعتباره برنامجا تفرضه الدّولة بقوّة الشرعيّة القانونيّة والرّصيد الانتخابي بل كمشروع وطني عملي ينطلق من المجتمع لتحقيق المدنيّة والرقيّ  الحضاريّ في إطار وطني ماليزي،  لذلك لم يتهافت الماليزيون  للتبشير بهذا التصوّر وتصديره للعالم الاسلامي باعتباره النموذج المثالي الخلاصي الجدير بالاحتذاء والاتّباع خاصّة وأنّه لا يزال قيد الاختبار والتّفعيل في الواقع وسط كلّ الإكراهات الدّوليّة والإقليميّة والمحليّة. إنّ كلّ ما أوردناه من تحليل يؤكّد أنّ عصر الإسلام السياسي بالمعنى الذي أسلفنا قد ولّى ولم يعد له من موجب والتّفكير في اللحظة الحضاريّة الرّاهنة و تحدّياتها الحضاريّة بوعي الإسلام السياسي سيكون ضربا جديدا من الاغتراب المركّب حيث سينضاف لاغتراب الإسلام السياسي المتأصّل منهجا و فكرا و ممارسة اغترابات راهن ما بعد الثّورة هذه الاغترابات الجديدة التي يشترك في بعضها مع كلّ مكوّنات الساحة السياسيّة التي لم يستوعب عقلها السياسي التقليدي وإيديولوجياتها التّماميّة المغلقة ومسلكيتها الاحتجاجية والميكيافليّة القديمة المتبعة زمن الاستبداد متطلبات لحظة الانعتاق السياسي والنّهوض الحضاري التي انفتحت مثل طاقة القدر لتدقّ أبواب الشّرق و تستنهضه من جديد للقيام بأدوار حضاريّة إنسانيّة متقدّمة.

 

 سامي براهم ( باحث في الفكر والحضارة )

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك