القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

ليبيا الصراع المسلح وآفاق الحل السياسي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2015-01-19 01:00:00 | 125 مشاهدة

 لعل الجميع أصبح يدرك اليوم أن المشهد الليبي على غاية من التعقيد وأن فهم مكوناته يستوجب قدرا كبيرا من المتابعة والجهد والموضوعية بعيدا عن الانحياز لهذا الطرف أو ذاك وبعيدا عن المنطلقات الايديولوجية والسياسية كأدوات للتحليل وهو ما نراه اليوم طاغيا  على أغلب الرؤى والقراءات المتناولة للشأن الليبي. التّجربة ومُخرجاتها  بعد مرور قرابة الاربع سنوات على  سقوط نظام القذافي لازالت ليبيا يعيش حالة من الانقسام الشديد بين ثلاثة مكونات أساسية تسعى للسيطرة على البلاد بقوة السلاح بعد فشل تجارب الحكومات المتعاقبة بعد الثورة وبعد فشل كل مساعي الحوار وبعد انهيار المسار السياسي بين مختلف القوى الفاعلة في البلاد هذه المكونات الثلاثة هي : 1-قوى 17فبراير المتمثلة في الثوار والقوى السياسية المدافعة عن مبادئ ثورة فبراير الرافضة بالمطلق لمنظومة القذافي فكرا وممارسة وشخوصا . ويجد هذا المكون تعبيرته السياسية في المؤتمر الوطني العام وحكومة الانقاذ الوطني بقيادة السيد عمر الحاسي وتعبيرته العسكرية في قوات الثوارالتي تنقسم الى الافرع التالية : -قوات الدروع (درع المنطقة الشرقية – درع المنطقة الوسطى – درع المنطقة الغربية ) وتعمل هذه القوات تحت امرة رئاسة الأركان العامة التي يرأسها العميد عبد السلام جاد الله العبيدي - كتائب القوة الثالثة التي تحمي الجنوب الليبي - كتائب قوة الردع المتحركة التي تعمل في طرابلس وفي المدن المحيطة بالعاصمة - قوات فجر ليبيا : وهي قوات من الثوار من 23مدينة ليبية تسعى لجعل ليبيا دولة موحدة تحت قيادة حكومة الانقاذ الوطني . وعملية شروق ليبيا هي امتداد لعملية فجر ليبيا يقودها ثوار من مدينة مصراته موالين لحكومة الانقاذ الوطني . وغاية هذه العملية تحرير الموانئ النفطية من قوات ابراهيم الجضران  الذي تحالف مع حفتر - مجلس شورى ثوار بنغازي : ويتشكل من الثوار الذين قادوا المعارك ضد قوات القذافي في حرب التحرير. هذا المجلس يخوض اليوم حربا في بنغازي والمنطقة الشرقية ضد قوات خليفة حفتر. - كتائب الطوارق في مدن الصحراء الليبية. - قوات الشرطة التي تعمل تحت امرة المجلس الأعلى للداخلية التابع لحكومة الانقاذ الوطني . وتنتشر قوات الشرطة في أغلب المدن الموالية لحكومة الانقاذ 2- تحالف القوى الوطنية : الذي قاد حكومة السيد علي زيدان التي في عهدها انفرط العقد السياسي والعسكري. وعرفت البلاد أثناء ادارتها للدولة درجات كبيرة جدا من الفساد المالي والإداري وضعفت الدولة الى أدنى حالاتها. ولعل سيطرة المدعو ابراهيم الجضران طيلة عام كامل على المنشآت النفطية وخسارة ليبيا ما يعادل 35 مليار دولار نتيجة ايقاف تصدير النفط دون التصدي لهذا الرجل أحسن تعبير على أداء هذه الحكومة وعلى حالة الضعف التي وصلت اليها البلاد. والتعبيرة السياسية لهذا المكون اليوم هو البرلمان الموجود في طبرق وحكومة السيد عبدالله الثني المنبثقة من البرلمان المذكور. ويتمثل الذراع العسكري لهذا المكون في قوات القعقاع والصواعق و المدني  في الغرب الليبي وهي بالأساس قوات متشكلة من ثوار مدينة الزنتان ومن بقايا اللواء 32 معزز الذي كان تحت امرة خميس القذافي ابن العقيد القذافي وكذلك من بقايا كتيبة امحمد المقريف التي كانت مكلفة بحماية العقيد القذافي ومدينة طرابلس. هذه القوات تعتبر نفسها اليوم قوات الجيش الليبي في غرب البلاد . أغلب قادة هذه الكتائب من مدينة الزنتان وهي مدينة صغيرة في جبل نفوسة . هذه الكتائب متمركزة الآن في الزنتان ودخلت في تحالف مع حفتر الذي أطلق ما يسمى بعملية الكرامة في الشرق الليبي والتي غايتها كما يصرح بذلك قادتها هي تحرير ليبيا من الميليشيات والإرهاب وبناء قوات الجيش والشرطة . وقوات حفتر موالية بدورها لحكومة طبرق . 3- المكون الثالث هو أنصار القذافي الذين أعادوا ترتيب صفوفهم مستفيدين من حالة الانقسام في مكونات مشهد ما بعد الثورة . وقد أسسوا ما يسمى بجيش القبائل الشريفة والذي دخل في صراع – متحالفا مع الزنتان – ضد قوات فجر ليبيا في معركة طرابلس. هذا الجيش يقاتل الآن في قاعدة الوطية وفي منطقة جبل نفوسة مع قوات الزنتان (كتائب القعقاع والصواعق والمدني) والذي يعتبرهم خليفة حفتر الجيش الليبي في المنطقة الغربية ويزودهم بالسلاح والعتاد أهم الأحداث من تاريخ انتخاب المؤتمر الوطني العام الى الآن مباشرة بعد انتخاب المؤتمر الوطني العام في 7جويلية 2012دخلت الكتل السياسية المكونة له ( كتلة تحالف القوى الوطنية – كتلة حزب العدالة والبناء الذراع السياسي للإخوان المسلمين - كتلة الوفاء للثورة – كتلة مستقلة ) في خلافات ومشاحنات في الوقت الذي كان السلاح فيه منتشرا في كل مكان. وتشكلت الحكومة بقيادة شخصية من تحالف القوى الوطنية (الكتلة الاكبرفي البرلمان) الذي يرأسه محمود جبريل رئيس المكتب التنفيذي في المجلس الوطني الانتقالي الذي قاد حرب التحرير ضد نظام القذافي هذه الحكومة وضعت  - في أولويات عملها – خطة لجمع السلاح وجعله تحت امرة الدولة. لكنها فشلت في خطتها نتيجة المشاحنات السياسية بين الكتل داخل البرلمان وبين مكونات المشهد السياسي العام. وهو ما جعل الثوار في هذه المرحلة يتمسكون بسلاحهم اذ أدركوا أن البلاد مقدمة على خلافات سياسية حادة وعلى مراحل صعبة قد تطيح بالدولة نتيجة الانتشار الواسع للسلاح في البلاد. فبقوا داخل معسكراتهم متمسكين بأغلب الترسانة العسكرية الثقيلة لديهم وهو ما أنقذ البلاد في هذه المرحلة من حرب أهلية شاملة. وفي الوقت نفسه كانت الحكومة تبني الأجهزة الأمنية  وفق استراتيجية خاطئة تلقي الى اليوم بظلالها على المشهد في البلاد , خاصة اذا علمنا وأن الحكومة تتشكل من تيارين رئيسيين وهما تحالف القوى الوطنية ذو التوجه الليبرالي والتيار الاسلامي . وقد أنيطت عهدة تشكيل الأجهزة الأمنية الى وزارة الدفاع التي يحكمها رأسان وزير الدفاع السيد أسامة الجويلي من تحالف القوى الوطنية ( من مدينة الزنتان ) ووكيل الوزارة السيد خالد الشريف المحسوب على التيار الاسلامي . وفي اطار تقاسم الأدوار أشرف السيد وزير الدفاع على تشكيل  ما يسمى بقوات حرس الحدود وهي قوات القعقاع والصواعق والمدني وأغلب عناصرها وقادتها من الزنتان في حين عمل السيد وكيل الوزارة على اعادة تأهيل وهيكلة قوات الدروع التي تشكلت في عهد حكومة السيد عبد الرحيم الكيب والتي تعمل تحت امرة رئيس الأركان الذي بدوره يأتمر بأوامر وكيل الوزارة. وقوات الدروع  تتشكل من الثوار الذين قاتلوا في الجبهات ضد القذافي ويغلب على هذا التشكيل الخط الوطني والإسلامي الوفيين لمبادئ فبراير. والملاحظ هنا أن هذه التشكيلات العسكرية  قد غلب على تأسيسها عامل الانتماء الفكري والسياسي  في الوقت الذي كانت فيه البلاد في حاجة الى سلك أمني وعسكري بعقيدة وطنية بعيدا عن الروح السياسية والفكرية . ويتحمل المؤتمر الوطني العام والحكومة والأحزاب السياسية المسؤولية في ذلك اذ تحولت هذه القوات بعد ذلك الى أذرع عسكرية للأطراف السياسية المتصارعة. اذن، في ظل الأزمات التي بدأت تعصف بحكومة السيد علي زيدان بعد فترة هدوء وتناغم نسبي بين مكوناتها دامت لفترة أربعة أشهر بدأ الاستقطاب الثنائي يبرز ويحتد بين التيار الاسلامي والتيار الليبرالي (الذي سمى نفسه فيما بعد بالتيار المدني) داخل أروقة المؤتمر وانعكس ذلك على الحالة السياسية العامة في البلاد وعلى أداء الحكومة التي أصبحت عاجزة عن تلبية حاجات المواطن في الأمن والخدمات العامة وهو ما صعد من حالة الاحتقان العامة في الشارع وزاد الانفلات الأمني وأصبحت البلاد تعيش في حالة فوضى كبيرة كادت أن تعصف بالدولة والثورة والبلاد وتجلى ذلك في أحداث غرغور ( حي من أحياء طرابلس) الشهيرة في 15نوفمبر 2013 التي راح ضحيتها 46 شخصا عند تصدي القوات الامنية للمظاهرات التي ثبت بعد ذلك أن وراءها أطراف من النظام السابق . وانجر عن هذه الأحداث خروج كتائب مصراته من العاصمة  ولم يبق بها الا الكتائب التابعة للزنتان ( القعقاع والصواعق والمدني) رغم أن من أسباب المظاهرة مطالبة الكتائب العسكرية  التي من خارج طرابلس بمغادرة العاصمة . وتوالت الأزمات بعد ذلك متلاحقة  الى أن تمت الحادثة الشهيرة المتمثلة في اختطاف رئيس الوزراء لبضع ساعات على خلفية قضية فساد متهم بها هو شخصبا  وقدم على اثرها استقالته التي رفضها المؤتمر في حينها خوفا من الفراغ الدستوري لا رغبة في بقائه , ثم وقع بعد ذلك الحدث الخطير الذي هز أركان الدولة والبلاد والمتمثل في اقدام ابراهيم الجضران رئيس ما يسمى بالمكتب السياسي لإقليم برقة والمسيطر على المنشآت النفطية على استجلاب باخرة الى ميناء البريقة لتغادر محملة بالنفط الليبي دون أن تمر الكمية على العدادات وخارج سلطة الدولة والبنك المركزي ودون صد من القوات التابعة للحكومة  وهو ما كان سببا كافيا لإقالة السيد علي زيدان من طرف المؤتمر الوطني . ومباشرة بعد الاقالة بساعتين يغادر السيد زيدان البلاد بتواطؤ من آمر حرس المطار مختار لخضر الزنتاني. والمعلوم وقتئذ أن المطار كان تحت سيطرة ميليشيات الزنتان . وخلف السيد علي زيدان في موقعه السيد عبد الله الثني الذي كان ضعيفا جدا ويعمل تحت ضغط قوات القعقاع والصواعق المسيطرة على العاصمة مما اضطره الى تقديم استقالته الا أنه تراجع عن هذه الاستقالة بعد أن تعرض منزله في طرابلس الى القصف بقذائف الآربي جي كرسالة ضغط حتى لا يمضي في استقالته. وقد فهم السيد الثني الرسالة وأصبح يعمل وفق اجندة تيار سياسي معين وهو تحالف القوى الوطنية وأصبحت قراراته منحازة لهذا التيار وهو ما اضطر المؤتمر الوطني( الذي اتحدت كتله ضد كتلة التحالف وأصبحت اغلبية) الى اقالته في جلسة شهيرة غلب عليها التشنج وعين مكانه السيد أحمد امعيتيق ابن مدينة مصراته وهو رجل أعمال شاب, الا أن هذه الاقالة قوبلت بالرفض من طرف تحالف القوى الوطنية معتبرا أنها غير قانونية ومخالفة للإعلان الدستوري ومفروضة من مصراته ورفع دعوى قضائية في الغرض لدى الدائرة الدستورية في المحكمة العليا التي أقرت عدم شرعية الاقالة وأبقت على السيد الثني في منصبه . وقد قبل المؤتمر الوطني بحكم المحكمة. في هذه الأثناء كان الاعلام الموالي للتحالف يشحن الشارع ضد المؤتمر وضد وزراء التيار الاسلامي في الحكومة . فزادت المظاهرات وأصبحت تطالب بحل المؤتمر  رافعة شعار " لا للتمديد "  وكانت اللافتات التي ترفع في المظاهرات تطبع في مقر كتيبة الصواعق بمنطقة السواني  . وهو ما اضطر المؤتمر في النهاية الى تحديد موعد لإجراء انتخابات برلمانية يوم 22افريل 2014افرزت أغلبية لتحالف القوى الوطنية والفيديراليين رغم أن الانتخابات قد جرت وفق نظام الأفراد بفعل رفض الشارع للأحزاب السياسية .وسبب ضعف تمثيلية التيار الاسلامي تعود لحملة التشويه المنقطعة النظير الذي تعرض لها من وسائل الاعلام التي تنتمي في أغلبها لقوى التحالف وأنصاره  حيث حمل الاعلام التيار الاسلامي مسؤولية فشل المسار السياسي والحكومي رغم أن الحكومة قادها حزب التحالف.  وأقرت اللائحة الدستورية  أن تكون مدينة بنغازي مقرا للبرلمان الجديد . وكانت بنغازي في ذلك الوقت تعيش حالة مروعة من الاغتيالات التي تطال العسكريين والقضاة والإعلاميين ورموز المجتمع المدني  حتى أن عددها قد بلغ الخمسمائة حالة اغتيال . وكانت التهم توجه عبر الاعلام لثوار بنغازي وتنظيم أنصار الشريعة رغم أنه لم يثبت دليل واحد في أي حالة من الحالات عن تورط هذين التنظيمين في الاغتيالات. ورغم هذه الحال كان البرلمان يصر على أن تكون بنغازي هي المقر على أن يكلف درع المنطقة الشرقية بحماية مقر البرلمان وأعضائه. في هذه الأثناء تعلن قوات الصاعقة في بنغازي ولاءها للجنرال حفتر المقيم في مدينة المرج والمدعوم من قبائل في المنطقة الشرقية ومن مدن المرج وطبرق والبيضاء وتدخل في قتال  ضد مجلس شورى ثوار بنغازي داعمة لحفتر . ويسيطر الثوار في مدة وجيزة على كل معسكرات الصاعقة رغم أنها صفوة الجيش الليبي ويستقر الوضع في المدينة وتختفي ظاهرة الاغتيالات ويعم الأمن مدينة بنغازي . وفي قرار مفاجئ وغريب ومخالف للائحة الدستورية يعلن البرلمان تغيير مقره الى مدينة طبرق ويرفض حضور جلسة الاستلام والتسليم في مقر المؤتمر في طرابلس ويبدأ في عقد جلساته في طبرق . في هذه الأثناء وبتاريخ13جويلية 2014 تنطلق عملية فجر ليبيا لإنقاذ البلاد من حالة الفوضى الأمنية الشاملة في العاصمة وتدوم المعركة 45 يوما تتمكن خلالها قوات فجر ليبيا من فرض سيطرتها على كامل مدينة طرابلس الكبرى وعلى المطار وعلى معسكرات القعقاع والصواعق والمدني . وتضطر قوات الزنتان الى الانسحاب الى مدينة الزنتان وتعقد حلفا مع منطقة ورشفانة التي بقيت وفية للقذافي في جزء كبير منها والتي شكلت كتيبة جبش القبائل مع أحمد قذاف الدم المقيم في القاهرة . وتدخل قوات فجر ليبيا في جبهة جديدة ضد  جيش القبائل وتهزمه وتسيطر على منطقة ورشفانة لتلتحق بقايا هذا الجيش بالجبل وبمنطقة الحمادة ومدن الغرب الليبي القريبة من الحدود التونسية ( الجميل ورقدالين وزلطن) حيث لازالت المعارك دائرة الى الآن في محيط قاعدة الوطية  وهي آخر معقل لجيش القبائل وقوات الزنتان في المنطقة الغربية بعد دخول فجر ليبيا للجميل ورقدالين وزلطن التي غادرتها قوات جيش القبائل الى قاعدة الوطية التي بها غرفة العمليات المشتركة لجيش القبائل وكتائب الزنتان في المنطقة الغربية . ولو سيطرت قوات فجر ليبيا على قاعدة الوطية يكون كامل الغرب الليبي تحت سيطرة حكومة الانقاذ الوطني. ومع سيطرة فجر ليبيا على العاصمة طرابلس يقدم خليفة حفتر عبر عملية استخبارية مدروسة ومدعومة من دولتي مصر والإمارات ( وهو أمر لا تنكره كلا الدولتين)على تسليح مجموعات من الشباب من مختلف أحياء مدينة بنغازي بعد أن تقدمت قوات مجلس شورى ثوار بنغازي الى مناطق نفوذ حفتر شرق بنغازي وعندما اقتربت قوات الثوار من مركز قيادته في الرجمة تحركت مجموعات الشباب( الذي أطلق عليها حفتر اسم الصحوات) داخل الاحياء وفي المدينة مدعومة بقوات قادمة من مدن الشرق وهو ما اضطر قوات الثوارالى العودة الى المدينة وأحيائها لحماية العائلات والممتلكات التابعة لهم ولأنصارهم . ودخلت المدينة في حالة حرب شاملة و كانت قوات حفتر تأتي معززة بالأسلحة الثقيلة وتهاجم المدينة مما خلف دمارا كبيرا بها دون أن يتمكن الجنرال من السيطرة عليها بل خسر اكثر من 500 مقاتل في ظرف أربعة أشهر رغم السلاح المتطور الذي يأتيه من دولتي مصر والإمارات ورغم تفوقه الجوي ( علما وأن ليبيا لازالت تحت البند السابع الذي يفرض حظرا جويا للطيران الحربي). ولازالت بنغازي تعاني الى اليوم من حالة الحرب رغم سيطرة الثوار على أغلب اجزائها. وعودا الى المحكمة الدستورية . فبعد الشكاوى التي رفعت من طرف بعض منظمات المجتمع المدني ومن أطراف داخل المؤتمر الوطني حول عدم شرعية جلسات البرلمان في طبرق المخالفة للائحة الدستورية ( لائحة فبراير او الدستور الصغير ان شئنا)بسبب عدم عقد جلسة الاستلام والتسليم وعدم الالتزام بمقر البرلمان تصدر المحكمة حكمها الشهير بعدم دستورية قانون اجراء الانتخابات وهو ما نسف العملية الانتخابية من أصله . وبالتالي عدم شرعية البرلمان في حد ذاته. وكان هذا بعد سيطرة فجر ليبيا على مدينة طرابلس وهو ما اعتبره أعضاء البرلمان في طبرق قرارا مسيسا صدر تحت الضغط . وواصل البرلمان عقد جلساته في طبرق بعد أن غادره أكثر من 70نائبا بعد حكم المحكمة . وأعاد تشكيل الحكومة برئاسة السيد عبد الله الثني بعد أن قدم استقالته اليه كما سمى بعد مدة العميد عبد الرزاق الناظوري قائدا للأركان العامة. ومن هنا دخلت البلاد في مرحلة جديدة: بلد بحكومتين وبرلمانين ورئاستي أركان. ومن خلال هذا السرد السريع لأهم الاحداث التي مرت بها ليبيا بعد اتنخابات المؤتمر الوطني والى اليوم نلاحظ ان الخلاف هو خلاف سياسي بين تيارات سياسية  تختلف في منطلقاتها الفكرية والسياسية وفي رؤيتها لمستقبل البلاد وليس كما يروج عند الكثيرين أنه صراع بين قوى متطرفة رافضة للديمقراطية وقوى مدنية تدافع على مكتسبات الحداثة وعلى الديمقراطية وحقوق الانسان. صاحب كل هذا الحراك انتخاب اعضاء لجنة الستين  التي يرأسها السيد على الطرهوني وهو رجل ليبيرالي تحمل حقيبة المالية في المكتب التنفيذي للمجلس الوطني الانتقالي أثناء حرب التحرير. وقد اتخذت هذه اللجنة مدينة البيضاء بالشرق الليبي مقرا لها  . ورغم مضي أكثر من عام على انتخابها مازالت لم تقدم المسودة الأولى من مشروع الدستور رغم أنها كانت ملزمة بذلك في غضون شهرين من تاريخ انتخابها . والملاحظ أن هذه اللجنة تراقب الأحداث وتنتظر من ستؤول اليه الأمور في الأخير لتخرج بمسودة متناغمة مع افرازات الحياة السياسية .وبالنظر الى حال الصراع الذي عليه البلاد بقيت هذه اللجنة خارج اطار المراقبة والمتابعة رغم أهميتها الاستراتيجية في تحديد مستقبل البلاد. موازين القوى المتحكمة في المشهد لكلا الحكومتين 1-حكومةالانقاذ الوطني بقيادة السيد عمر الحاسي مباشرة بعد سيطرة فجر ليبيا على مدينة طرابلس عاد المؤتمر الوطني الى عقد جلساته , ومنح الثقة لحكومة الانقاذ الوطني التي هي حكومة الثوار وتعمل تحت امرتها كل فصائل ثوار ليبيا باستثناء الزنتان. ويشرف على شؤون الدفاع والجيش في هذه الحكومة مجلس أعلى للدفاع تنضوي تحته رئاسة الأركان العامة بقيادة العميد عبد السلام جادالله لعبيدي(ابن بنغازي ومن قبيلة العبيدات التي منها ينحدر عبد الفتاح يونس العبيدي أول رئيس أركان لكتائب الثوار في حرب التحرير) وتعمل تحت امرته قوات الدروع وهي أكبر فصيل مسلح في ليبيا. وتنتشر هذه القوة في كل أنحاء ليبيا (شرقا: درع المنطقة الشرقية – وسطا : درع الوسطى – غربا : درع المنطقة الغربية ). كما تعمل تحت امرته قوات الردع المتحركة والقوة الثالثة التي تحمي الجنوب. وعلى مستوى الجغرافيا فان حكومة الانقاذ الوطني تسيطر على أكثْر من 90بالمائة من التراب الليبي وتسيطر على مصادر النفط اذا استثنينا الهلال النفطي الذي تعمل قوات شروق ليبيا على تحريره من قوات ابراهيم الجضران(ذو الاصول التشادية) الموالية لحفتر لتسلمه الى سلطة الدولة تحت سيادة حكومة الانقاذ الوطني.( عائدات البترول تعود الى البنك المركزي الذي مقره طرابلس) كما تسيطر الحكومة بالكامل على مدينة طرابلس عاصمة البلاد التي بها كل الادارات المركزية والمؤسسات الرسمية للدولة. فحكومة الانقاذ عمليا هي التي تقود البلاد وهي على علاقة جيدة بمؤسسة البنك المركزي التي بقيت على الحياد في الصراع الدائر في ليبيا. وقد حضر محافظ البنك المركزي آخر جلسة استماع من المؤتمر الوطني للحكومة وهو ما يعتبر اعترافا رسميا من هذه المؤسسة بحكومة الانقاذ الوطني علما وأن البنك المركزي لازال لم يسيل ميزانية الدولة للحكومة ولكنه يتعاون بشكل جيد معها . والمعلوم أن السيد الصديق الكبير محافظ البنك من رجالات الثورة المخلصين ويحظى باحترام كبير من القوى الدولية الفاعلة و اختير أخيرا كأفضل محافظ بنك في المغرب العربي وشمال افريقيا. وما يحد من جدوى عمل حكومة الانقاذ هو عدم اعتراف العالم بها رغم حكم المحكمة الدستورية اذ تعتبر نفسها جسما شرعيا من مؤسسة شرعية هي المؤتمر الوطني العام الذي عاد الى العمل حتى يجنب البلاد الفراغ الدستوري بعد حكم المحكمة الدستورية ببطلان برلمان طبرق. 2- حكومة السيد عبد الله الثني هي حكومة منبثقة من البرلمان الذي يعترف به العالم. وبالتالي تعتبر الحكومة الشرعية التي تمثل ليبيا في الخارج. الا أن حكم المحكمة الدستورية جعل أغلب دول العالم تتعاطى بحذر مع هذه الحكومة . وقد لاحظنا أخيرا تغيرا في موقف الأمم المتحدة من هذه الحكومة اذ اصبحت تنظر لها وللبرلمان على أنهما جزء من المشكل القائم في ليبيا ولا يمثلان سوى جزء من الشعب الليبي. أما على مستوى الجغرافيا فان هذه الحكومة لاتسيطر الا على 7 بالمائة من الأراضي الليبية وعلى ثلاث مدن لا يتجاوز عدد سكانها 500 ألف نسمة . وهي تتواصل مع العالم عبر منفذ طبرق الحدودي مع مصر  وعبر مطار الأبرق في مدينة البيضاء وهي تعتمد في مداخيلها على معونات من دول الخليج  ومن رجال الأعمال المناكفين لحكومة الانقاذ الوطني. وعسكريا هي مدعومة من عملية الكرامة التي يقودها خليفة حفتر والذي يحظى بدعم عسكري كبير من مصر والإمارات العربية المتحدة( التي بدأت أخيرا تأخذ مسافة من السيد حفتر). ونفوذ هذه الحكومة لا يتجاوز اقليم برقة وتسعى بقدر الجهد للسيطرة على مدينة بنغازي ثاني أكبر المدن الليبية وعاصمة اقليم برقة . ولكن الظاهر أن كل محاولاتها ومحاولات السيد حفتر قد باءت بالفشل . وهذه الحكومة مهددة في وجوده اذا تمكنت  قوات شروق ليبيا من السيطرة على  الموانئ النفطية  فإنها ستواصل زحفها الى بنغازي لمعاضدة مجلس شورى الثوار  وقد تصل الى طبرق. ان ما يجعل الليبيين يتوجسون من هذه الحكومة هو كونها مدعومة من التيار الفديرالي الذي يدعو الى استقلال اقليم برقة  عن سلطة الدولة المركزية في طرابلس. ويشكلون قرابة 20 نائبا في البرلمان أغلبهم من المنطقة الشرقية. التشكيلات العسكرية في ليبيا -قوات الدروع: هي أكبر تشكيل عسكري في ليبيا متكون من أغلبية من الثوار ويملك أكبر ترسانة عسكرية أغلبها مما استولى عليه الثوار من قوات القذافي (موال لحكومة الانقاذ). - قوات فجر ليبيا: هي قوة من الثوار من 23 مدينة ليبية تمكنت من السيطرة على مدينة طرابلس وهي تعمل الآن على بسط نفوذها على كامل الغرب الليبي حيث الثقل السكاني في البلاد . وهي ليس كما يتصور البعض ميليشيات دينية متطرفة وانما هي قوة عسكرية تنتمي لها عناصر مختلفة في مشاربها الفكرية  يجمعهم فقط الولاء للثورة ومبادئ 17 فبراير( موالية لحكومة الانقاذ). - قوات شروق ليبيا: هي تشكيلات وكتائب عسكرية أغلبها من مصراته مكلفة  من طرف حكومة الانقاذ بتحرير منطقة الهلال النفطي (موالية لحكومة الانقاذ). - مجلس شورى ثوار بنغازي: هو تنظيم عسكري يضمّ 5 كتائب عسكرية من الثوار الذين قاتلوا ضد القذافي. هذا المجلس يخوض الآن حربا ضد عملية الكرامة في بنغازي ومنع حفتر من السيطرة عليها بل تمكن من السيطرة على كل معسكرات الصاعقة وهي صفوة القوات العسكرية في المنطقة الشرقية. وقد تمت السيطرة على هذه المعسكرات بعد أن أعلنت قوات الصاعقة عن ولائها لعملية الكرامة (موالي لحكومة الانقاذ). - كتائب الطّوارق في الجنوب الليبي: وهي كتائب مسلحة تحرس مع القوة الثالثة الحدود الجنوبية مع تشاد والنيجر وهي في صراع مع مكون التبو المدعوم من الزنتان وفرنسا (موالية لحكومة الانقاذ). - مجلس شورى ثوار درنه: ويتكون من كتيبة شهداء بوسليم وكتيبة انصار الشريعة(موالي لحكومة الانقاذ).أما كتيبة شباب الاسلام التي تضم في صفوفها قرابة 200 عنصر فهي تحمل فكرا مغاليا ولا تعترف بكلا الحكومتين وهي تنظيم جهادي أقرب في فكره لتنظيم القاعدة ولا تملك نفوذا كبيرا في المنطقة رغم ما تحظى به من شهرة وتضخيم اعلامي. تنظيم أنصار الشريعة: في المنطقة الشرقية في ليبيا والذي يقوده الشيخ محمد الزهاوي. هو جزء من مجلس شورى ثوار بنغازي  وهو تنظيم لا يحمل فكرا تكفيريا بل انه تنظيم يؤمن بالدولة . وأعلن قادته في عديد المناسبات  أنه بمجرد انتهاء الحرب سيتحولون الى حركة اجتماعية دعوية تقدم خدماتها للناس وفق ما تؤمن به من صحيح الدين . وللعلم فان تنظيم أنصار الشريعة في بنغازي هو التنظيم الوحيد في ليبيا الذي يملك مصحة مجهزة لمعالجة الادمان ضد المخدرات وهي مصحة تقدم خدماتها بالمجان . كما يملك مصحة أخرى تقدم الخدمات الصحية للمواطنين بالمجان . ان ما يطلبه هذا التنظيم من الدولة أن تكون الشريعة هي مصدر التشريع في البلاد ويعتبرها مسألة مركزية في تفكيره واستراتيجيته . ومسألة الشريعة في ليبيا هي مسألة متفق عليها من الجميع وليست مسألة خلافية ذلك أنه لا يوجد فكر علماني في ليبيا  ولعل أهم بند محل اجماع في مشروع الدستور القادم هي أن الشريعة مصدر التشريع. -الجيش الليبي:وهي تسمية أطلقها حفترعلى المجموعات التي تقاتل معه. وأغلب عناصرها من قبائل الشرق( العبيدات . العواقير . الفرجان . البراعصه ..) وهي قبائل تستوطن مدن بنغازي والمرج والبيضاء وطبرق. وهي مجموعات تقاتل ضد مجلس شورى ثوار بنغازي وضد ثوار درنه . وقد خسر حفتر كثيرا من عناصره في معاركه ضد بنغازي ودرنه  رغم السلاح الذي يتدفق اليه من مصر . ويقود جيش حفتر قادة عسكريون ممن كانوا في جيش القذافي أمثال ونيس بوخماده قائد كتائب الصاعقة والعقيد طيار صقر الجروشي قائد القوات الجوية في جيش حفتر والعقيد فرج البرعصي قائد جبهة بنغازي ( موالي لحكومة الثني). - قوات القعقاع والصواعق والمدني : وهي تشكيلات عسكرية من ثوار الزنتان وقد ضمت اليها العديد من عناصر اللواء 32 معزز التابع سابقا لخميس القذافي ابن العقيد معمر القذافي  وعناصر من كتيبة امحمد المقريف المكلفة بحراسة العقيد القذافي ومدينة طرابلس والذي كان يقودها اللواء البراني اشكال المقيم حاليا فى القاهرة . هذه القوات خاضت حربا ضد فجر ليبيا وانسحبت من طرابلس لتستقر بمدينة الزنتان معقلها الأخير . البعض من هذه القوات يقاتل الآن مع جيش القبائل في جهة الوطية. وقد حظيت كتائب الزنتان بتسليح جيد بأسلحة حديثة من مدرعات وصواريخ حرارية وقناصات وأجهزة رؤية ليلية وأجهزة اتصال وذلك بفضل السيد أسامة الجويلي وزير الدفاع في حكومة زيدان وهو ابن مدينة الزنتان وأحد قادة كتائبها أثناء حرب التحرير. -جيش القبائل :  وهم مجموعات مسلحة من الموالين لنظام القذافي . هذه القوة وجدت كل الدعم من الزنتان وخاصة من حفتر ومصر . أسسها أحمد قذاف الدم ابن عم العقيد القذافي المقيم في القاهرة . هذه القوة تقاتل الآن قوات فجر ليبيا في جبهة الوطية في الغرب الليبي . وقد تم اخرج هذه القوات من معقلها في منطقة ورشفانة جنوب غرب العاصمة طرابلس. المقدرات الاقتصادية لكلا الحكومتين أغلبها تحت سيطرة حكومة الانقاذ الوطني وهي بالأساس أموال البترول المصدر التي تعود الى البنك المركزي والذي مقره طرابلس وكذلك الموانئ التجارية الكبرى ومركب الحديد والصلب في مصراته ومصانع الاسمنت  والمركبات الكيمياوية والمصارف التجارية  وكلها تحت سيطرة حكومة الانقاذ. أما حكومة الثني فلا تسيطر سوى على ميناء طيرق الذي تصدر منه كمية بسيطة من النفط الخام . ولا يوجد في المنطقة الشرقية اي مؤسسة ذات مردودية اقتصادية هامة الموارد الاقتصادية في ليبيا ليبيا بلد غني بموارده الطبيعية وخاصة النفط الذي يمثل 90 بالمائة من مصادر الدخل الخارجي من العملة الصعبة. وهو ما يجعل الاقتصاد الليبي اقتصاد ريعي بامتياز يعتمد بشكل رئيس على موارد النفط . كما تملك ليبيا مركبين كيمياويين ضخمين في البريقة ( المنطقة الوسطى) وفي أبي كماش (المنطقة الغربية)  الى جانب مركب الحديد والصلب في مصراته وهو أكبر مركب صناعي في افريقيا في هذه الصناعة. اما باقي النسيج الصناعي فيتمثل في معامل الاسمنت في بنغازي والخمس ومصراته وطرابلس. كما تتوفر ليبيا على معامل الصناعات التحويلية وخاصة المواد الغذائية من طحين وعجين وطماطم وزيت ولكنها لا تتوفر على جودة عالية . أما على المستوى الزراعي فليبيا تستثمر في واحات النهر الصناعي في الجنوب ( الكفرة . الجفرة . جالو . أوجله) وتنتج هذه الواحات كميات  مهمة من التمور تكفي للاستهلاك الداخلي . كما تعتبر منطقتي الزاوية وورشفانة مصدرا لإنتاج القوارص بكميات تغطي حاجة السوق الداخلية. كما تستثمر ليبيا في صيد الاسماك عبر موانئ الصيد المنتشرة في كل المدن الساحلية. ويعتمد أسطول الصيد البحري على خبرة المهاجرين العرب خاصة من تونس ومصر. المكون القبلي: كثيرا ما نسمع عن القبيلة في ليبيا وأن المجتمع الليبي مجتمع قبلي . وأن القبيلة تلعب دورا رئيسا في مجرى الأحداث . وهذا الكلام مبالغ فيها نسبيا. فالقبيلة في ليبيا لا تتجاوز كونها مظلة اجتماعية ولم تلعب في يوم من الأيام دورا سياسيا حاسما. ذلك أن القذافي قد وظف العامل القبلي والقبيلة لخدمة نظامه . واليوم أمام التفكك والضعف الذي تعيشه الدولة تلعب القبيلة في بعض المناسبات دورا لتحقيق هدف سياسي أو عسكري لطرف سياسي ما حيث تكون دائما طرفا تابعا لا فاعلا خاصة في المنطقة الغربية حيث امتزجت الحالة الاجتماعية للسكان وضعف كثيرا الشعور بالانتماء القبلي خصوصا عند فئة الشباب التي تمثل الفئة الأكبر في البلاد. ولكن في المنطقة الشرقية وفي اقليم برقة بالتحديد يمكن أن نقول بأنه مازال للقبيلة دور فاعل في الحياة السياسية والاجتماعية. فقبائل الشرق لم تكن على علاقة جيدة بنظام القذافي ولم يستطع ترويضها اذ ظلت وفية أكثر للنظام الملكي الذي نشأ في اقليم برقة في اطار ائتلاف قبلي . ومع انطلاق الثورة توحدت قبائل الشرق وتحركت مجتمعة  حتى أن القادة الذين كانوا مع القذافي لم يستطيعوا مخالفة أمر قبائلهم ونذكر منهم مصطفى عبد الجليل  وعبد الفتاح يونس وكانا يحملان أخطر حقيبتين وزارتين في نظام القذافي وهما العدل والداخلية  . وتم انهاء نظام القذافي في المنطقة الشرقية في ظرف أربعة أيام وهو ظرف قياسي. ان قادة القبائل ليسوا مفكرين سياسيين أو مثقفين مرموقين, هم شيوخ منحدرون من عائلات شريفة داخل قبائلهم . ولذلك استطاع حفتر وإعلام القوى المناوئة لتوجهات قوى 17 فبراير أن يقنعوا قادة القبائل بأن الثوار في بنغازي هم من وراء قتل أبنائهم من عسكريين ومثقفين وأن هؤلاء الثوار هم خوارج العصر ولا يمثلون صحيح الدين , واستطاع مستعينا بالإعلام والعمل المخابراتي أن يقنع شيوخ القبائل أن يسلموه أبناءهم ليحررهم  من الخوارج والتكفيريين . وبذلك استطاع هذا الجنرال تكوين ميليشيات من مدن البيضاء والمرج وطبرق لمقاتلة ثوار بنغازي وأطلق عليهم اسم الجيش الليبي. واليوم في ليبيا لا توجد تنظيمات أو ميليشيات باسم القبائل وإنما هي تشكيلات اما تابعة لطرف سياسي أو لمدينة معينة وتكون تحت امرة المجلس البلدي للمدينة أو تحت امرة  المجلس المحلي أو مجلس الشورى. المكوّن الإثْني: النسيج الاجتماعي  في ليبيا متماسك الى حد بعيد وذلك بفعل انغراس القيم الدينية في النفوس . ولذلك لا توجد مظاهر العنصرية أو التفرقة بين السكان على أساس العرق أو اللون وان كان القذافي قد حاول في فترة حكمه توظيف هذا العامل لتثبيت أركان سلطته مستعملا سياسة فرق تسد بين المكونات الاثنية والقبلية. فأغلب سكان ليبيا هم من العرب مع وجود أقليات أمازيغية  وطارقية. -الأمازيغ: وهم سكان مدينة زوارة الساحلية ومدن نالوت وجادو ويفرن الجبلية ( جبل نفوسة) وكان للأمازيغ دور فاعل في الثورة وهم اليوم مع فجر ليبيا وحكومة الانقاذ . ويطالبون بدسترة بعض الحقوق الثقافية وهم في خلاف من أجل ذلك مع دار الافتاء . وكثيرا ما يقومون بتظاهرات للضغط على السلطات وعلى المؤسسة الدينية لافتكاك هذه الحقوق . - الطوارق: وهم أمازيغ الصحراء ويقطنون مدن الجنوب الليبي مثل أوباري وغات ومرزق والقطرون وهم مع فجر ليبيا أسوة باخوتهم البيض في زوارة ومدن الجبل وساهموا بدور فاعل في الثورة ويقومون بدور كبير في حماية الحدود الجنوبية للبلاد. - التّبو : وهم من أصول تشادية. وقد منحهم القذافي الرقم الوطني ووطنهم في الجنوب الليبي ومدن الواحات مثل الكفرة وجالو. وهم اليوم في تحالف مع الزنتان  وعدد كبير منهم منضوي في الكتائب العسكرية الزنتانية مثل القعقاع والصواعق . وتراهن فرنسا على هذه الاثنية في الجنوب الليبي وتوظفها لحماية مصالحها . علما وأن التبو موجودون الى جانب ليبيا في تشاد والنيجر وهي مناطق نفوذ فرنسي تاريخي . ولفرنسا اطماع كبيرة في ثروات الصحراء الليبية . كما تخشى من تحركات مجموعات جهادية في هذه الصحراء الواسعة التي تشمل ليبيا والجزائر والنيجر وتشاد ومالي. دور الإعلام في ليبيا لعب الاعلام بعد الثورة دورا كبيرا في تأجيج الأوضاع في البلاد وفي تحريك الرأي العام وتوجيهه . ويتحمل الاعلام مسؤولية كبيرة في الحالة التي وصلتها البلاد. أنه اعلام بلا رقيب ولا حسيب يعمل وفق أجندات حزبية ومناطقية لا يحكمها الحد الادنى من المهنية والأخلاق . وكان رصاص الاعلام أشد على الثورة من رصاص البندقية . انتشرت القنوات الفضائية والاذاعات كالفقاقيع . وأغلب القنوات  هي ملك أحزاب ومدن ورجال اعمال. وكل قناة تعمل وفق أجندة معينة وتأتمر في خطها التحريري بأمر الحزب أو المدينة أو رجل الاعمال حتى أن المواطن اليوم في ليبيا لم يعد يدرك حقيقة ما يجري في البلاد وأصبح مصابا بإحباط شديد تجاه الثورة والأحزاب السياسية والثوار . فأغلب الليبيين عندما تسألهم عن الثورة والأحزاب فانهم  يتحدثون بسلبية شديدة وهذا هو الخطير. فالشارع الليبي اختلطت عليه الأمور وأصبح محكوما بهاجس الخوف والحيرة على مصير البلاد أمام حالة الانقسام القائمة. مدن مؤثّرة في المشهد - طرابلس : عاشت مدينة طرابلس عاصمة البلاد حالة شديدة من القلاقل أثناء فترة حكومة علي زيدان وتواصلت مع حكومة عبد الله الثني. ولكن مع دخول قوات فجر ليبيا الى المدينة وتشكل حكومة الإنقاذ الوطني دخلت المدينة مرحلة من الاستقرار وعادت اليها خدمات الكهرباء والمياه  وغابت أزمات البنزين التي كانت مفتعلة من أطراف لها مصلحة في توتير الاوضاع . وغابت مظاهر الانفلات الأمني ومظاهر السرقة والسطو المسلح على المؤسسات وعادت الحياة الى البنوك والى المدارس والكليّات . وعادت الشرطة الى الشوارع . واقتنع قطاع عريض من الشارع بجدوى عملية فجر ليبيا بعد أن كانت مرفوضة في بدايتها رغم أنها لم تجد صدا من أهالي طرابلس الذين عانوا من مجموعات الزنتان الذين كانوا يسيطرون على العاصمة وعلى طريق المطار.و طرابلس اليوم مدينة آمنة وتتوفر فيها كل الخدمات الضرورية للمواطن وتحرسها كتائب من الثوار مدعومة من حكومة الانقاذ الوطني التي تريد أن تثبت للعالم أنها فعلا حكومة انقاذ الدولة والبلاد . وقد زارها في المدة الأخيرة عديد الوفود الدولية التي أشادت بحالة الأمن في المدينة . وتسعى هذه الحكومة أن تثبت للعالم أنها الحكومة الفعلية والشرعية في البلاد -مصراته : هي حالة ليبية متفردة . فالمعروف عن مصراته أنها أكثر مدينة قدمت شهداء في الثورة وأكثر المدن تضررا من حرب التحرير حتى أنها سميت المدينة الشهيدة . وقد انخرط أغلب شبابها ورجالها في الحرب . وبعد نجاح الثورة وجدت نفسها تتوفر على كمية كبيرة من الأسلحة والعتاد الحربي وعلى عدد كبير من الكتائب العسكرية و الشباب المتمرس في فنون القتال وعلى عدد كبير من الشهداء وعلى مجموعة مهمة من رجال الأعمال الذين ساندوا الثورة بالمال .والمعروف عن مصراته أنها مدينة صناعية وتجارية بامتياز . هذه المدينة بقيت بكل مكوناتها وفية لمبادئ ثورة فبراير . ولذلك لم تستطع قوى الثورة المضادة اختراقها. وهي اليوم أكثر مدينة تنعم بالأمن والاستقرار الذي فرضه ثوارها وأبناؤها . وقد كانت مساهمة مصراته كبيرة جدا في سيطرة فجر ليبيا على العاصمة وفي دعم حكومة الانقاذ الوطني. ولذلك فان عديد المدن الأخرى تغبط مصراته على حالة الأمن والاستقرار التي تنعم بها . كما تعتبرها الأطراف المناوئة لحكومة الانقاذ أنها مصدر الارهاب ومصدر خراب ليبيا. - بنغازي: هي  شرارة الثورة، ان ما يحدث اليوم في بنغازي كأنه عقاب لها على دورها في الثورة. هذه المدينة عاشت حالة من الاستقرار التام بعد الثورة طيلة أكثر من عام وانطلقت فيها عديد المشاريع التنموية والخدمية. الا أنه مع منتصف سنة 2013 انطلقت فيها موجة من الاغتيالات أتت على أكثر من 500 ضحية أغلبهم من العسكريين والقضاة والإعلاميين والمثقفين ( أغلب العسكريين هم ممن عرفوا بولائهم للثورة وشاركوا في حرب التحرير) وكان الإعلام المعادي للمؤتمر الوطني يتهم الثور بأنهم خلف عمليات الاغتيال والتصفية الى أن تحول الأمر الى حقيقة عند قطاع عريض من الشارع في بنغازي رغم أنه لم يثبت دليل واحد على تورط الثوار في هذه الإغتيالات  . بل أن السيد صلاح المرغني وزير العدل في حكومة زيدان كان يعد في عديد المناسبات بالكشف عن القتلة ولكنه لم يفعل  وكأن الأمر يتجاوزه أو كأنه يعلم ولا يستطيع الكشف عن الجهة المنفذة. ولازال هذا الملف يكتنفه الغموض خصوصا وأن هناك عمليات تمت بحرفية كبيرة وهو ما يوحي بوقوف أطراف استخبارية خلفها. في هذه الأثناء وبالتحديد في شهر ماي2014    يعلن خليفة حفتر عما سماه بعملية الكرامة لتطهير ليبيا من الارهاب وبناء الجيش والشرطة وهو مطلب كل الليبيين بمختلف توجهاتهم. وانطلق حفتر في عمليته من بنغازي عاصمة إقليم برقة مسنودا من قبائل في الشرق سبق ذكرها . وعندما تم طرد كل التشكيلات العسكرية الموالية له من بنغازي وخاصة قوات الصاعقة  اختفت ظاهرة الإغتيالات وخرجت المعارك من بنغازي وأصبحت تهدد مناطق نفوذ حفتر أطلق الاخير ما يعرف  بالصَّحوات وهم أبناء أحياء بنغازي المناوئين للثوار فسلحهم ونشرهم في الأحياء وداخل المدينة وكانوا مسنودين من قوات قادمة من مدن الشرق ودخلت المدينة في حرب أهلية شاملة مزقت النسيج الإجتماعي وهجرت العائلات ودمرت المنشآت وتحولت بنغازي إلى مدينة منكوبة . واستعمل حفتر في حربه الطائرات والدبابات والمدفعية وهو ما خلف دمارا كبيرا في المدينة. ورغم ذلك لم يستطع دخولها . واعترف أخيرا أنه غير قادر على " تحريرها ". بنغازي تستحق لسنوات وربما لعقود ليعود الوئام بين أهلها ويعود التماسك لنسيجها الاجتماعي( القبائل والعائلات). إن الحال الذي وصلته بنغازي سببه التيار الفيديرالي الذي يطالب باستقلال برقة والذي له تمثيل قوي  في البرلمان الموجود في طبرق ( حوالي 20 نائبا ) والذي منح الشرعية لحفتر الذي له أطماع في حكم ليبيا أو على الأقل إقليم برقة. وقد وجد فيه النظام المصري ضالته . فالمعلوم أن برقة إقليم غني بالنفط والنظام المصري يعيش أزمة اقتصادية خانقة ولا يستطيع الصمود معتمدا على إعانات بعض الدول الخليجية. فهو يطمح إلى نفط برقة بعد وعود له من الفيديراليين . ولذلك قدم الدعم لحفتر بلا تحفظ . واعتمد حفتر في حربه على شمّاعة الارهاب ليكسب تعاطف العالم ومساندته . إلا أنه مع الوقت تفطن الجميع الى أنه رجل مهوس بالسلطة .وقد دخل أخيرا في خلاف مع حلفائه ومنهم محمود جبريل رجل دولة الإمارت المدلل الذي صرح بأن حفتريسعى لتشكيل مجلس عسكري أعلى لحكم ليبيا وهو ما يرفضه جبريل . وقد تعمقت الخلافات بين الرجلين وهذا ما جعل دولة الامارات تنأى بنفسها عن مساعدة الجنرال وتأخذ مسافة منه. وقد أسرت الإمارات بذلك لوفد حكومة الإنقاذ الذي زارها أخيرا. وسنفصل في هذا الأمر عند تناولنا لمسألة القوى الخارجية ودورها في الصراع . -الزنتان: رائدة الثورة في الجبل:الزنتان مدينة صغيرة في جنل نفوسة لا يتجاوز عدد سكانها 35 ألف نسمة. كان لها دور بارز في الثورة وحظيت بشهرة كبيرة لتأثيرها في إدارة البلاد بعد التحرير . إذ استقر أغلب مقاتليها في  العاصمة طرابلس وأصبح لهم نفوذ كبيرخصوصا مع وجود السيد أسامة الجويلي(ابن المدينة) على رأس أخطر وزارة وهي وزارة الدفاع. كما سيطر مقاتلوها على مطار طربلس وهو أهم مرفق خدمي على الاطلاق. وكذلك على أهم المعسكرات والمناطق الحيوية مثل طريق المطار. وحظي عدد كبير من أبنائها بوظائف سامية في الدولة والسلك الدبلوماسي. ومع الزمن تحولت الثورة إلى مغنم بالنسبة لأبناء هذه المدينة وهو ما أثار حفيظة ثوار بقية المدن والمناطق. وكانت كتائبها في طرابلس تتمتع بترسانة عسكرية حديثة وفرها لها السيد وزير الدفاع بعد أن حولها إلى كتائب نظامية ومنح عناصرها الرقم العسكري. ومع اشتداد الصراع والاستقطاب السياسي تحولت هذه الكتائب إلى ذراع مسلح لتحالف القوى الوطنية الذي يرأس مكتبه السياسي السيد عبد المجيد مليقطه ابن مدينة الزنتان وشقيق عثمان مليقطه  آمر لواء القعقاع المتكون في أغلبه من أبناء الزنتان . ومع انطلاق عماية فجر ليبيا دخلت كتائب الزنتان في صراع مسلح ضد ثوار بقية لمناطق وتم إخراجهم من العاصمة. وهم الآن في مدينتهم يخوضون حرب وجود ضد فجر ليبيا. وهو ما جعلهم يدخلون في تحالف مع جيش القبائل الموالي لأنصار القذافي وأعلنوا ولاءهم لحكومة الثني وجيشها. وهم يعتبرون أنفسهم الجيش الليبي في المنطقة الغربية . ويزودهم حفتر بالسلاح . كما يحظون بدعم فرنسي مباشر أشكال التدخل العسكري في ليبيا ليبيا بلد غني بثرواته ويدير أعناق أغلب الدول الكبيرة والشركات المتعددة الجنسيات بالنظر الى حجم المصالح بالنسبة الى هذه الدول وخاصة الغربية منها التي لها تأثير كبير في السياسة الدولية . وهذه الدول يعنيها بالضرورة طبيعة النظام السياسي الذي يجب أن يقود البلاد حتى لا تتهدد مصالحها . وكذلك الحال بالنسبة لدول الجوار فهو يعنيها أن تكون ليبيا  بلدا مستقرا لا يمثل مصدر تهديد لها . ولكنها تختلف في تقييمها  ورؤيتها لطبيعة النظام السياسي الذي يجب أن يسود. أما بقية الدول العربية وخاصة دول الخليج فهي تختلف في تقييمها لما يجري في ليبيا وكل دولة تقيم وفق تصورها ومصلحتها بقطع النظر عن موقف المواطن الليبي المعني بالدرجة الأولى بطبيعة النظام السياسي في بلاده. هذه التقييمات المختلفة للقوى الدولية والإقليمية ولدول الجوار لما يجري في ليبيا انجر عنه بأقدار مختلفة أشكال من التدخل في الأزمة الليبية وأصبح الحل مرتبطا بقدر مهم بالعامل الخارجي وهو ما جعل السيد محمود جبريل السياسي البارز والرقم المهم  في ليبيا يصرح بأن 80 بالمائة من أوراق اللعبة في يد الخارج. تعددت المواقف و ظل الموقف التونسي  متخذا موقف الحياد من الصراع بين الفرقاء ودافعا نحو الحل السياسي بالحوار الذي يعتبره السبيل الوحيد للخروج من الأزمة وهو تقريبا نفس الموقف الجزائري الذي هو اكثر أهمية بالنسبة لليبيا بالنظر لحجم الجزائر  ومكانتها في المنطقة . وبذلك هي معنية أكثر، ونعني أعني الجزائر، بلعب دور فاعل وإيجابي في الأزمة. إن ما يعني الجزائر بالأساس هي المسألة الأمنية لأنها اكتوت بنار الإرهاب ولازالت تعاني منه . وهي ترى أن تواصل حالة الصراع ستزيد في تغذية الارهاب وتمدده. ولذلك هي تدفع نحو الحل السياسي وترفض أي شكل من أشكال التدخل العسكري لانعكاساته السلبية الشديدة على دول الجوار. وإن كانت تدفع نحو إقامة نظام سياسي  يراعي الحالة الاقليمية ويتفاعل بإيجابية مع جيرانه  وأن لا يكون مصدر ازعاج أو مصدر تأثير على التوازنات الداخلية في البلاد .وبالمجمل فان الدور الجزائري الى حد الآن هو دور ايجابي يعتبر الحوار السبيل الوحيد لبلوغ ليبيا بر الأمان والإستقرار. أما الجار الشرقي وعني به مصر. وإن لعبت دورا ايجابيا في ليبيا من خلال التشجيع على سياسة الحوار وتجنيب البلاد الاقتتال . إلا انه بعد التغيير السياسي الذي حدث ووصول عبد الفتاح السيسي للسلطة انحاز الموقف المصري بالمطلق لطرف سياسي معين وأعني به خليفة حفتر والبرلمان الموجود في طبرق . وكذلك إيواؤه لرموز نظام القذافي الذين يتحركون بكامل الحرية ويؤثرون على الاوضاع في الداخل . وأصبح النظام المصري المساند الأساسي لحفتر الذي يقود حربا ضد حكومة الإنقاذ الوطني عبر الدعم المصري بالسلاح وهو ما زاد في تعقيد المشهد وفي مأساوية المسار. فمصر ترفض بالمطلق أي ديمقراطية على حدودها  وأي نظام سياسي يكون التيار الاسلامي طرفا فيه بالنظر لحالة العداء المستحكم بينه وبين تيار الإخوان المسلمين . وكذلك يسعى النظام المصري الى السيطرة على منابع النفط في برقة ويدفع في اتجاه استقلال هذا الاقليم عن السلطة المركزية في طرابلس عبر التحالف مع التيار الفيديرالي المساند لخليفة حفتر الذي بدوره يسعى الى حكم ليبيا أو على الأقل إقليم برقة. أما الجاران الجنوبيان وهما  تشاد والنيجر فهما مرتهنتان الى الموقف الفرنسي . وهما الى حد الآن مصدر ازعاج وتوتير للأوضاع في الجنوب الليبي وخاصة تشاد التي تدعم ابراهيم الجضران رئيس المكتب السياسي لإقليم برقة والمسيطر على الموانئ النفطية في الهلال النفطي وتدفع بمجموعات من التبو للقتال في صفوف قواته . وهو ما يخدم في النهاية الأجندة الفرنسية التي سأتحدث عنها لاحقا. أما بقية الدول العربية وخاصة الخليجية فهي مؤثرة جدا في المشهد الليبي بالنظر لحجم تدخلها وطبيعته . ويمكن اعتبار الموقف السعودي والإماراتي متجانس جدا رغم اختلاف المنطلقات فالسعودية تدعم حكومة الثني التي تعادي الاسلام السياسي الذي تسعى السعودية الى تحجيمه  والتقليل من تأثيره وحجم توسعه لأنه يهدد زعامتها الدينية للعالم الاسلامي  . كما انها ضد الربيع العربي الذي يهدد العروش الخليجية التي تسود بنظام سياسي تقليدي وشمولي . أما الإمارات التي تدعم حكومة الثني المسنودة من تحالف القوى الوطنية بقيادة محمود جبريل الذي تربطه بالإمارات علاقات قوية والذي تعتبره رجلها في ليبيا فإنها تسعى لسيطرة هذا الأخير على البلاد  وتدفع من أجل ذلك الأموال لبرلمان طبرق ولخليفة حفتر كما تزوده بالأسلحة حتى يحسم المعركة ضد فجر ليبيا وحكومة الإنقاذ . إن ما تخشاه الامارات أن تنتصر فجر ليبيا وتستقر الأوضاع لحكومة الإنقاذ وتتحول ليبيا الى قوة اقتصادية عبر الإستثمار في الموانئ التجارية العملاقة التي تهدد المصالح الحيوية الاماراتية . كما تخشى من تمدد الديمقراطية في الوطن العربي وهو ما يهدد عرش حكام الامارات . و لولا التدخل السعودي الاماراتي في ليبيا لكان الليبيون قد توصلوا إلى حلول أو ربما قاربوا ذلك . وأنا أعتقد أنه طالما أن هنالك تدخل مصري خليجي في الشؤون الليبية فان البلد لن يعرف الاستقرار . ولذلك على الأمم المتحدة وأمريكا والإتحاد الأوروبي باعتبارها الأطراف الفاعلة في العالم إن كانت تريد السلام في ليبيا  أن تضغط في اتجاه الحد من تدخل هذه الدول في المعضلة الليبية. أما قطر وإن كانت ليست ضد الربيع العربي فإنها متهمة بمساندتها لحكومة الانقاذ الوطني . و لا شيئ يؤكد دعم قطر  فجر ليبيا بالسلاح . فسلاح  الثوار أغلبه مما غنموه من ترسانة القذافي المتهالكة . ولو كانت قطر تمولهم بالسلاح لحسموا معركتهم بسهولة ضد خصومهم بالنظر لتفوقهم الكبير في الرجال. إن ما يعاب على قطر مساندتها للإخوان المسلمين في مصر وهو ما تعتبره حكومة الثني ونظيراتها في الخليج مساندة للإسلام السياسي في ليبيا . والغرب يدرك أن قطر تحاول أن تلعب دورا سياسيا في ليبيا وفي غيرها من الدول وهي ليست في عداء مع دول الربيع العربي . وهذا ما تعيبه عليها دول الخليج وهذا سبب الخلاف معها . أما الموقف التركي فإنه يتماهى إلى حد بعيد مع الموقف القطري . فتركيا تصطف إلى جانب حكومة الانقاذ الوطني وتدعمها سياسيا وإن كنت لا أعلم بصفقات سلاح من تركيا إلى فجر ليبيا في الوقت الذي لا أستبعد فيه ذلك رغم أن هناك حديث عن سلاح متطور قد وصل قوات فجر ليبيا ومتمثل في صوارخ مضادة للطيران وقد يكون مصدره تركيا. وإذا نظرنا الى أمريكا والدول الأوروبية فإننا نرى مواقفها متقاربة الى حد بعيد إذا استثنينا فرنسا . فأمريكا تنظر بعين الريبة لحكومة الانقاذ الوطني وهي ليست مطمئنة لها. كما ترى في حكومة الثني أنها حكومة لا تملك شيئا على الأرض رغم أنها حكومة منتخبة . وبالتالي تدفع نحو حكومة قوية لها قاعدة شعبية عريضة لا تساند الإرهاب ولا تتساهل معه ولا تهدد مصالحها وخاصة في مستوى الإستثمار في الثروات الطبيعية وبالأساس النفط . إن أمريكا تنظر لليبيا كورشة للاستثمار الاقتصادي بعد استقرار الوضع فيها . وبالمجمل يمكن القول أن أمريكا تنظر لليبيا من زاوية الأمن القومي الأمريكي في المستويين الأمني والإقتصادي ولا يزعجها وجود حكومة منفتحة على العالم ولا تمثل مصدر ازعاج . وهو تقريبا نفس الموقف البريطاني . أما إيطاليا  الجار القريب والمستعمر القديم والدولة الاوروبية الاولى من حيث المصالح الاقتصادية في ليبيا فإنها معنية جدا بالملف ولها مصالح بترولية ضخمة في ليبيا ورؤيتها مرتبطة إلى حد بعيد بموقف شركاتها البترولية العاملة في ليبيا وهي تنتظر الجهة التي سترجح لها الكفة في البلاد. إن إيطاليا معنية جدا بمتابعة ما يجري وقد هددت أخيرا بالتدخل العسكري اذا لم تستقر الأمور ولم يتفق الفرقاء لأنها متضررة اقتصاديا ومن مصلحتها أن تعود استثماراتها للبلاد . ولكن لم يعرف أن إيطاليا تدعم طرفا على حساب الآخر. وبخلاف أغلب الدول الأوروبية فإن فرنسا تتدخل بشكل خطير جدا وسافر في الشأن الليبي وذلك من منطلقين أساسيين : أولهما أن فرنسا ضد تصدر الإسلام السياسي للمشهد في ليبيا انطلاقا من قناعة إيديولوجية ( العلمانية اليعقوبية ) ترفض أي مرجعية دينية في إدارة الشأن السياسي . وثانيهما مصالحها في منطقة الصحراء الكبرى المطلة على ليبيا وتشاد والنيجر ومالي . وهي تعول في ذلك على الزنتان والتبو. فالجميع يدرك العلاقة المتميزة التي تربط مدينة الزنتان بفرنسا وكذلك بمكون التبو . إن فرنسا تدعم الزنتان بكل قوة لتكون عينها وقوتها التي تضمن لها مصالحها في الصحراء.  وقد سعت لبناء تحالف بين التبو والزنتان  ونجحت في ذلك إلى حد بعيد . واليوم نرى أعدادا كبيرة من التبو يقاتلون إلى جانب قوات الزنتان سواء في جبل نفوسة أو في جبهة الوطية . وفرنسا اليوم تزود الزنتان بالمال وبالدعم الاستخباراتي . كما جهزت قاعدة عسكرية على أراضي النيجر على الحدود الليبية كمنطلق لعملياتها إذا قررت غزو الجنوب الليبي بتعلة محاربة الارهاب وملاحقة الارهابيين الذين يشكلون خطرا على مصالحها في دول الصحراء (مالي والنيجر وتشاد وموريطانيا . علما وأن هذه الدول قد طالبت المجتمع الدولي بضرورة التدخل في ليبيا وذلك في آخر قمة جمعتهم في موريطانيا). دور الأمم المتحدة تسعى الأمم المتحدة عبر مبعوثها في ليبيا السيد برنادينو ليون إلى لعب دور حاسم ينهي الصراع القائم في البلاد. وهذا الدور لازال في بدايته ويستوجب صبرا كبيرا وفهما دقيقا لما يجري ووعيا بطبيعة المجتمع الليبي وإلماما كاملا بطبيعة الصراع وخلفياته وحيادا تاما تجاه جميع الفرقاء. وأن تدرك الامم المتحدة أن المسالة في ليبيا ليس مسالة شرعيات وإنما هي مسالة توافقات بمعنى أن تدفع الأطراف المتنازعة نحو مجموعة من التوافقات يلتقي حولها الجميع . أما اذا انطلقت من مسألة من له الشرعية فإنها ستعجز عن ايجاد حلول للمعضلة . فنتائج الإنتخابات في ليبيا اليوم لم تعد تكفي للخروج من المأزق باعتبار أن الجميع يدعي الشرعية لنفسه ويقاتل من أجلها.والمطلوب من الأمم المتحدة في هذا الظرف بالتحديد أن تجمع أغلب الفئات السياسية والإجتماعية وتشركها في الحوار,وأن لا تستثني أحدا وأن تقنع الأطراف التي ترفض بعضها بالمطلق أن تقبل بالجلوس على الطاولة  لأن الاشكال الكبير الذي سيعترض السيد ليون في عمله هو رفض الفرقاء للجلوس والتفاوض باعتبار أن كل طرف يخون الطرف الآخر. القوى السياسية والعسكرية الليبية ودورها في انقاذ البلاد إن حل الازمة في ليبيا مناط بعهدة الليبين قبل الأطراف الخارجية ومسؤوليتهم تجاه بلدهم وتجاه الأجيال كبيرة . وهذا ما يجب أن يدركه الجميع رغم تشعب الصراع وتعقيداته. وما يقع اليوم هو مسؤولية الجميع بدون استثناء وإن كان ذلك بأقدار. لقد بلغ الصراع مدى أصبح معه الحل السلمي أمرا بعيد المنال ولكنه غير مستحيل إذا صدقت النوايا.إن المعضلة الكبرى في الصراع والتي قسمت البلاد هي مسألة ادعاء الشرعية فحكومة طبرق تعتبر نفسها الحكومة الشرعية المنتخبة من طرف البرلمان الذي يعترف به العالم . وأن كل ما تتخذه من قرارات  وما ترسمه من سياسات وما تبنيه من علاقات مع الخارج هو من صميم شرعيتها . وان حكم المحكمة الدستورية هو حكم باطل صدر تحت إكراه السلاح من طرف ميليشيات خارجة عن القانون . وعلى خلاف ذلك تعتبر حكومة الإنقاذ أن حكم المحكمة الدستورية واجب التطبيق . وأن أحكام القضاءهي آخر حصن لليبيين لحسم الخلافات بين الفرقاء وفي القضايا التي تهم البلاد . وبالتالي هي تعتبر البرلمان الموجود في طبرق  في حكم العدم . وأنها حكومة منبثقة من مؤسسة دستورية ومدعومة من قوى الثورة التي حررت البلاد من نظام القذافي وبالتالي ترفض المزايدة على شرعيتها .ومما تقدم نلاحظ حجم الهوة في تباعد وجهات النظر. وهو ما جعل الطرفين يلجآن الى حسم الخلاف بالسلاح وهو أمر مستحيل التحقيق في ظل موازين القوى الداخلية والخارجية . إن أقصى ما يمكن أن يحققه التفوق العسكري هو تحسين شروط التفاوض للطرف المتفوق . وهذه حقيقة أصبح يدركها كل الفاعلين السياسيين في ليبيا والخارج . ولو ترك الأمر لليبيين لحل مشاكلهم بطرقهم وأساليبهم الخاصة ربما يصلون إلى حلول ولو بعد حين . لكن هناك أطراف خارجية تدفع نحو مزيد التأجيج ونحو فرض خيار بالقوة . وهذا ما يزيد في سفك الدماء إذ كلما اشتد القتال وسقطت الارواح تصبح فرص الحل السلمي وتنازل الأطراف لبعضها أمرا صعب المنال. إن المطلوب اليوم من المجتمع الدولي أن يضغط على الأطراف الخارجية المتورطة عسكريا في ليبيا أن ترفع يدها عن هذه البلاد وأن تلتزم الحياد في الصراع القائم  . إن جزء كبيرا من الحل في ليبيا هو في يد هاتين الدولتين. يبقى على الليبيين أن يدركوا أن لا حل خارج إطار المفاوضات وتنازل الأطراف لبعضها . وهناك عقلاء في كلا المعسكرين بالإمكان دعمهم من المجتمع الدولي والأمم المتحدة للوصول في الأخير إلى حكومة وحدة وطنية  تكون محل رضا من الجميع. لقد مل الليبيون من سفك الدماء . والبلاد شارفت على الافلاس نتيجة تعطل تصدير النفط وانهيار أسعاره في السوق الدولية. ولو تواصل الأمر على ما هو عليه قد تتحول ليبيا إلى دولة فاشلة ويصبح عندئذ التدخل الدولي أمرا مفروضا وهو ما سيحول المنطقة بكاملها إلى بؤرة من النار وسينتعش الارهاب في المنطقة وستكون دول الجوار أول ضحاياه . مازال هناك فرص في ليبيا لإنقاذ الموقف إذا صدقت النوايا وخاصة من الأمم المتحدة . أما العديد من الدول العربية  فموقفها الأخير برهن على انحياز واضح لأحد طرفي الصراع وهو مالا يخدم بالمطلق المسألة الليبية. خاتمة الصراع في ليبيا لا يستطيع أن يحسمه طرف لصالحه بالمطلق بالنظر إلى تمدده في كامل البلاد وبين المدن والتيارات السياسية على مختلف مشاربها . وتحول إلى حالة عامة يعيشها المواطن يوميا. هذا  الصراع ليس بالضرورة صراع مسلح وإنما حالة عامة كامنة في ذات الليبي قد تحوله في كل وقت وحين إلى مقاتل يدافع عما يراه الحق أو عن مصالحه وعشيرته وأهله في ظل احساس بغياب الدولة أو على الأقل ضعفها الشديد.إن وصول ليبيا الى حالة مصالحة وطنية شاملة أمر يتطلب جهودا جبارة وعزما صادقا وحالة من الحياد التام تجاه مختلف الفرقاء وعلم دقيق بطبية الصراع وتفاصيله وخلفياته وخطة مدروسة تأخذ مداها الزمني وتتوفر لها الإمكانيات الضرورية. إن تونس كبلد جار تربطه بليبيا علائق الدين والتاريخ والجغرافيا والمصالح الاقتصادية المشتركة قادرة على لعب دور مهم وكبير في الملف الليبي بالتعاون مع الامم المتحدة الذي يلاقي دورها صعوبات جمة نتيجة عدم إلمام فريقها بعديد المسائل المتحكمة في المشهد خصوصا طبيعة حياة الليبيين وتقاليدهم وطبيعة الشخصية الليبية في مكوناتها الاساسية . ولا لوم على السيد ليون أو الأمم المتحدة على ذلك فتونس  الأقرب الى ليبيا والليبين العارفون بخصائص هذا المجتمع ولايمكن لتونس ان نقف موقف المتفرج من بعيد وكأن الأمر لا يعنيها، في الوقت الذي تمثل  فيه  ليبيا  العمق الإستراتيجي لتونس  أمنيا واقتصاديا . إن تونس بدخولها مرحلة الاستقرار  في بناء المؤسسات مطلوب منها اليوم قبل غيرها أن تلعب دورا حاسما في ليبيا يكون معاضدا لمجهود الأمم المتحدة. خصوصا إذا علمنا وأن السيد برنادينو ليون من المعجبين بالتجربة التونسية في التوافق ويكن لها كل التقدير والإحترام. إن الدبلوماسية التونسية ينتظرها دور كبير في قادم الأيام دفاعا عن الأمن القومي للبلاد . _____________________________________ المصدر : مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك