القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

ليبيا.. ماذا بعد انقلاب المواقف الدولية ضد حفتر

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-07-16 11:38:00 | 1044 مشاهدة

ملخّص:

لا شك أنّ لكل حرب هدفا سياسيا من خوضها وإلا تصبح عملا عبثيا، ومع الجمود العسكري الحالي وتوقف القتال على تخوم مدينة سرت مفتاح الهلال النفطي، اندفعت روسيا بمرتزقتها بقوة نحو المنشآت النفطية بات يعزز فرضية لعبها على ورقة النفط، لكن قوات الوفاق الوطني تبدو من جانبها عاقدة العزم على استكمال بسط نفوذها على كامل التراب الليبي، وهو الأمر الذي يخشاه الرئيس المصري الذي بادر بإطلاق مصالحة بين الجنرال المتمرد خليفة حفتر ورئيس برلمانه في طبرق، بعد سقوط ورقة حفتر عسكريا وسياسيا وهو الأمر الذي دعمته روسيا عبر الضغط لقبول بعقيلة صالح الذي دعا إلى تكوين مجلس رئاسي جديد على أساس فيديرالي لكن حكومة الوفاق ظلت ترفض الحوار الأممي العقيم ريثما تجد صدى جديا لبديل شرقي جديد مما قد ينذر بمعركة باردة طويلة الأمد يتجاذبها الجانب الروسي والتركي مما قد يوحي بسورنة المشهد الليبي إذا لم يلتقط دقة المرحلة التاريخية.

مقدّمة:
توحي عملية استهداف قاعدة الوطية الجوية لأول مرة بعد استرجاعها من قوات اللواء المتمرد خليفة حفتر وعدم تبني أي طرف لعملية القصف باستثناء المستشار السابق لولي عهد أبوظبي الذي لمح في تغريدة ثم قام بفسخها إلى دولته الإمارات، يوحي كل ذلك بدخول ليبيا مرحلة حرب عسكرية باردة وطاحنة طويلة الأمد رغم توقف القتال حاليا على أبواب الهلال النفطي التي أعلنتها روسيا منطقة حمراء على لسان جارتها مصر ثم أدخلت فيها على يد قوات حفتر مرتزقتها "الفاغنر"، لكن زيارة وزير الدفاع التركي الأخيرة مع رئيس أركانه إلى طرابلس ومدينة مصراته يشي بعزم تركيا على المضي قدما في مساعدة الجانب المعترف به دوليا حيث يريد، وما قصف قاعدة الجفرة "الروسية" المحتلة بعد ساعات فقط على قصف الوطية إلا دليلا واضحا على مدى دخول ليبيا معركة كسر عظام، وهذا مرتهن في قادم الأيام على مدى انخراط روسيا في دعم الجانب المصري الذي يبدو أنه سيكون وقود المعركة مع إصرار قوات بركان الغضب، الجناح العسكري للوفاق على استمرار التحشيد استباقا لكسر الخط الأحمر السيساوي حول سرت والجفرة.

1 / انقلاب المواقف الدولية:

أ – الانقلاب الفرنسي والأممي:
بعد ست سنوات من الدعم الفرنسي لجنرال برقة المتمرد خليفة حفتر، رغم وجود الأدلة والبراهين التي تثبت تورّط فرنسا واعتراف حفتر نفسه هو سيّد الأدلّة.

يبدو أن فرنسا لم تعد تتحمل حماقات وجرائم بتلك التي جرى ويجري الكشف عنها في المقابر الجماعية بترهونة التي ورّطت الداعمين في بشاعة الجرائم ضد الإنسانية والتي ولن يجدوا لها تبريرا.
فها هي فرنسا تتنصل من حفتر وتصب غضبها على تركيا آخر الدول التي تدخلت وليس سرا في الشأن الليبي.
ويأتي انقلاب فرنسا هذا من أعلى هرم في السلطة حيث أعلن الرئيس إمانويل ماكرون تخليه عن دعم حفتر عسكريا وهي التي اعترفت سابقا به كقائد عسكري شرعي يجب الحوار معه، ويأتي الموقف ضمن حشر حفتر في زواية ضيقة بعد تخلي جميع الداعمين الغربيين له، ومن أجل تخفيف حدة الصراع داخل حلف شمال الأطلسي مع تركيا ثاني أكبر قوة عسكرية في الحلف إلى جانب القوة الأولى، الولايات المتحدة الأمريكية

وقد تخلت روسيا  عن حفتر ذراعها القوي الذي وقّعت معه اتفاقيات قبل سنوات في  بارجتها البحرية قبالة بنغازي، فها هي تتخلى عنه في مفاوضاتها بينما تتمسك برئيس برلمان طبرق  عقيلة صالح وتُروّج له كرجل للسلام خلال لقائه الأسبوع الماضي مع وزير الخارجية لافروف في موسكو، وقد تماهى موقفها مع مصر في تخليهما عن حفتر وتنسيق المواقف للإبقاء على عقيلة صالح.
وهذا الأمر بدا منذ فترة من ناحيتين اثنتين، من خلال صراع خفي بين حفتر وصالح وهذا الصراع صراع داخلي بعد انقلاب حفتر على اتفاق الصخيرات ودعوته للتفويض، فالخلاف بينهما هو خلاف فروع، فعقيلة هو من نصّب حفتر ووفّر له الغطاء السياسي والشرعي، وكلاهما يتحرك من مصر والإمارات، ثم أيضا من خلال غياب حفتر نهائيا عن ساحة الأحداث في الشرق، باستثناء ظهور بدا مجردا فيه من كل رتب ونياشين عسكرية.
لكن الأغرب والأكثر تقلبا من بين هذه المواقف هو ما صرح به المبعوث الأممي لدى ليبيا غسان سلامة المستقيل من منصبه لدواع صحية، الذي أرجع حرفيا هجوم حفتر على طرابلس إلى الدعم العسكري الرباعي المصري الإماراتي الفرنسي والروسي، والذي قال إنه أدى إلى توقف عملية السلام، ولم يكتف بذلك بل طالب حكومة الوفاق بمواجة حفتر بقوة فولاذية بحكم شرعيتها الدولية.
لا شك أن هذا الانقلاب في موقف الوسيط الدولي والذي وصفه بالانزعاج من الهجوم الذي شنه حفتر بتعليمات سعودية، ونذكر جميعا زيارة عقيلة صالح للرياض وتقبيله رأس الملك سلمان ودعم الحرب ماليًّا، لكن لماذا لم يصارح سلامة الليبيين حينها، ربما نصدقه أكثر لو خرج وقتئذ وأعلنها صراحة للعالم، وبالتالي هذا نوع من التواطئ الذي يشترك فيه مع المجلس الرئاسي الذي لم يعلنها في حينها أيضا لإحراجه.
إن شخصية سلامة تبدو براغماتية كسابقيه ويُحسن ذلك الدور المنفعي، لكن في اتهامه لأعضاء بمجلس الأمن، بأنهم طعنوه في الظهر يريد إخلاء ذمته من الجرائم المرتكبة التي أرهبت دول العالم وانقلبت على حفتر بل ووافقت الأمم المتحدة على التحقيق فيها، ولا يمكن تصور أن سلامة يتهم فرنسا وهو أحد مواطنيها، أو الإمارات الراغبة في توظيفه بمؤسساتها
لذلك يبدو أن المنحى الإجرامي لمخلفات العدوان وراء نكران الدعم والانسحاب من الاصطفاف مع شخصية حفتر، ومن هنا جاء موقف فرنسا بانسحابها من عملية "الناتو" في المتوسط.
هذا الانسحاب يقابله مواصلة دعم فرنسا لروسيا بشكل خفيّ لكنه جليّ للوقوف وراء مصالحها، في ما يتصل بالتدخل العسكري في النزاع الليبي، فبعد اجتماع ماكرون و بوتين الذي جرى بتقنية الفيديو أواخر الشهر المنقضي، دخل مرتزقة "فاغنر" الروس أكبر الحقول النفطية بالجنوب الليبي، وهذا يفسّره قول ماكرون إن بلاده تتعاون مع روسيا وتخاطر بأمن حلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي وأمريكا، في نظرة تحفظ على إقليم فزّان الذي تراه إرثها التاريخي وخزّان شركاتها النفطي، و هو ما عرضّ ماكرون لحملة انتقادات داخلية، اشتعلت بعد خسارته في الانتخابات المحليّة بسبب فشل إصلاحاته و أزمة الاقتصاد ما بعد كورونا، لذلك عمليا لا يمكن الأخذ بتصريحات ماكرون المعلنة على محمل الجد فمراوغة بلاده ليست بالجديدة، وهو يحاول حاليا الهروب إلى الأمام.
وبفعلها هذا، يبدو أن فرنسا جلدت ذاتها بذاتها، بعد أن رفض "الناتو" طلبها عقد اجتماع طارئ لمناقشة الدور التركي المساند لشرعية الوفاق، على إثر انتقال المعارك إلى محور سرت الجفرة وضم كل المنطقة الغربية.
وأمام تضخم دور مرتزقة "فاغنر" الروس وانكشاف قيادتهم للعمليات العسكرية في تحالف مع فرنسا، جعلها تغرّد وحدها خارج سرب "الناتو" وكنتيجة لهذا تزايد النفوذ التركي في الحلف واستفرد بالموقف في الملف الليبي.
هذا الكلام تؤكده الوقائع على الميدان، ففي مارس الماضي اقتربت من شواطئ مصراته فرقاطة فرنسية للتجسس على غرفة العلمليات العسكرية بقاعدة مصراته الجوية والتشويش على منظوماتها، ومع عدم الاستجابة للتحذيرات تم ملاحقتها الى المياه الإقليمية، ثم مؤخرا همت بارجة تركية بإطلاق النار على فرقاطة فرنسية فعادت أدراجها وسط زوبعة سياسية كبيرة بين فرنسا وتركيا.

هذا ناهيك عن تراجع الدور اليوناني والإيطالي الذي يعد أقل حدة من أي دور، وبالتالي تنصل الكل من حفتر دوليا قد يوحي بانتهائه مطاردا جنائيا في أروقة المحاكم الدولية.

ب – الضغط التركي:
تسعى تركيا في نطاق تطبيق الاتفاقية البحرية مع طرابلس الى تنفيذ وعودها كاملة حتى تكون الاتفاقية فاعلة، لأن حدود تركيا البحرية تشمل السواحل حتىّ درنة شرقا، ولهذا لن تكتفي بالحدود البحرية الحالية، وهذا جعل روسيا، الجانب القوي الوحيد المقابل في ليبيا، تتمسك بقوة بالملف الليبي نيابة عن بقية الحلفاء العرب، وفي وضع المساومة حاليا خصوصا قبل الانتخابات المنتظرة بأمريكا نوفمبر القادم مع تغير الموقف الأمريكي لصالح الوفاق، لذلك ستنسحب موسكو عاجلا أم آجلا ولن تغوص ساقها في الوحل الليبي بالشكل الذي تورطت فيه بسوريا، ومعسكر حفتر يعلم جيدا مطامع روسيا في النفط وكذلك مصر، ومطامع الإمارات في تنمية موانئ ليبيا وبالتالي ستكون برقة الخاسر الأكبر ولن تقبل بأجندات قد تؤدي نحو الانقسام.
ونظرا للأولوية التي أصبحت تحتلها ليبيا في السياسة التركية منذ عام، احتل الملف صدارة اهتمام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أول زيارة خارجية له بعد أزمة كورونا، حيث أكد من العاصمة القطرية ربط زيارته للدوحة بزيارة وزير دفاعه وزيارة رئيس الأركان البحرية المتتاليتين إلى العاصمة الليبية.

وتدرك موسكو جيّدا جدية أنقرة في الذهاب إلى الأمام بعيدا، كما تعلم أنها بقيت وحيدة في مواجهة أوروبا وأمريكا، أمريكا التي ستضغط بكل ثقلها لعودة النفط الليبي للتدفق وتحييده عن المعارك السياسية في ظل تدهور أسعار البترول دوليا وفي خضم معركة كسر العظام بشأن سعر النفط المتدخلة فيه أمريكا.
بناء على ما سبق، فإن الرئاسة التركية لم تُخف تهديدها ولا دعمها الصريح والمعلن فوق الطاولة، للجانب الشرعي ووصلت حد إعلانها بقصف قاعدة الجفرة المليئة بمرتزقة شركة فاغنر، التي خرجت من ترهونة وبني وليد بحجة إعادة انتشارها، وبالتالي فهي هدف عسكري لقوات الوفاق وسلاح الجو  المدعوم من الأتراك، ولا يمكن قراءة قصف القاعدة مؤخرا والذي أودى بحياة بعض المرتزقة الروس خارج دائرة الرد التركي على قصف قاعدة الوطية ومنظومة "هوك" للدفاع التركية داخلها، لكن الجانبان اتبعا سياسة الحرب الباردة، مع إرجاع الفعل ورد الفعل إلى المجهول تفاديا لأي حرب مباشرة.
ومعلوم أن غرف العمليات العسكرية في العاصمة طرابلس ومدينة مصراته تحظى بدعم استخباراتي وتعاون قوي وناجع، وإنهاء الدور التركي هناك أمر محظور بالنسبة إلى أمريكا حاليا، واجتماع قادة أفريكوم الشهير بقادة الداخلية في طرابلس وقادة عسكريين في الغرب الليبي دليل دامغ بالعناية الأمريكية المناصرة لطرابلس.

2 / البديل الروسي ومستقبل حفتر:

أ – الضغط الروسي:
باتت روسيا على قناعة بأن حفتر انتهى سياسيا بعد هزيمته العسكرية، وتتشبث حاليا بحل سياسي يتقدمه رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح وتنكر علاقتها بـمرتزقة شركة "فاغنر" الذين توظفهم الإمارات وتوفر لهم رواتبهم الشهرية.
بل ذهبت موسكو أبعد من ذلك في مناورتها العسكرية فاستقبل وزير خارجيتها سيرغي لافروف، عقيلة صالح وأعلمته أنها تعمل مع الجانب التركي لوقف إطلاق النار في ليبيا وما عليه إلاّ قبول ذلك.
ويجري الحديث عن سيطرة "الفاغنر" على النفط، تحت غطاء ميليشيات حفتر، أي إعطاء الضوء الأخضر للروس وتمكينهم للتحكم في قوت الليبيين.

ومن المؤكد أن الولايات المتحدة لن تقبل الخطوة الروسية التي أعدّتها بمثابة الاعتداء المباشر على سيادة ليبيا وازدهارها، وبالتالي لا يمكن الوثوق في الدور الروسي، فهي التي تخلت عن زعيم النظام السابق معمر القذافي بعد الوعود بحفظ مصالحهم وشركاتهم، ومن الممكن إعادة نفس السيناريو، مع ما يروج منذ سنوات عن محاولات روسية لإعادة نجل القذافي سيف الإسلام، لواجهة المشهد الليبي بطريقة يضمن مصالحهم القديمة ويعيد ماء وجههم المفقود زمن الثورة.
كما أن استهداف قاعدة الجفرة مؤخرا يعبّر عن رسالة قوية أرادها الأتراك والوفاق إرسالها، مفادها أن التصعيد سيزيد من تحسين شروط التفاوض مقابل الرهان الروسي الفرنسي المصري على عقيلة صالح بدل حفتر بغطاء أمريكي للتقليص من الدور الروسي المتنامي والممتد للنفط.
وباتت الإدارة الأمريكية تراهن على الدور التركي كقوة عسكرية تحتل المرتبة الثانية في الحلف الأطلسي، يمكن التعويل عليها في مواجهة التواجد العسكري الروسي، مع عدم ثقة الأمريكان في قدرة فرنسا على هذا الدور الذي انفضحت فيه ببنغازي ثم غريان، خاصة مع إدراكها أن السلاح التركي تفوّق على السّلاح الفرنسي في جبهات القتال.

ب - مستقبل المتمرّد:
لم تعد فرنسا ولا روسيا على قناعة ببقاء، المتمرّد العسكري حفتر في صدارة المشهد ولم يعد "رجل ليبيا القوي"، كما كانتا تعتقدان حسب إعلام البلدين، وقد أدرك حفتر ذلك، فعاد مجددا إلى مسلسل التفويض بدعوى التظاهر "ضد التدخل التركي في ليبيا وانتصارا لقائد الجيش الوطني حفتر"، لكن تبيّن للجميع أن ذلك لا يعدو إلاّ أن يكون إعادة لنفس مسرحية التفويض الأولى منذ انقلابه قبل ستة أعوام، ثم المسرحية الثانية التي عمّقت الشرخ بينه وبين رئيس البرلمان عقيلة صالح عندما طالب حفتر باسقاط اتفاق الصخيرات. ناهيك عن فضيحة المظاهرات الأخيرة التي جرت تحت التهديد بعد انتشار فضيحة منع المحامية حنان البرعصي من الخروج من ساحة التظاهر.
كما يمكن فهم مبادرة دول الجوار، لرئيسي تونس قيس سعيد والجزائر عبد المجيد تبون في جزئية منها، ضمن إطار التخلّص من حفتر وإنهاء مشروعه، حيث أكدا على دور القبائل الليبية في الحل الليبي الليبي، والحاجة لشرعية جديدة في لعبة لإخراج حفتر والسراج والإبقاء على صالح، وهو الحل الذي يبدو بعيدا عن الواقع من زاوية نصرة الجانب الشرعي.
لقد اختفى حفتر من المشهد تقريبا ماعدا بعض الظهور الباهت الذي بدا فيه مجردا من الرتب العسكرية، بينما في إعلان القاهرة برز بمظهر المصلح بعد تخريب العاصمة، كما ظهر قبيل أيام بعد لقائه بطبرق وزير خارجية اليونان، الذي رحب بمبادرة عقيلة صالح لتشكيل مجلس رئاسي جديد.
ومع فشل حفتر في تحريك الشارع في بنغازي لدعمه، والإقناع بأنه ما يزال يحظى بتأييد قوي، كعادة حلف حفتر في إطلاق بالونات التخويف والترهيب، لجأوا مؤخرا، إلى مزاعم وجود تنظيم "داعش" وتوظيف الإرهاب، كما فشلوا من قبل في العدوان على طرابلس رغم توفر الفوضى حينها كبيئة للإرهاب يهرعون كما في كل خسارة عسكرية إلى تفريخ الفزّاعات، والآن مع رغبتهم في تجميد جبهة سرت ظهرت محاولات لزرع "داعش" في مدينة الزاوية غربا بمزاعم وجود خلايا نائمة لإبراز أحقيّتهم بمقاومة الإرهاب وصواب مهاجمتهم للمدن وقبل ذلك أحبطت قوات الوفاق محاولة تفجير في مصراتة في مخطط لإرباك المشهد السياسي وإدخال الفوضى بعد فشل ضم كل الغرب الليبي لمناطق سيطرة حفتر، وهاهم الآن يلجأون إلى الخطة "ب"، وهي بث الفوضى، إشاعة الإرهاب، تحريك خلايا المداخلة، اللعب على وتر الاغتيالات وزعزعة الاستقرار، بعد فشل اقتحام طرابلس، وخاصة بعد اعتراف المنتظم الدولي وعلى رأسه الأمين العام أنطونيو غوتيريش الذي أكد دعمه لـحكومة الوفاق الليبية، واستعداد المنظمة الأممية للمساعدة في الجهود المبذولة لضمان المساءلة حول المقابر الجماعية التي عثر عليها في ترهونة، مركز القوى الأجنبية المناصرة للعدوان على مدن الغرب بما فيها العاصمة.كذلك، بعد استئصال قوات البنيان المرصوص  لداعش منذ سنوات في سرت، ولا تعدو هذه التكتيكات إلا أن تكون عمليات استخباراتية تنفذها دول عسكرية مجاورة، وقد ثبت في الماضي وجود تعاون في هذا المجال.
ونذكر قبل ثلاث سنوات كانت سفارة إيطاليا قلب قوسين أو أدنى من تفجير عنيف لولا نجاح الأمن في تفجير سيارة عن بعد قبل وصولها لهدفها.
وكنتيجة لعدم الاطمئنان وانعدام الثقة في معسكر التمرد على الاتفاق السياسي، لحد الآن يبدو أن حكومة السراج قد حزمت أمرها نحو سرت والهلال النفطي وجنوبا نحو أوباري وفزان وحقل الشرارة لاقتلاع ورقة النفط، بالمناورة أو المشاورة مع تركيا أو بالحرب وبصندوق الذخيرة على حد عبارة الناطق باسم حفتر، فمن اكتسب ورقة النفط فقد قلب الطاولة على غريمه.
وستمثل سياسيًّا، عملية انتخاب ليبيا نائبا لرئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة للدورة الخامسة والسبعين التي تترأسها تركيا، ضربة قاسمة لمعسكر المتمّرد، سياسيا ومعنويا في نطاق حشد الدعم الخارجي للحكومة المعترف بها دوليا. لكن في انتظار ذلك ومع اخفاقات الجناح العسكري والسياسي لحلف حفتر، تبقى مسألة انتفاضة أهل برقة ضد حفتر واردة طالما أنه تخلّى عن الجميع، وتخلّى عنه الجميع، ماعدا  الامارات وحدها، لذلك ضغطت على السيسي لجمعهما عندما دعا ل"إعلان القاهرة" لوقف إطلاق النار، لكنها فشلت وها هي فرنسا تتنصل هي الآخر تاركة إياه وحده، كما ذكرنا آنفا.
وقبل الحديث عن أي بديل لحفتر فإن القوى المتخندقة في حلفه، لم يعد يهمّها سوى النفط، وهنا يمكن تصديق حديث البعض عن خبراء توجّه فرنسيين إلى منطقة راس لانوف بالهلال النفطي محمّلين بمعدّات سيطرة وتشويش منها طائرات بدون طيار ومنصّات دفاع جوّي كالتي تم تدميرها في قاعدة الوطية من طرف الوفاق، بهدف ضمّ مواقع النفط، وتقول جهات رفضت الكشف عن اسمها، إن أولئك الخبراء استقروا في فنادق وبعضهم في المنطقة السكنية براس لانوف، ومن هنا فلا غرابة أن تَقبل فرنسا قادم الأيام أو تشجّع أي دعوة تنادي بتقسيم ليبيا، وهي الفكرة الأسوأ المرفوضة من كل فرقاء الأزمة والمنطقة ككل، رغم تشجيع النظام في مصر على فكرة الفيدرالية، نظرا لمصالحه الضيقة في الشرق الليبي من ذلك توطين ملايين المصريين في واحة الجغبوب، ومطامع في الذهب الأسود، وهي معلنة وقد صرح بها السيسي من منبر الأمم المتحدة، هذا كله في انتظار موقف حكومة السراج من القبول باستئناف الحوار مع الرجل الجديد عقيلة صالح، الذي يبدو مقبولا من قبل رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري خلال تلميح مؤخرا، بقوله إن عقيلة منتخب شرعياًّ، مما يوحي بالقبول به لكن دون الجزم قبل استيضاح مواقف جميع الرؤى الأخرى، في ظل عزم أطراف على إيجاد ضمانات حقيقية من طرفي النزاع لتحييد النفط والمؤسسة الوطنية للنفط، والمصرف المركزي وحكومة في "منطقة خضراء" آمنة ومحصنة ترضي الطرفين ربما تكون في مدينة سرت المتنازع عليها حاليا والتي قامت قوات "فاغنر" بتلغيمها مثل جنوب طرابلس مع انتشار المرتزقة داخلها وفي المحطة البخارية وإقامتهم في مدينتها السكنية، مما ينذر بمعركة كسر عظام كبيرة إذا تم اقتحامها.

الخاتمة:
رغم موت حفتر عسكريا وسياسيا حسب معاملة داعميه السابقين له، لم ينقطع تمسك السيسي بخيط دخان، في المصالحة الأخيرة وإعلان القاهرة لإيجاد مخرج للرجل من ورطته الدولية عبر جمعه بعقيلة صالح، ثم كلمة السيسي في حشد عسكري على الحدود مع ليبيا للتهديد من مغبّة الاقتراب من سرت والجفرة، مما ساهم في جمود عسكري مستمر لليوم دون اعتبار قصف قاعدتي الوطية والجفرة كما تمت الإشارة، إلى ذلك تعمل حكومة السراج على إيجاد بديل حقيقي للحوار بعيدا عن التيار الفيدرالي الذي يدفع نحو التقسيم، وكما هو معلوم فرنسا خرجت من المتوسط ومن عملية مراقبة حظر السلاح على ليبيا لصالح تركيا، وهذا ما أعلنته باريس بعد حرب تصريحات كبيرة مع أنقرة، ثم تنصلت من دعم حفتر، والآن تركته مجرّدا من كل النياشين، بينما روسيا ماتزال تتمسّك بعقيلة كبديل أمام ضغط الإمارات، ومع انكسار الجمود العسكري مؤخرا حول محور سرت الجفرة، فمن المحتمل تحرّك تركيا قريبا نحو معاقل النفط، الورقة الضامنة والرابحة والمتحكمة في كل المشهد الليبي، كذلك فإن تغيّر الموقف الأوروبي وموقف الدول الأعضاء في مجلس الأمن باستثناء روسيا المالكة لحق النقض، صارت كل الدول تدعو للتسوية السياسية وإخراج المرتزقة الروس "الفاغنر" ووقف إطلاق النار ووقف التدخل الأجنبي، لكن هل ستقبل الوفاق الجلوس مع عقيلة بدل حفتر أم ستظهر مبادرات أخرى من دول أخرى داعمة تعيد تدوير حفتر أو ربما تطرح خيارا جديدا.

مختار غميض (صحفي تونسي)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك