القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

ليبيا: تناقضات المشهد وشروط الحلّ

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2016-08-11 13:10:54 | 43 مشاهدة

ملخص : 


الوضع الليبي معقد وصعب جدا والأطراف المتصارعة متعددة والتناقضات بينها شديدة ومتشعبة . وحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا لم تمسك بعد بكل دواليب الدولة وأداؤها على غاية من الهشاشة .الإيجابي في الوضع الليبي الحالي هو التقدم الكبير للقضاء على تنظيم داعش في سرت من قبل قوات البنيان المرصوص المدعومة من حكومة السراج وهو ما ينبئ بانقلاب عديد المعادلات في ليبيا خصوصا ضد عملية الكرامة التي يقودها خليفة حفتر بعد فشله في كل المهام الموكولة إليه وأولها السيطرة على مدينة بنغازي عاصمة إقليم برقة . وبعد أن تحول إلى عقبة أمام حكومة الوفاق التي رفض الإعتراف بها .المؤكد أنه سيخسر الأطراف الغربية التي تدعمه .وبخروج حفتر من المعادلة سيتوصل بقية الفرقاء الليبيين إلى مشتركات وتوافقات  بإسناد دولي . ويمكن أن نتحدث وقتئذ عن بداية الإستقرار في ليبيا .


 

مقدمة: لا يخفى على أي متابع للشأن الليبي مدى تعقد الوضع في هذا البلد الشقيق الذي تمزقه الأجندات الداخلية والأجنبية مع ارتفاع وتيرة الإرتداد عن قيم الثورة في بلدان الربيع العربي. هذه الأجندات تجلت صراعا سياسيا وعسكريا تحركه أطراف في الداخل والخارج وتدخلات أممية مرهونة إلى مصالح القوى الكبرى التي تبحث عن موطئ قدم في هذا البلد إذا تعافى من محنته.فما هي أهم التناقضات التي تشق هذا المشهد؟ وما تداعياتها على الأرض؟وهل هناك أفق للحل في هذا البلدوما شروطه؟ الأطراف التي تدير الصراع في ليبيا وأهم التناقضات التي تشقها: عديدة هي الأطراف الليبية التي أوصلت البلاد إلى هذه الحالة من الإقتتال والتشظي السياسي والإجتماعي وأهمها أربعة اقطاب رئيسية : القوى المحسوبة على ثورة فبراير بكل مكوناتها السياسية والعسكرية :وتحالف القوى الوطنية(التيار الليبيرالي)الذي له امتداد عسكري في الزنتان والمناصر لحفترمصلحيا ضد أصدقاء الأمس ثوار فبراير. وعملية الكرامة بشقها السياسي الذي يمثله برلمان طبرق وشقها العسكري المتمثل في القوات التي يقودها خليفة بلقاسم حفتر.وأنصار القذافي الذين يمثلهم سياسيا تحالف بعض قيادات القبائل وعسكريا قوات جيش القبائل الذي يقوده في الغرب اللواء عمر تنتوش من منطقة ورشفانة وفي الجنوب(سبها) العقيد محمد بن نايل.ويمكننا أن نضيف طرفا خامسا مهما أصبح يقوم بدور ظاهر في الصراع هو تيار المداخلة وهو تيار ديني سلفي يقلد الشيخ السعودي ربيع المدخلي ولا يعترف بغيره في المرجعية والفتوى.هذه الّأطراف الخمسةهي التي تدير الصراع في شقيه السياسي والعسكري.والتناقضات بين هذه الأطراف مع التراكم أضحت شديدة التعقيد.والظاهر أن الحديث عن التوافق بينها على مشتركات تنقذ البلاد هو حديث تعوزه الواقعية إلى حد كبير. وعجز الأمم المتحدة على تنزيل اتفاق الصخيرات على أرض الواقع بعد مرور ثمانية اشهر على توقيعه دليل على صعوبة الأوضاع وتعقدها وعن عدم واقعية هذا الحل الذي صيغ وفق رؤية تضمن مصالح قوى دولية وهو ما زاد في تأزيم الأوضاع. الواقع أن الخلافات في ليبيا انطلقت أساسا بعد انتخابات المؤتمر الوطني العام في جويلية 2012. وهذا طبيعي بالنظر إلى أن البلاد لم تعرف أي شكل من أشكال التعدد طيلة حقبة حكم القذافي التي قاربت نصف قرن (42 ستة) . ولكن المنعرج الخطير والحقيقي للصراع الحالي ابتدأ بعد الإنقلاب في مصر مع إعلان خليفة حفتر عن انقلاب أبيض في طرابلس والذي هرب على إثره إلى المنطقة الشرقية وأعلن بعدها عن انطلاق عملية الكرامة المدعومة ماليا وإعلاميا وعسكريا من دولتي مصر والإمارات . وبدأت مع عملية الكرامة في الشرق تحركات تحالف القوى الوطنية المدعوم عسكريا من الزنتان في العاصمة طرابلس لقلب الأوضاع على قوى الثورة. وكان الدعم الإعلامي والمالي الإماراتي لهذا الكيان غير خاف على أحد في ليبيا وعلى المتابعين من الخارج وهو ما حدا بالقوى المحسوبة على فبراير إلى إعلان عملية فجر ليبيا حيث تم إخراج قوات الزنتان من طرابلس وإعلان حكومة الإنقاذ الوطني بقيادة الثائر ابن مدينة بنغازي عمر الحاسي.وفي ظل الصراع بين مكونات الثورة وفي ظل الفراغ الأمني شكل أحمد قذاف الدم من القاهرة ما يسمى بجيش القبائل الذراع العسكري لأنصار القذافي وكانت نواته الأولى في منطقة ورشفانة المحاذية للعاصمة طرابلس. وفي نهاية 2014يسيطر تنظيم داعش على مدينة سرت وبارك أحمد قذاف الدم الرجل الأول في أنصار القذافي هذا الأمر واعتبر داعش شباب أنقياء قدموا لإعادة مجد الخلافة الإسلامية. في ظل هذا الواقع وجدت الثورة نفسها في مواجهة مع ثلاث قوى الكرامة في الشرق ومعها البرلمان الذي يعترف به العالم ومع تحالف القوى الوطنية في طرابلس المدعوم عسكريا من الزنتان المنهزمة أمام الثوار في عملية فجر ليبيا .وغرب العاصمة مع جيش القبائل. وفي الجنوب الليبي مع إثنيةالتبو المدعومة من حفتر، ومع قوات محمد بن نايل المحسوب على جيش القبائل. هذه الأطراف المناوئة للثورة توحّدت مواقفها ضد ثوار فجر ليبيا المسيطرين على العاصمة طرابلس التي بها نصف سكان ليبيا وكل المراكز السيادية للدولة .والتوحد بين هذه القوى ليس مبدئيا وإنما فرضته الأحداث. فهذه القوى المناوئة للثورة مختلفة في منطلقاتها وفي طموحاتهافالكل يريد الإطاحة بالثوار للسيطرة على العاصمة طرابلس ومن ثم السيطرة على الدولة. طبيعة الخلافات القائمة بين القوى المتصارعة: -الخلاف بين مكونات فبراير(المتمثلة أساسا في التيار الإسلامي المعتدل والتيار الوطني الموالي للثورة)وبين تحالف القوى الوطنية المتحالف عسكريا مع الزنتان والمؤيد لحكومة طبرق والملتقي مصلحيا مع قوات الكرامة ضد ثوار بنغازي.هذا التيار (أي تحالف القوى الوطنية) يمثل أجندة دولة الإمارات في الغرب الليبي وأغلب قادته وعلى رأسهم محمود جبريل مؤسس التيار ورئيسه مقيم في الإمارات. وهو ابن الامارات المدلل وذراعها السياسي في أجندتها تجاه ليبيا . هذا التيار احتد الصراع بينه وبين مكونات الثورة . وأصبح قراره مرتهنا لدولة الإمارات التي تموله ماليا وإعلاميا من خلال مجموعة من القنوات في الإمارات والأردن وساهمت هذه القنوات في خلق الفتن وفي تأزيم الأوضاع بشكل كبير جدا. وإذا استطاع هذا التيار بمختلف مكوناته أن يفك ارتباطه بدولة الإمارات يمكن أن يلتقي مع تيار الثورة حول مجموعة مشتركات تكون مقدمة أساسية للخروج بالبلاد من النفق ذلك أن الزنتان القوة المساندة له منقسمة على نفسها بين مجموعة من القادة العسكريين ولا تمثل خطرا وجوديا على الثورة ويمكن أن ينحاز جزء منها الى الثورة وأقصد هنا رئيس المجلس العسكري بالزنتان السيد" أسامة الجويلي" وزير الدفاع في حكومة علي زيدان الذي يتواصل مع قيادات الثوار في طرابلس لرأب الصدع وإنقاذ الثورة من القوى المتربصة بها ومنها قوى من الزنتان ما يمكن لتحالف القوى الوطنية في الأخير أن يفك ارتباطه بعملية الكرامة في الشرق ويكف عن التسويق لها إعلاميا . وفك الإرتباط مع الإمارات ليس أمرا هينا أو سهلا ذلك أنه يستمد قوته من هذه الدولة في ظل العجز عن الاتفاق مع أبناء وطنه من الثوار الذين فيهم هم أيضا من هو على درجة من التطرف السياسي إلى حد العناد.إن الخلاف بين التحالف وتيار الثورة هو خلاف رؤى وتوجهات.وخطأ التحالف أنه راهن على دعم الإمارات التي تقود الثورة المضادة في دول الربيع العربي وهي مورطة في دعم حفتر في الشرق الليبي مما جعلها إلى جانب النظام المصري العدو الأول لقوى الثورة في ليبيا. -الخلاف مع الزنتان وورشفانة:بعد عملية فجر ليبيا مباشرة تحالفت قوى الزنتان مع منطقة ورشفانة وجيش القبائل ضد قوى الثورة . وتحالف الزنتان وورشفانة هو تحالف مصالح وليس وفق مبادئ أو استراتيجيا. فالغاية الأساسية لكليهما إلحاق الهزيمة بالثوار في طرابلس أوعلى الأقل الاتحاد ضد الخطر الذي يمثله الثوار على هاتين المنطقتين.وبعد أكثر من ثلاثة أشهر من القتال على محوري قاعدة الوطية والجبل دون الحسم لأي من طرفي النزاع أدرك الجميع أنها حرب بلا نتائج وأن الحسم لأي منهما أمر غير ممكن وبقرار دولي حتى يجلس الجميع إلى طاولة المفاوضات وهو ما أدى في النهاية إلى اتفاق هدنة بين ورشفانة(جيش القبائل)وبين الثوار في طرابلس في انتظار ما ستؤدي له المفاوضات السياسية تحت إشراف الأمم المتحدة.ومن جهة الزنتان توقف القتال ولكن لازالت هناك مطامح لهذه المدينة لعودة كتائبها إلى طرابلس لتكون طرفا فاعلا في المشهد المنتظر مستقبلا. إن الزنتان إذا استطاعت أن تتخلص من القوى المحسوبة على تحالف القوى الوطنية يمكن أن تعود إلى حضن الثورة ذلك أنه لا أحد ينكر دورها في حرب التحريرولكن الأجندة الإماراتية والفرنسية وطموحها المبالغ فيه في لعب دور أكبر من حجمها جعلها تحيد عن خط الثورة وترتهن إلى أطراف تلعب دورا معاديا لمبادئ فبراير -عملية الكرامة أو مشروع الثورة المضادة: وهنا يكمن عمق وجوهر الصراع في ليبيا.فالحقيقة التي لا ريب فيها اليوم أن عملية الكرامة التي يقودها خليفة حفترهي عملية صممت لإنهاء الثورة الليبية بكل مفرداتها ووظفت لها أموال وأسلحة ووسائل إعلام لو وزعت على فقراء الوطن العربي لأغنتهم جميعا .فخليفة حفتر بدون مبالغة هو سيسي ليبيا وهو مسنود بشكل مطلق من الإمارات بالمال والسلاح والإعلام ومن مصر والاردن بالمخابرات والدعم اللوجستي .واستطاع بهذا الدعم الكبير وعبر الصبيب الإعلامي من حوالي خمسة عشر قناة تلفزية وعديد المواقع الاكترونية أن يخلق رأي عام مساند له في المنطقة الشرقية معتمدا على حملة التشويه المنقطعة النظير لثوار فبرايرمما مكنه من توفير حاضنة شعبية تزوده بالرجال .كما استطاع أن يسيطر بالمطلق على البرلمان في طبرق وعلى حكومة عبد الله الثني في مدينة البيضاء وهو الحاكم الفعلي في المنطقة الشرقية وكل الكيانات السياسية الأخرى هي مجرد ظلال له .كما استطاع تسليح جزء من كتائب الزنتان و عناصرمن المناطق الغربية ليشكل كيانا عسكريا مواليا له في الغرب الليبي . وتحالف مع قوى محسوبة على نظام القذافي في الجنوب الليبي إلى جانب إثنيةالتبو ذات الأصول التشادية ليكون بذلك عنصرا فاعلا في الصراع الداخلي إن الصراع بين حفتر والثوار أو بين عملية " الكرامة" والثورة هو صراع وجود ولن تستقر ليبيا في ظل وجود خليفة حفتر في المشهد ولا يمكن لأي مفاوضات مهما طالت أن تخلق أرضية تفاهم أو توافق بين الطرفين .فحفتر أوتي به لإنهاء الثورة على غرار ما وقع في مصر.وقد وعد السيسي بنفط برقة إن تمكن من حكم ليبيا أو على الأقل الإستقلالببرقة . فالرجل يطمح لحكم ليبيا أو الإستقلال بإقليم برقة إن استطاع السيطرة على بنغازي ودرنة وهما الشوكة أمام طموحاته المحمومة. كل ما يحدث اليوم في ليبيا من خلافات بين مختلف الأطراف يمكن إنهاءها بسهولة إذا هزمت عملية الكرامة ذلك أن أغلب الخلافات الأخرى لها علاقة بجوهر الصراع بين الثورة والثورة المضادة فإنهاء هذه العملية التي تمثل رأس الحربة في الثورة المضادة سيعجل بنهاية كل المشاريع الأخرى المناوئة للثورة. ويمكن وقتئذ الحديث عن حل للمعضلة. الحديث عن مجرد استهداف داخلي وإقليمي ودولي للثورة في ليبيا لا يجانب الصواب، فمصر والإمارات والأردن يجاهرون بتحالفهم مع حفتر.وفرنسا حضرت بجنودها في بنغازي وشاركت في القتال معه عندما أدركت أن تنظيم سرايا الدفاع عن بنغازي في طريق مفتوح لإنهاء حفترعسكريا . وهذا التنظيم يتشكل من أبناء بنغازي المهجرين بفعل عملية الكرامة . وقد شكلوا هذا التنظيم المسلح لتحرير مدينتهم من عناصر حفتر ومن أجهزة الأمن الداخلي في عهد القذافي التي أعادها حفتر للخدمة في بنغازي .عندما اقتربت سرايا الدفاع من المدينة تدخل الطيران الفرنسي مما اضطرهم إلى التراجع إلى الخلف وإعادة تنظيم صفوفهم وخططهم لدخول بنغازي. عملية الكرامة عرفت في المدة الأخيرة انشقاقات كبيرة خاصة من قادتها وهو ما أثر في أدائها العسكري بشكل كبير . كما فقدت الكثير من حاضنتها الشعبية بعد اعترافات المنشقين عنها أن حفتر هو من وراء ظاهرة الاغتيالات في بنغازي.ومن المفارقات العجيبة أن تيار المداخلة يقاتل اليوم في بنغازي مع حفتر بكتيبة اسمها " كتيبة أتباع السلف الصالح" معتبرين أن حفتر هو ولي الأمر الشرعي الذي لا يجوز الخروج عليه. وفي طرابلس يتحالفون مع عديد الأطراف المشبوهة في علاقتها بالثورة وفي مدينة الزاوية يعطلون التحركات الساعية إلى فتح الطريق الساحلي الذي يربط العاصمة بكل مدن الغرب الليبي والمغلق منذ مدة من طرف ميليشيات الحرابة في منطقة ورشفانة.ويسيطر هذا التيار على عديد المساجد في مختلف المدن ويقدمون خطابا معاديا للثورة والثوار. علما وأن هذا التيار لم يشارك في الثورة عملا بفتوى ربيع المدخلي التي اعتبرت الثورة فتنة وقالت بمبدا " الزم بيتك ". كما يعتبر هذا التيار حركة الإخوان المسلمين حركة منحرفة يجب محاربتها. كما يختلفون مع الشيخ الصادق الغرياني مفتي ليبيا والذي يعتبر ضمانة أساسية من ضمانات الثورة من خلال توجيهاته وفتاويه الداعية إلى محاربة عملية الكرامة باعتبارها العدو الأول للثورة. فهم يعتبرونه داعيا للفتنة وسفك الدماء. والمتابعون للشأن الليبي يعتبرون هذا التيار ذراع السعودية وأجندتها في ليبيا.في ظل هذا الصراع بين الأطراف المختلفة في ليبيا يبرز تنظيم الدولة الإسلامية بشكل مفاجئ ويسيطر على مدينة سرت في عملية مشبوهة وراءها أنصار القذافي الذين يسعون إلى خلق أقصى قدر من الفوضى في البلاد ليجدوا لأنفسهم موطئ قدم وسط الفوضى القائمة ولجعل الناس يحنون إلى عهد القذافي.واليومداعش في سرت تعيش آخر أيامها بعد أن اصطف الثوار إلى جانب قوات حكومة الوفاق(وهم من الثوار أيضا ممن رحبوا بالحكومة الجديدة التي يقودها السراج)ودحروا التنظيم من أغلب المناطق التي سيطر عليها واليوم محصور في مساحة أربعة كم مربع وسط المدينة . وقد أنهت قوات البنيان المرصوص استعداداتها للمرحلة الأخيرة لحسم المعركة بشكل نهائي . وهو ما سيجعل البوصلة تتجه نحو بنغازي.

ليبيا بعد حكومة السراج: تغير المشهد السياسي في ليبيا بشكل كبير بعد دخول حكومة السراج إلى العاصمة طرابلس. فثوار فبراير قد اختلفوا حولها بين مؤيد ورافض . وحكومة طبرق المؤيدة لعملية الكرامة تعلن رفضها التام للحكومة الجديدة والبرلمان ينقسم على نفسه ويدخل في مرحلة من الإضطراب والعجز فهو لم يجتمع ولو لجلسة واحدة منذ إعلان اتفاق الصخيرات وأصبح قراره مرهونا إلى مجموعة النواب الفيديراليين المحسوبين على إقليم برقة والداعمين بقوة لخليفة حفتر كقائد عام للجيش الليبي وهو الأمر المرفوض من عدد مهم من النواب يتجاوز المائة.حيث سلم هؤلاء النواب وثيقة ممضاة منهم ل"مارتن كوبلر" رئيس بعثة الدعم الأممية في ليبيا يؤيدون فيها اتفاق الصخيرات وهي الوثيقة التي اعتبرتها الأمم المتحدة مصادقة من البرلمان على الحكومة الوفاق وعلى ضوئها دخلت الحكومة إلى طرابلس وتسلمت مهامها ويمكن اليوم تلخيص المشهد في ليبيا كما يلي: حكومة في الشرق مرتهنة إلى برلمان مشلول عاجز عن العمل خوفا من بطش الحاكم الفعلي في الشرق وهو خليفة حفتر. وفي العاصمة طرابلس حكومتان. حكومة الإنقاذ الوطني بقيادة خليفة الغويل وقد سحبت منها أغلب الصلاحيات بفعل الضغط الدولي وبفعل العجز عن الإنجاز في ظل الواقع الاقتصادي والاجتماعي المتردي .وحكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج المعترف بها دوليا. ولكنها ايضا تعاني من العجز في الأداء كونها لا تحظى بدعم كل القوى السياسية في طرابلس وفي مجمل البلاد . وقد علق تيار عريض من الشارع في ليبيا آمالا كبيرة على هذه الحكومة المدعومة دوليا للقضاء على الأقل في مرحلة أولى على ثلاث معضلات كبرى يعاني منها المواطن يوميا في بلد غني وهي معضلة الكهرباء ومعضلة السيولة المالية ومعضلة انهيار الدينار الليبي أمام الدولار.ولكن هذه الحكومة عجزت إلى حد اليوم بعد مرور حوالي ثلاثة أشهر من دخولها إلى العاصمة عن حل أي من هذه المعضلات ولم تجد الدعم الدولي الكافي لها رغم الوعود بكونها ستكون الحكومة الأكثر دعما في الدول التي تعاني مشاكل في هذا العالم.علما وأن المشاكل المذكورة منها ما هو بإرادة دولية كنقص السيولة الناتجة عن ضغوطات دولية على البنك المركزي الليبي والغاية أن يقبل الليبيون بالحل الأممي الذي يضمن حل كل المشكلات ومنها ما هو بفعل داخلي كأزمة الكهرباء التي تفتعلها جهات في الداخل(الدولة العميقة) ليس من مصلحتها استقرار البلاد.أما انهيار الدينار فسببه توقف تصدير النفط وتكالب تجار العملة على الدولار في السوق السوداء.وقد وعدت الأمم المتحدة بحل كل هذه المشكلات بمجرد تسلم حكومة الإنقاذ الوطني لمهامها .ولكن شيئا من ذلك لم يحصل.في ظل هذا الواقع المعقد وجدت الأمم المتحدة نفسها عاجزة عن حلحلة الأوضاع بفعل تمترس كل طرف خلف رؤيته وتصوره . فالبرلمان والحكومة في طبرق يرفضان اتفاق الصخيرات على خلفية المادة رقم 8 التي تنص على أن كل المراكز السيادية شاغرة من لحظة إمضاء الاتفاق وهو ما يجعل خليفة حفتر خارج الشرعية باعتبار أن منصب القائد العام للجيش الذي يتولاه حاليا وفق تصور البرلمان والحكومة في طبرق هو منصب شاغروهو ما يحوله (اي حفتر)إلى قائد ميليشيا غير معترف بها رسميا وأن منصب القائد العام يسميه رئيس المجلس الرئاسي بالتوافق مع أعضاء المجلس الرئاسي.هذه النقطة يرفضها حفتر وترفضها الحكومة والبرلمان في الشرق وهي العقدة في المنشار بالنسبة للأمم المتحدة في ما يخص المفاوضات مع المنطقة الشرقية.وكترضية لهذه المنطقة وضغط على حفتر تم تسمية العقيد " المهدي البرغثي" آمر كتيبة 204دبابات (تابع لعملية الكرامة) وزيرا للدفاع في حكومة الوفاق الوطني علما وأن البرغثي على خلاف كبير مع حفتر وهو من قبيلة " العواقير " وهي أهم قبيلة مساندة لعملية الكرامة وفقدت أكثر من 6000من أبنائها في الصراع مع مجلس شورى ثوار بنغازي منذ انطلاق العملية في 2014. وأما في المنطقة الغربية والعاصمة طرابلس فإن قوى الثورة قد انقسمت بين مؤيد ورافض لهذه الحكومة . فالمؤيدون يرون فيها طوق النجاة أمام عجز الليبيين عن الوصول إلى حل داخلي لخلافاتهم وهم يؤيدونها رغم كل التحفظات على اتفاق الصخيرات وعلى أعضاء الحكومة وتركيبة المجلس الرئاسي.وأما الرافضون لها فإنهم يرونها حكومة وصاية دولية والقبول بها خيانة لدماء الشهداء وتفريط في مبادئ ثورة فبراير. في ظل هذا الواقع وجدت الحكومة نفسها عاجزة عن القيام بأي مبادرة فعلية حقيقية في اتجاه تطبيق الأهداف التي قدمت من أجلها. وحتى الحرب على تنظيم داعش في سرت ما كانت لتتخذ هذا القرار لولا التجاوب الذي وجدته من شق الثوار الرافض لها والمسمى اليوم في عملية "البنيان المرصوص" القوة المساندة للجيش الليبي.وهذا الأمر بالتحديد(اي انهاء الثوار لتنظيم داعش)ستكون له نتائج كبرى على تموقع الثوار في ليبيا مستقبلا وعلى التعاطي الدولي معهم خصوصا بعد التدخل الأمريكي المباشر في عملية البنيان المرصوص من خلال الدعم الجوي للقوات على الأرض . هذه القوات التي ينظر لها العالم بعين الريبة في ظل غياب تصور دولي واضح لطبيعة المقاتلين على الأرض وتوجهاتهم الفكرية والسياسية وأمام العراقيل الموضوعة من حفتر ومن والاه من القوى المناوئة لثوار فبراير لإفشال عملية السيطرة على سرت حتى لا يحسب ذلك للثوار ولمصراته وبقية مدن الثورة علما وأن حفتر والزنتان وما يسمى بجيش القبائل لم يشاركوا في عملية البنيان المرصوص وهي إنجاز ثوري بامتياز.

القوى الخارجية وطبيعة التدخل في الملف الليبي:

إن الواقع المعقد في ليبيا يتحمل الليبيون مسؤوليته بالضرورة ولكن لا ينفي ذلك دور بعض القوى الإقليمية والدولية في تأزيم الأوضاع فمصر تساند حفتر ولا تخفي ذلك وهي ترفض أي ثورة على حدودها . وكذلك الشأن بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة فهي تخشى ليبيا قوية ومستقرة سياسيا واقتصاديا قد تهدد عرشها واقتصادها بالنظر للموانئ الكبرى في هذا البلد الذي يملك 2000كم من ساحل المتوسط. أما الأردن فهي دولة تابعة في قرارها وتخشى من انتقال الثورة إلى أرضها فهي تعمل جاهدة على إفشال أي مشروع ثوري وديمقراطي في محيطها وبالنسبة للغرب فان أكثر دولة تلعب دورا سلبيا في ليبيا هي فرنسا التي لها مطامح في الجنوب الليبي المطل على مستعمراتها السابقة في إفريقيا وأعني النيجر ومالي وتشاد . فهذه الدول هي مجال حيوي للمصالح الفرنسية والصحراء الليبية الغنية بالثروات مطلة على هذه الدول.وفرنسا متحالفة في هذه المنطقة مع إثنية " التبو " الليبيين ذوي الأصول التشادية وتنسق معهم في الجنوب الليبي. وقد وعدها خليفة حفتر بموطئ قدم في الجنوب إن هي ساندته في السيطرة على ليبيا أو على الأقل على إقليم برقة المتوغل في الجنوب.ولذلك اليوم نجد فرنسا تعمل بشكل مباشر على الأرض في الشرق الليبي وتسلح حفتر وتقدم له الدعم اللوجستي . وأخيرا قاتلت بجنودها مع حفتر ضد سرايا الدفاع عن بنغازي وضد مجلس شورى ثوار بنغازي.وبرهنت عن شكل فج من أشكال النفاق السياسي فهي من ناحية تدعم الإتفاق الدولي وحكومة الوفاق ومن جانب آخر تساند أحد أطراف الصراع وهو ما يخالف الإتفاق الدولي الذي تدعي مساندته. أما الدور الإيطالي فهو في المجمل دور إيجابي فإيطاليا تبحث عن الإستقرار في ليبيا الموحدة بأقاليمها الثلاثة .وإيطاليا لها حضور استخباراتي قوي في ليبيا مكنها من فهم الواقع ومن فهم طبيعة القوى المسيطرة على الأرض وهي تسعى جاهدة لتمكين حكومة الوفاق الوطني من السيطرة على البلاد عبر الدعم الدولي.وفي ما يخص أمريكا فإنها تتعامل مع الواقع في ليبيا من منظور الأمن القومي الأمريكي . فهي تسعى إلى استقرار ليبيا وإلى تحجيم القوى التي تمثل خطرا على أمنها القومي ومنها تنظيم داعش وهي مستعدة للتعامل مع كل القوى في ليبيا. وهذا ما أدركه الثوار مؤخرا عندما أصبحوا يتحدثون عن شرعية الإنجاز على الأرض باشتغالهم على محاربة الإرهاب هذه الكلمة السحرية التي ركب صهوتها الجميع. تحرير سرت له ما بعده في ليبيا داخليا وخارجيا .وقد تكون عملية الكرامة الهدف القادم لثوار ليبيا إن عرفوا كيف يتعاملون مع موازين القوى الداخلية والخارجية الخاتمة : الثابت الآن بعد إنهاء داعش في سرت أن دائرة الخلافات في ليبيا ستنحصر وأن الحسم سيكون بين الثورة والثورة المضادة أي بين حفتر وثوار فبراير. وأن حكومة السراج التي ترى في حفتر عقبة كؤود أمام تنفيذ اتفاق الصخيرات ستسعى لإقناع العالم بضرورة التخلي عن حفتر خصوصا وأن الثوار مستعدين لتقديم تنازلات من أجل ليبيا شرط أن لا يكون حفتر في المشهد .والعالم بالمنظور البراغماتي غير مستعد لإدامة الصراع في ليبيا وهو ينتظر عقود إعادة الإعمار في هذا البلد الواعد وعلى دول الجوار وأعني تونس والجزائر أن تلعبا دورا إيجابيا في إعادة الإستقرار للجار الليبي ذلك أنهما أكبر متضرر من الوضع هناك أمنيا واقتصاديا. المهدي ثابت  عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية.

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك