القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

ليبيا في مفترق الطرق: هل تنجح أمريكا في الاستثمار في السلام بين الليبيين؟

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-08-28 11:57:00 | 911 مشاهدة

 

ملخّص:                                         

يرتهن الوضع الليبي حاليا، إلى أمرين اثنين: إما معركة كسر عظام قد تتوسع بحكم التحالفات أو حل سلمي يراعي مصلحة الطرفين المتنازعين، وهو ما تروّج له المبادرة الأمريكية الأخيرة لحل النزاع، عبر جولات تمهيدية مكّوكية للسفير الأمريكي بطرابلس ريتشارد نورلاند مع المسؤولين الليبيين والدوليين، وكذلك للممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة بالإنابة ستيفاني وليامز ، وقد تبع ذلك زيارات إلى شرق ليبيا وغربها وإلى القاهرة وتركيا وروسيا وإيطاليا، ليتمخض عن ذلك إعلانان منفصلان متزامنان يختلفان ويأتلفان في آن، لكل من رئيس مجلس النواب المنعقد بطبرق  عقيلة صالح، ورئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، أعلن فيهما الرجلان قبولهما بوقف شامل لإطلاق النار في كامل تراب ليبيا، لكن البيانين بيّنا خلافات كبيرة في التفاصيل، حيث تكمن المشاكل، العقبة التي قد تخفي مناورة لا أكثر لإعادة رسكلة حفتر تحت مسمى جديد، بعد عام وشهرين من الهزائم انتهت بطرد قواته من آخر جيوبها في ترهونة في الرابع من يونيو الماضي، بينما ما تزال قوات الوفاق تتمركز في منطقة بويرات الحسون، آخر نقطة غرب مدينة سرت الساحلية الإستراتيجية، المحور الوحيد المفتوح حاليا أمام أي تطورات أو مفاجآت عسكرية أو سياسية، خاصة في ظل التحشيد العسكري من قوات الوفاق ومن قوات حفتر على حد السواء، ومن هناك جاء المقترح الأمريكي للتهدئة كحل لليبيين وقطعا للطريق أمام روسيا التي تدخلت بثقلها في ليبيا حسب إثباتات القيادة الأمريكية في شمال إفريقيا "أفريكوم".

مقدّمة:

هل تتحوّل سرت من منطقة حمراء إلى خضراء على الطريقة الأمريكية، أمام حالة اللاحرب واللاسلم التي ميّزت المشهد الليبي منذ شهرين؟ حيث وافق رئيس المجلس الرئاسي في طرابلس فايز السراج ورئيس برلمان طبرق عقيلة صالح على اتفاق مبدئي للتهدئة باقتراح من البيت الأبيض في كامل التراب الليبي، وهو نتاج تفاهمات ثلاثية بالدرجة الأولى، أمريكية تركية روسية تشترط وقف إطلاق النار ونزع سلاح منطقتي الجفرة وسرت، وتفكيك المليشيات، وتقوم أجهزة الشرطة من الجانبين بالاتفاق على الترتيبات داخل سرت كعاصمة مؤقتة، و إعادة تصدير إنتاج النفط وتنظيم انتخابات رئاسية و برلمانية على أسس دستورية، إضافة إلى تأجيل المباحثات العسكرية، في بيانين لا يخلوان من ألغام كثيرة وإن ظهرا متشابهين، وعليه فإن المسألة تقف على مدى قدرة الضامنين الدوليين على فك حقول الألغام تلك، وتوفير مناخات الثقة أمام الفرقاء وتحويل سرت من سبب انقسام إلى عامل وحدة وتأسيس، ولاسيما التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار ضمن صيغة جديدة يتم إقرارها بموجب محادثات اللجنة العسكرية الأممية.

  1. العوامل الخارجية في صنع السلام الليبي:

أ- منطق اللاّحرب واللاّسلم:

لا شك أنّ جهودا ديبلوماسية مكثفة استوجبتها حالة اللاسلم واللاحرب بعد هزيمة حلف حفتر في ليبيا وتلقيه ضربات موجعة خاصة بعد خسارته قاعدة الوطية الجوية ومنظوماته الدفاعية، فطرح رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح أوّل مبادراته السياسية للحل، مباشرة بعد يوم فقط من إعلان الناطق باسم قوات حفتر، أحمد المسماري هزيمته بما سماه الانسحاب التكتيكي فجر التاسع عشر من ماي الماضي لتنكفئ إلى منطقة وادي جارف غرب سرت.

بعدها تقريبا، ظلت الجبهة على حالها مع تلقي معسكر حفتر هزيمة قاسية، سِمتها الهدوء تماشيا مع رغبة المتدخّلين في الصراع بعدم التصعيد العسكري، خاصة تركيا وروسيا اللتين لم تكملا مشاوراتهما حول مستقبل النزاع، من ناحية، ومع القلق الكبير للولايات المتحدة من ناحية ثانية، بشأن تزايد النفوذ الروسي في المنطقة بعد تورطها في المستنقع السوري واحتلالها موانئ ومطارات في ليبيا، وفق صور موثقة لل"أفريكوم"، لذلك خيّرت واشنطن التحالف مع أنقرة الحليف القوي في حلف الأطلسي لضمان مصالح في إفريقيا ثم في جنوب المتوّسط.

لذلك، ومنذ شهر يونيو بدأ التحرك الأمريكي الفعلي من خلال القيادة الأمريكية في أفريقيا "أفريكوم"، لكن حدّة اللهجة الأمريكية كانت يوم الرابع من أغسطس، مع إعلان الإدارة الأمريكية رفضها المطلق للتدخل أو التواجد العسكري الأجنبي في ليبيا أو بقاء المرتزقة فيها وقطع تصدير النفط، ودعا إلى تنفيذ حلّ منزوع السلاح في سرت والجفرة، وهو ما كان وراء إطلاق المبادرة الأمريكية للحل.

وفي التاسع من أغسطس كشف السفير الأميركي لدى القاهرة، جوناثان كوهين، عن المبادرة الأمريكية بعد اجتماعات واتصالات برئيس برلمان طبرق عقيلة صالح ومستشار الأمن القومي للوفاق تاج الدين الرزاقي في ما يخص مقترح من نقاط ثلاث، إنشاء منطقة منزوعة السلاح، وإعادة توزيع الثورة، وسحب المرتزقة من ليبيا.

بعد الجانب الأمريكي، تدعمت المبادرة في العاشر من أغسطس، حيث عرض  السفير الأمريكي لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند، مع عقيلة صالح، في القاهرة، مبادرة واشنطن تتضمن وقف دائم لإطلاق النار وتحقيق انسحاب كامل للقوات الأجنبية والمرتزقة، ودعم الحوار السياسي الذي تقوده الأمم المتحدة، وخاصة دعوة صالح للترويج لحل منزوع السلاح في سرت والجفرة، وفتح النفط مع ضمان إدارة عائدات النفط والغاز بشفافية، وتنظيم انتخابات نزيهة وسلمية.

ويوم ال17من أغسطس وضمن نفس الجهود جاءت زيارة وزيري الدفاع في قطر وتركيا إلى العاصمة طرابلس، التي تعتبر آخر المجهودات الفعلية، بل الضوء الأخير لحل قضية سرت الجفرة ومنشآت النفط، وهي زيارة مزدوجة تطرح التحذير من حرب كبرى أو تسوية في الأفق.

وهنا تأتي رمزية الضيف القطري الذي جاء لأول مرة على عكس نظيره التركي، وما تلك إلا رسالة تصعيدية لحلفاء طرابلس، بأن قطر أعادت الملف الليبي إلى مكانته، وعادت كفاعل أقليمي لحل الأزمة.

كما أن زيارة الوفدين العسكريين الرفيعين لأهم حليفين استراتيجيين لليبيا كانت تشير لشيئين قادمين إما معركة كسر عظام، أو التنازل واستئناف الحوار في واقع كره فيه الجميع الاحتراب.

ثالثا، يأتي الجانب الألماني، حيث ترافقت الزيارتان السابقتان بزيارة متزامنة لوزير الخارجية الألماني هايكو ماس، الذي حذّر من التصعيد، ودعا إلى استغلال الزخم الكبير للدفع نحو الحل، ثم طار مباشرة إلى أبوظبي للحثّ على إنشاء منطقة منزوعة السلاح، ومارس ضغوطا على الإمارات لمطالبة حفتر بالقبول بالمقترحات الأممية بشأن هذه المنطقة.

ثم جاءت رابعا، في اليوم التالي ال18 من أغسطس، زيارة رئيس المخابرات المصرية خالد مجاور إلى خليفة حفتر في مقرّه بالرجمة حاملا رسالة من السيسي، ثم أعلن حفتر بعد ساعات فقط رفع الحصار عن الموانئ النفطية، وهو ما يؤشر بقوة إلى تدخل إماراتي ضاغط على حفتر.

ولئن أعلن الناطق باسم قوات حفتر أن القرار يشمل تصدير مخزون النفط في الموانئ وليس إعادة فتح للحقول، فإن ذلك في جزء منه يعكس تخوف حفتر من انتفاضة الداخل وهو الذي وظّف القبائل دائنا في موضوع إغلاق حقول النفط، أمر تفسّره حالة التذمر والاحتقان الشعبي في سرت وبنغازي وطبرق وشحات، ضد الفساد، وغياب الكهرباء والماء وتردي البنى التحية للخدمات والصحة، وهذا التوافق الشعبي الفريد في حاجة لدراسة وتحليل عميق، وهو أحد الأسباب البعيدة للقبول بالحل والتوافق.

ب - اختلاف وائتلاف:

مثّل يوم الجمعة ال21 من أغسطس مفاجأة لكنها كانت متوقعة للمتابعين بعد الجهود الدبلوماسية المكثفة على مدى الأشهر الماضية كانت ثمرة  إعلان عقيلة صالح (القائد الأعلى للقوات المسلحة المفترض الذي ينازعه حفتر على اللقب)، بيانا يقبل بوقف إطلاق النار، بالتزامن مع صدور بيان عن رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج (القائد الأعلى للجيش المعترف به دوليا) أعلن فيه كذلك وقفا كاملا لإطلاق النار في عموم ليبيا.

وبغض النظر عن مدى جدية الطرح الطرابلسي والطرح البرقاوي لحل الصراع في بلد بات فيه الخلاف الدولي ينذر بانقسام خطير ومؤثر ليس على ليبيا فحسب، بل على المنطقة والإقليم، فإن بيانيْ صالح والسراج يبدوان ومن خلال ديباجتهما نتاج "الوضع الحالي" وهي العبارة الموجودة في البيانين، نظرا  للضغوط الكبيرة الداخلية، حيث يشيران إلى استفحال الأزمات ومنها وباء "كورونا" المتكررة كذلك في البيانين، ما يعني ضمنيّا أن الدعوتين جاءتا تفاديا للحرب المكلّفة وبالتالي قبولهما بالسلام كجسّ نبض على الأقل.

وبذلك يبدو البيانان ظاهريا وعموما منسجمين مع المبادرة الأمريكية التي تنص على وقف إطلاق النار وإخراج المرتزقة واستئناف تصدير النفط وتحويل أمواله إلى جهة محايدة، وإجراء انتخابات، فيما يبدو بيان السراج أكثر انسجاما مع المبادرة خاصة في نقطة نزع السلاح في منطقة سرت والجفرة.

ومن حيث التوقيت، لا يعد البيانان مفاجأة ولا صدفة، وربما كانت المفاجأة ستحصل لو كانا متطابقين تماما من حيث الصياغة، لكنهما اختلفا، فبيان صالح لم يدعُ صراحة إلى إنشاء منطقة منزوعة السلاح في سرت، وإنما لإخراج جميع المرتزقة وهو الذي لا يعتبر قوات حفتر مرتزقة أو حتى ميليشيات، ولا شك أنها ستكون نقطة خلافية كبيرة، فماذا يعني بإخراج جميع المرتزقة من سرت الجفرة.

في المقابل قالت قوات الوفاق إنّ الأوامر أتتها وستلتزم بها، فلماذا لم تقل قوات حفتر ذلك في الجبهات الغربية بسرت حيث تتمركز ؟! لم تصدر أي بيان أو حتى مجرد تصريحات موافقة لرئيس برلمان طبرق الذي يفترض أنه القائد الأعلى للجيش، وهو ما قد يشير من زاوية ثانية إلى أن المتحكم الفعلي على الميدان العسكري هم قوات المرتزقة الروسية "فاغنر" التي تحتل الموانئ النفطية وكل منطقة الهلال بدءا من سرت.

لكن عقيلة صالح بدا واضحا في موالاته لحفتر رغم ما أشيع من خلافات، ومن معلومات تفيد بأنه تم استبعاد مصر والإمارات تماما من المحادثات المتعلقة بوقف إطلاق النار التي اقتصرت فقط على تركيا وروسيا أما أمريكا فهي صاحبة المبادرة، والحديث عن ضغط إماراتي مصري حاليا لإشراك حفتر الذي يشعر بالاحتقان.

ومن خلال أول تصريح لعقيلة صالح بعد بيانه، تساءل "من أين أتى مصطلح سرت والجفرة كمنطقة منزوعة السلاح"، وكأنّه يتنّكر للنقطة التي تشير لإخراج جميع الميليشيات والمرتزقة وتفكيكها وتأمين سرت من قوات من جميع جهات البلاد، أو هو ينكر أوامر نورلاند له بالترويج للمنطقة منزوعة السلاح.

وعليه يبدو عقيلة صالح، قد جمع بين ما لا يُجمع، بالتنصيص على المبادرة الأمريكية وإعلان القاهرة في آن، لذلك جاء بيانه الجديد بالموافقة على سرت كمقر للمجلس الرئاسي الجديد حيث يتم تأمين المدينة من قوات مشتركة، وهو ما يعني أن قوات حفتر ستبقى بعدتها وعتادها الثقيل بمحيط منطقة سرت، ناهيك عن عدم إشارته إلى الجفرة التي لم يذكرها حتى بالاسم في بيانه، على خلاف السراج الذي وافق على سرت الجفرة منطقة منزوعة السلاح.

وهذا يعني نفس هدف حفتر الذي ظل متمسكا بالانقلاب حتى في عزّ هزيمته عندما طالب يوم ال23 من أبريل بإسقاط اتفاق الصخيرات برمته داعيا إلى تفويض شعبي على طريقة السيسي،  ثم أعلن قبوله التفويض، لكن عقيلة صالح عارضه وظهرت بوادر انشقاق بينهما، وأطلق مبادرة تقضي بتشكيل مجلس رئاسي من ثلاثة نواب من ثلاثة أقاليم، يتم اختيارهم  أو التوافق عليهم تحت إشراف أممي، ليتواصل الخلاف بينهما لولا أن جمعهما السيسي تحت عنوان إعلان القاهرة لوقف إطلاق النار في السادس من يونيو.

فبيان صالح تضمن كل تلك النقاط من إعلان القاهرة وتكوين مجلس رئاسي جديد إلى حين تنظيم انتخابات متماهيا مع مقترحه القديم الذي قدمه بإملاء من الروس وباعترافه (لقطع الطريق عن تفويض حفتر )، لذلك يبدو بيانه مليئا بالألغام كالذي يحاول إرضاء الجميع، أو مناورة سياسية جديدة.

حفتر الذي ما يزال ضد إخراج سرت من المعادلة ولم يوافق عليها كمنطقة منزوعة السلاح، كما أن الناطق باسمه قال إن فتح النفط لإفراغ الخزانات وليس لمواصلة الإنتاج والتصدير وهذه النقطة مخالفة لما جاء في بيان صالح من مواصلة إنتاج النفط وتصديره.

وفي حال رفض حفتر ذلك، الذي يخرجه أنصاره حاليا في صورة المنتصر بينما الانتصار  الحقيقي جاء من حكومة الوفاق التي أجبرت أمريكا على اجتماع سفيرها بالقاهرة مع عقيلة صالح والضغط عليه.

وبالتالي لو رفض حفتر فتح النفط أو لم سمح بذلك، فإن حكومة الوفاق لن تقبل إلا بانسحاب كامل وشامل وغير مشروط من كل الموانئ والحقول النفطية، وهو ما قد يتحقق بضغوط الأطراف المعنية بتطبيق المبادرة وإلا فان ذلك لا يعد غير تأجيل للصدام.

لكن يكفي أن اسم حفتر لم يرد في المبادرتين، لا باسمه ولا بتوقيعه، بل إن مبادرة صالح وردت في ورقة بيضاء لا تحمل حتى اسم مجلس النواب، على عكس مبادرة السراج التي جاءت بشكل رسمي باسم المجلس الرئاسي.

يبقى مشكل القاعدة الصلبة للانتخابات وهي الدستور الذي ستقام عليه، وتشعبات المسألة، فهل ستقام باستفتاء على الدستور الجديد الجاهز منذ عامين للاستفتاء أم على الإعلان الدستوري أم بالدستور المعدل للستينيات، فالجميع مدرك أنه لا انتخابات موثوقة كما تطالب الإدارة الأمريكية، دون دستور دائم وضامن وهو ما يحاول حفتر منذ سنوات لمنع تأسيس دولة المؤسسات وأهمها الدستور.

وتنظيم انتخابات بدون دستور يعد انتصارا لحفتر فلا ضمانة من عدم التصويت له في المنطقة الغربية إذا سمح له الترشح كعسكري فضىلا عن حيازته على الجنسية الأمريكية.

وفي كل الأحوال تجمع الأطراف على انتخابات بإشراف دولي كامل تمهيدا لإنهاء المراحل الانتقالية، وتفعيل العدالة الانتقالية ومقاضاة المجرمين.

2-  سرت: عاصمة التوافق بين غرب ليبيا وشرقها:

أ_ التوافق المغشوش:

في نزع سلاح سرت وجعلها عاصمة مؤقتة، قد تتبادر إلى الذهن المنطقة الخضراء في قلب العاصمة العراقية بغداد التي أقامتها السلطات الأمريكية هناك لحماية الحكومة، رغم أنّ الفرق واضح بين مشروعين مختلفين في ليبيا حيث جاء التغيير الشعبي من الداخل والعراق التي جاء التغيير من الخارج وعلى ظهر دبابة بحجة التحرير، هذا مع اختلاف السياقات والظرفيات التاريخية. هذا مع إصرار روسيا إلى تحويل سرت والجفرة إلى منطقة حمراء على لسان السيسي، حيث توجد مرتزقتها "فاغنر" لحماية حقول الذهب الأسود، وهذا وراء إعلان حكومة الوفاق الوقف الفوري للعمليات العسكرية في ليبيا وتأمين المنطقة على غرار موقف رئيس برلمان طبرق في توافق يتماشى و الرؤية الأمريكية-الألمانية وبدرجة أقل الإيطالية؛ من شأن ذلك تفويت الفرصة وسحب البساط من تحت أرجل المتربصين بالمنطقة والعابثين بأمنها لسرقة ثرواتها والركوب على ثوراتها وتجييرها لصالحهم.

 لتفادي ذلك مبدئيا يكفي موافقة رئيس حكومة الوفاق فايز السراج، على جعل سرت والجفرة مناطق منزوعة السلاح وإعادة تشغيل الموانئ النفطية ووقف إطلاق النار بشكل كامل (لذلك جاء بيانه أكثر تطابقا مع المبادرة الأمريكية من بيان صالح)، فهي إن لم تعنِ خسارة حفتر وفقدانه السيطرة على منطقة الهلال النفطي، تعني بالضرورة خسارة عقيلة صالح لصورته أمام الجميع ومزيد فضح المطامع الروسية والمصرية في النفط الليبي بفضل المرتزقة كقوة احتلال.

وعلى عكس ما سبق، أي في حال تم إخراج حفتر من المعادلة وقبل عقيلة بالمبادرة فيعني ذلك خسارة حفتر وفقدانه السيطرة على منطقة الهلال النفطي.

لكن لا بد من الإشارة إلى احتمال قد يعبث بكل الجهود، وهو فشل السفير نورلاند في إقناع عقيلة صالح بالقاهرة بنزع السلاح في سرت، وبالتالي خرج دون أي اتفاق نهائي، وهنا قد تصبح العملية مناورة سياسية جديدة لصالح حفتر بحيث تصبح المبادرة الأمريكية مفصّلة للتنصّل من التزاماته الدولية، كما تنصل في جميع المبادرات السابقة، ربحا للوقت واستثمارا في الظرفية التي تمر بها ليبيا خاصة مع استفحال أزمة كورونا وفشل مخطط قطع الكهرباء الذي اكتوت به المنطقة الشرقية أيضا.

وعليه فإن المخاوف من أن يصبح صالح مفاوضا ضعيفا يحرّكه حفتر من خلف الستار بعد سلب إرادته، كما تم استعماله من قبل في ورقة الحقول النفطية، لاستفزاز الرئاسي في طرابلس للقبول بمقترحاته، وأولها أموال النفط مقابل إحداث مجلس رئاسي جديد، لكن السحر انقلب على الساحر مع الضغط الخارجي لاستمرار إنتاج النفط

وبالتالي لا يمكن الرهان على خلاف كبير بين صالح وحفتر، فخلافها خلاف فروع دائما لا يرتقي إلى الأصول، أما أمريكا فتبحث عن انتصار  قبيل الانتخابات الرئاسية نوفمبر المقبل، وتركيا تبحث على توريط حلف حفتر بجرّه إلى الحوار بعد فضحها مرارا للإمارات وفرنسا بالتورط في المستنقع الليبي، والأمارات تحاول التدرّع بدولة قوية إقليميا لإنقاذ نفسها بعد الشلل الذي أصابها وتكلفة حروبها الفاشلة.

وإذا نجح المخطط المتفق عليه من قبل حكومة الوفاق وصالح وحدث توافق بينهما، فهذا يعني بالضرورة أنّ حفتر انتهى بدون رجعة وربما ينتهي به الأمر ملاحقا في أروقة القضاء الدولي خاصة مع الشكاوي المقدمة ضده في أمريكا من قبل المواطن الليبي الأمريكي.

إلى ذلك تنضاف إشكاليات عائدات النفط، فربطها صالح وفق إعلان القاهرة ومؤتمر برلين أما السراج فحصر ذلك بمخرجات برلين، فتقسيم عائدات الثروة النفطية بالتساوي قد يعزز النعرات التقسيمية والجهوية مستقبلا وقد تطالب الجهات الأكثر كثافة بنسبة أكبر من الثروة، تماما مثل مشكل العاصمة المؤقتة لكن قبل الحديث عن أيّة تفاهمات لابد من توفير ضمانات وبناء جسور ثقة بين الفرقاء الليبيين.

ب - حظوظ نجاح المقترح الأمريكي:

لا شيء يبدو واضحا حتى الآن ما لم نطلع على التفاصيل لكشف أغوارها، ففيها دائما تكمن المشاكل وأم الأزمات، فكيف نتحدث عن منطقة منزوعة السلاح، وروسيا ترتع بمرتزقتها في الآبار النفطية في هلال سرت وفي قاعدة الجفرة المحاذية، بالتالي يبدو هكذا حديث مؤجل وسابق لأوانه.. فما هي آليات التنفيذ وما الإطار القانوني وما ضمانات التطبيق ؟

يعد استئناف الحوار على مخرجات مؤتمر برلين، الذي ينص بدوره على شيئين، أن الاتفاق السياسي مرتبط بمؤتمر أبي ظبي ومؤتمر باريس، وهو مرتبط بالترتيبات العسكرية في القاهرة المتمخضة عن تفاهمات جينيف، وتلك كلها بداية ألغام جديدة وليست نهاية حل، وفوق كل ذلك يبقى التخوف قائما مع تعزيز تحالف دولة الإمارات المتمسكة بحفتر لآخر رمق، مع الكيان الصهيوني، قائما بجدية بإعادة رسكلة حفتر كمشروع عبر عملية ترقيعية تجميلية تسوّق لوجه جديد، وهو متزامن مع حراك داخلي يريد تولية نجل العقيد الراحل سيف الإسلام القذافي حاكما، وما التظاهرات و "الحملات الانتخابية السابقة لأوانها" في سرت و بنغازي وهي التي أثارت رعب ومعارضة "الحفاترة". إلى جانب عدم معرفة مصير سيف وحفتر،  سيف الذي نفضت عنه روسيا الغبار، لكن يبدو أنها تخلت عنه كما تخلت عن أبيه من قبل لصالح عقيلة صالح، وحفتر الذي يبحث عن حصانة من قضايا أمريكية مرفوعة ضده، كما تؤكد دوائر إعلامية غربية.

وثمة تخوف آخر، هو أن تكون العملية إعادة تفاهم للدول الخارجية وتوزيع للأدوار على ثروات ليبيا، ومن هنا انشغالهم بالنفط واشتغالهم عليه، على حساب الشعب الليبي الذي يعاني شرقا وغربا كما بات واضحا للعيان، وهو ما قد يعزز الثقة لدى الليبين بأن الحوار لا يكون إلا ليبيّا ليبيّا، واستبعاد كل الأجندات الدولية المشبوهة، بل الاستعمارية المتوحشة.

قبل كل ذلك، لا يمكن قطع يد السارق قبل سرقته، فإن التنازلات التي قدمها عقيلة وهي إبعاده حفتر من دفة الحكم، وعدم استشارة السراج لجماعته، فإن المقاربة الأمريكية قائمة على تحديات أمريكية كبرى بدأت فيها ومن الصعب أن تتراجع عنها أمام الروس خاصة وأن كلمتها مسموعة في معسكر حفتر، السعودية مصر والإمارات، زيادة عن دعم تركيا وحلف الأطلسي والأوروبيين، وبالتالي فإن القوة صاحبة المبادرة قادرة على ضبط وتعديل أوتار الحل، مع دعم الدول المانحة يمكن إفراز مشهد ليبي جديد.

خاتمة:

غياب حفتر عن المشهد بطريقة مباشرة بعد انكساره في المنطقة الغربية لا يعني عدم تحكمه في خيوط اللعبة السياسية  مستقبلا رغم محاولات إظهار عقيلة صالح، كما أنّ دخول الأمريكان على خط الأزمة الليبية بهذا الحجم الأول من نوعه لا يعني نجاح مقترحهم في الحل إذا لم تتوفر الضغوط اللازمة وإلا فستتحول الأزمة إلى قضية دولية بامتياز قابلة للاشتعال في أي لحظة، وبالتالي أصبحت من القضايا التي تحتاج لعدة مستويات في التحليل، ورؤية تعتمد على مراحل زمنية شتى تغطي المستقبل المنظور والبعيد الاستراتيجي، حتى يتم الاستجابة إلى التحديات، لذلك من الصعب فهم توزيع المؤثرين في الخارطة، وبالتالي، لئن كان بالإمكان تفادي نشوب حرب طاحنة في سرت الجفرة منذ شهرين بجعلها منطقة ساخنة بلا حرب،  فان تحويلها إلى منطقة منزوعة السلاح هو رهين تفاهم القوى الكبرى خاصة روسيا وتركيا، ومعلوم أن تضاعف حجم الدعم الروسي لقوات حفتر هو بقصد تحسين شروط التفاوض، لكن بدخول العم سام استطاع فرض معادلة عقيلة صالح بدلا عن خليفة حفتر، والقبول بعقيلة كمخاطب وحيد في الشرق، وهو ما أدركه حفتر عند صمت حليفه بوتين عن أردوغان الذي كان وراء انهياره غربا، وفي المحصّلة إن زر التحكم في ليبيا هذه الأيام تحت يد الولايات المتحدة، في محاولة لانتزاع ليبيا من حرب كانت وشيكة وطاحنة.

 

مختار غميض (باحث في الشأن الليبي)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك