القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

ليبيا على مشارف مرحلة جديدة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-10-04 11:00:00 | 975 مشاهدة

ليبيا على مشارف مرحلة جديدة

 

ملخص

تشهد ليبيا حراكا سياسيا وعسكريا ينبئ بدخول البلاد مرحلة جديدة من التسويات والتحولات قد تكون مغايرة لما سبقها من مراحل الصراع الممتد على مدى سبع سنوات . هذا الحراك القائم ليس وليد حالة داخلية فقط وإنما هو مرتبط بجملة من الترتيبات الدولية في علاقة بما يجري في سوريا وفي اليمن والخليج العربي وإيران وحتى داخل الإتحاد الأوروبي. فما طبيعة ما يجري في ليبيا ؟ وما علاقة الأطراف الدولية بذلك؟ وما هو  المخطط المرسوم للبلاد؟ أسئلة ملحة نطرحها ونحاول في هذه الورقة الإجابة عليها أملا في إيضاح الصورة، ذلك أن الملف الليبي من الملفات شديدة التعقيد والتي تستوجب متابعة دقيقة في التحليل لأجل مقاربة دقيقة للفهم. 

مقدمة

لا شكّ في وجود رغبة  حقيقية لحلحلة الأوضاع في البلاد لأن في ذلك مصلحة دولية قبل أن تكون مصلحة ليبية. إذ المعلوم أن ما يجري في ليبيا حرب دولية بالوكالة تغذيها التناقضات الداخلية. فليبيا ليست بلدا عاديا من حيث حجم الثروة وآفاق الاستثمار الكبرى وكذلك الموقع الإستراتيجي . وثمّة إجماع أوروبي وأمريكي على ضرورة إنهاء حالة الصراع في البلاد ورسم خطة على مراحل محددة تتوج بانتخابات تشريعية ورئاسية تضع البلاد على سكة الاستقرار الدائم.

ليبيا وتاريخية العلاقة بالقوى الكبرى:

حدثت نقلة حقيقية في العلاقة الأمريكية والأوروبية بليبيا مباشرة بعد انهيار الإتحاد السوفياتي عندما يمم القذافي وجهه شطر الغرب . في تلك الفترة بدأت القوى الغربية ممثلة أساسا في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا تسعى جاهدة  للفوز بصداقة العقيد والذي كان بدوره يسعى إلى ضمان بقاء حكمه بعد انهيار حليفه السابق الإتحاد السوفياتي. كانت ليبيا في تلك الفترة حقلا خصبا للاستثمار.ثم حدثت أزمة " لوكاربي " وكان الرابح الأكبر من هذه الأزمة الولايات المتحدة وبريطانيا على حساب فرنسا. أما ايطاليا فمصالحها في ليبيا ممتدة من أيام الإحتلال وهي في نظر أوروبا الوريث الشرعي للمصالح في البلاد

وفي سنة 2011ساندت القوى الغربية الثورة الليبية وقررت التخلص من العقيد القذافي لأنها ترى في ذلك فرصة حقيقية لترتيب علاقات متينة مع ليبيا تربطها المصالح لا المزاج كما كان مع العقيد القذافي . وأكثر دولة كانت متحمسة لذلك هي فرنسا رغبة في الفوز بنصيب الأسد من الكعكة في الواقع الجديد . ويتذكر الجميع أن فرنسا خالفت قواعد الإشتباك داخل حلف النيتوعندما وجهت ضربة قاصمة لرتل القذافي المتجه إلى بنغازي يوم 19\3\ 2011 دون موافقة الحلف .ثم بسقوط نظام القذافي بدأ صراع السيطرة على القرار السياسي في البلاد في محاولة للخروج بأكبر المكاسب من واقع ما بعد الثورة . وكان التنافس أساسا بين فرنسا وإيطاليا .ولكن هذه المرة أخذ التنافس أشكالا أخرى واستحال في الأخير صراعا حقيقيا سياسيا وعسكريا .

في طبيعة الصراع القائم في البلاد

عديدة هي الأطراف الخارجية المتدخلة في الشأن الليبي منها قوى إقليمية مثل مصر والإمارات والسعودية وكذلك قوى دولية مثل إيطاليا وفرنسا وبصفة أقل الولايات المتحدة وبريطانيا .تداخلت أدوار هذه الدول طيلة السبع سنوات الفارطة مما شكل واقعا شديد التعقيد وتصدر المشهد في النهاية دولتان هما فرنسا ومعها الإمارات والسعودية ومصر رغم اختلاف مصالح هذه الدول وطرق تعاطيها مع الملف . وإيطاليا التي تجد مساندة أمريكية وبريطانية وبدرجة أقل من تركيا وقطر اللذين هما أقرب إلى التصور الإيطالي للحل في ليبيا . وقد ساندت فرنسا منذ بداية الثورة ما يعرف في البلاد بالتيار العلماني أو التيار المدني  ومن أهم رموزه محمود جبريل وحزبه الموسوم بـ "تحالف القوى الوطنية" .فيما كانت إيطاليا تسعى إلى إيجاد خلطة تجمع فيها أغلب الطيف المحسوب على الثورة بقطع النظر عن التوجه السياسي أو الإيديولوجي وكذلك مع من هم مقبولون من رجال النظام السابق. ومع نهاية عملية فجر ليبيا سنة 2014 التي أفرزت واقعا سياسيا وعسكريا جديدا بدأ محور الاصطفاف أكثر وضوحا خاصة مع انطلاق عملية الكرامة التي وجدت فيها  مصر والإمارات والسعودية ..الخ ضالتها من أجل ضرب التيار الإسلامي المتمكن عسكريا وسياسيا .فمباشرة بعد العملية وقع الانقسام السياسي وأصبحت البلاد تدار بحكومتين ومؤسستين تشريعيتين وبدأ حفتر في تشكيل "جيشه" تزامن كل ذلك بشن حرب ضد ثوار بنغازي والمنطقة الشرقية . كانت إستراتيجية هذه الدول المتحالفة  تمكين حفتر من حكم البلاد وتم دعمه بالمال والسلاح والاستخبارات . وبعد أربع سنوات لم يتمكن سوى من تدمير مدينة بنغازي تحت ذريعة الحرب على الإرهاب وعجز عن التقدم نحو الغرب وهو غاية فرنسا لتحقق حلمها المتمثل في السيطرة على ميناء سرت وربطه بالجنوب الليبي مكمن الثروات التي تسيل لعابها .

لقد ساهمت فرنسا في زرع داعش في سرت بالتعاون مع حليفها حفتر لتخلق أزمة تبرر لها التدخل المباشر مع الجنرال لتحرير المدينة . ولكن رجال مصراته وحليفتهم إيطاليا كانوا مدركين لحجم المؤامرة ونجحت عملية البنيان المرصوص في تحرير المدينة رغم الضغوط التي سلطت على قيادة العملية بضرورة التوقف قبل إنهاء العملية وترك المجال لفرنسا وحليفها لإتمامها.  وبعد نجاح عملية البنيان المرصوص هاجم الجنرال حفتر الموانئ النفطية لتكون شكلا من أشكال المقايضة والمناورة لفرض أمر واقع على الليبيين وعلى العالم وعلى بعثة الأمم المتحدة .هذه العملية أزعجت إيطاليا بشكل كبير فأسست مستشفى عسكريا في مصراته بحراسة من جنودها وهي رسالة إيطالية لكل من يحاول التحرش بحليفتها (مصراته)

وصار التحول الكبير في السياسة الإيطالية والأمريكية تجاه فرنسا وحفتر عندما أقدم الجنرال على تلك الحماقة الكبرى المتمثلة  في ضم الموانئ النفطية لحكومة عبدالله الثني في الشرق . فهذه الخطوة تمس الأمن القومي الأمريكي مباشرة. وكان القرار الأمريكي الشهير المتمثل في تلك الرسالة التي وجهتها الولايات المتحدة إلى الجنرال الحالم بضرورة العودة فورا عن قراره، لتكون منه الاستجابة سريعة. وعاد الهلال النفطي تحت إدارة حكومة الوفاق في طرابلس. عندها أدركت الدول التي تعول على الجنرال حفتر أن خيار فاشل وأن مهمته انتهت وأن مشروعها في السيطرة على ميناء سرت وربطه بالجنوب الليبي قد سقط.وهذا الواقع فرض عليها بدء العمل بقوة على جبهة الغرب الليبي وبالتحديد في العاصمة بالضغط على حكومة السراج وبدعم كتائب طرابلس التي لا ترى في الإمارات وغيرها من الدول المتحالفة خطرا يهدد مصالحها المباشرة بل ربما الحليف الذي يقوي شوكتها ضد القوى المناوئة لها في مختلف المدن الليبية والتي تتفوق عليها في العدد والعدة. وبالفعل شعرت كتائب طرابلس المسيطرة على القرار السياسي والاقتصادي أنها مدعومة من طرف دولي قوي ومن طرف إقليمي لا يتوانى عن الدعم طالما أن ّذلك يضرب قوى "الإسلام السياسي" والتيار الوطني المؤمن بدولة القانون والمؤسسات. وسعت فرنسا إلى فرض خارطة طريق جديدة بديلة لخطة غسان سلامة التي ثبت فشلها ونظمت مؤتمرا في باريس في شهر ماي الفارط دعت إليه معظم الأطراف الليبية والدول المعنية بالملف الليبي وقاطعته إيطاليا.كان غرض المؤتمر وضع خطة للوصول إلى الانتخابات في ليبيا قبل نهاية 2018 وقبل الاستفتاء على الدستور. هنا أدركت إيطاليا  أن الملف بدأ يسحب منها وأن مصالحها الإستراتيجية في خطر وأن مشروعها في ليبيا مهدد بالسقوط وأن ما تسعى إليه فرنسا هو السيطرة على مقدرات ليبيا كما عبر عن ذلك وزير خارجيتها في سابقة دبلوماسية داخل دول الإتحاد الأوروبي. بعد مؤتمر باريس تحركت روما بالسرعة القصوى ووظفت كل طاقتها وجهدها لضرب المشروع المقابل في مقتل وهو ما يحصل الآن في ليبيا . فكيف استطاعت إيطاليا إقناع أوروبا والبيت الأبيض بضرورة الانسحاب الفرنسي من ليبيا؟هنا ستحضر عوامل عديدة يكون السبب المباشر في إعادة المشروع الإيطالي إلى الصدارة في ليبيا. أولها زيارة رئيس الحكومة الإيطالية واشنطن مباشرة بعد مؤتمر باريس . هذه الزيارة كانت منعرجا حاسما إذ أكدت واشنطن دعمها الكامل لإيطاليا على حساب فرنسا وكذلك  أن يكون لأمريكا دور أكثر فعالية في الملف الليبي وهو ما تجسد في تسمية السفيرة الأمريكية في ليبيا " ستيفاني ويليامز" نائبا أولا لرئيس بعثة الدعم الأممية  السيد غسان سلامة وهي في الواقع الحالي من يقود البعثة الأممية وهي من يشرف على استحقاقات المرحلة الجديدة. وعلى المستوى الأوروبي هددت إيطاليا بالانسحاب من الإتحاد الأوروبي إن تمادت فرنسا في سياستها العدائية تجاه إيطاليا في ليبيا . وهذا سبب ضغطا قويا على دول الإتحاد التي ضغطت بدورها على فرنسا بضرورة الانسحاب من ليبيا باعتبارها مستعمرة إيطالية سابقة وحجم مصالحها الكبيرة في البلاد لا تحتمل تدخلا بالشكل الذي تمارسه فرنسا . أما الولايات المتحدة فهي ترى في الدور الفرنسي تمديدا للأزمة وتعقيدا لها ذلك أن الولايات المتحدة ترى أن الوقت أصبح مناسبا لإعادة الاستقرار إلى ليبيا وفي ذلك مصلحة أمريكية حيوية لأن منابع النفط مهددة في الخليج العربي بفعل الصراع الخليجي الإيراني وبفعل الوضع المتوتر في اليمن بما يمثله من خطر على مضيق باب المندب ومضيق هرمز وهما من أهم الممرات الدولية للنفط الخليجي والإيراني. إلى جانب الملف السوري الذي ستلعب الولايات المتحدة دورا حاسما فيه في المرحلة القادمة.هذه العوامل تستوجب استقرار ليبيا التي تنتج أكثر من مليون برميل في اليوم ويمكن أن يصل الإنتاج إلى مليوني برميل إذا استقرت الأوضاع في البلاد.

مجمل هذه الضغوطات جعلت فرنسا في النهاية ترفع يدها عن دعم حفتر وكتائب طرابلس بما يعني  عمليا بداية انسحاب حقيقي من الساحة الليبية التي ستكون فيها إيطاليا وأمريكا وبريطانيا اللاعبين الأساسيين تحت مظلة الأمم المتحدة وتحت سقف الاتفاق السياسي الذي أمضي سنة 2015 في الصخيرات المغربية .

ملامح المشروع القادم في ليبيا:

إن ما يجري اليوم في ليبيا هو بداية إرساء مشروع جديد غايته الوصول بالبلاد إلى حالة الاستقرار الدائم. هذا المشروع الذي رسمت ملامحه إيطاليا برعاية أممية ودعم مباشر من الولايات المتحدة وبريطانيا يتضمن خمس مراحل أساسية قد تتوج بانتخابات نهاية 2019

* المرحلة الأولى : إرساء الترتيبات الأمنية الجديدة:

وهي مرحلة ضرورية لأي خطوة للتغيير في البلاد إذ المعلوم أن العاصمة طرابلس تدار أمنيا من قبل مجموعة من الكتائب تعرف بكتائب طرابلس وهي كتيبة ثوار طرابلس التي يقودها هيثم التاجوري وكتيبة الردع الخاصة التي يقودها عبدالرؤوف كارة وكتيبة الدعم المركزي ويقودها عبد الغني الككلي وكتيبة النواصي التي يقودها مصطفى قدور. هذه الكتائب الأربع تسيطر على القرار السياسي والاقتصادي في البلاد وهو ما جعل من حكومة السراج بمختلف أعضائها عاجزة على المبادرة وعلى اتخاذ القرار بفعل تغول هذه الكتائب التي تتمعش من أموال الدولة وقد راكم قادتها ثروات طائلة على حساب قوت الليبيين حتى أنه أصبح يطلق عليها في المدة الأخيرة لفظ " كتائب الاعتمادات" .هذه الكتائب لها علاقات ممتدة مع باريس وأبو ظبي والرياض والجميع في ليبيا يدرك متانة العلاقة التي تربط قادة كتيبة ثوار طرابلس بالإمارات وفرنسا وكذلك العلاقة المتينة التي تربط كتيبة الردع الخاصة المدخلية بالسعودية وكذلك جملة المصالح التي تربط هذه الكتائب ببعضها وهو ما جعلها في المدة الأخيرة توحد صفوفها ضد قوة "تطهير طرابلس" التي قدمت لتفكيك هذه الكتائب .

إن المقصود ببناء الترتيبات الأمنية الجديدة هو حل كتائب طرابلس وتعويضها بقوى نظامية معترف بها داخليا وخارجيا . وهذه ليست مهمة سهلة وإنما تستوجب جملة من التوافقات من الداخل والخارج وهو ما اشتغلت عليه إيطاليا وبعثة الدعم مع قوى عسكرية من الداخل محسوبة في أغلبها على تيار فبراير(خط الثورة). والعملية العسكرية الأخيرة التي قادها اللواء السابع ولواء الصمود المحسوبين على الثورة هي البداية الحقيقية لحل هذه الكتائب . وكانت العملية بضوء أخضر دولي . وقد حقق التحرك العسكري الأخير الكثير من الأهداف المطلوبة لإنجاح العملية. إذ مكن هذا التحرك بعثة الدعم من الضغط بقوة على كتائب طرابلس وعلى حكومة السراج وعلى مختلف القوى الاجتماعية والسياسية بضرورة حل هذه الكتائب دون الزج بالعاصمة في أتون حرب مدمرة . وإعلان وقف إطلاق النار الأخير صاحبه تعهد رسمي للقوى المهاجمة بحل الكتائب في ظرف شهر لتحل محلها قوى نظامية من المنطقة العسكرية الغربية والمنطقة العسكرية الوسطى إلى جانب قوة مكافحة الإرهاب المحسوبة على البنيان المرصوص.وإذا فشلت لجنة الترتيبات الأمنية التي شكلت للغرض في تطبيق ما وقع التعهد به فإن المهمة ستوكل إلى قوة تطهير العاصمة المشكلة من أغلب مدن المنطقة الغربية لاقتحام طرابلس بالقوة وفرض الترتيبات الأمنية الجديدة .  

إن المؤشرات حاليا توحي بأن الأمور تسير بشكل مرضي رغم الصعوبات المتأتية أساسا من تعنت كتيبة الردع الخاصة لأنها كتيبة مؤدلجة وتتلقى أوامرها وفتاواها من السعودية. ولكن ما هو ثابت ومتأكد أن قرار حل هذه الكتائب لا رجعة فيه بتوافق داخلي ودولي.

وإن حل كتائب طرابلس يعني أن والإمارات والسعودية وغيرها،  فقدت مخالبها في العاصمة  وبالتالي قدرتها على التأثير على القرار السياسي والاقتصادي بما يعني بداية الانسحاب الفعلي من المشهد

*المرحلة الثانية : تغيير تركيبة المجلس الرئاسي:

لا يختلف اثنان في الداخل والخارج على فشل المجلس الرئاسي بحكومته في تحسين الأوضاع في ليبيا سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي .فرغم إقدامه على جملة من الإصلاحات الاقتصادية في المدة الأخيرة (صاحبت الهجوم على طرابلس)إلا إن الرأي العام الداخلي والدولي أصبح على قناعة تامة بضرورة تغيير تركيبة المجلس  وهي المرحلة الثانية التي ستلي مرحلة إرساء الترتيبات الأمنية ولن يكون السيد فايز السراج في المشهد القادم إلا في صورة عجز القوى الداخلية على اختيار التركيبة الجديدة التي ستكون برئيس ونائبين وحكومة مصغرة يقودها رئيس ليس عضوا في المجلس الرئاسي. ويتداول اليوم حديث عن جملة من الأسماء الوارد تصدرها للمجلس الرئاسي .وهو في تقديرنا مجرد بالونات اختبار ومحاولات استباقية للتأثير على الرأي العام ولتهيئته لقبول ما يرتب في الغرف المظلمة.فالعقلية الليبية ليس من السهل إقناعها بحل جاهز يقدم على طبق . فالمتغيرات التي ستحصل في العاصمة وتصدر قوى أخرى للمشهد ستفرض على صناع الخرائط والإستراتيجيات والحلول الجاهزة تقدير خطواتها جيدا ووضع المعطيات الجديدة في حسبانها.

* المرحلة الثالثة :  الإستفتاء على الدستور:

     ستكون هذه المرحلة مفصلية في تاريخ الليبيين واستحقاقا من أهم الاستحقاقات على الإطلاق. فقد أنهت لجنة صياغة الدستور عملها . وثمة اليوم مسودة جاهزة للاستفتاء. وقد تم الضغط بقوة على البرلمان في طبرق لتمرير قانون الاستفتاء على الدستور وهو ما حصل مؤخرا بعد تعطيل من الجنرال حفتر لمدة طويلة . ولعله لأول مرة يتمكن البرلمان  من تمرير قانون دون رضاء حفتر وهذا يدل على حجم الضغط الذي سلط على السيد عقيلة صالح من إيطاليا والولايات المتحدة . ورغم أن هذا القانون تشوبه بعض العيوب وهناك من يراه مخالفا للإعلان الدستوري بما يستوجب إسقاطه إلا أنه يبقى خطوة رئيسية جريئة في الاتجاه الصحيح. ومن مرر هذا القانون يمكنه تعديله في مرحلة لاحقة إن أصبح عقبة أمام إجراء الاستفتاء.

ليس من السهل التنبؤ بقبول الليبيين للمسودة الحالية أو رفضها لأن بعض نصوصها لا تجد قبولا من قوى إثنية في البلاد مثل الأمازيغ والتبو والطوارق ولكن طالما أن المسار السياسي  في الطريق الصحيح فإنه يمكن الوصول ولو في وقت متأخر نسبيا إلى دستور يوافق عليه أغلبية الشعب .

*المرحلة الرابعة: المصالحة الوطنية الشاملة:

الثابت أنه لا يمكن إجراء انتخابات في ليبيا وفق المعايير الدولية قبل إصلاح الأجهزة الأمنية وقبل المصالحة الوطنية التي تهيئ البيئة الانتخابية على الأرض . ولذلك فإن المشروع الأممي المسنود دوليا وضع في اعتباره هذه المحطة . وهذا يدل على مدى واقعية الرؤية الإيطالية مهندسة المشروع ورغبتها الحقيقية في البلوغ بالبلاد إلى حالة الاستقرار الدائم. فإيطاليا أكبر متضرر من حالة الفوضى في ليبيا (تعطل الاستثمارات والمشاريع . الهجرة غير الشرعية).ومشروع المصالحة الوطنية سيبدأ بالمؤتمر الوطني الجامع الذي سيضم قرابة 500 شخصية من مختلف المشارب في البلاد لوضع تصور للمصالحة الوطنية الشاملة. وهذا طموح مشروع وواقعي لأن الليبيين ملوا من حالة الاقتتال والفوضى والكل يرغب في الاستقرار.

* المرحلة الخامسة :الانتخابات الرئاسية والتشريعية:

وهي آخر مرحلة ستتوج خارطة الطريق . ووفق الجدول الزمني ستكون نهاية  2019 وستشارك فيها مختلف الأطياف السياسية ولن تستثني أحدا

 

المخاطر التي تهدد المشروع

ليس من السهل الجزم بأن هذه الخطة ستكتمل كل حلقاتها بنجاح ذلك أن الواقع في ليبيا لا تحكمه معايير واضحة يمكن البناء عليها . فحالة التشظي وانتشار السلاح يمكن أن تفجر أي خطة مهما ملكت من أسباب القوة والنجاح. وأن المخاطر التي تهدد هذا المشروع في ليبيا متعددة . فحتى وإن تأكد حفتر أن مشروع الكرامة قد استنفذ أغراضه فإنه لن يقبل لا هو ولا مناصروه في المنطقة الشرقية أن يقع تهميشهم في المرحلة القادمة .والبحث معه عن تسوية ترضيه بما تسمح به موازين القوى يبدو أمرا صعبا على الأقل في المرحلة الحالية

وكذلك مسألة انتشار السلاح هي خطر محدق يهدد الخطة في كل وقت وحين ويمكن أن يفجرها بسهولة ما لم يكن الجميع على ثقة مما يجري بمعنى أن تجمع الخطة حولها أكبر طيف ممكن من الليبيين. ويمكن اعتبار المرحلة الأولى من الخطة هي أهم مرحلة على الإطلاق . فإذا نجحت فإن بقية المراحل يصبح مقدورا عليها لأنها تغلب  الطابع السياسي القابل لإيجاد التوافقات الممكنة.

الخاتمة

يمكن القول أنه لأول مرة بعد سبع سنوات من الاقتتال والبؤس والأزمات تظهر في الساحة الليبية خطة عملية مدعومة بقوة من القوى الدولية الفاعلة ومن أهم الأطراف السياسية والعسكرية في الداخل ومصحوبة بجملة من الإصلاحات الاقتصادية التي ستخفف كثيرا من حالة الغليان الاجتماعي . هذه الخطة هي أمل حقيقي لليبيين في عودة الدولة وفي بناء المؤسسات السياسية الدائمة إن كتب لها النجاح. وهذا يفرض على دول الجوار الغربي أن تكون لديها الجرأة على المساهمة بفعالية كبيرة في إنجاحها حتى تنال حصتها من خراجها غدا . فليبيا هي العمق الإستراتيجي أمنيا واقتصاديا لتونس وكذلك هي صمام أمان لاستقرار الجزائر.

المهدي ثابت

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك