القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

ليبيا 2019: استحقاقات تنتظر، وأزمة تتمدد

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-01-28 17:26:00 | 215 مشاهدة

 

ملخــــص

تستقبل ليبيا سنة 2019 على وقع وعود وتحركات حثيثة بهدف عقد مؤتمر وطني جامع للخروج بخريطة طريق يتم، بمقتضاها، توحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات السيادية وتحقيق استقرار أمني وتحسين الوضع الاقتصادي والمعيشي والتوافق على دستور وإجراء انتخابات. ورغم الحماس الظاهر الذي يبديه رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم وعدد من الفاعلين الليبيين، إلا أن معظم المعطيات الموضوعية تؤشر إلى أن الاستقرار مازال بعيد المنال. فالمشهد الأمني يتعقد، كل يوم، أكثر، والتناحر الميليشياوي يعم الجغرافيا الليبية، والتشظي السياسي والمؤسساتي والاجتماعي يزداد اتساعا ويتعمق بمزيد التدخل الإقليمي والدولي، ما يعني أن العام الجديد لن يكون استثناء إيجابيا.

مقدمـــــــــة

لم تكن الأمنيات التي أبداها الكثير من متابعي المشهد الليبي وفاعليه، مطلع سنة 2018، كافية لتوجيه دفة البلاد نحو مسارات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية يمكن أن تلوح منها بوادر الاستقرار والتهدئة. إذ لم تكن السنة المنقضية، في الكثير من تفاصيلها، سوى نسخة معدلة ومضاف إليها من السنوات التي تلت التشظي الكبير الذي أصاب الكيان الليبي، اعتبارا من سنة 2014. وبعد أيام قليلة من دخول سنة 2019، لازالت الأمنيات، ذاتها، قائمة، غير أن شروط التعاطي الواقعي مع مآلات المشهد الليبي، في العام الجديد، تفرض على المتابع والباحث أن يضع في حسابه الفارق بين الأمنيات والعواطف من جهة والاستشراف المستند إلى مؤشرات موضوعية من جهة ثانية.

مشهد أمني متدحرج

تذكّر المواجهات الضارية التي اندلعت، مطلع السنة الجديدة، جنوب العاصمة طرابلس، بين اللواء السابع مشاة (ترهونة) والكتائب المنضوية تحت مسمى "قوة حماية طرابلس"، والمحسوبة على حكومة الوفاق الوطني، بأن الاستقرار الأمني في ليبيا مازال مطلبا دونه تحديات كبرى، وأن الحديث عن ترتيبات أمنية في طرابلس لتجاوز المشهد الكتائبي ومأسسة الجهاز الأمني لا سند له على أرض الواقع. وعلى امتداد سنة 2018 شهدت العاصمة مواجهات متكررة، كان أعنفها، في شهري أوت وسبتمبر، حيث خلفت عشرات القتلى وأضعافهم من الجرحى، وتسببت في تهجير مئات العائلات من أحياء جنوب طرابلس، وأحدثت دمارا معتبرا في البنى التحتية، ووصل، حينها، اللواء السابع مشاة، المحسوب على المجلس العسكري بترهونة، إلى مناطق قريبة من وسط المدينة، قبل أن يتراجع بعد تفاهمات رعتها البعثة الأممية وأدت إلى إلغاء الترتيبات الأمنية السابقة، التي أشرف عليها مستشارها باولو سيرا، بترتيبات جديدة أكدت على وضع الكتائب المسلحة تحت السلطة الفعلية لوزارة الداخلية، وتسليم المعسكرات والأسلحة.

وبعد أشهر من انطلاق الترتيبات الجديدة يتبين أن حظها لم يكن أفضل من الترتيبات السابقة وأنها لا تمثل ضامنا فعليا للخروج من المشهد الميليشياوي. وتزداد الآمال في تحقيق الاستقرار الأمني بالعاصمة تراجعا بعد عودة الاشتباكات بين الأطراف نفسها، وبعد تصريحات وزير الداخلية المفوض فتحي باشاغا الذي كشف، دون تحفظ، أن قرار بعض الكتائب رهن أيدي دول إقليمية، ما يعني أن معطيات الميدان والاعتبارات الداخلية، ليست المحددات الوحيدة التي يخضع لها ضبط المشهد الأمني في ليبيا عموما، والعاصمة خصوصا[1]. وتزداد مؤشرات المشهد الأمني المتوقع، العام الجديد، في العاصمة، قتامة مع إعلان الكتائب التي تشكل "قوة حماية طرابلس" ما يشبه التمرد على وزير الداخلية المفوض والمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني[2].

لا تقف التعقيدات الأمنية عند صراع الكتائب في طرابلس وجوارها، بل تضاف إليها تعقيدات أخرى بعد فتح "تنظيم الدولة" جبهة جديدة في العاصمة عبر شن هجمات استعراضية، بالانتحاريين والسيارات المفخخة، استهدفت أكثر المواقع تحصينا، جد آخرها في الأسبوع الأخير من السنة المنقضية، واستهدف مقر وزارة الخارجية التابعة لحكومة الوفاق الوطني. أما في الجنوب والجفرة، فقد تصاعدت هجمات التنظيم، خلال الأسابيع الأخيرة، موقعة أعدادا معتبرة من القتلى والجرحى والمختطفين. وتنبئ الهجمات التي تعرضت لها بلدات وطرق واقعة بين الجفرة والمنطقة الجنوبية بأن التنظيم تمكن من إعادة بناء صفوفه، بعد طرده من معقله السابق في سرت، وأنه استغل الفراغ الأمني وجغرافية المنطقة لإعادة الاستيطان وإقامة قواعد خلفية لشن الهجمات، ما يعني أن إمكانية تمدده وقيامه بعمليات دامية جديدة، خلال السنة الحالية، متوقع جدا رغم الغارات الانتقائية التي تشنها قوات الأفريكوم، بين حين وآخر، والتي تستهدف قياديين في التنظيم. كما يبدو أن لجوء التنظيم إلى الجغرافيا المفتوحة في الجنوب والجفرة سيجعل مهمة ملاحقة أصعب مما جرى في سرت وجوارها على يد قوات "البنيان المرصوص".

لا يختلف الوضع الأمني في مناطق سيطرة الكتائب المحسوبة على عملية "الكرامة"، كثيرا، عن الوضع في العاصمة والمنطقة الغربية. فرغم سيطرة كتائب حفتر على بنغازي وأغلب أحياء درنة بعد قتال ضار دام سنوات، فإن أعمال القتل لا تزال متواصلة. ففي بنغازي، مثلا، لم تمنع القبضة العسكرية تكرر الهجمات بسيارات مفخخة في أكثر من مناسبة، ناهيك عن الاحتكاكات التي تجري، بين حين وآخر، بين كتائب محسوبة على "عملية الكرامة"، إضافة إلى انتشار الجريمة المنظمة وأعمال التقتيل خارج القانون[3]. أما في مناطق جنوب اجدابيا، فقد تواترت هجمات "تنظيم الدولة" على البوابات والسيطرات، مخلفة أعدادا كبيرة من القتلى والجرحى. وتختلط الأوراق، أكثر، في مناطق الجنوب الموالية لحفتر بدخول تنظيمات مسلحة من دول الجوار على الخط، بعضها على ارتباط اثني وقبلي بمكونات اجتماعية محلية، ما يتخم المشهد الأمني، المتخم أصلا، بمزيد التعقيدات، خاصة وأن الكثير من الكتائب المحسوبة على "عملية الكرامة" في المنطقة الجنوبية ذات هوى سلفي مدخلي، زيادة على ولائها القبلي والمناطقي[4]. ورغم الحديث المتكرر، في الأيام الأخيرة، عن توجهات لمعالجة الوضع الصعب في الجنوب، سواء من حكومة الوفاق أو من معسكر حفتر، إلا أن كل المؤشرات تنبئ بأن الأوضاع تسير نحو مزيد من السوء والتعقيد[5].

تشظ سياسي ومؤسساتي يتسع

رغم محاولات إعادة تأسيس الدولة، عقب ثورة 17 فبراير، من خلال انتخاب مؤتمر وطني عام وتشكيل حكومة انتقالية وإصدار نصوص تشريعية تضمن حقوق الإنسان وتعترف بتنوع المجتمع الليبي، إلا أن هذه المحاولة لم تستمر طويلا، وآلت إلى تشظ سياسي ومؤسساتي واجتماعي حاد تكرس، واقعا، خلال سنة 2014، بظهور معسكرين؛ واحد في طرابلس وآخر في المنطقة الشرقية، لكل منهما حاضنته الاجتماعية والجهوية والقبلية، فيما ظل الجنوب الليبي يراوح بين المعسكرين وبين وضع ثالث تتضاعف فيه عزلته وتنفتح حدوده أمام أدفاق المهاجرين وتداعيات الصراعات في دول الجوار الأفريقي.

ورغم المحاولات العديدة لتوحيد المؤسسات وجسر هوة التشظي الذي ضرب الكيان الليبي، وعلى رأسها الاتفاق السياسي الليبي، الموقع في مدينة الصخيرات المغربية في 17 ديسمبر 2015، ورغم اللقاءات المتكررة التي جمعت رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فايز السراج وقائد عملية "الكرامة" خليفة حفتر وسياسيين آخرين، لم يفلح الفرقاء في التوافق على أي مشتركات يمكن البناء عليها. وبعد ثلاث سنوات من توقيع الاتفاق المذكور لا تبدو في الأفق أي مؤشرات موضوعية إلى إمكانية تجاوز الواقع الحالي خلال سنة 2019 وتوحيد المؤسسات التنفيذية والأمنية والعسكرية على قاعدة اتفاق الصخيرات أو على قواعد جديدة كما يجري الترويج لذلك، من خلال الدعوة إلى مؤتمر وطني جامع، برعاية أممية، وإجراء استفتاء على الدستور وتنظيم انتخابات رئاسية. ورغم تأكيد بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على أن المؤتمر الجامع سيجري في نهاية الثلاثية الأولى من هذا العام، إلا أن معطيات الواقع تؤشر إلى صعوبات وخلافات كبيرة تحول دون تحقيق ذلك، وتبدأ من تركيبته مرورا بمضامينه وصولا إلى مدى استعداد الأطراف المتصارعة للالتزام بمخرجاته. وكانت البعثة الأممية قد وعدت، أواخر 2017، بتنظيم المؤتمر خلال سنة 2018، ضمن "خطة العمل من أجل ليبيا"، إلا أنها عجزت عن الوفاء بوعدها. ومازالت الأسباب التي حالت دون عقد المؤتمر في السنة المنقضية قائمة.

تجاوز الانقسام السياسي الحاد الذي شهدته ليبيا، منذ 2014، مرحلة الصراع الذي يمكن تسويته بجمع الفرقاء إلى طاولة التفاوض وتقريب وجهات نظرهم، إلى مرحلة المأسسة، من خلال بعث مؤسسات سيادية وتنفيذية موازية في المنطقة الشرقية؛ على غرار المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، ناهيك عن حكومة برئيسها ووزرائها[6]. ورغم أن متابعي المشهد الليبي يدركون أن جميع المؤسسات بالمنطقة الشرقية لا تمتلك سلطات تنفيذية حقيقية خارج سلطة قائد عملية "الكرامة" خليفة حفتر، فهو الذي يوجهها بما يخدم مشروع العسكرة، إلا أن وقوعها تحت سقف حفتر، بحد ذاته، عامل رئيس لتكريس حالة التشظي واستبعاد أي إجراءات عملية لتوحيد المؤسسات والأجهزة التنفيذية خلال السنة الجديدة. ففي ظل إحكام حفتر قبضته العسكرية على المنطقة الشرقية والهلال النفطي وتمدد نفوذه إلى منطقة الجفرة والجنوب واقترابه من المنطقة الوسطى، يصبح الحديث عن توحيد المؤسسات، بحسابه، خسارة لمعظم الأوراق التي تمنحه مكانته الحالية، دون أن نغفل أهمية العامل الإقليمي؛ المصري والإماراتي خصوصا، المنحاز بقوة، سياسيا وعسكريا وإعلاميا، إلى معسكر حفتر، والذي يدفعه، عمليا، إلى رفض كل مبادرات التوحيد والانضواء تحت سلطة الحكومة المركزية في طرابلس.

لا يقف التشظي السياسي والمؤسساتي والاجتماعي عند حكومتي طرابلس والبيضاء ومؤسساتهما، بل يتعداه إلى أشكال أخرى من التشظي داخل كل معسكر. فعلى مستوى معسكر المنطقة الشرقية، يشهد الحزام القبلي والمناطقي الساند لعملية "الكرامة" بقيادة حفتر تآكلا وانشقاقات متواترة وتراجعا في منسوب الحماس الذي ظهر عند إطلاقها، منتصف 2014. ورغم خشونة القبضة العسكرية التي يتعاطى بها حفتر مع أي حراك خارج سلطته إلا أن ذلك لم يمنع الكثير من العسكريين والقبليين من الانشقاق، وهو الأمر الذي يتوقع أن يتواصل في السنة الجديدة، خاصة في حال انعقاد المؤتمر الوطني الجامع ومشاركة شخصيات قبلية وسياسية من المنطقة الشرقية دون المرور عبر بوابة حفتر الذي يبدي، حتى الآن، ممانعة في الانخراط في المسعى الأممي الذي يدفع في اتجاه عقد المؤتمر أواخر الثلاثية الأولى. أما على مستوى معسكر طرابلس، وبعد ثلاث سنوات من توقيع الاتفاق السياسي الليبي، يبدو المجلس الرئاسي في حال من التفكك بعد تعليق كل من علي القطراني وفتحي المجبري، عضويتهما، منذ سنتين، واحتدام الصراع بين السراج من جهة ونائبيه عبد السلام كاجمان وأحمد معيتيق، بداية العام الحالي[7]. وتذهب أغلب المؤشرات إلى أن التفكك الذي يضرب المجلس الرئاسي سيتعمق، أكثر، في العام الجديد، خاصة مع إمكانية خروج المؤتمر الوطني الجامع، في حال انعقاده، بصيغة جديدة لمؤسسات الحكم تقطع مع مخرجات اتفاق الصخيرات، وعلى رأسها المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني.

خاتمــــــــــــة

بقراءة موضوعية للمؤشرات الأمنية والسياسية الحالية في ليبيا، لا يبدو المشهد الليبي مقبلا على تغييرات جذرية يمكنها تحقيق الاستقرار أو على الأقل وضع البلاد في بداية الطريق المؤدي إلى الانفراج، خلال السنة الحالية. ورغم نبرة التفاؤل التي تسم تصريحات بعض المسؤولين الليبيين ورئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم بإمكانية جمع الفرقاء على مشروع لخريطة طريق وطنية، قريبا، إلا أن هذا التفاؤل يبدو، حتى الآن، متعاليا على معطيات الواقع الأمني والسياسي والمعيشي الصعب.

 

خليفة الحداد (باحث في الحضارة)

 

[1]  يوتيوب، بي بي سي عربية، برنامج "بلا قيود"، حوار مع وزير الداخلية المفوض فتحي باشاغا، 06/01/2019https://www.youtube.com/watch?v=O25mKWcOd0I

[2] يوتيوب، قناة "ليبيا الأحرار"، برنامج "الملف"، نذير محمود الناطق باسم قوة حماية طرابلس، 19/01/2019 https://www.youtube.com/watch?v=UTK5W4f1o0g&feature=youtu.be

[3]  بلغ عدد ضحايا إطلاق النار في مدينة بنغازي أكثر من سبعة آلاف خلال سنة 2018، بحسب إحصائيات صادرة عن مستشفيات المدينة

[4]  للمزيد: راجع "السلفية المدخلية في ليبيا وأسئلة الهوية والأدوار"، مركز الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية، 16/01/2018

[5]  للمزيد: راجع "الجنوب الليبي: صراع خارج التغطية"، مركز الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية، 4/12/2017 http://www.csds-center.com/old/archives/10735

[6]  الحكومة الليبية المؤقتة التي يرأسها عبد الله الثني وتتخذ من مدينة البيضاء مقرا لها

[7]  انظر "أعضاء من المجلس الرئاسي يجددون اتهامهم للسراج بالانفراد في اتخاذ القرارات"، قناة ليبيا، 12/01/2019

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك