القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

ليبيا ما بعد استقالة سلامة ووباء كورونا

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-03-26 18:35:00 | 636 مشاهدة

ملخّص

يمرّ زُهاء العام على عدوان اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر على عاصمة بلاده طرابلس، دون تحقيف أيّة مكاسب عسكرية تُذكر على الميدان، مما انعكس على الجانب السياسي مع إعلان حفتر قبوله بخيار التفاوض بعدما رفض ذلك مرارا وتكرارا، بينما يظل الحراك السياسي شبه متوقف حاليًّا مع إعلان المبعوث الدولي إلى ليبيا غسّان سلامة استقالته من منصبه مما ساهم في ضعف المجهود السياسي بشأن محاولات التوسط بين الفرقاء الليبيين وبحث حلّ للأزمة السياسية، وبالتالي لم تبق غير تحركات ضعيفة قام بها خليفة حفتر إلى فرنسا وألمانيا وأخرى قادها وزير داخلية حكومة الوفاق فتحي باشاغا إلى فرنسا وبريطانيا، تزامن هذا مع فراغ سياسي عرفه الملف الليبي مع انتشار وباء كورونا وانكفاء كل دولة على نفسها من ناحية، ومع استقالة المبعوث الأممي غسان سلامة.


مقدّمة:

انعكس انتشار وباء كورونا الذي تحوّل إلى أزمة صحيّة عالميّة وربّما سياسية كسرت هيبة الدول وزعمائها بينما رجّح البعض نظرية المؤامرة، على الأوضاع في الساحة الليبية بعدما ضرب المرض بقوة الدول الحليفة لحفتر ومنها الإمارات والسعودية وفرنسا وإيطاليا وروسيا، فانحسر العمل الدبلوماسي خاصة مع استقالة المبعوث الأممي إلى ليبيا، وانحصر في جولات دبلوماسية للمعسكريْن المتنازعيْن لملء الفراغ الأممي الذي استغلته قوات حفتر للتصعيد العسكري وخرق مبادرة ودعوات وقف إطلاق النار، ومنها الدعوة الأممية التي تهدف لوقف العدوان لأغراض إنسانية بغاية الحد من انتشار فيروس كورونا المستجد وكإجراء وقائي في ليبيا التي لم تسجل أية حالة، لكن المخاوف أصبحت مطروحة بقوة خاصة مع انتشار الإصابات في دول الجوار لاسيما مصر ومع تحذيرات من سوء البنية التحتية الصحية وتأكيدات بدخول حالات عبر منافذ تقع تحت سيطرة قوات الكرامة.
 

1 - / تداعيات وباء كورونا :


أ - التداعيات العالمية

بعد تفشّي فيروس كورونا المستجد في الصّين ثم توسّعه إلى إيران وإيطاليا وفرنسا حتى أصبحت أوروبا بؤرة للمرض، ثم أعلنت منظمة الصحة العالمية داء كورونا وباء عالميا.

وإنّ الإنفاق الدولي على هذا الوباء خلق نوعا من انحسار سياسي وانغلاق شبه تام للدول على ذاتها لمواجهة الجائحة الدولية.

وبالنظر إلى طبيعة وباء كورونا الذي ينتشر سريعا عبر العدوى، بقيت ليبيا بعيدة عن تهديدات الفيروس مع إحجام الناس عن السفر إليها نتيجة الحروب المتعاقبة على ليبيا والوضع الأمني الذي أبعد المستثمرين الأجانب بمن فيهم رجال الأعمال الأجانب الراغبين في إعادة الإعمار، وهي العملية التي تعطلت إثر هجوم قائد قوات الكرامة خليفة حفتر على العاصمة طرابلس أفريل العام الماضي. إضافة إلى ذلك فإن عدد الرحلات من وإلى المدن الليبية تقلص بشكل كبير نظرا لحالة الفوضى التي شهدتها البلاد خاصة مع استهداف قوات حفتر لمطار معيتيقة الدولي الوحيد في العاصمة وعدم تشغيل مطار طرابلس العالمي بعد، فانحسرت معظم الرحلات على قلّتها في مطار مدينة مصراته، وبالتالي تقليص احتمال دخول إصابات بالفيروس القاتل إلى التراب الليبي، ناهيك عن إمكانية حصر المصابين من الليبيين المحتمل نقلهم للعدوى من تركيا أو أوروبا بالنظر لكونهم لا يمثلون عبئا فعليا يمكن للكوادر والمؤسسات الصحية في ليبيا على وضعيتها الحالية، السيطرة عليه في مهده حتى لا يحدث مالا يحمل عقباه.

ب - التداعيات المحلية:

رغم تهديدات وباء كورونا الزاحف على العالم دون رحمة، استغل حفتر الانشغال الداخلي والدولي بالفيروس، بينما ركنت الدول الكبرى المتدخلة في الشأن الليبي إلى شبه ارتياح إلى إعلان وقف إطلاق النار المعلن في ليبيا ابتداء من 12 يناير الماضي، بعد تفاهم تركي روسي واعتبر ذلك حينها نجاحا لجهود هدنة أخفقت فيها محاولات أممية ودولية سابقة.

عناصر حفتر لم تلتزم بذلك ولا بانتشار كورونا وتهديداتها لاقتحام البلاد، فتواصلت المعارك لكن بوتيرة أقل تزامنت مع مسارات برلين السياسية والاقتصادية والعسكرية، وتمثلت أعنف هجمات حفتر في قصفها المدفعي لمطار معيتيقة ومينائها البحري وعلى بعض أحياء شعبية مكتظة، في المقابل اكتفت قوات الوفاق بالرد على مصادر التهديد، وتركزت الآليات الحربية عند الطرفين على المدفعية وصواريخ غراد والهاون، بعد إقصاء الجانبان لسلاح الطيران المسير بعد تمكن قوات بركان الغضب من جلب أنظمة دفاع جوي.

لكن أعنف هجوم شنته قوات حفتر منذ بدء عدوانه كان قصف منطقة عين زارة، جنوبي طرابلس بصواريخ الهاون، مخترقا أيضا هدنة مؤتمر برلين الذي نظمته ألمانيا بإشراف أممي، محاولة جديدة وربما أخيرة لرأب الصدع بين الفرقاء الليبيين تحت تأثير "الحصار الكوروني".

وأخيرا وبعد اجتياح فيروس كورونا للعالم، استمرت قوات حفتر في هجماتها على تخوم العاصمة مستهدفة محور الرملة جنوب طرابلس متحدية دعوة الاتحاد الأوروبي وثماني دول غربية وعربية (تونس والجزائر وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وبعثة الاتحاد الأوروبي) لأطراف النزاع إلى إعلان وقف فوري إنساني للقتال، في ظل تهديدات الوباء العالمي. وبينما لم يعلن رسميا تسجيل أي إصابة بكورونا في ليبيا، إلا أن هناك مخاوف جدية من تفشي الفيروس في ظل تأثيرات الحرب على القطاع الصحي خاصة الذي وقع إنهاكه بجرحى الحروب المتتالية، إضافة إلى إمكانية وصول الفيروس عبر المرتزقة متعددي الجنسيات كالذين لقوا حتفهم وقتل عدد منهم مؤخرا على أيدي قوات الوفاق في عين زاره، وقد رجح دخولهم من مصر ودول أخرى موبوءة مما يهدد بانتقال الوباء سريع الانتشار إلى ضواحي العاصمة والغرب الليبي.

إلى ذلك فان هيئة الاستثمار العسكري التي يملكها أحد أبناء حفتر تنظم رحلات جوية بين دمشق وبنغازي عبر شركة مدرجة على لوائح عقوبات وزارة الخزانة الأميركية التي تسمى أجنحة الشام، حيث تقوم طائراتها بجلب مرتزقة من عدة جنسيات من مناطق موبوءة بفيروس كورونا، مما يمثل كارثة صحية على البلاد.

كما تحوم الشكوك والمخاوف من حدوث اختراقات في المنفذ الشرقي امساعد/السلوم مع الجانب المصري الذي يتكتم عن حقيقة الإصابات فيه حيث بلغت أرقاما غير متوقعة أكدها السفير الفرنسي بمصر ووصلت عشرات الإصابات للولايات المتحدة وافدة من القاهرة، وبالتالي فان الشرق الليبي ليس في مأمن من الإصابة خاصة مع تعامله الشديد مع الجانب المصري الداعم القوي لحفتر معنويا وماديا، فضلا عن كون المناطق والمدن الغربية المساندة لحفتر من الممكن أن تستقبل مصابين بالوباء لاستقبالها مرتزقة قادمين من سوريا ومصر وروسيا. ويعوّل حفتر على المرتزقة بعد ما حققه التدخل التركي إلى جانب قوات الوفاق من توازن للقوى بين الطرفين واقتناع كل طرف باستحالة الحسم العسكري، الأمر الذي من شأنه أن يساعد الأمم المتحدة على دفع الطرفين نحو التفاوض للتوصل إلى اتفاق، لولا حدوث ما لم يكن في الحسبان.

 

2 - / دبلوماسية ما بعد سلامة:


أ- فراغ ما بعد سلامة

مع بداية انتشار وباء كورونا وبشكل مفاجئ، قدّم المبعوث الأممي غسان سلامة استقالته مرجعا إياها إلى دواع صحية لا علاقة لها بالوباء العالمي بل يبدو إقرارا منه بالفشل في ملف مثل عبئا عليه، وهو الذي طالما أمل في إيجاد حل له، وربما يكن باستقالته قد أغلق بوادر حل الأزمة أو أخّر فرص حلها، لاسيما بعد إقراره بالوصول إلى تفاهمات خلال محادثات جينيف في لجنة خمسة زائد خمسة العسكرية وسيحمل الوفدان التفاهمات لرؤسائهم، لكن يبدو أن القيادي العسكري بقوات الوفاق أحمد بوشحمة الذي رفض التوقيع على أي اتفاق لوقف إطلاق النار سارعت في إحباط غسان سلامة، خاصة وأن الجهة السياسية للوفاق ممثلة في المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب يرفضان المسار السياسي دون تحقيق نتائج إيجابية في المسار العسكري.

وبعيدا عمّن سيعوض المبعوث الأممي، فان أخطاء كثيرة شابت أعماله وحطت من قيمتها من حيث تحيزه لجانب، من ذلك لم يسمّ الجانب المعتدي في كل إحاطاته الأممية واكتفائه بعبارة أحد أطراف النزاع، وهو ما أحبط من عزيمة الجانب المعترف به أمميا فلم تبق له غير صفة الشرعية، بينما المواقع المدنية تقصف بشكل شبه يومي. أو ربما هي عقدة ذنب شعر بها سلامة، فأي شرعية دولية للوفاق و فرنسا تضفي الصبغة العسكرية على حفتر وهو ما لم تعطه له شرعية اتفاق الصخيرات السياسي.

لكن من المؤكد أن سلامة قد استنزف صحيّا، فالمهمة ثقيلة مع تقاعس المجتمع الدولي وما يُسمّى بالشرعية الدولية ومجلس الأمن الدولي عن تحمل مسؤوليتهم وتدخل دول بكل ثقلها في الملف الليبي فوجد المبعوث المستقيل نفسه في مهب الريح أمام طرف يتوهم القدرة على الانتصار، وطرف آخر فضح مزاعمه، فطال به الصمت فآثر الانسحاب وترك المشهد مفتوحا على كل احتمال.

 

ب - دبلوماسية طرفي الصراع:

في ظل الفراغ السياسي الذي عرفته القضية الليبية وتوقف المسارات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تم اتخاذها خلال مؤتمر برلين منتصف يناير الماضي، لم تتوقف المحاولات السياسية من الداخل الليبي لاستئناف النشاط الدبلوماسي. ورغم تعادل كفة شقي النزاع عسكريا وسياسيا لاسيما بعد توقيع الاتفاقية التركية الليبية واقتناع، فشل سلامة في توفير مناخ الثقة بين الطرفين، والأهم من ذلك الحصول على ضمانات للمضي في خيار الحوار السياسي وتعهدات بتنفيذ ما سيتم التفاهم عليه. ولم تقم نائب المبعوث الأممي الأمريكية ستيفاني وليامز لحد الآن بجهد يذكر، ومع استمرار جمود العمل الدبلوماسي، لم يجد الجانبان المختصمان غير مواصلة حشد الدعم لمواقفهما، فقاد حفتر جهودا سياسية لمشروعه واضعا ثقله في روسيا التي تدعمه بمرتزقة "فاغنر"، وهو الذي رفض أكثر من مرّة، في موسكو في 13من يناير الماضي (قبيل مؤتمر برلين)، ثم في مؤتمر برلين 19 يناير، التوقيع على اتفاق وقف النار رغم أن رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج وقّع في المؤتمر.
وقد اقتصر دور السراج الدبلوماسي بعد استقالة سلامة على أعمال في الداخل الليبي، باستثناء مكالمة هاتفية جرت بينه والمستشارة الألمانية شددت على الحل السياسي، وهي مكالمة يبدو منها أنّه يُراد للسرّاج التوقيع من جديد على اتفاق لوقف النار في برلين في مشهد جديد ما بعد غسان سلامة ترغب فيه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل سحب البساط من باريس وإعادة جمع الجانبين في ملتقى جديد ربما بين السراج وحفتر لوقف إطلاق النار، وبالتالي تملأ ألمانيا الفراغ الذي تريد فرنسا احتكاره، لذلك أعرب حفتر عن قبوله بذلك في باريس خلال زيارته الأخيرة لها. ومن هنا تتخذ باريس المنحازة لمعسكر الشرق الليبي دورا محوريا لا يمكن نكراه، وقد حاولت مؤخرا حكومة الوفاق أن تستميل فرنسا إلى جانبها من خلال إعلان وزير داخلية الوفاق فتحي باشاغا من تونس، أن فرنسا غيّرت من سياساتها في ليبيا وتوقفت عن الدعم العسكري لحفتر، وهي تبدو عملية استفزازية أو خطبا لودّها قبل أن يزورها ويوقع اتفاقيات أمنية ولو خارج الإليزيه، لتأتي زيارة حفتر لباريس بعدها بأيام فقط، ومنها أعرب لأوّل مرّة عن استعداده للتوقيع على وقف إطلاق النار وبأنّه سيلتزم به لو التزمت حكومة الوفاق.

وإذا كان باشاغا يسعى لتصعيد نسق العمل لجلب الدعم للشرعية، فإنه يمكن إيجاد تفسير لغياب السراج ووزير خارجيته على الساحة، كما لا نجد تفسيرا لحديث باشاغا عن التحوّل للهجوم في طرابلس قبيل جولته الدبلوماسية في فرنسا وبريطانيا، غير الترويج لصورته ك"رجل ليبيا القوي"، التسمية التي يطلقها الموالون لحفتر عليه، فيما بدا أقرب للتنافس في معسكر السراج.

أمّا اشتراط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لفتح حفتر لمنشآت النفط توزيعه خارج دوائر المصرف المركزي في طرابلس، خلال زيارة حفتر، فهو يعكس موالاة فرنسا الواضحة للأنظمة العسكرية التي أعطتها الشرعية تارة سرا بالتعامل معها وأخرى علنا. وكذلك في مسألة النفط، ومن ضمن أخطاء وفد الوفاق إلى مؤتمر برلين هو حضوره دون شروط مسبقة، على رأسها مطلب إرجاع النفط ووقف إطلاق وعودة اللاجئين وعودة حفتر لمراكزه قبل العدوان

وتفعيل عملي للاتفاق التركي و الحشد شعبيا والتحول للهجوم عسكريا والدفاع عن عاصمة وشعب وثورة والوفاء لتضحيات شعب.


ج - ملامح ما بعد كورونا:

غادر غسان سلامة مهمة الوساطة الأممية غرّة مارس الماضي كما غادر غيره من المبعوثين الدوليين، فليبيا ليست رهينة أي مبعوث أممي بقدرما هي في حاجة لحل يرضي الطرف المتنطع أو يردعه، ولربما إطلالة الجائحة العالمية على الجوار الليبي باتت تثير قلق الليبيين .

وينحصر مستقبل الصراع الليبي حاليا في ظل تهديدات كورونا للوجود البشري، حول ما إذا سيسهم الوباء في حل الأزمة، فمن يضمن أن الفيروس لا ينتشر فيهدد ليبيا أكثر من الحرب الدائرة نفسها، أو ربما تستغل القوات المعتدية شائعات انتشار كورونا لاقتحام الجبهات وبثّ التفرقة بين صفوف المدافعين عن طرابلس خاصة في ظل تأكيد المتحدث باسم حفتر على استئناف المعارك رغم كورونا وهو ما أعرب عنه أيضا رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح بأن حكومته مستعدة لمواجهة قوات الوفاق ومقاومة فيروس كورونا معا، وهو الفيروس الذي لم تقدر عليه إيطاليا وإيران حيث الجثث في الشوارع.

في المقابل يطالب الشارع المناهض لحفتر بشن هجوم واسع وإبعاده عن ترهونة، وقلب الموازين خاصة مع إمكانية تراجع الدعم العسكري والمادي للإمارات والسعودية لحفتر مع انهيار أسعار النفط وانهماك حكومات هذه الدول في سبل مكافحة داء كورونا. بينما ينتظر البعض من حفتر إيقاف الحرب نزولا عند مقولة إن السياسة أخلاق أولا تكون، ونزولا عند الحاجة الإنسانية لإنقاذ الجنس البشري من الفناء، وبالتالي توقف الدول الداعمة لحفتر خاصة العربية منها الإمارات والسعودية ومصر، واهتمام الجامعة العربية بمعاضدة المجهود الدولي في مكافحة الفيروس وسبل إيجاد لقاحات للداء العالمي، كما فعل الأوروبيون. هذا بينما تبقى إمكانية ظهور أصوات معارضة في الشرق الليبي تندّد باستئناف المعارك أمرا واردا طالما أن الوباء سيذهب بأرواح الجميع، ولا يفرّق بين فرد وآخر ممارسًا نوعا من الدكتاتورية بإطاحته بنرجسية وأطماع المستبدين، وهذا يطرح مسؤولية مؤيدي حفتر في ظل تكاتف جهود الدولة الواحدة، قبل العالم كله وتجنّده ضد توسع المرض، فمن مازال يؤيد حفتر في هكذا ظروف ؟ وأيّ أفكار وعقيدة تؤيد من يؤيد حربا في ظل وباء مبيد للجميع ؟! وأي أخلاق تواجه وباء بحرب على الناس قبل محاربة الوباء نفسه، وبمشروع قوامه المرتزقة ؟! وهل تأكل الجيوش شعوبها زمن الأوبئة ؟ ألا تتوحد المعارضة وأشرس النقابات العمالية في حكومات العالم مع الحزب الحاكم عند الشدائد والأخطار الداهمة ؟

وكما أنّ تدخلا دوليا كبيرا مستبعد جدا، فلكل دولة اليوم جائحة تغنيها، كما أن دخول هذا الفيروس المرعب من مصر واحتمال تثبيطه الجبهات وإخماد نارها من خلال تهديده حياة مئات أو آلاف المقاتلين من الطرفين أمر لا يتمناه أحد لكن ليس كل ما لا نتمناه غير وارد، وبالتالي يبقى الوارد هو أن تتحوّل قوات الوفاق من الدفاع إلى الهجوم وهو ما يطالب قطاع شعبي واسع في الغرب الليبي، أو عسى أن يجمع كورونا المخيف كل الفرقاء الليبيين ولو مُكرهين سياسياًّ نحو حلّ شامل، وإيقاف الحرب، مقابل ضمانات بأنّ نهاية الحرب لا تعني حفتر ومشروعه.

ومهما يكن من أمر، فإن هذا الوباء سيمثل انقلابا ليس في ليبيا فقط بل في بلدان العالم، وإذا كانت كل المؤتمرات السابقة للسلام مثل مؤتمر برلين هي نتاج بيادق الصمود (بعد منحها حفتر عدة فرص للانتصار)، فان الوباء الجديد سيكون كغيره من المحطات التاريخية الكبرى ذات التأثير في العلاقات الدولية، فمن ضمن انعكاسات كورونا ونتائجها المحتملة، هو انهيار حكومات وظهور أخرى، وانطلاقة جديدة لسياسيات دولية ستُرسم على أنقاض الوباء الذي أطاح بكبرياء أكبر زعماء العالم وأشدّها قوة عسكرية، أطاح بهيبة وعظمة القوى العسكرية العملاقة، وببارجاتها الحربية وصواريخها العابرة للقارات وقنابلها النووية، كما أنسى الأذهان مقولة توازن الرعب النووي فهناك ما أقوى منه استنزافا وعنفا وإبادة !

وبالتالي سيقلب هذا العدوّ غير المرئي الاستراتيجيات وموازين القوى الدولية التي قد ينتج عنها مشهد ليبي جديد بعيدا عن الأنظمة الاحتكارية للسلطة والاستعبادية للفرد .


خاتمة:

مضاعفة قوات حفتر هذه الأيام لجهودها الحربية وتكثيف هجومها على أحياء العاصمة، وإن قوبل بصدٍّ قوي من قوات حكومة الوفاق، فلا يبدو أنّ معسكر حفتر آبهاً بتداعيات وباء كورونا فهو مستمر في عدوانه ودعمه بالسلاح، مع استمرار حفتر في تقلّبه التفاوضي وخرقه لوقف إطلاق النار، في الوقت الذي تبدو فيه تركيا الحليف القوي لحكومة الوفاق منهمكة في الواقع السوري وتأثيرات العدو الوبائي الجديد، وبالتالي التخوّف أكثر من انتقال الوباء للشمال السوري على جنودها وعلى المنطقة واللاجئين حيث البنية الصحيّة المهترئة مما سيزيد في ثقل الحمل على أنقرة، لكن يبدو أن الملف السوري كما الليبي هو مسألة حياة أو موت فلن توقف تركيا دعمها العسكري للجانب الشرعي بأحدث التكنولوجيات العسكرية، وهي القوة التي يُعتد بها في حلف شمال الأطلسي.

مختار غميض (صحفي تونسي)

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك