القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

ليبيا: مؤشّرات فشل العسكرة وآفاق الحلّ السّياسي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-02-19 10:24:00 | 2072 مشاهدة

 

ملخّص:

بعد أكثر من عشرة أشهر من عدوان اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر على عاصمة بلاده طرابلس، دخلت ليبيا العام الجديد وها هي تحيي ذكرى ثورتها التاسعة، دون أفق سياسي واضح المعالم، تعزّز بمخرجات ضحلة للحوار السّياسي الذي احتضنته العاصمة الألمانية برلين منتصف الشهر الماضي، بينما على الأرض يتواصل صمود قوات بركان الغضب الجناح العسكري لحكومة الوفاق الوطني الجهة السياسية التي يعترف بها المجتمع الدولي، في حين فشلت مساعي حكومة حفتر الموازية شرق البلاد في نزع شرعية الوفاق، مع خيبات متتالية مُنيت بها أطماع حفتر السلطوية ممّا بات يؤشّر بقوّة لاكتمال أركان الهزيمة على تخوم العاصمة طرابلس بحكم ساعات الصفر المتتالية التي أعلنها الجنرال لدخول طرابلس، لكن ذلك مرتبط أيضا بأداء قوات الوفاق على جبهات القتال أوّلا، وإرادة المجتمع الدولي في الوقوف معها مقابل الضغط أكثر على حلف حفتر، ذلك وحده الذي سيكشف حقيقة نوايا كل الأطراف واتجاهاتها قادم الأيّام، بعد طول أمد المعارك واستمرار مراوغات حفتر الذي أعلن عدم اقتناعه بالحل السياسي، ومع تلويح قوات الوفاق بمواجهة التصعيد بالتصعيد، في ظل تواطئ روسي، وموقف أمريكي رغم تحسّنه فإنه لايزال ضعيفا.

مقدّمة 

يمهّد صمود قوات حكومة الوفاق الوطني الليبية على الميدان، الأرضية أمام انتصارات موازية على الشق السياسي لم تفتأ في التحسّن من حيث الأداء الديبلوماسي، وقد قلبت الخطوة الديبلوماسية مع تركيا المشهد السياسي والعسكري رأسا على عقب، فتحرّكت المياه الراكدة مع إبرام رئيس المجلس الرئاسي فايز السرّاج مذكّرة تفاهم أمني وعسكري مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ممّا كان لها بالغ التأثير على المنطقة برمّتها، فدخلت مصر في سياسة حشد المواقف ضد حكومة الوفاق بتأليب دول كبرى ضد الاتفاقية بمن فيها تلك التي كانت توالي طرابلس، لكن كل تلك الجهود مُنيت بفشل، إقليميا ودوليا وليبيّاً، بل جاءت أكبر النّكسات من قلب القاهرة مطبخ القرار العربي الرسمي برفض مغاربي "إدانة الاتفاقية"، ثم باعترافات الموفد الأممي غسّان سلامة بتسيير حفتر لرحلات للمرتزقة من دمشق إلى بنغازي، وليس انتهاء بإطلاق دعوات للسلام من داخل مناطق نفوذ حفتر ، كلها دلائل على اهتزاز معسكر الشرق الليبي ومناصريه، مما انعكس على مجمل الأوضاع، لذلك تحاول حاليّا قوات حفتر التحشيد لهجمة عسكرية جديدة مع تتالي المحاولات الفاشلة للتوغّل إلى قلب العاصمة بالتزامن مع نجاح قوات الوفاق في إبعاد شبح الطيران المُسيّر لقوات حفتر عن السّماء بفضل الدعم التركي.

1- - ضعف الدور المصري والعربي :

أ- خيبة مساعي السيسي:

يُعدّ النظام المصري حاليا من أشدّ المدافعين عن اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر ويسعى مع أنظمة عربية على رأسها الإمارات لترسيخ قدم الحكم العسكري في ليبيا.
ومنذ 2014 لم يتخل السيسي عن دعمه لحفتر ضمن انقلابه على الحكومة الليبية المنتخبة بكل السبل بما فيها الدعم العسكري، فقصف مدينتي بنغازي ودرنة في المنطقة الشرقية المجاورة لمصر خيرُ مثال، ومع استنفاذ السيسي لجميع الحلول في تمكين حفتر من طرابلس، دعا أخيرا الأمانة العامّة للجامعة العربيّة إلى عقد دورة غير عاديّة لمجلس الجامعة بهدف بحث التطوّرات الحالية في ليبيا واحتمالات التصعيد فيها داعية لاتخاذ موقف عربي في هذا الشأن بعيدا عن التدخّلات الخارجية في أقرب وقت ممكن، والمقصود هنا من السيسي هو سرعة مواجهة تفعيل الاتفاقية الموقعة بين تركيا والوفاق. ويَعتبر السيسي الاتفاقية مهدّدة له وغير مشروعة في الجارة الغربية لمصر .كما أتت دعوة السيسي لاجتماع المنظمة العربية بعد استنفاذه كل الجهود الدولية لإدانة الاتفاقية لذلك فرضت تطورات الأوضاع في ليبيا نفسها على أطماع السيسي فكثّف اتصالاته الهاتفية في ساعات فقط، مع رئيس الوزراء الايطالي جوزبي كونتي ثم مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ثم مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ثم مع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون وتمحورت كلها على المناشدة بوضع حد للتدخلات الخارجية في ليبيا لكن الرد الإيطالي والروسي شددا على حل سلمي للأزمة الليبية. هذه المواقف والحراك الدولي الجديد لم يكن ليحدث لولا الموقف التركي الجديد وتلويحه بالتدخل عسكريا في ليبيا، مما خلق توازنا على الأرض ووضع اللاعبين أمام قضية أكثر جدية أو اشعال المنطقة بأكملها وإطالة أمد فتيلها، وبالتالي حشرهم في زاوية البحث عن حلّ. في المقابل فإنّ خلخلة الموقف الدولي نحو مراجعة مواقفه من الأزمة الليبية، خاصّة زعماء كبار يُعتدّ بهم في الملف الليبي، حيث تعد إيطاليا حليفا لحكومة الوفاق وفرنسا حليفا لحفتر، وروسيا كذلك، بينما بقيت الولايات المتحدة أقرب لحكومة الوفاق ولو بدون قرارات قويّة وجريئة، لكن عدم اتخاذ هذه الدول مجتمعة موقفا واضحا مع السيسي لسحب البساط من تحت حكومة الوفاق يعتبر في حد ذاته إحباطا لعزيمة الرئيس المصري نحو موقف دولي جديد مغاير تماما للأشهر الأولى لما بعد هجوم حفتر على طرابلس. وقد أكدت ذلك زيارات حفتر ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح لمصر وإيطاليا نزولا عند رغبتهما في "سحب الاعتراف الدولي بحكومة الوفاق"، فإن تلك الجهود قوبلت بخيبات في الخارج، وبالتالي لم يجد الحليف القوي لحفتر غير التوجه نحو البيت العربي الرسمي والدخول من باب القاهرة، لتمرير قراراته عنوة لسحب الاعتراف بحكومة الوفاق كحكومة شرعية وإسقاط الاتفاقيات الليبية مع تركيا، لإدراك السيسي بعجزه عن مواجهة تركيا سياسيا وعسكريا لكنه ظل يحاول الضغط باتجاه إيجاد موطئ قدم له بليبيا أو ربّما الذهاب نحو لعب ورقة التقسيم .


ب - فشل توظيف الجامعة العربية:

يكفي الاستجابة السريعة لعقد اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية سببا لإثارة نقاط استفهام عدة حول مدى حيادية هذه المنظمة وتبعيتها للنظام المصري والرسمي العربي خاصة الامارات والسعودية في ظل الاستقطابات الحالية. فقد سبق لحكومة الوفاق وأن طلبت مرارا من الجامعة عقد جلسات لدعم الجهة الشرعية في ليبيا ووقف العدوان على عاصمة عربية هي من ضمن الدول الأعضاء، لكن دون جدوى، كما لم تقدم الجامعة أي مبادرة بل ارتهنت للقرار المصري ارتهانا كاملا ولم تكلف أي من مسؤوليها زيارة طرابلس ولقاء أي من مسؤولي حكومة الوفاق رغم دعوات الأخيرة بالتدخل كعضو عربي معترف به، لكن الجامعة ظلت طيلة تسعة أشهر -قبل اجتماعها هذا بدعوة السيسي- ظلت  تغط في سبات عميق وهي فترة شهدت ارتكاب المعتدي كافة أنواع الجرائم، وهو ما أعرب عنه المندوب الليبي صراحة.
وعلى خلاف آمال الداعين للاجتماع، استجابت الجامعة لدعوة السيسي لاجتماع طارئ لمندوبيها لكن نتائج التصويت خيبت أمالهم، فانحازت ثماني دول لحكومة الوفاق مع امتناع أخرى عن التصويّت ما مثل انتكاسة جديدة من الداخل العربي لداعمي قائد قوات الكرامة. أما بيان الجامعة العربية فكان مفاجئا بل صفعة للقوى الموالية لحفتر وأوّل من انتقده مصر، لفشلها مع حليفتها الامارات والسعودية وبعد وقت طويل من الجدل جاء القرار مخيّبا لآمال أنصار الجنرال، فلم يدن التدخل العسكري التركي مباشرة بل لم يذكر تركيا بالاسم حتّى، والأهم أنه عزّز شرعية حكومة طرابلس وندد بالتدخل الخارجي، فكان إدانة لحلفاء حفتر أكثر منه إدانة لتركيا التي جاء تدخلها نتيجة لتدخل القوى الأخرى، وربما هذا ما حال دون ذكر اسمها. ما إعراب البعض عن خيبته من الموقف التونسي خاصة بعد زيارة أردوغان ووزير الداخلية الليبي بعده إلى تونس ودعوته لها بالاصطفاف إلى جانب الوفاق، والذي عقبته تصريحات لرئيس الجمهورية قيس سعيد تفيد بالنأي بتونس عن سياسة المحاور، فإن تصويت تونس لصالح حكومة الوفاق أعاد الآمال مجددا في وقوف البلاد دائما إلى جانب الشرعية الدولية والقرارات الأممية، والموقف الوازن تجاه قضايا مصيرية تربطها بعمقها الاستراتيجي ومجالها الحيوي المغاربي .لكن الموقف التونسي الذي بدأ بطيئا تدعّم بموقف الجزائر الذي أعرب عنه الرئيس تبون في قوله إن "طرابلس خط أحمر"، وإن بدا موقفا واضحا، دعّمه موقف المغرب المتمسّك بالاتفاق السياسي الذي تم إبرامه فيها بالصخيرات، فإن كل هذه المواقف، وإن كانت رصينة ومسؤولة مقارنة بالمتلاعبين بالدم الليبي، فإنها لم ترتق بعد لموقف موحّد وجادّ لِلجم أفواه المعتدين وداعميهم ولو ببيان قويّ، فتوقف عند عتبة المطالبة بحوار ليبي/ ليبي، في مبادرة الرئيسين التونسي والجزائري، دون إعطاء مخرجات ولا تواريخ ولا لقاءات محددة.

2- - الضغط الداخلي والدولي باتجاه الحوار :

أ- دعوات شرقية للحوار:

لئن جاءت مبادرات للسلام والحوار من المهجرين من مناطق الشرق نحو الغرب كالهيأة البرقاوية، فإنه لم تأت منذ إعلان قائد قوات الكرامة عن عمليته العسكرية قبل خمس سنوات أي مبادرة أو مطالبات للحوار والسلام من داخل الشرق الليبي، بل إن المطالبات الوحيدة جاءت متأخرة بعد أشهر من هجوم حفتر على العاصمة، فكانت أولاها دعوة النائب سهام سرقيوة من شاشة فضائية تابعة لحفتر للحوار وتجنيب العاصمة شبح الحرب، ليتم تغييبها حتى الآن في جهل تام بمصيرها رغم النداءات الداخلية والخارجية.
لقد كانت هذه الدعوة فاتحة لدعوات أخرى لم تأخذ صدى كبيرا لكنها أثارت تساؤلات حول توقيتها خاصة وأن هذه الدعوات غير مسبوقة تحت سيطرة حفتر، وعما إذا كانت بإيعاز منه أو خروجا عنه، هذا العامل ربما كان وراء غياب مناخ الثقة، من ذلك منع قوّة حماية سرت وفدا قادما من الشرق لمقابلة أعيان مصراتة للتفاوض ووقف الحرب على طرابلس، وبالتالي رجوع الوفد لرأس لانوف. لكن تبقى "مبادرة شباب برقة للسلام" الأهم التي أعلنها من داخل بنغازي عدد من نشاط المدن البرقاوية، حيث أصدروا بيانا طالبوا فيه بوقف الحرب على طرابلس، ثم جاءت مطالبة عضو اجدابيا في مجلس نواب طبرق فتح الله السعيطي، كثاني مطلب من البرلمان، يقول بأنه لا حل عسكري ويجب جلوس الليبيين مع بعض ولابد من التداول السلمي للسلطة في دولة مدنية والالتفاف حول مشروع وطني. كلها مبادرات تُضاف إلى مبادرة "إعلان تونس للسلام" التي طرحها مجلس أعيان ليبيا أمام الرئيس التونسي، لتبقى جميعها مبادرات للاستهلاك طالما أنها لا تستند إلى آليات تنفيذية قوية وتملك سلطة القرار.


ب- الضغوط الدولية:

شجّع ضعف الموقف الأممي والدولي عامّة حفتر على تجاوز كل الخطوط الحمراء، عسكريا وسياسيا، بعد افتضاح أمر داعميه ولربما ذلك سيغيّر مواقف الدول مما كانوا يعتقدون أنه "الرجل القوي" في ليبيا. وتتالت الضغوط الدولية مؤخرا على اللواء المتقاعد، آخرها كان خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ الأمريكي بشأن ليبيا، إثر تقدّم عدد من أسر ضحايا قصف الطيران الموالي لحفتر بدعوة في المحكمة الفيدرالية بواشنطن ضد حفتر ومعاونيه. وجاء موقف مساعد وزير الخارجية الأمريكي واضحا بشأن تأييد بلاده لحكومة الوفاق وعدم اعترافها بحفتر ورفض الحملة العسكرية التي يشنها، ودعوته إلى الانخراط في حل الأزمة، منتقدا دور روسيا في زعزعة الاستقرار بليبيا، وهو ما أثار حفيظة موسكو التي عارضت التصويت في مجلس الأمن لصالح قرار وقف دائم لإطلاق النار وفق مخرجات مؤتمر برلين بعد أن صوتت عليه 14 دولة عضو. هذا التحرّك الأمريكي كسَر الجمود والارتباك في التعاطي سابقا مع المسألة الليبية، مما قد يعطي دفعا قويا للسياسة الأمريكية من هنا فصاعدا، فلأوّل مرّة تجتمع لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ  كاملة في جلسة استماع حول سياسة أمريكا في ليبيا، وقد أعرب كل من مساعدي وزير الخارجية عن مكتب الشرق الأدنى، والنائب عن مكتب الشؤون الأوروبية، عن تحفظ كبير من الدور الروسي وضرورة التصدي له ورفض عدوان حفتر مقابل الاعتراف بحكومة الوفاق الوطني، وذلك بعدما تأكّدت الإدارة الأمريكية تماما من خلال عناصر أرسلتهم إلى محاور القتال بطرابلس وعادوا إليها بكون مقاتلي الوفاق ليسوا إرهابيين كما يدعّي خصمهم. يُضاف كلّ ذلك إلى اعترافات الوسيط الأممي غسان سلامة بشأن العديد من الدول التي تدعم حفتر عسكريا في حربه على طرابلس، بما في ذلك وصول مرتزقة من جنسيات متعددة منهم الروس إضافة لوصول عدة طائرات من سوريا إلى مطار بنغازي، إلى جانب ما كشفه فريق لجنة الخبراء المعني بليبيا نوفمبر الماضي، من ضلوع العديد من الدول الإقليمية والدولية في دعم العدوان العسكري لحفتر. قبل ذلك لابدّ من الإشارة إلى موقف المندوب الليبي بالأمم المتحدة الطاهر السني حيث تتالت كلماته القويّة في مجلس الأمن نهاية الشهر الماضي حيث وجّه خطابه مباشرة للمندوبة الفرنسية متهّما بلادها بانتهاك حظر السلاح وتورّطها مع الامارات بتقديم الأسلحة لحفتر في انتهاك للقرارات الدولية، ثم منتصف الشهر الجاري خلال جلسة إقرار مجلس الأمن لمخرجات مؤتمر برلين، انتقد السنّي بشدة دعم بعض الدول للمعتدي(خليفة حفتر)، معتبرا القرار إعلانا للفشل الرسمي للانقلاب العسكري، ومطالبا بضمانات دولية لوقف إطلاق النار. كما لا يمكن تفويت فضيحة شركات أمنية جنّدت فيها الإمارات الشباب السوداني بحجة العمل لتقوم بتدريبهم بمعسكرات خاصة وتحويلهم الى مرتزقة لترسلهم الى ليبيا للقتال وحراسة المنشآت النفطية التي أغلقها حفتر منذ أيام. كل هذه الضغوط الدولية والأممية قد تفسر قلق اللواء المتقاعد، حيث وصل به الأمر لاستخدام سلاح النفط بعد غلقه المنشآت النفطية بهدف مزيد الضغط وحصار العاصمة لتركيعها بعد فشله في دخولها، ليصل به الأمر حدّ منع رحلات البعثة الأممية من وإلى ليبيا، رغم استئذان البعثة منه، فبأي حق يتم هذا المنع رغم عدم استثناء حفتر لمناطق نفوذ معيّنة، ورغم كون البعثة وسيطا وليس طرفا، وكيف تكتفي البعثة ببيان تعرب فيه عن مخاوفها من القرار الذي قالت إنه سيعرقل المساعي المبذولة لإنجاح الحوار ؟! وكيف للوسيط العاجز عن الهبوط في ليبيا أن يفرض وقف إطلاق النار؟
هذا إلى جانب محاولات حفتر استمالة صنّاع القرار الأمريكيين منذ سنة 2016، وهو الأمريكي الجنسية، بعد محاولات نجحت لحد ما في استمالة روسيا بكل الطرق، التي تبدي ميْلا أكثر لنجل معمر القذافي سيف الإسلام، وظلّت تضغط به حتى الآن مع تحالف بعض جماعات القذافي مع حفتر في العدوان الحالي فدخل الروس بمرتزقتهم تحت هذا الباب. أما الضغط التركي على معسكر حفتر واللغط حول تركيا آخر المتدخّلين في الشأن الليبي، فهي ليست سوى دولة اقليمية ومسلمة وتدعم مسارا أمميا بنصّ اتفاق الصخيرات وشرعيته المعترف بها دوليا، إلى جانب دعم تركيا لقيام الدولة المدنية، ثم إذا كان الجميع قد تدخل فلماذا تُستثنى تركيا كثاني قوة عسكرية في حلف الناتو، الذي هو أصل القضية في ليبيا الجديدة ؟! وأمّا الحديث عن ترحيل تركيا لمسلحين من المعارضة السورية فهو مجرّد حملات افتراضية نفاها مقاتلون سوريون بعد مزاعم تواجدهم في ساحات القتال حول طرابلس، بل الأهم أن هذه الجماعات المعارضة غير مصنفة على قائمات الإرهاب الدولي بنصّ الاتفاقيات الدولية المبرمة في سوتشي بين تركيا وروسيا.

 3- - آفاق مسارات برلين: 

أ-مسارات برلين:
تمخّض مؤتمر برلين منتصف الشهر الماضي، كمحاولة من ألمانيا لسحب البساط من تحت فرنسا وإيطاليا اللتين فشلتا فشلا ذريعا في فرص حل ليبي، عن عقد ثلاثة مسارات (اثنان بجينيف وواحد بمصر) لرسم مخرج للأزمة في ليبيا، لم تحقق لحد الآن أي إنجاز. وحدّد ممثلو اثنتي عشر دولة بمؤتمر برلين، المسارات بشكل متواز لحل الأزمة سياسيا بعيدا عن العسكرة، أوّلها مسار اقتصادي (يتعلق بالمصرف المركزي ومؤسسة الاستثمار الخارجي ومؤسسة النفط) ثم مسار عسكري وأخر سياسي. ورغم التفاهم على هدنة لوقف إطلاق النار بمؤتمر برلين، إلاّ أن قوات حفتر اخترقتها مباشرة منذ إقرارها وما زالت تخترقها، كذلك تلكّأ في إرسال ممثليه لاجتماع 5+5 العسكري بجنيف، وانتهت الجولة برفض حفتر وقف القتال وعدم التوقيع على مقترح لسحب المقاتلين وتطبيق الهدنة مما بات يشكك في نجاح الجولة المقبلة.
كما أنّ المسار الاقتصادي لا يبدو أفضل حالا، حيث تتكتّم البعثة الأممية عن مخرجات الجولة الأولى التي احتضنتها العاصمة المصرية، وهذا في حدّ ذاته مثير للتساؤل، فلماذا تخصيص مصر الداعم القوي لحفتر  بالمسار الاقتصادي على خلاف المسارين الآخرين الذين بقيا في جنيف ؟ تشير تقارير لتشكيل ثلاث لجان ستعنى بإصلاح القطاعين المصرفي والخاص، وثانية بالتوزيع العادل للثروة، وأخرى بإعادة الإعمار. وقد ندّد رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج تقديم مصر دروسا في الديمقراطية والمدنية وخاصة في توزيع الاقتصاد الليبي وهو ما أثاره السيسي أكثر من مناسبة وكأن الاقتصاد الليبي مسألة مصرية وطنية داخلية، خاصة وأن الأطماع المصرية في الاقتصاد الليبي معلنة وليست خفية.
ولعل اعتراف الرئيس السوداني المعزول عمر حسن البشير بتسليح مصر لحفتر يبرر تلك التدخّلات، إضافة لتأكيد تقارير أخرى حصول حفتر على مدرعات عسكرية من الامارات وطائرات مسيرة يتم استعمالها في قاعدة الخادم شرق بنغازي، وتزويد مصر لحليفها الليبي بالسلاح عبر معبر السلوم وواحة الجغبوب بطائرات يتم تعطيل جهاز تتبعها فوق أجواء ليبيا متخذة من قاعدة عثمان المصرية تمركزات لها. وهذا السعي المحموم للتسلح كشفته مصادر إعلامية مؤخرا بيّنت سعي حفتر لشراء طائرات برازيلية بعد حصوله أخيرا على طائرات صينية من الأردن الداعم القوي للواء المتقاعد، وتلك الطائرات بتمويل إماراتي. ومن هنا، يبقى الحل النهائي مسألة عزيمة داخلية مرتبطة بالإرادة الليبية نفسها بشرط تخلّي المتدخّلين الأجانب فيها، وبالتالي فالهدنة الحالية تحمل نوعا من الاتفاق لكن يبدو أنّها مناسبة لالتقاط النفس وإعادة الروح والتموضع من جديد في إطار صراع إرادات دولية، وهذا ما ستكشف عنه أكثر مجريات المسار السياسي الذي سيُعقد بجينيف أواخر الشهر الحالي استكمالا للمسارين الأمني والاقتصادي.

ب- آفاق الحلّ السّياسي:

أظهرت الحرب على طرابلس صمودا كبيرا لمقاتلي قوات الوفاق، لم يتوقعه حفتر نفسه الذي وصفهم بالوحوش، ولم يتصوره الناطق باسمه عندما اعترف بعدد مقاتليه الذين فاقوا السبعة آلاف مقاتل قضوا على تخوم العاصمة، ولم يتصوّره حلفاء حفتر الذين ضاعفوا دعمهم العسكري مرتيّن مقارنة بالسنة الفارطة بعد ما توقعت فرنسا انتهاء السيطرة على العاصمة في ظرف يومين. 
عموما، أمام هذا الصمود وأمام تلكئ حفتر في المضي قُدما نحو الحوار، فإن الحرب أمام ثلاثة سيناريوهات، إمّا معركة كسر عظام طويلة ومدمرة للمنطقة، وصفها الرئيس التركي "بنموذج سوريا جديد، وحمام دم غير متوقف" سيسعى لمنعه، وهو ما قد يفسر قول الرئيس الجزائري "بطرابلس خط أحمر"، و إمّا السيناريو الحالي، وهو تكافئ القوى والفرص الذي بات يتطلب مزيدا من الضغوط الفعلية الدولية على حفتر للرضوخ للسلام وتوفير مناخ الثقة بين الفرقاء وهو السيناريو الأكثر واقعية، وإمّا سيناريو دعم تركي عسكري لقوات الوفاق (التي فاجأت الجميع بما فيها قوى دولية في قدرتها القتالية رغم الهجوم المفاجئ) للتمكن من طرد قوات الكرامة إلى مراكزها قبل عدوانها وبالتالي فرض الحوار مع حفتر أو مع بديل آخر، هذا السيناريو يترجّح مع تمكن قوات الوفاق من تحييد سلاح الطيران المُسيّر عن المعارك، تبقى مسألة القذائف العشوائية التي تهدد حياة المدنيين بالدرجة الأولى فإنه لا يمكن مواجهتها حسب قادة ميدانيين إلا بعمل عسكري كبير يأذن بالدخول في مرحلة الهجوم.

وفي المحصّلة فإن إقرار مخرجات برلين بمجلس الأمن الدولي أخيرا ليس بالإنجاز الكبير مالم يتمّ ردع المعتدي وداعميه عربيا، وإلاّ فإنّ كل القرارات الدولية بما فيها حظر السلاح على ليبيا ستظل حبرا على ورق ولن يتم تطبيقها على أرض الواقع إذا استمر تضارب مصالح القوى الكبرى الاقتصادية والجيوسياسية بعيدا عما يجب فرضه على الجنرال وهو الانحياز بقوّةٍ للشرعية الدولية وقراراتها، ثم إيجاد حلّ أممي عادل كما تم في عديد التجارب في العالم، حتى عودة السيادة كاملة لدولة ليبيا بتقرير من بعثة الأمم المتحدة، وإلا فإن السيادة ستبقى منقوصة بفعل القرار 1973 مالم تعترف الأمم المتحدة بأنه لا ضرورة لوجود وصاية بفعل الفصل السابع وتسحب بقرار دولي في مجلس الأمن يمرّ بإجماع أممي.

خاتمة:

مثّل الدّخول القويّ لتركيا إلى جانب حكومة الوفاق زلزالا هزّ أركان حلفاء الجنرال الليبي المتقاعد، ولا تزال ارتداداته مستمرة بسبب تعادل كفّة الصراع بين الفريقين الليبيَيْن، ممّا سيحتّم على القوى الدولية ضرورة البحث عن حلّ جديّ لأن كل تأخير سيقود لمزيد من الدماء والدمار، وبالتّالي لا مفرّ  من التأكيد على بيان الجامعة العربية الأخير بشأن ليبيا القاضي "بدعم العملية السياسية من خلال التنفيذ الكامل لاتفاق الصخّيرات باعتباره المرجعية الوحيدة للتسوية في ليبيا"، بمعنى إسقاط أهداف مشروع المحور المصري السعودي الإماراتي، الهادف لسحب الثقة من السرّاج، الأمر الكفيل بتخلي حفتر عن العمل العسكري.
خلاف ذلك فإن قائد قوات الكرامة ماضٍ في الحل العسكري عبر فوّهات المدافع ومخازن الذخيرة، وهو ما قاله صراحة الناطق باسمه، لذلك ذهب لمؤتمر برلين وغيره للاستماع فقط كما قال أيضا، أو لإضاعة وقت خصمه والمماطلة العسكرية لا غير، وبالتالي بعد كل مرواغة أخرى، ويبدو حاليا أنّه يستعد لهجوم جديد، وهو يذكّر أنصاره في الذكرى السنوية السادسة لانقلابه، أنّ السلام سيكون بجحيم القذائف، بينما ظهر مدركا لوَزن تركيا لكنّه أكّد قدرة قواته على مواجهتها ودخول طرابلس، وهذا مؤشر على أنّه لن يتخلى عن مشروعه المعلن مالم تردعه قرارات دولية قويّة أو يتخلى عنه الداعمون الذين يتخذونه بيدقا نحو الولوج إلى الثروات الليبية الهائلة.

مختار غميض (صحفي تونسي)
 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك