القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

ليبيا بعد ثمان سنوات من الثورة: أو المسارات المتعرّجة في مجابهة حفتر

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-01-28 16:52:00 | 1133 مشاهدة

ملخّص:

لعل ما يميز الثورة الليبية كونها ثورة بدأت مسلحة وأنهت خصمها اللدود "القذافي" بالسلاح ثم ما فتئت أن جوبهت من الداخل بالسلاح ذاته  الذي مثل انتشاره عبئا ثقيلا على الدولة الناشئة والخارجة لتوّها من أتون حرب مدمّرة بين الإخوة. وهو ما سمح لأنصار القذافي بإعادة الانتشار والتموقع في مفاصل الدولة الفتيّة في انتظار ساعة الصفر، وكان تنظيم الكرامة بقيادة خليفة بلقاسم حفتر في مقدمة القوى المعادية للثورة وقد نشأ هذا التنظيم في ذروة اشتغال القوى المعادية للربيع العربي وحركتها المضادة للتاريخ والحال أنها استطاعت التمكين لنظام السيسي المنقلب على نظام ديمقراطيّ مثّل طفرة جديدة في الحياة السياسية الراكدة في مصر منذ انقلاب الضباط الأحرار على الملك فؤاد وفي السعودية والإمارات تبلورت إستراتيجية التعاطي مع ثورات الربيع العربي بدعم من قوى غربية في مقدمتها فرنسا وإيطاليا وروسيا... وفي الطرف المقابل كانت القوى المحسوبة على الثورة تنهشها خلافات داخلية بفعل غياب المشروع السياسي والحقوقي لثوار فبراير وتساهلهم في التعامل مع المتربصين من أبناء جلدتهم بالثورة الوليدة وقد كانت أصوات العائدين على عجل من منتسبي اللجان الثورية تعلو بعد أن كانت خفيتة، وهو ما ساعد "تيار الكرامة" في سدّ الفراغات التي تركها الثوار في بناء الدولة دون الانتباه إلى شوكتها التي شابها ضعف شديد.

مقدمة:

بات معلوما أنّ حفتر يعدّ لانقلاب على حكام طرابلس على شاكلة انقلاب السيسي من قبله، وبذلك تُطوى صفحة الربيع العربي بعد أن يُخمد بريقها في بلد المصدر تونس التي ما فتئ حفتر يهددها بالويل والثبور دون موجب واقعي أو سياسي لذلك إلا خدمة المشروع الصهيو-إماراتي في وأد التجربة الناشئة والملهمة للمقهورين في البلاد العربية، بتنسيق مباشر مع السعودية ومصر وفرنسا الاستعمارية، منذ سنة 2016 وظلّت فرنسا تسوّق لمشروع حفتر وترعاه في محفل الأمم المتحدة، وهي العضو القار في مجلس الأمن. بعد أن أمضى لها الجنرال المهزوم حفتر على صك ثقيل تدفع بموجبه ليبيا من ريعها النفطي ما يرضي غرورها الاستعماري وأن تتمتع بالنصيب الأوفر من الاستثمارات في الجنوب الليبي الغني بالثروات وهو ما سيمهد لها أيضا طريقا نحو العمق الإفريقي محلّ التنازع الدولي.

1/  العسكر في مجابهة الثورة: أو تعميم النموذج السيسوي في المنطقة :

خليفة بلقاسم حفتر من مواليد عام 1943 بمدينة اجدابيا غرب بنغازي. تخرج من الكلية العسكرية الملكية عام 1966. وقد شارك وهو برتبة ملازم أول في انقلاب القذافي على النظام في الفاتح من سبتمبر سنة 1969. ترقى إلى رتبة عقيد عام 1980 وعُين قائداً للقوات البرية. وفي عام 1987 قاد بأوامر من معمّر القذافي حملة حربية ضخمة في عدّتها وعتادها لغزو تشاد وتغيير نظام الحكم فيها. لكنها انتهت بهزيمة مخزية للجيش الليبي وقع خلالها العقيد حفتر مع المئات من ضباطه وجنوده في أسر القوات التشادية. ونتيجة للتدخل الأمريكي مع الرئيس التشادي وحلفائه الفرنسيين، خُيّر الأسرى الليبيون بين العودة إلى بلادهم أو نقلهم للإقامة في الولايات المتحدة. وبينما فضل القليل جداً منهم العودة إلى ليبيا اختار معظمهم الاستقرار في أمريكا. وكان العقيد حفتر على رأسهم. حيث استقر به المقام في مدينة "فرجينا". انضم حفتر إلى المعارضة الليبية بقيادة "الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا" وشغل فيها منصب "قائد الجيش الوطني". وعمل سريّاً من منفاه مع ضباط كبار داخل ليبيا على التخطيط لعملية انقلاب عسكري. لكن تم كشف المحاولة واعتقال رؤوسها قبل تنفيذها بأيام في أكتوبر/ تشرين الأول 1993. ويبدو أنه، نتيجة لفشل المحاولة الانقلابية وخلافه مع "جبهة الإنقاذ" المعارِضة انشق عنها وقبل بالتصالح مع النظام برعاية مصرية تم بموجبها ضمان إقامته وعائلته في مصر بشرط عدم ممارسته لأي عمل سياسي معارض لنظام القذافي. دخل العقيد حفتر إلى بنغازي بعد سقوط نظام حسني مبارك، ليجد أمامه الجنرال عبد الفتاح يونس قائدا لفيلق الثوار. فدخل الرجلان في خلاف شخصي حاد على أحقية القيادة العسكرية. انتهى باستبعاد الجنرال حفتر من لعب أي دور عسكري قيادي عملياً في حكومة الثورة. حتى ظهر فجأة مساء 14 فبراير 2014 من خلال قناة "العربية" السعودية يعلن في بيان انقلابي مسجّل عن سيطرة قوات تابعة له على مواقع عسكرية حيوية في العاصمة وتجميد عمل البرلمان والحكومة، عارضاً ما أسماه حينها بـ"خارطة طريق" لمستقبل ليبيا السياسي، وكأنه يستنسخ ما قام به السيسي دون أن يملك شيئا حقيقيا مما في حوزة الأول من جيش قوي موحد منضبط. فقد كان بيانه الانقلابي افتراضيا إذ لم يكن على الأرض ولو جندي واحد تابع له بعدما خذلته مليشيات الزنتان التي كان يراهن عليها. لكنه لم يتوقف عن المثابرة. إذ ظهر بعد ثلاثة أشهر في ماي 2014 في بنغازي يقود عملية عسكرية من بضع مئات الجنود والضباط من الجيش الليبي تحت اسم "كرامة ليبيا" في مواجهة المجموعات الإسلامية المسلحة المسيطرة على بنغازي والمتهمة من قبل حفتر بموالاة الإرهاب. وقد انضم إلى عملية "الكرامة" عدد من العسكريين والمتطوعين من الغاضبين على حكومة الثورة ومن أتباع السلفية المدخلية التي أعدّت إعدادا سريعا للغرض. وتحول العقيد خليفة بلقاسم حفتر إلى منقذ ليبيا المنشود في نظر جزء من ساكنة المنطقة  الشرقية. وبضغط من أنصاره في مجلس النواب وأعيان وشيوخ القبائل ودعم قادة محاور القتال، قام رئيس مجلس النواب عقيلة صالح بتعيينه قائدا عاما للجيش وترقيته إلى رتبة فريق وفيما بعد إلى رتبة مشير.  وفي طرابلس ومصراتة وفي كل مناطق الغرب الليبي تحالفت التنظيمات الإسلامية لمجابهة مشروع الجنرال حفتر الذي نجح، مستفيداً من دعم مصر والإمارات، في الإجهاز على خصومه  في بنغازي وكامل إقليم برقة باستثناء درنة. وقد حصل الجنرال حفتر على قوة دافعة جديدة عندما انتزع الجيش الوطني الليبي السيطرة على مرافئ نفطية إلى الجنوب والغرب من بنغازي من فصيل متحالف مع حكومة الوفاق الوطني، مما غذى التكهنات بأن حفتر يضع غرب ليبيا -وطرابلس- نصب عينيه. مؤيدو حفتر أخرجوه في صورة "القائد المنقذ" أو معمر القذافي الجديد. بنفس الصورة وذات النياشين المتراكبة  لدرجة الوقوع في طقوس "عبادة الشخص الملهم والزعيم المفدى". لكن هؤلاء الأنصار وهم يقودون ثورة مضادة لـ"ثورة 17 فبراير" يعتبرون أنفسهم ثوارها الحقيقيين والأولياء الفاعلين فيها. وقد تمكن العقيد حفتر مع عقيلة صالح ومن معه من الحالمين والطامعين من الدول الراعية للثورة المضادة للربيع العربي، بعودة نظام اللجان الثورية في موازاة حكومة الوفاق التي تعترف بها الأسرة الدولية ومقرها في طرابلس برئاسة فائز السراج، وقد أعلنت حكومة الوفاق الوطني الليبية يوم الإثنين 02 / 04 / 2018 بدء عملية عسكرية تحت اسم "عاصفة الوطن" لمطاردة جهاديي تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" الناشطين في غرب البلاد، وأفادت أن هذه العملية "تبدأ من الأودية والشعاب الممتدة من بوابة "الـ60 كيلومتر"، شرق مدينة مصراتة وحتى ضواحي مدن بني وليد، ترهونة، مسلاته، الخمس، الزليتن". واستفاد تنظيم الدولة الإسلامية من الفوضى للانتشار في سرت في حزيران/يونيو 2015 لكن حكومة الوفاق استعادت السيطرة على المدينة في ديسمبر ن سنة  2016 بدعم جوي من الجيش الأمريكي الذي ينفذ بانتظام غارات على جهاديي التنظيم المتطرف جنوب البلاد

وقد بات واضحا سعي الدول الغربية إلى إعادة النظر في تقسيم ليبيا إلى ثلاثة أقاليم أو أربعة مما يضمن لها مصالحها ويحرم الليبيين من مواردهم الطبيعية وقد قالت صحيفة الجورنالي الإيطالية، إن فشل البرلمان الليبي في طبرق في المصادقة على الحكومة الجديدة كان "دشاً بارداً" ردت عليه الدول الكبرى بالتفكير الجدي في الخطة البديلة، بإحياء الأقاليم العثمانية الثلاثة القديمة: طرابلس غرباً، وبرقة شرقاً، وفزان جنوباً. وبذلك يستفرد خليفة حفتر ومن معه من أركان النظام القديم بإقليم برقة في حين يقيم الثوار بمختلف أصنافهم دولة الثورة على إقليم طرابلس ويبقى إقليم فزان وهو خزان ليبيا النفطي ومجاله الأثري منطقة حرب زُرع فيها تنظيم الدولة عبر خليج سرت ووجهوا بندقيته إلى آبار سبها ومن ثمة يكون هدفه الجفرة ثم غربا للوصول إلى الالتحام  ببوكو حرام على الحدود المترامية لدول الساحل والصحراء (مالي والنيجر والتشاد) وهي الخطوط الحمر لفرنسا التي تسعى جاهدة إلى إيجاد مسوّغ قانوني للدخول إلى ليبيا ومن ثمة السيطرة على جزء مهم من ثرواتها في حين تكون إيطاليا على الضفة الساحلية عبر خليج سرت.

2/ بداية النهاية لمشروع حفتر:

إن الدعم الإقليمي والدولي مكّن خليفة بلقاسم حفتر من السيطرة على الجنوب الليبي بعد أن استتبّ له الأمن في المنطقة الشرقية بقوة الحديد والنار الذي وفرته له روسيا. وبذلك أصبح يسيطر على مساحات شاسعة من تراب ليبيا مترامية الأطراف، وبذلك أيضا أصبح يمثل خطرا حقيقيا على المنطقة الغربية حيث الثقل الديمغرافي والسياسي الذي تقوده نظريا حكومة السراج المعترف بها دوليا ولكنها وأمام كل هذا الصلف الذي يبديه الجنرال الطامح في بسط حكمه على كل شبر من تركة القذافي تتأبى وتعرقل الثوار الذين تنادوا من أجل إيقاف هذا المغرور الذي أوغل في دماء الليبيين بتعلة أنها كانت تتلقى وعودا دولية مفادها أن حفتر لن يهاجم المنطقة الغربية ويخصون العاصمة، وأن لا سيادة إلا لمخرجات التفاوض والحوار التي يكفر بها العسكري حفتر ولا يقيم لها أيّ اعتبار. ولعل ما فعله في مؤتمر روسيا ومؤتمر برلين هذا الشهر أكبر دليل على ذلك.

ولكن الحقيقة أن هجوم 4 أفريل 2019 مثل بداية النهاية لأحلام الجنرال في حكم ليبيا وبدأت في التحوّل إلى كابوس ثقيل. إذ أن مغامرته في غزو طرابلس كانت غير محسوبة ولم تعد عليه إلاّ بالوبال سواء على المستوى العسكري أوالسياسي. فبعد أن دعمه الغرب ليكون حصان طروادة وضامن منابهم وسيطرتهم على بلد غنيّ بالثروات الطبيعية أصبح محرجا لهم في المحافل الدولية يتصرّف كما الولد المدلل الذي لم ينل قسطا من التربية، والحال أنهم مكّنوه من تكوين جيش مجهز تجهيزا عصريا لينقلب به على مخرجات الثورة من المنتسبين إلى الإسلام السياسي الذين أصبحوا يؤرّقون هذا المعسكر المخاتل للشعوب من أجل وأد الثورة ونهب الثروة، وتحول حفتر بذلك إلى رجل فاقد لكرامته العسكرية فضلا عن السياسية، رغم عتاده وعدّته،ثم إنه فقد ثقة داعميه وألّب عليه جمهورا كبيرا في ليبيا من أنصار العقيد القذافي من منتسبي اللجان الثورية الذين آمنوا بمشروعه في إعادة الاستقرار للبلاد بقوة الحديد والنار، على طريقة عسكر السيسي .

وبذلك لم يعد حفتر قوة عسكرية حقيقية تستطيع أن تقف في وجه الثوار الذين تعلموا من أخطائهم وتصالحوا ثم فعلوا اتفاقيات عسكرية مع تركيا التي استطاعت أن ترهب مرتزقة حفتر قبل وصول جيشها إلى طرابلس، كما استفاد الفرقاء السياسيون في العاصمة من تحقيق توافق يمكنهم من أن يكونوا رقما صعبا في المعادلة السياسية. ومن ثمةأُسقطت تلك الهالة التي صنعها خليفة بلقاسم لنفسه واستوهم بها العالم من أنه يملك جيشا يصنّف حسب "الزرقوني" ضمن أقوى تسعة جيوش في إفريقيا كما خسر قيمته كعسكري محترف منذ تحرير غريان التي نالت من شرفه العسكري. إذ تمت السيطرة على غرفة عملياته التي كان يقودها الرجل الثاني في عسكره المتخاذل. ومن بعدها محاصرة ترهونة والقضاء على وجوده الفاعل في الغرب الليبي، إلا من بعض المناوشات المتفرقة التي تحدث هنا وهناك من قبل أفرقة مليشياوية محاصرة ليس أمامها إلا الاستسلام أو الموت.

إن الأساس القبلي الذي يحكم ليبيا يظلّ صندوقها الأسود الذي يفرض على الفرقاء المتقاتلين فهمه جيدا وفهم خارطة التحالفات القبلية ومصالحها الاستراتيجية وهو ما يبدو أن تنظيم الدولة المستفيد الأساسي من الصراع في ليبيا، بدأ يعيه جيدا، هذا الوعي سيمكن التنظيم من قضم الأرض في إقليم فزان عبر الجفرة وسبها ومنهما إلى زويلة والصرفاية وصولا إلى أوري وبرداي على تخوم أرض بوكو حرام ومنها إلى الكفرة في أقصى الجنوب لتوفير متنفس عبر دارفور، وشراء الذمم من التبو الذين لم يشفع لهم استقرارهم في تلك المناطق الليبية منذ مئات السنين أن يحصلوا على الجنسية الليبية ما عدا ما فعله القذافي مع محاربيهم المصطفين الذين حاولوا معه إخماد الثورة أو الذين آواهم في تاورغاء ليقوموا على خدمته وقد أُحصي منهم 800 ألف أعيدو إلى مناطق التبو ومنهم من أُطرد إلى التشاد والنيجر أو الذين استفادت منهم فرنسا في حربها على القبائل الثائرة إذ جعلت منهم ساترا بشريا في غدامس ودرج وسيناون بينها وبين الطوارق المتمركزين على جبال أوباري.

إن سعي الدول الغربية لإفراغ إقليم فزان من أهله الطبيعيين أصبح واقعا يُرى بالعين بعد أن أُنهكت مصراطة سواء بتشكيلها للدروع أو للبنيان المرصوص أو الفرقة الثالثة التي تحمي بوابة الجنوب، كما أنهك جيش تحالف الثوار الراجع بالنظر إلى الدولة الناشئة التي نزعت منها آليات الحكم بتشتيته بين قوى متصارعة غير متوالفة أو منسجمة بل إن القتال بين أذرعها العسكرية مازال قائما.  وإن تنظيم الدولة يستفيد أيّما إفادة من هذا الاختلاف رغم الضربات المتتالية التي نالها خاصة في صبراتة غربا أو في درنة شرقا أو في سرت التي أنهك فيها التنظيم وتفرّق أفراده شذر مذر. لكن خليفة حفتر يكون لهذه الطائفة منقذا مرة أخرى من التفكك وعلى استعادة التجميع ونقله مباشرة إلى منطقة الجفرة بغطاء جوي من طائراته وبذلك تنتقل ليبيا إلى المرحلة الثانية من المخطط الذي أصبح واضحا لكل المراقبين

والمعلوم أن تنظيم الدولة أصبح يعاني ضغطا عسكريا في مواقعه المحررة من العراق وسوريا خاصة في سنة 2019 التي أصبحت سنة مفصلية في تاريخه القصير لذلك فإنه يسعى إلى صرف الأنظار عن هذه الهزائم المتسارعة إلى مناطق أخرى يستطيع المناورة فيها وتحقيق انتصارات سريعة، يعيد فيها تنظيم الصفوف ورصفها واستعادة بريقه الذي خفت. وقد كانت ليبيا هي الهدف الاستراتيجي الذي يوفر التمويل للتنظيم المتهالك ويفتح بوابة نحو إفريقيا للالتحام مع بوكو حرام وأخرى نحو شمال إفريقيا ونخصّ الجزائر وتونس عبر جبال أوباري أين يتمركز مختار بلعور، ولتشكيل هذه السبل كان على التنظيم حماية ظهره من جهة المتوسط أولا والسيطرة على موانئ نفطية تضمن له تسويق غنائمه النفطية في السوق السوداء بعد أن خبر هذه السوق في العراق وسوريا واستطاع أن يجلب إليه حرفاء كبار كانت الصين أحد أبرز هؤلاء الحرفاء. وقد مثّل دخول التنظيم لمدينة سبراطة وإعلانها ولاية إسلامية تابعة له أهمية بالغة في محاولة تعزيز سيطرته وتحكمه بمنطقة مهمة داخل الأراضي الليبية إضافة لتاريخ المدينة العريق وامتلاكها لكنوز أثرية كبيرة وثمينة تعود للعصر الروماني ويمكن له الاستفادة منها في تعزيز موارده المالية وبيع الثمين منها وهي لا تقل أهمية عن مدينة تدمر في سوريا أو نينوى في العراق. ثم لأهمية المنطقة في موقعها المتاخم للبلاد التونسية، ولعل ما جرى في بنقردان يشي بما كانوا يخططون له ولكن التدخل الأجنبي حسم المعركة هناك وجنّب تونس مصائب كانت ستحدث. وهو ما فرض على التنظيم إعادة الانكماش نحو الشرق في غابات الجفرة بحماية جوية لخليفة حفتر انتظارا للحظة حاسمة يستطيع فيها الانتقال نحو الجنوب. ولكن تسرّع حفتر وقلة خبرته دعته إلى دخول حرب شاملة على طرابلس في محاولة لافتكاك الحكم عنوة وهو ما دعا إلى النفير العام لحكومة الوفاق انتهت بهزيمة مليشيات حفتر وتراجعه... كل ذلك كان له تداعيات كبيرة على مشروع داعش في شمال إفريقيا عموما وفي ليبيا خصوصا، وتبقى المنطقة على صفيح من نار قد تتأجج في كل لحظة بسبب الأطماع الهائلة، ولن تنفع المؤتمرات الداعية للوفاق مادامت الأعين على الثروات الهائلة التي تحويها ليبيا ومادام خصما غبيا يقف على البوابة الشرقية يحاول استعادة الزمن ويدفع إلى استلهام روح الزعيم ولو كلفه ذلك ليبيا بما ملكت.  

 خاتمة:

لقد بات واضحا أنّ أجندات خارجية تحرك الوضع السياسي في ليبيا بعد الثورة، وأن الأمم المتحدة ومن يحوم حولها من بلدان راعية للسلام بين الفرقاء المتنازعين في هذا البلد المترامية أطرافه والذي يخفي طاقات هائلة في جوفه لم تأذن بعد بإنهاء هذا الصراع الذي دقّ إسفينه مارتن كوبلر وفق برنامج لم تتضح صورته بعدُ، رغم ظهور دلائل تورط الحاكم العسكري في ليبيا اللواء العجوز الذي لم يعرف النجاح في حياته أبدا منذ الهزيمة المخزية في وادي الدوم. ولعل تحالفه مع داعش بتنسيق مع أحمد قذاف الدم الذي أعلن صراحة أن "هؤلاء أولادنا" وهو بذلك يشير إلى العلاقة الوليدة بين كيانين أحدثا جدلا واسعا في جدوى وجودهما إبان ثورة شعب أراد التحرر من كل المكبلات والمعرقلات.         

د.محمد التومي ( باحث تونسي)

 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك