القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

ليبيا: ما قبل حرب العاصمة وما بعده

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-04-23 10:58:00 | 612 مشاهدة

ملخص

لم تعرف ليبيا منذ 2011 حدثا بضخامة وجسامة ما أقدم علية الجنرال حفتر من محاولة للسيطرة على العاصمة وعلى الحكم بقوة السلاح . وهو ما غير كل المعادلات في البلاد وأحدث واقعا جديدا تحكمه ضوابط ومعايير جديدة سواء في التعاطي الداخلي أو مع الخارج. كما أن الحديث عن العملية السياسية أصبح من الماضي . إن كل المؤشرات تقول أن المغامرة التي أقدم عليها حفتر ستعجل بنهايته السياسية والعسكرية وهو ما سينتقل بالبلاد إلى مرحلة أخرى قد تكون أفضل من سابقاتها لأن الرقم الذي عطل العملية السياسية لسنوات سيكون خارج المشهد.

 

مقدمة:                         

إن ما تشهده ليبيا من أحداث يؤكد أن البلاد مقدمة على حالة من الفرز السياسي الشامل يقطع مع الإرادة والرغبة في الوفاق الذي كانت تدعمها جهات سياسية في الداخل إلى جانب الأمم المتحدة وهو ما يعني توقف المسار السياسي الذي تم الاشتغال عليه لسنوات.كما أن طبيعة الصراع ستأخذ منعرجا آخر مغايرا لما قبل عملية الهجوم على طرابلس. والتحالفات الداخلية ستعرف تغيرا جذريا. والموقف الإقليمي والدولي من مجمل الأطراف المتصارعة لن يبق على حاله.وهذه التغيرات الدراماتيكية في المواقف ستكون على علاقة مباشرة بما ستؤول إليه الأوضاع في ليبيا.فالسلاح هذه المرة ستكون له الكلمة العليا في صياغة مرحلة ما بعد الحرب. وإنّ ما يعتمل الآن في ليبيا هو صراع مشروعين:  مشروع الدولة المدنية الديمقراطية المستند إلى أهداف ثورة فبراير . ومشروع عسكرة الدولة الذي يلقى الدعم الشامل من محور إقليمي معاد للتحول الديمقراطي في المنطقة.فالأمر ليس مجرد صراع بين فرقاء في الداخل على السلطة والمال كما يتصور البعض وإنما هو صراع له امتداداته الخارجية  .ونتائجه ستكون مؤثرة بالضرورة على دول الجوار وعلى الإقليم وحتى على الأطراف الدولية التي على علاقة بما يجري في ليبيا. أسئلة عديدة فرضها الواقع الجديد وتبحث عن أجوبة. فما الذي جرى فجر 4 أفريل 2019 في غريان؟ وعلى ما كان يراهن الجنرال حفتر في عملية السيطرة على طرابلس ؟ وكيف فشل استراتيجيا في حربه؟ وما السيناريوهات الممكنة في المستقبل ؟ وما تأثير كل ذلك على الأوضاع في ليبيا؟ أسئلة سنجتهد في الإجابة عليها على ضوء الوقائع وفي إطار الاستشراف المستند إلى معطيات موضوعية

1 / الإطار العام الذي جرت فيه عملية الهجوم على طرابلس:

يعلم الجميع أن ليبيا كانت مقبلة على مؤتمر وطني جامع يلتقي فيه مختلف الطيف الليبي لرسم ملامح العملية السياسية التي ستخرج البلاد من أزمتها في إطار خارطة طريق تفضي إلى انتخابات رئاسية وتشريعية تقطع مع المراحل الانتقالية وتؤسس لوضع دائم ينهي حالة الفوضى والاقتتال ويرسي مؤسسات الدولة ويفرض الاستقرار.

ولكن الواضح أن هذا الخيار لم يكن يعجب الجنرال حفتر الذي له طموح محموم لحكم ليبيا. وحتى قبوله بالانضواء تحت السلطة المدنية في أي حل سياسي قادم كان مجرد مناورة منه وخوفا من العم سام ( الأمريكان) الذي أشرف على لقاء أبو ظبي والذي فرض فيه هذا الخيار على الجنرال في إطار الانخراط الأمريكي القوي في الملف الليبي مؤخرا.

إن الرغبة في حكم ليبيا كانت حلم حفتر منذ انطلاق عملية الكرامة في الشرق بعد فشل انقلابه الأبيض في طرابلس .ومحاربته للإرهاب كانت مجرد تعلّة لكسب الدعم الداخلي والإقليمي والدولي .وقد تمكن من ذلك وأخذ يتمدد شرقا وجنوبا وحتى في بعض المناطق الغربية .وكل ذلك تمهيدا للسيطرة على طرابلس بقوة السلاح.وقد راهنت بعض القوى في الداخل ومنها حكومة الوفاق على أن يكون طرفا في المعادلة السياسية في حين أن قوى أخرى محسوبة على الثورة كانت ضد خيار إشراك حفتر في أي عملية سياسية لأنه لا يؤمن أصلا بالديمقراطية ولا غاية له سوى حكم ليبيا بقوة العسكر .وكان هذا هو سبب الخلاف الرئيس بين المكون السياسي داخل المنطقة الغربية.

إن الجنرال ومن خلال محاولات تمدده مؤخرا في الجنوب والاقتراب من بعض مناطق الغرب الليبي كان يمهد وعلى مهل وبتخطيط مع أطراف إقليمية ودولية لعملية السيطرة على طرابلس .وكانت هذه التحركات تثير الريبة لدى القوى السياسية والعسكرية في طرابلس ومصراته وكل المنطقة الغربية .ولكن في كل مرة كانت تأتي التطمينات الأممية بأن حفتر لن يقدم على أي حماقة تجاه طرابلس .و هذه التطمينات هي ما جعل طرابلس تغض الطرف وبحذر عن تحركات الجنرال.وغير معلوم هل هي تطمينات بجهل حقيقي لنوايا الجنرال أم في إطار اتفاق معه وبعلم غسان سلامة .وإن كان التصور الثاني مستبعدا باعتبار النتائج الكارثية لهذا الخيار والتي يعلمها جيدا السيد رئيس البعثة الأممية.

إن حفتر إلى جانب كونه لا يؤمن بالديمقراطية ولا طموح له إلا حكم ليبيا.إلا أنه أدرك أن المؤتمر الوطني الجامع لن يلبي له طموحه المحموم . وأراد بعملية اقتحام طرابلس قطع الطريق أمام المؤتمر مستغلا الوضع في الجزائر وحالة الاضطراب الذي يشهده مجمل المنطقة .

 

2 / رهانات حفتر في الهجوم على طرابلس:

لقد أقنع حفتر حلفاءه في فرنسا والخليج ومصر بأن دخوله لطرابلس سيكون بعملية خاطفة وسريعة وأنه هيأ كل الظروف لنجاحها .وكان رهانه على عدة مسائل وثبت بعد ذلك أنه رهان خاطئ بل وكارثي عليه .فهو كان يعتقد أن حالة الفرقة المستحكمة بين مجمل مكونات المنطقة الغربية العسكرية والسياسية لن تجعلها تتحد ضده وأن مصراته لن تدخل المعركة.كما راهن على تحرك الخلايا النائمة التابعة له داخل العاصمة وفي أحوازها والتي مكنها مسبقا من المال والسلاح لتحدث الفوضى في المدينة أثناء عملية الاقتحام لتشتيت قوة حماية طرابلس.كما كان يعتقد أن الشارع معه وسيستقبله أهل طرابلس بالورود والزغاريد. هذه التوقعات لم يحصل منها شيء. فوزارة الداخلية تحركت بالسرعة القصوى وبحرفية كبيرة وهاجمت كل الأوكار التي يمكن أن تكون على علاقة بالكرامة. كما أن كل القوى في المنطقة الغربية تنادت في وقت قياسي وتركت كل خلافاتها جانبا واتحدت للدفاع عن العاصمة. وهو ما كان عاملا حاسما في هزيمة الجنرال الحالم بالسلطة.

3 / الهجوم على طرابلس:

بدأ حفتر هجومه فجر 4 أفريل 2019بالسيطرة على مدينة غريان البوابة الجنوبية لطرابلس ودخلها دون قتال بعد التنسيق مع كتيبتين قويتين من المدينة .وقد نجح في إحداث المفاجأة في مرحلة أولى .ثم بدأ يدفع بمجموعاته إلى محاور جنوب وغرب العاصمة.وكانت الضربة القوية الأولى التي تلقاها والتي أسهمت بشكل كبير في فشل عمليته هي أسر كتيبة بكامل عتادها وعدتها في منطقة 27 بين طرابلس والزاوية يوم 5 أفريل. وكانت مهمة هذه الكتيبة تتمثل في تأمين دخول قوة عبر البحر للسيطرة على مصفاة الزاوية وقطع الطريق الساحلي بين المدينتين لتحييد قوات الزاوية عن الالتحاق بالعاصمة.أما في بقية محاور جنوب طرابلس فقد تحركت قوة حماية العاصمة بسرعة وفاعلية ونظمت صفوفها وتمكنت في مرحلة أولى من امتصاص الهجوم ثم من تنظيم خطوطها الدفاعية وهو ما مكنها من تكبيد القوة الغازية خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد .أما العامل الذي غير المعادلة نهائيا هو دخول قوات مصراته التي تمكنت من دحر قوات حفتر من أغلب المحور الجنوبي

الشرقي (وادي الربيع)ودعمت محور الجنوب (قصر بن غشير) الذي به قوة حماية طرابلس وهو أكثر المحاور اشتعالا خصوصا مع دخول قوة من ترهونة إلى جانب قوات حفتر. وهذا أخر عملية إحكام طوق طرابلس الذي سيليه الهجوم الشامل على قوات حفتر في كل المنطقة الغربية .أما المحور الجنوبي الغربي فقد تكفل به اللواء أسامة الجويلي آمر المنطقة العسكرية الغربية وحرر كامل منطقة العزيزية إلى تخوم غريان وهو منجز إستراتيجي حول المعركة من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم .كما أن قوات الزاوية المتمركزة في محور السواني مع القوة الوطنية المتحركة (قوة الأمازيغ)وقوة فرسان جنزور قد تمكنت من السيطرة على المحور بالكامل والتحمت مع محور العزيزية ليصبح غرب وجنوب غرب طرابلس محررا بالكامل من قوات حفتر وهو ما مكن من الوصول إلى الهيرة والقواسم التي تقع في سفح الجبل على بعد 5 كم من غريان لتتحول بذلك قوات حكومة الوفاق من الدفاع إلى الهجوم  حيث تم تطويق مدينة غريان التي بها غرفة عمليات الكرامة .ولعل ما سهل كثيرا في دحر قوات حفتر هو الخطة العسكرية المحكمة التي اعتمدت بشكل كبير على قطع خطوط الإمداد لقواته سواء للجبهات أو حتى لداخل مدينة غريان .والفضل يعود لقوات مصراته التي سيطرت على الطرق الرئيسية في الصحراء جنوب غريان بقوات على الأرض وبالضربات الجوية .وبالسيطرة على محور قصر بن غشير سيكتمل طوق العاصمة في شكل هلال من البحر شرقا وإليه غربا وبذلك تؤمن العاصمة تماما والانتقال إلى المرحلة الثانية وهي تحرير مدينتي غريان وترهونة وكامل المنطقة الغربية. إن الأمور تسير في اتجاه حسم الحرب لصالح حكومة الوفاق في طرابلس إذا بقي الطيران الأجنبي خارج حلبة الصراع.

 

3 / السيناريوهات الممكنة للحرب:

هذه الحرب لن تخرج عن ثلاث سيناريوهات ممكنة:

*الأول: أن تندحر قوات حفتر من المنطقة الغربية وتتم ملاحقته إلى الجنوب والشرق إلى اجدابيا وهي أول مدن برقة من الغرب والتوقف هناك (الأقرب إلى الواقع) لتتحرك ضده بقية المدن الشرقية ويتم إنهاء الجنرال من هناك.وهذا سيناريو وارد لأن شعبية حفتر انهارت في الشرق وهنالك شغل كبير من قيادات قبلية وعسكرية تنتظر وتهيئ للثورة عليه من الداخل -مستغلة هزيمته العسكرية- وسيكون ذلك بدعم سياسي وعسكري من مصراته وطرابلس

*الثاني: أن تتواصل الحرب دون قدرة أي من الطرفين على حسمها لتتحول إلى حرب استنزاف للقدرات الليبية  وتعمق التدخل الأجنبي وتنهي أي إمكانية للحل السياسي.وقد تفضي في النهاية إلى انفصال إقليم برقة .وهو سيناريو وارد وتشتغل عليه مصر بقوة لأنه المناسب لمصالحها تماما. كما سيكون مناسبا لحفتر لأنه الخيار الوحيد الذي يمنعه من أن يكون مقتولا أو مسجونا أو طريدا

* الثالث: أن تتدخل القوى الدولية وتفرض وقفا شاملا لإطلاق النار من شروطه عودة حفتر إلى مواقعه ما قبل الحرب لتنطلق العملية السياسية من جديد .وهذه المرة بإدارة خارجية تكاد تكون مطلقة وبحضور أمريكي قوي سيخفض بدرجة كبيرة من حضور حفتر الذي عطل الحل السياسي لسنوات والذي ارتكب عديد الحماقات التي أفقدته ثقة الأمريكان ومنها اتصالاته بالروس وانكشاف رغبته في حكم ليبيا بقوة السلاح وأيضا ثبوت ضعفه العسكري مقارنة بمصراته وطرابلس اللتين متنتا علاقتهما كثيرا بالولايات المتحدة واللتين تعتبران القوة الحقيقية في ليبيا عسكريا واقتصاديا.

ويمكن أن يتحدث البعض عن سيناريو رابع نستبعده تماما وهو انتصار حفتر وسيطرته على البلاد .هذا السيناريو في غير الوارد على الإطلاق بالنظر لموازين القوى على الأرض .والدليل فشله الذريع في هذه العملية التي خطط لها لفترة طويلة والتي أعد لها بكل ما يملك من القوة العسكرية والمالية .واعتمد على عنصر المباغتة الذي عادة ما يحسم الحرب ولكنه رغم كل ذلك فشل فشلا ذريعا. ووضعه الميداني الآن في أسوء أحواله وهو ما اضطره لاستعمال السلاح الثقيل وصواريخ الجراد لقصف المدنيين  من مسافات بعيدة كان يسيطر عليها عله بذلك يفرض على حكومة الوفاق القبول بوقف إطلاق النار .

4 / لماذا خسر حفتر في مغامرته ؟

قبل هذه الحرب كان في الشارع الليبي تيار مهم مساندا للجنرال حفتر وكان يعتبره فعلا صادقا في بناء مؤسسة عسكرية وطنية وفي محاربة الإرهاب. ولكن بهجومه على العاصمة وضربه العملية السياسية في مقتل فقد الكثير من التعاطف معه وظهر على حقيقته كجنرال عسكري متعطش للسلطة .وأن ما كان يعتبر في تقدير الكثيرين جيشا ظهر وأنه مجرد مجموعات  تفتقد للخبرة العسكرية وبها عدد من المرتزقة الأجانب وأطفال ذوي 17و18سنة مكانهم الطبيعي على مقاعد الدراسة وقد استعملهم حفتر كوقود للحرب.ثم كان دكه للمدنيين بالصواريخ الضربة التي أنهت رصيده الأخلاقي وجعلت من أنصاره في الداخل والخارج عاجزين عن الدفاع عنه .أما الضربة القاضية له فهي هزيمته في هذه الحرب والتي ستنهيه عسكريا وسياسيا وستضاف إلى هزيمته في وادي الدوم سنة 1987 .

ماذا ربحت المنطقة الغربية من هذه الحرب؟

ما جرى في المنطقة الغربية لم يكن يتوقعه أكثر المتابعين تفاؤلا.فالعارف بالساحة الليبية في الغرب الليبي يدرك حجم الخلافات المستحكمة بين مختلف المكونات السياسية والعسكرية. ولكن ما حصل بعد الهجوم على طرابلس غير المشهد بالجملة والتفصيل إذ أن من رفعوا على بعضهم السلاح بالأمس القريب ومن تخاصموا إلى حد التخوين نجدهم اليوم قد تركوا كل خلافاتهم جانبا واتحدوا على قلب رجل واحد في جبهة عسكرية متماسكة أسقطت مشروعا يرغب في إعادة ليبيا إلى حضن العسكر وإلى منظومة الاستبداد. هذا التحول الكبير وهذا التقارب بين مختلف المكونات في المنطقة الغربية يعتبر منجزا استراتيجيا .فهذه القوى في علاقة بحكومة الوفاق هي من سيحدد طبيعة المرحلة القادمة وهي من سيخاطب العالم في شكل قوة متحدة على هدف بناء الدولة المدنية الديمقراطية .  وأيضا فإن القوى العسكرية التي تدافع عن مدينة طرابلس هي من ستكون النواة الحقيقية للمؤسسة العسكرية الليبية.

أما حكومة الوفاق فإنها ستجد نفسها منفتحة على هذه القوى بفعل الأمر الواقع أمام زوال أهم معوقات التقارب السياسي في علاقة بالداخل والخارج .فداخليا لن يكون هناك حساب في المستقبل للجنرال حفتر ولن تخضع حكومة السراج للضغوط الفرنسية والإماراتية باعتبار وأن أهم قوتين في العالم وهما أمريكا وروسيا قد اتفقتا على مساندة الطرف الذي سيحسم المعركة ميدانيا.

المكسب الآخر الكبير الذي تجلى بوضوح بعد الهجمة على طرابلس والذي سيؤثر بشكل فعال على الرأي العام الدولي وعلى صناع القرار لدى القوى الكبرى هو هذا التلاحم الشعبي الغير مسبوق في مساندة حكومة الوفاق وثوار فبراير في الدفاع عن العاصمة ورفض مشروع العسكرة.لقد عادت اللحمة للمنطقة الغربية وعاد لفبراير بريقها وتلقت الثورة المضادة ضربة عنيفة. فما بعد الهجوم على طرابلس لن يكون ما قبله بالتأكيد.

5 / في علاقة حكومة الوفاق بالجنرال

منذ دخول حكومة الوفاق إلى طرابلس بداية   2016كان السيد السراج يعتبر الجنرال حفتر شريكا في العملية السياسية وواجه كل الضغوط المطالبة بإقصائه رغم أن الأخير بقي متمردا على حكومة طرابلس المعترف بها دوليا ورافضا للاتفاق السياسي .وقد سبب هذا للسراج في عديد العداوات مع مكونات أساسية في المشهد داخل المنطقة الغربية .ورغم ذلك بقي مصرا على التواصل معه بل وقدم جملة من التنازلات لإرضاء الجنرال .وكان السيد السراج من خلال سياسته هذه يرغب في توحيد البلاد بقوة السياسية لا بلغة السلاح .فهو يعتبر نفسه رجل الوفاق والسلام لا رجل الحرب.ولكن ثبت أن خياره كان خاطئا فالجنرال حفتر لا يريد أن يكون جزءا من الحل بل أن يكون كل الحل ولو أحرق من أجل ذلك البلاد. واليوم قطعت شعرة معاوية بين الرجلين ولن يكون هناك مركب يسعهما ولا إمكانية بالمطلق لأي شكل من أشكال الوفاق بينهما.ومن سينتصر في الميدان هو من سيزيح الآخر من المشهد ولن يجد هذا الخيار رفضا دوليا .فطبيعة المرحلة سيحددها صوت المدفع لا ضجيج السياسة والمؤتمرات.

6 / في علاقة حكومة الوفاق بالمنطقة الشرقية:

المعلوم أن الجنرال حفتر يسيطر على المنطقة الشرقية. وأغلب قوته من أبناء هذه المنطقة التي تمكنت المخابرات المصرية في السنوات الأربع السابقة من السيطرة على أهم القيادات الاجتماعية والسياسية والعسكرية فيها سواء عبر المال الفاسد أو بطرق لا أخلاقية.ثم إن الجنرال قد تمكن مع الوقت من إحكام قبضته على صناعة القرار وتحول إلى حاكم فعلي للمنطقة الشرقية وسلم قيادة الكتائب العسكرية لأبنائه ولقيادات من قبيلة الفرجان(قبيلته) وغدا البرلمان والحكومة المؤقتة بقيادة عبد الله الثني مجرد واجهة فقط للسلطة.هذا الواقع جعل الشارع في مدن الشرق يدرك أن الرجل مجرد ديكتاتور حالم بالسلطة وأن شعارات بناء الجيش والشرطة ومحاربة الإرهاب كانت مجرد أدوات لكسب القوة .وتعرف شعبيته في الشرق هذه الأيام انهيارا كبيرا خصوصا إذا خسر حربه الحالية.وهذا العامل هو ما ستعتمد عليه حكومة الوفاق في طرابلس في بقاء المنطقة الشرقية تحت السلطة المركزية في طرابلس بالتعاون مع مجموعة من الضباط والسياسيين من الشرق لقطع الطريق أمام أحلام أي قوى انفصالية

7 / ما مدى قدرة الجنرال على الصمود؟

إن الجنرال حفتر يدرك أنه يخوض معركته الأخيرة فإما أن ينتصر ويحكم ليبيا  وإما أن ينتهي سياسيا وعسكريا .وبالتالي فإنه سيحاول أن يصمد بكل ما يملك من الإمكانيات المشروعة وغير المشروعة (مثل قصف المدنيين بالجراد).ميدانيا هو الآن يتقهقر وفقد أغلب المناطق التي سيطر عليها في بداية هجومه ولم يبق له من وجود في طرابلس إلا في جيب واحد مكنته منه قوة من ترهونة كانت قد عاهدت قبل ذلك أن تكون مع طرابلس ضد أي قوة غازية.وحتى هذا الجيب يعاني صعوبات جمة ووارد أن يخسره في كل لحظة. إن المعارك التي خاضها حفتر سابقا في بنغازي ودرنة وفي الموانئ النفطية قد حسمها لفائدته الطيران الأجنبي (المصري والإماراتي)ولولا ذلك لما استطاع التقدم في أي موقع . إن القوة التي أعدها لمعركة طرابلس تفوق بكثير ما استعمله في معاركه السابقة .ولكن هذه المرة يفتقد للميزة الأساسية وهو الدعم الأجنبي بالطيران ولذلك هو تقهقر رغم الترسانة العسكرية التي تعتبر أفضل مما تملك قوات حكومة الوفاق.وحتى الصمود الذي عرفته قواته في بعض المحاور كان بفضل عناصر من أبناء المنطقة الغربية وليس بفضل العناصر القادمة من الشرق.وعمليا لم يبق لحفتر إلا مدينتي غريان وترهونة.وتحريرهما من قواته ليس بالأمر الصعب بالنسبة لقوات الوفاق لعدة عوامل منها تفوق الأخيرة عددا وعدة وأيضا لوجود قوات كامنة داخل المدينتين تنتظر بداية الهجوم الكبير للانقضاض على قوات حفتر من الداخل .وإذا تم تحرير المدينتين فإنه سيتم دخول صبراته وصرمان دون قتال وبذلك سينتهي وجود الجنرال في المنطقة الغربية.  وسيكون التيار المدخلي هو الضحية الثانية .فهو من مكن له في المنطقة الغربية ومن يسانده في معاركه ضد قوى الثورة. وهناك حديث أن الجنرال يفكر في فتح محور جديد غرب البلاد ضد مدينة زوارة للسيطرة عليها وعلى منفذ رأس الجدير معتمدا على قوات ستغادر الوطية وستدعمها مجموعات من الجميل ورقدالين والعجيلات .والغاية من ذلك توسيع رقعة القتال وتخفيف الضغط على قواته في محاور العاصمة وغريان وكذلك تهديد الأمن القومي التونسي والجزائري ولإثارة المشاكل الأمنية في البلدين. وهذا في تقديره سيجعل القوى الدولية تفرض وقف إطلاق النار دون أن تجبره على العودة إلى قواعده التي انطلق منها.ولو أقدم على هذه الخطوة فإن مقبرة مجموعاته ستكون في منطقة النواحي الأربع لأن زوارة تملك قوة عسكرية  فعالة وسينضم لها المجلس العسكري بجادو وكذلك قوات نالوت .وهذا الثالوث أقوى بكثير من أي قوة قد يدفع بها حفتر إلى هذا المحور. ويبقى هناك أمر على غاية من الأهمية ولكنه مسكوت عنه وهو مراهنة حفتر على شق صفوف قوات فبراير. وبالتأكيد  سيشتغل على هذا الأمر خصوصا وأن الإدارة في طرابلس وفي عديد الوزارات مخترقة من الكرامة . و لجنة الأزمة التي شكلها القائد الأعلى للجيش فايز السراج المفروض أن تكون مراقبة في عملها من ضباط يمثلون كل التشكيلات الموجودة في الجبهة حتى لا يقع التلاعب بالمقدرات الموضوعة على ذمة الحرب.وهو ما قد يسبب إرباكا داخل قوات  الجيش الوطني يؤثر على سير المعركة.

8 / الموقف الدولي من الصراع القائم في ليبيا:

المعلوم لدى الجميع أن الجنرال حفتر كان مدعوما من محور إقليمي قوي متمثل في مصر والإمارات والسعودية إلى جانب فرنسا.ولولا هذا المحور لما تمكن من تشكيل أي قوة عسكرية ولما تحول إلى رقم مهم في المشهد .واليوم يجد نفسه في العراء بعد انتهاء المهلة من حلفائه بضرورة دخول طرابلس بسرعة قصوى أو أنهم سيرفعون عنه الغطاء .وهو ما حصل بالفعل .فالفرنسيون الذين كانوا معه في غريان قد غادروا وزيارته لمصر طلبا للدعم المباشر فشلت. وثبت أن خبر حضر الأفريكوم تحليق الطيران الأجنبي في السماء الليبية كان صحيحا.وهو ما يؤكد ما ذكرناه سابقا  من أن الولايات المتحدة وروسيا قد اتفقتا على عدم دعم أي طرف في المعركة وأن من سيحسمها لصالحه هو من ستعترف القوى الدولية لاحقا أما الأمم المتحدة وبعثة الدعم خصوصا فلن يكون لها أي حضور سياسي قبل أن تنتهي الحرب.فالمعطيات قد تغيرت بالجملة. والسلاح هو من سيحدد طبيعة المشهد السياسي القادم.ولكن ما يلاحظ الآن أن غسان سلامة رئيس البعثة الأممية للدعم سيلتحق بقائمة المبعوثين الفاشلين الذين سبقوه في إدارة الملف.فهل كان السيد سلامة ضحية الضغط الإماراتي والفرنسي؟كثير من الملاحظين يؤكدون ذلك رغم تأكيده في عديد المناسبات أنه على مسافة واحدة من جميع الفرقاء في البلاد وأنه لا يخضع لأي ضغط أجنبي .ويمكن القول وبكل ثقة أن مهمة السيد سلامة على رأس البعثة في طرابلس قد انتهت

الخاتمة

المؤكد أن ليبيا ما قبل الهجمة على طرابلس لن تكون ما بعدها.فالتحالفات قد تغيرت واللحمة داخل المنطقة الغربية عادت كأفضل ما يكون وحكومة الوفاق ستجد نفسها موضوعيا معتمدة على قوى فبراير.لقد ثبت ما كنا نردده في السابق أن ثمانين بالمائة على الأقل من مشاكل ليبيا سببها خليفة بلقاسم حفتر.فإذا اختفى هذا الرجل من المشهد فإن بقية المشاكل مقدور عليها بين الليبيين ولن يضطروا لأي طرف أجنبي ليكون وسيطا بينهم شرط أن يتجاوزوا أحقادهم السايقة ويضعوا المصلحة الوطنية العليا فوق الاعتبارات الحزبية والجهوية والقبلية. وعلى دول الجوار الغربي لليبيا أن تدرك أن ما يجري في هذا البلد الشقيق هو من عمق أمنها القومي وأن تساند الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا وأن تساهم بدور إيجابي في صنع الاستقرار في ليبيا لأن ذلك من استقرار المنطقة المغاربية عموما.

المهدي ثابت ( باحث في الشأن الليبي)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك