القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

ليبيا : ساحة الصراع المفتوح

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-02-07 11:15:00 | 212 مشاهدة

 

ملخّص:

إنّ ما يجري في ليبيا من أحداث متسارعة شديد التعقيد. فالمصالح متقاطعة ومتناقضة واللاعبون في الساحة السياسية كثر من الداخل والخارج. إذ ثمّة من يرغب في الحل السياسي وآخرون يخربون العملية السياسية .والكل يعمل على توظيف ما لديه من أوراق ليفرض موقفه كطرف قوي في أي حل قادم.هذه الأوراق يتداخل فيها الاجتماعي بالسياسي والعسكري وحتى المالي وفي علاقة أيضا بالقوى الخارجية الإقليمية والدولية.والصراع سيبقى مفتوحا إلى أن تفرض جهة موقفها ويتداعى الجميع إلى الحل .

مقدمة

ليس من السهل مواكبة التطورات التي تطرأ على المشهد الليبي . فهو مشهد متقلب في مجمل مفرداته الأمنية والعسكرية والسياسية وحتى الاقتصادية.وكذلك هو مشهد تحكمه جملة من القوى الداخلية والخارجية المتناقضة والمتفاعلة بشكل مستمر.ولذلك فإن متابعته تستوجب إلماما تاريخيا بمراحل الأزمة وإدراكا عميقا لطبيعة التوازنات القائمة في المستوى السياسي والعسكري والقوى الدولية المتدخلة فيه وطبيعة تأثيرها سلبا وإيجابا .بما يمكن في النهاية من قراءة أقرب ما تكون للواقعية بعيدا عن الانحياز لأي أجندة سياسية ولأي طرف من أطراف الصراع . وما نسعى إليه في هذه الورقة هو شرح الأوضاع على الأرض في مناطق التأثير في ليبيا وانعكاس ذلك على الواقع العام في البلاد قبل المؤتمر الوطني الجامع الذي يراد منه الانتقال بالبلاد إلى مرحلة جديدة قد تكون بداية الحل الحقيقي للّأزمة . ليبيا شرقا وجنوبا وغربا. هذه الأقاليم تتفاعل فيها الأحداث متأثرة بعضها ببعض  وفي علاقة بالمواقف الإقليمية والدولية لتصوغ في النهاية مشهدا عاما متقلبا ومتطورا باستمرار.

* الوضع في الشرق الليبي:

تعرف "الكرامة" في الشرق الليبي حالة من التقهقر  كبيرة .فعسكريا حفتر  اختلف مع أكثر ضباطه الذين قاتل بهم طيلة السنوات السابقة وهم قيادات مهمة في قبائلهم وقرب إليه أبناء عشيرته من الفرجان. هذا الأمر زعزع الكيان العسكري للكرامة وألب عليه الشارع في الشرق. والآن يحكم المنطقة بكتيبتين تحت قيادة ولديه .وباقي القوى تعيش تحت طائلة الخوف وليس إيمانا بمشروع الكرامة الذي ثبت أن هدفه الأخير هو تمكين الجنرال حفتر من السلطة وليس القضاء على الإرهاب كما سوق لذلك داخليا وخارجيا. هذه المعطيات اشتغل عليها عقيلة صالح رئيس البرلمان المنعقد في طبرق الذي يسعى لاستمالة القيادات القبلية في الشرق ليضغط بها على السراج وليحتمي بها من بطش حفتر . وقد مثلت له جدار دفاع سميك  وقوة للمناورة السياسية .والآن أصبح الصراع بين الرجلين واضحا للعيان سواء في علاقة مع حكومة الوفاق أو في العلاقة مع المحيط الإقليمي والدولي . لقد فقد حفتر ثقة أغلب البرلمانيين في الشرق . ولولا خوفهم منه ومن الملفات التي يمسكها عليهم لكان واقع البرلمان غير ما نشهد . وفي المجمل فإن جزء كبيرا منهم يلتقون في طرابلس وينسقون سرا مع قيادات سياسية ورسمية تتبع حكومة الوفاق. لقد حاول حفتر أن يتمدد في الجنوب الواقع خارج سيطرة الدولة واعتمد على مرتزقة العدل والمساواة السودانية وعلى جزء من المعارضة التشادية . وتحالف مع قيادات عسكرية محسوبة على النظام السابق مثل محمد بنايل ومسعود جدي ليضغط على مصراته وسرت وكذلك على حكومة طرابلس ولإيهام العالم بأنه يحارب الإرهاب في الصحراء . لكنه في المدة الأخيرة وجهت له ضربات عنيفة في تراغن وسبها . إذ سيطر ثوار الجنوب على أهم معسكر في تراغن بما فيه من أسلحة وآليات وذخائر إلى جانب انسحابه من قاعدة تمنهنت . و لكن يحاول هذه الأيام العودة إلى الجنوب بتعلة محاربة الإرهاب والعصابات المارقة عن القانون .وقد واكب هذا التحرك حملة إعلامية كبيرة للتسويق للجنرال في محاولة لإبرازه كقوة عسكرية فاعلة ومؤثرة بعد الضربات العسكرية والسياسية التي تلقاها مؤخرا.وتزامن هذا التحرك مع طارئ سياسي مهم على علاقة مباشرة بالملف الليبي وهو زيارة ناتانياهو رئيس وزراء دولة العدو الإسرائيلي لتشاد . وهناك حديث أن الإمارات وتشاد رتبتا لقاءات بين الجنرال حفتر وقيادات أمنية إسرائيلية في الأردن وتشاد

وتوجد قناعة حاصلة الآن لدى أنصار حفتر في الإقليم و في فرنسا ولدى الإيطاليين والأمريكان والأنجليز أنه غير قادر على إحداث  اختراق عسكري يؤثر في التوازنات  السياسية بما يعني  أنه في حالة جمود وانكفاء داخلي . وهذا يحد من تأثيره في القرار السياسي.وهو بمنطق ما يجري الآن في ليبيا هو رجل قام بمهمة وانتهى دوره . ومساندة بعض الأطراف الإقليمية له إلى حد الآن بغاية تحسين شروط تفاوضها في إطار الوضع النهائي وليس بغاية التمكين له سياسيا أو عسكريا هذا لا يمنع وأن الرجل مازال  يملك هامش المناورة خصوصا وأنه مسنود من التيار المدخلي في ليبيا .؟ ولكن في المجمل الرجل في حالة تراجع عسكري وسياسي والتنسيق بين مصراته وإيطاليا أضعفه كثيرا ولم يعد في نظر السراج ذلك الرجل الذي يمكن أن يمثل له مصدر تهديد كما في السابق.والسيد وزير الداخلية في طرابلس على تواصل وتنسيق مع قيادات أمنية في الشرق في محاولة لسحب البساط من تحت أقدام حفتر دون أن يكون له القدرة على رد الفعل . وحصل هذا مؤخرا عندما زار وفد يمثل وزارة الداخلية في طرابلس مدينة بنغازي والتقى وفدا أمنيا كبيرا .  ثم بادر الوفد في بنغازي إلى زيارة العاصمة طرابلس.وهي رسالة سياسية أكثر منها تنسيقا أمنيا بين الجهتين .

*الوضع في الجنوب

إن الجنوب الليبي خارج سيطرة الدولة وهو ساحة صراع دولية بأيادي ليبية وأجنبية .المخابرات الفرنسية تلعب بقوة في الجنوب وتشرف على ممرات الهجرة السرية لإرباك ايطاليا . هذه بدورها دخلت مؤخرا للجنوب وهي تشتغل على الحد من هذه الظاهرة عبر الدعوة إلى نشر قوات أجنبية للسيطرة على طرق الهجرة . .كما أن قوات المعارضة التشادية ومرتزقة حركة العدل والمساواة السودانية تتمركز في الجنوب وتجعل منه قاعدة للتحرك والتنظم . وقد وجد فيها حفتر قوة لمساندته عسكريا ضد خصومه. إضافة إلى أن الواقع الاقتصادي والخدمي في الجنوب منهار والتسيب الأمني كبير لغياب قوة أمنية منظمة وقوية تضبط الأمن . الخدمات من صحة وكهرباء وتعليم منهارة . وهذا ما جعل من أهل الجنوب غير واضحين في ولائهم السياسي فلا حكومة الوفاق وفرت لهم الأمن والخدمات ولا حفتر كذلك رغم وعوده الكثيرة لاستمالتهم فحكومة الشرق الواقعة تحت سيطرة الجنرال والتي يرأسها ابن الجنوب عبد الله الثني عجزت بدورها على توفير الحد الأدنى من المستلزمات لهذا الإقليم . وكما هو معلوم فإن الجنوب غني بالنفط وبه أهم الحقول النفطية التي يسعى الجميع للسيطرة عليها وحمايتها لاستعمالها كورقة سياسية . وفي عديد المرات يتم إيقاف الضخ منها أو محاولة تخريبها كردة فعل على سياسة المركز في طرابلس أو لتصفية حسابات بين الخصوم السياسيين . وفي المجمل هو ساحة صراع في أبعاد متعددة .أبعاد إثنية .أبعاد سياسية. أبعاد اقتصادية . أبعاد أمنية وإن الجنوب هو ساحة صراع لمكونات مختلفة عرب وطوارق وتبو وداخل كل مكون توجد الخلافات وتتعدد الولاءات سواء لأطراف في الداخل أو في الخارج . فالتبو في فترة من الفترات كانوا يد فرنسا التي تبطش بها في الجنوب واستعملهم حفتر في حربه ضد ثوار بنغازي . إلا أن هذا المكون المهم وفي ظل تقاطع المصالح واختلافها أصبحوا مؤخرا أقرب لحكومة الوفاق في طرابلس وأقرب إلى خط فبراير منهم إلى الكرامة. وبالنسبة للطوارق وإن كانوا قد ساندوا الثورة في البداية وساهموا مساهمة فعالة في إسقاط القدافي إلا أنهم تأثروا بما يجري من تهميش للجنوب وانعكس ذلك عليهم وتمت محاولة استمالتهم من القوى السياسية في الداخل ولكنهم بقوا على ولائهم لليبيا ولم يعرف عن هذا المكون أنه ساند الكرامة أو كان طرفا فيها. الطوارق يقومون بدور مهم في حماية بعض الحقول النفطية ولهم فصيل عسكري قوي يقوده العميد علي كنه الذي رغم أنه أقرب في توجهه للنظام السابق إلا أنه محترم للتموقع الذي اختاره الطوارق في الخارطة السياسية وهو موقف الدفع إلى الوفاق وبناء الدولة .ويلقى العميد كنه مساندة كبيرة من الجزائر وهو يقوم بدور فعال في حماية الحدود مع الجزائر ووقف ضد طموحات حفتر في الاقتراب من المنطقة الحدودية مع الجزائر . ولذلك يعتبره العديد من الملاحظين أنه رجل الجزائر القوي في الجنوب الليبي يبقى المكون العربي الذي هو الأقوى والأكثر تأثيرا في ساحة الجنوب والذي يمثل الأغلبية الديمغرافية .هذا المكون الذي يتمثل في أربع قبائل كبرى وهي أولاد سليمان والقذاذفة والمقارحة والحساونة.هذه القبائل تختلف في ولاءاتها السياسية وتلتقي حول مسألة واحدة فقط هي أنها ضحية تهميش المركز . والمجلس الأعلى لقبائل الجنوب الذي يقوده الشيخ علي مصباح بوسبيحة المحسوب على النظام السابق  ينسق مع حكومة طرابلس وله علاقات مع حكومة الشرق . إلا أن هذا المجلس قد تجاوزته حالة الصراع العسكري لأنه لا يمتلك قوة عسكرية مؤثرة تعبر عن موقفه ولكنه يبقى طرفا سياسيا مهما في الجنوب وله كلمة في طرابلس وفي الشرق.  والوضع الآن يتمثل في حكومة الوفاق التي تضخ مليار دينار ليبي للجنوب لتخفيف الاحتقان وحل الأزمات وتوفير الضروريات واستمالة القوى السياسية والعسكرية وحفتر يدخل على الخط لإفساد محاولة المجلس الرئاسي في طرابلس لملمة الأوضاع في هذه المنطقة المهمة من ليبيا وإعادتها إلى حضن الوطن.  والواضح أن وضع الجنوب مرتبط بالوضع في المنطقة الغربية فاستقراره من استقرار هذه المنطقة . ومسألة فرض الأمن في الجنوب ليس أمرا صعبا ولكن حالة التجاذب السياسي في العاصمة طرابلس ومصراته هي التي تعوق مشروع تأمين الجنوب وكذلك التدخل الدولي السافر الذي يريد أن تبقى هذه المنطقة الخاصرة الضعيفة أمام الدولة في ليبيا كورقة ضغط للاستثمار السياسي

إن عملية حفتر الأخيرة في الجنوب تحمل رسائل متعددة للداخل الليبي وللجوار الجزائري وكذلك لإيطاليا. ولكن المهم في الأمر هو موقف حكومة الوفاق من هذه العملية إذ عبر السيد السراج عن رفضه لها وكذلك السيد خالد المشري رئيس المجلس الأعلى للدولة .وهناك نية في أن يتم قريبا تسمية آمر عسكري للمنطقة الجنوبية لسحب البساط من تحت حفتر.وربما أيضا هناك إعداد لعملية عسكرية ضده تعيده لحجمه الحقيقي رغم أن هناك قوى فاعلة في المنطقة الغربية وقوية عسكريا تؤكد أن حفتر سيغرق في صحراء الجنوب الشاسعة جدا وأن نهايته ستكون في هذه المنطقة من ليبيا

* الوضع العام في المنطقة الغربية:

إن الوضع السياسي في ليبيا تحدده المنطقة الغربية بما تمثله من ثقل على كل المستويات السياسية والديمغرافية والعسكرية . الواضح الآن أن هناك مسارا سياسيا فرض نفسه وأصبح طاغيا على المشهد ولا توجد جهة في ليبيا تعلن رفضه علنيا بما يعني وأن الأغلبية منخرطة في المسار ولو مرغمة . هذا المسار المدعوم دوليا ورغم مضيه إلى الأمام إلا أنه يواجه عقبات وهو أمر طبيعي في بلد مثل ليبيا . ودائما تبقى المرحلة الأولى هي أهم المراحل على الإطلاق ونعني بها الترتيبات الأمنية . السيد السراج المسؤول الأول على تنفيذ الخطة يجد نفسه تحت جملة من الضغوط الميدانية والسياسية . فميدانيا لا يستطيع فرض أمره على الكتائب المتمكنة داخل طرابلس والمتضرر الأول من هذه الخطة . وفي نفس الوقت هو مدعو إلى مساندة وزير الداخلية في حكومته والذي تمت تسميته بترتيب داخلي ودولي. هذا الوزير سمي أساسا لتنفيذ هذه الخطة لما يملكه من مواصفات ذاتية ولما يحظى به من دعم من أطراف قوية في الداخل (مصراته . الزاوية . الجبل . ترهونة....). وقد حقق تقدما مهما وجملة من الاختراقات في هذا الملف الشائك . وكانت العملية التي قادها اللواء السابع في الأشهر الأخيرة بداية حقيقية لفرض هذه الخطة وتنزيلها على الأرض. والسيد باش آغا لازال إلى اليوم يتقدم في مشروعه ولو ببعض من التعثر بالنظر لدقة الملف وخطورته.والقوى الأخرى وأعني بها كتائب طرابلس تقاوم الأمر وتلقى مساندة كبيرة من دولة الإمارات التي يقيم بها هاشم بشر الأب الروحي لهذه الكتائب. ويقود هذه المقاومة على الأرض هيثم التاجوري المرتبط مصيره الوجودي ببقائه في المشهد الأمني كرجل قوي.  وقد ضعفت سطوة الكتائب كثيرا في طرابلس ووزارة الداخلية رغم دعمها بقوة خاصة من تركيا التي وعدت بدورات تدريبية للشرطة . وهناك أعداد مهمة من العناصر الشرطية تنخرط يوميا في أجهزة الوزارة . كما تم إيقاف كل الاعتمادات التي كانت تحظى بها كتائب طرابلس من الدولة وذلك بأمر مباشر من وزير الداخلية . وتجفيف منابع الدعم سيزيد من إضعافها . فالواقع إذا هو أنه هناك حرب باردة تخاض على الميدان مرهونة إلى التوازنات السياسية القائمة.  والمعلوم أن الأمم المتحدة وعدت بإتمام الترتيبات الأمنية عندما دعت لإيقاف القتال في طرابلس . وتم الاستجابة لطلبها وأعطت مهلة لذلك . ولكن الظاهر أن هناك قوى إقليمية بالأساس متمترسة خلف كتائب طرابلس ومتضررة من العملية السياسية هي من تعطل مسار الترتيبات الأمنية . والأيام القادمة حبلى بعديد الأحداث المهمة التي ستغير كثيرا على الأرض.  وبالنسبة إلى حكومة الوفاق فإنها ليست طرفا قائدا كما يظهر الآن في المشهد وإنما هي أيضا مجرد طرف من أطراف الصراع القائم في البلاد ومصيرها مرهون بجملة التسويات التي يراد تنفيذها في ضوء الخطة الأممية المدعومة بقوة خاصة من إيطاليا وأيضا من أمريكا وبريطانيا .والتوازنات  الحالية لا تسمح بتغيير جذري في تركيبة المجلس الرئاسي لأنه لم يحصل أي توافق على أسماء جديدة . وإن وقع تغيير فإنه سيكون بعد المؤتمر الوطني الجامع حيث من المتوقع حصول جملة من التوافقات التي ستعتمد كخطة لإدارة المرحلة القادمة . فالمؤتمر كما هو متوقع سيناقش أمهات المسائل مثل التركيبة الجديدة للمجلس الرئاسي وكيفية جمع السلاح وموعد الاستفتاء على الدستور وموعد الانتخابات وكيفية إعداد البيئة الانتخابية لإجراء جملة الاستحقاقات. وإن المجلس الرئاسي الحالي يسعى بدوره لأن يبقى في المشهد من هنا إلى الانتخابات القادمة وليس في نية أعضائه الانسحاب والجميع يناور من أجل ذلك. ولكن المؤكد وأنه هناك جملة من الأحداث السياسية والعسكرية ستقع قبل انعقاد المؤتمر ستحدث تغيرات مهمة في المشهد العام بما سيؤثر على طبيعة المشهد وعلى مخرجات المؤتمر.

* اجتماع الزاوية:

اجتماع الزاوية له أبعاد عديدة . فهو تجمع لثوار ليبيا بعد فرقة دامت سنوات ترك فيه المجال للقوى المناوئة للثورة لتتموقع في المشهد بقوة .كما يمثل عودة وعي ولحظة عقل لهذه القوة التي صنعت التغيير في ليبيا ثم تاهت بفعل ضعف العقل السياسي وبفعل تغول القوى الخارجية في المشهد .كما يمثل قوة فعل سياسي وعسكري تنضاف إلى الساحة لتؤثر في التوازنات القائمة بمشروع سياسي وحقوقي يخاطب الداخل والخارج. أيضا هذا التجمع سيفرض على الأمم المتحدة أن تقدر حجمه التمثيلي في المؤتمر الجامع بما سيؤثر على مخرجاته بالتأكيد.كما أن هذا المولود الجديد وكما جاء في البيان التأسيسي سيكون قوة تجميع وسيقترب ممن يجمعه به الحد الأدنى من المشتركات الوطنية . أيضا سيكون هذا المولود الجديد عامل تغيير لخارطة التحالفات في الداخل وعامل تأثير في استراتيجيات القوى الخارجية الفاعلة في ليبيا

اختار هذا التجمع اسم " التجمع الوطني الليبي"واختير لقيادته مبدئيا اسم " المجلس الأعلى لثوار ليبيا" وسيعلن يوم 17فيفري عن أسماء قيادة هذا المكون السياسي. يسعى هذا الجسم في مرحلة أولى إلى تقليم أظافر الكرامة والمداخلة  وهو مشروع أولي لفرض واقع سياسي جديد في البلاد. والعالم يراقب هذا التجمع . وهناك بداية تعامل أمريكي معهم بضرورة تخفيض السرعة خصوصا في التعاطي مع تنظيم الكرامة بما يوحي بخشية أمريكية من تغيير شامل في المعادلة لا يرضي الأمريكان وحلفاؤهم ممن يريدون ألا تتجاوزهم الأحداث وأن يبقوا ممسكين بخيوط اللعبة .وإن القوى الإقليمية وبالتحديد الإمارات بدأت شغلا حقيقيا على الميدان ضد هذا التجمع . فالمعلومات تشير إلى أن أمر الجلب الذي استصدره النائب العام في حق عبد الحكيم بلحاج وشعبان هدية كان بضغط إماراتي. والرسالة واضحة لماذا هذين الشخصين؟. فبلحاج كان له دور فعال ورئيسي في تنظيم الملتقى وله رمزية ثورية مهمة ويملك جملة من العلاقات الدولية المؤثرة .وشعبان هدية كان عضو قيادة غرفة عملية فجر ليبيا وله حضور مميز في مدينة الزاوية ومحل ثقة ثوار فبراير وهو من أشرف ولو من بعيد على تأمين وسير أشغال الاجتماع الذي حضره أكثر من ثلاثة آلاف ثائر من كل أنحاء ليبيا وهو حضور لم يكن يتوقعه أكثر الثوار تفاؤلا. إن حركة مثل هذه ليست مستغربة ومنتظر ما هو أكثر . وهذا دليل أن هذا التجمع أصبح مصدر إزعاج لمناوئيه في الداخل والخارج. لقد تم اختيار قيادة عسكرية لهذا التجمع واللجنة السياسية مازالت تشتغل على تحديد أسماء القيادة السياسية بشكل رسمي. ورغم الاهتمام الإعلامي الكبير الذي حظي به تجمع الزاوية إلا أن أهل فبراير رغم استبشارهم بالحدث ورغم الآمال الكبيرة المعلقة عليه هم خائفون من إجهاض المشروع أو حصول خلافات داخلية تذهب بالأمل بالنظر إلى السنوات العجاف التي عرفها تيار فبراير بعد 2014.

إن القوى الدولية بالتأكيد لن تكون مرتاحة لهذا المولود الجديد وستتعامل معه بحذر شديد وستنتظر خطابه السياسي وتصوره للحل في ليبيا.ومن خلال البيان الذي أصدره التجمع واضح أنه يحمل نضجا سياسيا وتصورا لطبيعة الحل الذي لن يكون إلا سياسيا وأن الهدف هو القطع مع العسكرة في سبيل الدولة المدنية الديمقراطية.

*المحور المعادي للربيع العربي

الواضح الآن في مستوى الداخل الليبي أن المحور المعادي للثورة في حالة تراجع لأسباب عدة :

1- مشروع الكرامة العسكري خسر رهانه كما تأكد لدى الجميع أن حفتر أصبح عاجزا عن إحداث اختراق عسكري مهم ناهيك عن الحسم. وبالتالي مجرد استعماله كورقة ضغط عسكري أصبح أمرا صعبا رغم أنه سيبقى كيانا قائما ولكن دون فاعلية وتأثير

2- وعلى المستوى السياسي فشلت مصر في تسويق خطتها لإعادة بناء الجيش الليبي. وتم رفض خطتها دوليا . كذلك فشل حفتر وحلفاؤه في إقناع القوى الدولية الفاعلة في الاعتراف به كقائد عام للجيش

3- أما في العاصمة طرابلس فرغم الحضور القوي والفعال لدولة الإمارات خاصة على المستوى الأمني إلا أن قوتها بدأت تتراجع بعد إقرار خطة الترتيبات الأمنية.  فقد ضعفت كتائب طرابلس كثيرا أمام تقدم وزارة الداخلية . لكن هذا لا يمنع أنه مازال لها القدرة على المناورة والتأثير الحقيقي وحتى إرباك المشهد الأمني بما يخلط الأوراق ويؤثر على سير خطة المشروع السياسي المدعوم من أغلب القوى المحسوبة على فبراير رغم ما عليه من مؤاخذات

4- وكذلك فإن تنظيم المداخلة مازال متماسكا وموحدا وقويا ولو تم ضربه في الأيام القادمة كما هو مبرمج فإن مشروع القوى المعادية للثورة سيتلقى ضربة قاصمة بما سيحد كثيرا من النفوذ السياسي لدولة الإمارات المتزعمة لمشروع الثورة المضادة.

5- مصر ستجد نفسها مضطرة للتعاطي مع طرابلس لأن رهانها كان في أغلبه على الجنرال حفتر وطموحها كان يتمثل في أن يكون في موقع متقدم في الدولة ليمنع قيام ديمقراطية ويضمن لها تدفق النفط الليبي بأسعار تفاضلية. فيما عدا ذلك مصر لا تملك كثيرا من الأوراق رغم تواجدها المخابراتي القوي في البلاد. ولكنها ستشتغل بفعل أنها دولة جوار على أن تكون طرف مؤثر في صياغة المخرج النهائي ولكن سياسيا وليس بدعم الحل العسكري الذي راهنت عليه منذ2014. مصر ستنفتح على قوى كانت تراها بالأمس معادية لتوجهها السياسي وهي مضطرة لذلك بفعل ضعف هامش المناورة لديها بسقوط ورقة حفتر تقريبا . هذا ليس معناه أن مصر لم تعد مؤثرة . مصر ستبقى طرفا مؤثرا في المشهد ولكن ليس مهددا مباشرا للمسار السياسي القائم

6- وبالنسبة إلى السعودية فإنها في حالة تراجع . وقد انكفأت على نفسها لمعالجة أضرار عملية اغتيال خاشقجي . والدليل زيارة الوفد التونسي مؤخرا والذي أصرت فيه السعودية أن يكون أمين عام حزب محسوب على الإسلام السياسي المعادي لتوجه السعودية ضمن الوفد .وإن السعودية قد اهتزت صورتها كثيرا لدى أصدقائها الغربيين والأمريكان وهو ما سيؤثر مستقبلا على خطة ابن سلمان في جلب الاستثمارات الكبرى للمملكة في إطار تصورها للسعودية 2030.  هذا الواقع سينعكس بالضرورة على مجمل سياساتها في المنطقة وفي العالم

وأيضا فإن التيار المدخلي الموالي للسعودية في ليبيا قد تضرر من العملية بشكل أو بآخر باعتبار وأن الأغلبية في ليبيا يعتبرونه جالية سعودية. إن المملكة السعودية رغم أنها الأقوى في المحور العربي المعادي للثورات إلا أنها تتموقع خلف الإمارات التي تحرك أغلب الخيوط في المنطقة. ولن تتراجع السعودية عن معاداتها للربيع العربي ولكن لن تكون بنفس الاندفاع الذي كانت عليه .ثم إن السعودية وكذلك الإمارات إذا كانت هناك رغبة دولية حقيقية في فرض حل سياسي في ليبيا فإنه يمكن الضغط عليهما لرفع اليد عن هذا الملف .

*المجتمع الدولي ومشروع الأمم المتحدة

إن الإصرار الأممي والدولي واضح هذه المرة على إيجاد حل سياسي للأزمة الليبية التي أصبحت مصدر قلق كبير لأوروبا بفعل الهجرة غير الشرعية وكذلك بالنظر إلى المصالح الكبرى المعطلة لعديد الدول الفاعلة في هذا البلد .صحيح أن التعاطي مع الأزمة الليبية طيلة السنوات السابقة لم يكن بالجدية المطلوبة لإيجاد الحل إذ أن الأجندات والمصالح اختلفت وتاه مشروع الأمم المتحدة في الزحام لسنوات والفاعل القوي في العالم لم يكن منخرطا بقوة في ساحة الصراع  ولكن ما رشح من جملة السياسات سنة 2018هو أنه هناك رغبة حقيقية من  "المجتمع الدولي" في بلورة تصور للحل رغم أن خطواته واضحة إلا أنه لا يحتمل سقفا زمنيا دقيقا . فجملة التراكمات في البلاد وجملة المخاطر المهددة للحل السياسي كبيرة . وأيضا لا يوجد توافق شامل بين الفاعلين الدوليين حول طبيعة الحل في البلاد. ففرنسا وهي عضو فاعل في مجلس الأمن وقوة اقتصادية كبيرة داخل الاتحاد الأوروبي  ولها حضور قوي في ليبيا ليست على وفاق مع ايطاليا اللاعب الرئيس والتي تقود مشروع الحل السياسي بالتوازي مع الأمم المتحدة .وهذا عامل من العوامل التي قد تعطل الرغبة في الوصول السريع إلى المرحلة النهائية من خارطة الطريق نهاية 2019أضف إلى ذلك طبعا جملة المعوقات الداخلية التي لا يمكن تناسيها أو استصغارها مهما كانت رغبة القوى الدولية صادقة . فليس صحيحا أن الإرادة الدولية هي الفاعلة فقط في ليبيا وهي من تعطل الوصول  إلى الحل أو من ستعجل به . فهناك أطراف في الداخل الليبي تملك من الإمكانيات السياسية والأمنية ما يجعلها قادرة على وضع العقبات الكأداء أمام أي رغبة حقيقية في الحل . وقد أشار السيد سلامة في عديد المناسبات إلى  أن المجتمع الدولي لن يتمكن بمفرده من فرض الحل في البلاد ما لم يجد تعاونا وتجاوبا من الأطراف الليبية صاحبة الشأن. وكذلك هناك قوى أخرى فاعلة تراقب الساحة عن كثب وأعني روسيا التي ينظر إليها خليفة حفتر كطرف منقذ له وقد جاءها ساعيا دون أن تغازله. وهي ترى في ليبيا ثروة وساحة منفتحة على فضاء إفريقي يتنافس الجميع للظفر به. إن روسيا بما تملك من إمكانيات سياسية وأمنية وعسكرية قد تنخرط في مشروع الحل النهائي بما سيشوش على المسار العام الذي يشق طريقة بصعوبة وسط جملة المعوقات القائمة. وثمة شبه يقين أن أمريكا وبريطانيا وإيطاليا والأمم المتحدة منخرطة فعلا في تصور موحد للحل إلى جانب أن القوى الداخلية في ليبيا ملت حالة الفوضى والاقتتال وترغب فعلا في حل سياسي يأتي بالاستقرار ويبني الدولة والمؤسسات. هذا المناخ العام يدعو للتفاؤل في أن تكون المرحلة القادمة وسنة 2019هي سنة الانخراط الحقيقي في مشروع الاستقرار ولو بعد حين .

الخاتمة

الواقع الموضوعي داخل الساحة الليبية لا ينبئ بحل نهائي مع نهاية 2019 وبإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية. ولو قدر لليبيا أن تستقر مع نهاية سنة 2020يكون ذلك حدثا فارقا في تاريخها وتاريخ المنطقة ولعل الأيام القادمة ستشهد جملة من المتغيرات السياسية والعسكرية بما سيزيد في تبلور المشهد وبما سيساعد أكثر على الإستشراف في هذا الملف الشائك والمعقد

المهدي ثابت

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك