القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

ليبيا في عين العاصفة بين  الثورة و العسكرة و التّقسيم

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2016-10-07 09:49:09 | 25 مشاهدة


ملخص :
منذ اندلاعها في فبراير 2011، تبدوالثورة  في ليبيا في مفترق طرق حقيقي  لا يبد ان يُفضي بها الى احد النّجديْن  : إمّا    انتصار خط الثورة وبناء  الدولة الليبية على أسس جديدة تقطع مع موروث الاستبداد وتنفتح على مرحلة البناء الديمقراطي المتجذر في بيئته العربية الاسلامية،  وإمّا الخضوع  الى منطق  الثورة المضادة، كغيرها من البلدان التي تعثرت  فيها  خطوات الربيع العربي، و تهوي الى وهدة  تقسيم البلاد إلى دولتين واحدة في الغرب والأخرى في الشرق.أطراف  الصراع في البلاد خطّان متوازيان لا يلتقيان مشروعا وفكرا :  خط فبراير الحاسم في القطع مع ماضي الدولة الإستبدادي والحالم ببناء دولة القانون والمؤسسات وما تحمله هذه الدولة من آفاق رحبة اقتصاديا وثقافيا، و خط الثورة المضادة الذي يحمل  مشروع عسكرة الدولة على النموذج المصري  الذي يلقى سندا وظهيرا  من قوى إقليمية أساسا ومن بعض القوى الدولية التي تخشى انتصار التيار الإسلامي.  ليبقى الاتفاق السياسي المعلن عنه في "الصخيرات"  بالمغرب،و هو اهم ما اجترحته القوى السياسية والديبلوماسية الاممية لرتق الفتق بين المتنازعين في ليبيا ،محل جدل من جديد، مربكا للحكومة والاستقرار  وفاتحا البلاد على غوائل عديدة.

 
مقدمة :   
ليس من المبالغة اعتبار  ثورة فبراير في ليبيا تمر بأخطر مرحلة في تاريخها من 2011 الى اليوم . فالبلاد على مفترق طرق إما أن ينتصر خط الثورة وتبنى الدولة الليبية على أسس جديدة تقطع مع موروث الاستبداد وتنفتح على مرحلة البناء الديمقراطي المتجذر في بيئته العربية الاسلامية،  وإما أن تنتصر الثورة المضادة ويعود حكم العسكر على الشاكلة المصرية وتغرق البلاد من جديد في أتون الإستبداد . أو أن يتم تقسيم البلاد إلى دولتين واحدة في الغرب والأخرى في الشرق. فالصراع الآن تجلى في أبرز ملامحه وانحصر بين قوتين، وكل مظاهر الصراع الأخرى هي توابع وارتدادات. وحتى الصراع مع تنظيم الدولة تحول إلى صراع ثانوي, الغاية منه إضعاف أحد الطرفين المتصارعين أو شله عن الحركة والفعل. والقوتان أو الخطان اللذان انحصر الصراع بينهما هما خط فبراير الحاسم في القطع مع ماضي الدولة الإستبدادي والحالم ببناء دولة القانون والمؤسسات وما تحمله هذه الدولة من آفاق رحبة اقتصاديا وثقافيا، وبين خط الثورة المضادة الذي يحمل مشروعا متكاملا يراد فرضه بقوة السلاح وهو مشروع يريد عسكرة الدولة على النموذج المصري . ويلقى هذا المشروع دعما لامتناهيا من قوى إقليمية أساسا ومن بعض القوى الدولية التي تخشى من انتصار تيار الإسلام السياسي الذي هو مكون أساسي في خط الثورة .فمن هما طرفا الصراع الأساسيان؟ وما علاقة هذا الصراع بما يجري في العالم وفي الإقليم.؟ وما السيناريوهات المتوقعة لهذا الصراع؟
أطراف الصراع في ليبيا:
الناظر للمشهد الليبي من بعيد يتصور أن البلاد في حالة حرب أهلية وأن الأطراف المتصارعة عديدة ومتنوعة. ولكن الواقع مخالف لهذه القراءة ، حتى وإن بدا للمتابع أن مناطق النزاع متعددة وأن الأطراف المتصارعة متنوعة. فالصراع في ليبيا اليوم انحصر بين قوتين أو تيارين أو بالأحرى بين مشروعين: مشروع الثورة المبني على مبادئ فبراير ويضم كل الثوار المؤمنين به من سياسيين وعسكريين وبين مشروع الثورة المضادة الذي  يقوده خليفة حفتر تحت عنوان" عملية الكرامة" وتسانده قوى أخرى في الداخل لها مصلحة في إضعاف خط فبراير، وأعني بهم أنصار النظام السابق الذين مازالوا يأملون في العودة إلى تصدر المشهد والانتقام من تيار الثورة الذي أنهى جماهيرية القذافي رغم أن قطاعا عريضا من هذا التيار في الداخل الليبي بدأ يتصالح مع الواقع الجديد ويؤمن أن مرحلة القذافي انتهت ومن المستحيل إعادة إحيائها. .وأنصار القذافي المساندين لحفتر أغلبهم موجودون في الخارج وهم من تضرروا من الثورة، و هؤلاء يملكون أرصدة كبيرة في الخارج يوظفونها في الصراع الداخلي. ولكن المغذي الحقيقي للثورة المضادة ليست  تنظيمات أو قوى داخلية وإنما هي دول تراهن مراهنة كاملة على خليفة حفتر لإنهاء الثورة وحكم البلاد بقوة العسكر وهذه الحركة اليوم في أوج قوتها وما التمدد الأخير لحفتر إلا دليل على ذلك.
والسؤال الملح اليوم إلى أين تسير البلاد على ضوء موازين القوى في الداخل والخارج لكلا الطرفين المتصارعين؟
المتابع للمشهد الليبي لا يخفى عليه ما طرأ على الساحة من تطورات عسكرية وسياسية في المدة الأخيرة  وتصب في مجملها لصالح الجنرال خليفة حفتر الذي يقود مشروعا انقلابيا على قيم ومبادئ ثورة فبراير مستغلا في ذلك حالة الترذيل الشامل للثورة والثوار وحالة التشتت الذي يعرفها معسكر الثورة نتيجة جملة من العوامل. ولكن قبل ذلك من هو خليفة بلقاسم حفتر؟ ومن هي القوى التي تدعمه في الداخل والخارج ؟ وإلى ما يطمح هذا الجنرال؟
عملية الكرامة او مشروع الثورة المضادة :
خليفة أبوالقاسم حفتر هو من الضباط الذين صاحبوا القذافي في انقلابه على الملك إدريس السنوسي سنة 1969.وارتقى في سلم المراتب العسكرية إلى أن بلغ رتبة عقيد . وقاد الجيش الليبي في الحرب العبثية التي شنها القذافي ضد تشاد سنة 1987 والتي انتهت بتدمير الجيش الليبي وأسر القائد خليفة حفتر في معركة وادي الدوم الشهيرة. وبعد أن قضى 4 سنوات في الأسر سلمته تشاد الى أمريكا حيث طلب حفتر اللجوء السياسي هناك وبالتحديد في ولاية فرجينيا . وكان على علاقة متينة بالمخابرات الأمريكية التي استعانت به في خلافها مع القذافي. ثم عاد إلى ليبيا بعد الثورة وتحديدا إلى بنغازي وأراد أن يقود جبهة البريقة أيام حرب التحرير ولم يتمكن من ذلك لوجود اللواء عبد الفتاح يونس في قيادة القوات في المنطقة الشرقية. ويقال أن خليفة حفتر هو من وراء اغتيال عبد الفتاح يونس ليحظى بالقيادة العامة . والأيام ستبين من وراء اغتيال اللواء عبد الفتاح هل هو حفتر أم غيره؟
إن عديد المهتمين بشخصية حفتر يقولون أنه عسكري يعيش عقدة الهزيمة التي لم تفارقه من أيام حرب تشاد وهو يسعى لاسترداد شرفه العسكري ومستعد أن يذهب في سبيل ذلك إلى النهاية. والآن هو يقود " عملية الكرامة "التي انطلقت سنة 2014  في بنغازي بعد فشله الذريع  في الإنقلاب على حكومة علي زيدان في بيانه الشهير على قناة العربية والذي فر على إثره من طرابلس إلى المنطقة الشرقية. فما مشروع هذه العملية؟ وكيف استطاعت التمدد شرقا وغربا؟
ركزت "الكرامة"  استراتيجيتها في البداية على العمل الاستخباراتي المحترف فقد هيأت الرأي العام المساند لها حاليا عبر التحرك على ثلاثة مستويات: المستوى الأول الاغتيالات السياسية في مدينة بنغازي عاصمة الشرق الليبي وكبرى مدن إقليم برقة وإلصاق تهم الإغتيالات بثوار فبراير عبر الضخ الإعلامي اليومي. وتعمل هذه القنوات بانسجام تام وتركز على نفس الملفات مما مكنها من ترسيخ أمرين في عقل المواطن الليبي : الأمر الأول أن الثوار هم من وراء الاغتيالات والأمر الثاني هو ترذيل ثورة فبراير على اعتبار أنها جلبت الويلات لليبيا. والمستوى الثاني من استراتيجية العمل هو تلميع صورة العسكري خليفة حفتر قائد عملية الكرامة وإبرازه في صورة المنقذ والقائد الذي نذر نفسه لمحاربة الإرهاب. وقد نجحت على هذا المستوى إلى حد كبير خاصة في المنطقة الشرقية حيث النفوذ القبلي الكبير . والمستوى الثالث من استراتيجية الكرامة هو تجنيد قادة القبائل وأعضاء البرلمان والإعلاميين ونشطاء المجتمع المدني عبر سياسة الترهيب والترغيب واستعملت معهم حتى الأساليب الإستخبارية القذرة كوسيلة من وسائل الضغط . وقد نجحت هذه الإستراتيجية في جعل قادة القبائل ومختلف النشطاء من سياسيين وغيرهم أدوات في يد حفتر يوظفهم بالشكل الذي يخدم مصلحته . بل تحول إلى الحاكم الفعلي للمنطقة الشرقية بدون منازع.
في هذه المرحلة استطاع حفتر أن يجند الآلاف من شباب قبائل برقة وورطهم في حرب مع أبناء مدينة بنغازي من الثوار. وكانت حصيلة سنتين من عملية الكرامة موت أكثر من إثني عشر ألفا من الشباب الذي معه وتدمير جزء كبير من مدينة بنغازي والأخطر من كل ذلك هو تدمير النسيج الإجتماعي  في جل إقليم برقة وخاصة بنغازي مما يستوجب عقودا من الزمن لإعادة ترميم ما أفسدته الكرامة. كل هذا تم قبل أن يتم التوصل إلى اتفاق الصخيرات الذي مثل منعرجا كبيرا في مراحل الصراع في ليبيا .ذلك أن هذا الإتفاق قد وأد كل احلام حفتر في أن يكون جزء من العملية السياسية يمكنه في النهاية من بلوغ هذفه النهائي وهو حكم ليبيا في إطار استراتيجية متكاملة تشرف على تنفيذها دولتا مصر والإمارات، بمباركة من بعض القوى الإقليمية والغربية التي ترى في حفتر ورقة جاهزة للتوظيف متى استوجب الأمر ذلك تماما كما تستعمل داعش عند الضرورة.
بعد اتفاق الصخيرات الذي أقصى حفتر من المشهد تغيرت كل استراتيجية عملية الكرامة أو مشروع الثورة المضادة ليمر إلى السرعة القصوى قبل التمكين لحكومة الوفاق الوطني الذي يعرف أداؤها ضعفا كبيرا إلى حد الشلل نتيجة تردي الأوضاع في البلاد على كل المستويات.لقد أدرك حفتر وداعميه ومن ورائه مصر والامارات أن الزمن لم يعد في صالحه. وأن الأمور تسير نحو التمكين لقوى الثورة التي افتكت منه ورقة محاربة الإرهاب بعد أن شارفت عملية سرت على نهايتها في القضاء على تنظيم داعش، وهو ما لم يكن متوقعا من أكثر الإستراتيجيين تفاؤلا وأن الشرعية اليوم هي شرعية الإنجاز على الأرض، فالقوي اليوم من يفرض نفسه على الأرض. هذه الحقيقة تم التفطن لها من داعمي حفتر ولم يبق أمامهم لإنقاذ الموقف إلا ورقة النفط وهي أغلى الأوراق على الإطلاق وأشدها تأثيرا على رسم السياسات، وتحديد الإستراتيجيات فيما يخص الملف الليبي وأساسا من القوى الدولية الفاعلة المعنية بالشأن الليبي والتي لها مصالح كبيرة في هذا البلد الغني والواعد مستقبلا باستثمارات كبرى في النفط والإعمار. إن عملية السيطرة على الموانئ النفطية ليس أمرا هينا وحفتر لا يستطيع السيطرة عليها بإمكانياته الذاتية بل لا يستطيع مجرد التفكير في ذلك إن لم يكن مدعوما دعما كاملا من دول بعينها. فالعملية بحجمها هي عمل دول وليس عمل تنظيمات داخلية، فقد صدمت العملية كل مناوئي حفتر في الداخل بل صدمت حتى بعض المقربين منه من القوى الغربية. وقد تمت  بحرفية كبيرة حيث تم التمهيد لها في الخفاء عبر العمل الإستخباراتي المحترف لتتم بأسرع وقت ممكن وبأقل الخسائر ولتغير عديد المعادلات في الداخل كما سيأتي لاحقا.  فالهدف من العملية هو فرض سياسة الأمر الواقع  وإعادة خلط الأوراق والضغط على الأطراف الفاعلة في المشهد سواء في الداخل أو الخارج ليكون الجنرال حفتر جزء من المشهد. والسؤال ما تداعيات هذه العملية على الداخل الليبي وما تأثيرها على مواقف الدول الغربية في علاقتها بالملف الليبي؟
التداعيات الداخلية والخارجية لعملية الهلال النفطي:
داخليا، أكدت هذه العملية أن اتفاق الصخيرات بما حمل من مخرجات لها وعليها يبقى مجرد حبر على ورق، وأن حكومة الوفاق بدون ذراع أمني وعسكري لن تتمكن من فرض خياراتها بل ستكون كالريشة التي تتقاذفها رياح العواصف السياسية والعسكرية دون أي قدرة على الفعل والتأثير. وهذا ما سيزيد في تأزيم الأوضاع الداخلية، وربما ينذر بحرب شاملة وفاصلة يكون فيها للخارج دور كبير في دعم الأطراف المتصارعة على الأرض. ورغم أن هذا السيناريو مستبعد في الوقت الحالي، إلا أن هناك مؤشرات تنذر بذلك وأهمها الأطماع الإقليمية في النفط الليبي الذي تراه مصر بالتحديد المخرج لنظام السيسي من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها.. والسيسي كما حفتر سيذهبان إلى النهاية في محاولة السيطرة على البلاد إذا لم يحدث مستجد داخلي أو خارجي يضع حدا لهذا الطموح المحموم. كما أثبتت هذه العملية أمرا مهما جدا وهو حالة التفرق والخلاف الذي يعرفه معسكر الثورة. فما كانت هذه العملية لتتم لو أن الثوار موحدين في مواقفهم ورؤاهم، فحفتر استغل مجموعة عوامل ليحقق ما حققه. ومن هذه العوامل انشغال مصراته قوة الثورة الضاربة في معركتها ضد داعش في سرت والخلافات التي تشق الثوار في شرق البلاد وغربها وجنوبها . فرغم أن حفتر لا يملك شيئا أمام القوة التي يملكها ثوار فبراير سواء في العنصر البشري أو في السلاح أو في الانتشار داخل ليبيا الا أن عامل الخلاف والإنشغال بمسائل أخرى بعيدة عن هموم الوطن هو الذي جعل حفتر رغم قلة جنوده يتمكن من السيطرة على شريان الحياة في ليبيا وسط ذهول الثوار وحيرتهم. كما أثبتت هذه العملية أن دار الافتاء ربما هي الجهة الوحيدة داخل تيار الثورة من يملك رؤية واضحة لطبيعة الصراع في ليبيا. فهي الجهة التي نبهت من مدة طويلة أن المعركة الحقيقية في بنغازي وليست في أي مكان آخر في ليبيا. وهي اليوم الطرف الوحيد الذي دعا إلى حملة رص الصفوف ضد مشروع حفتر الذي  يسعى إلى عسكرة البلاد على طريقة السيسي في مصر. كما أثبتت العملية أن ثوار ليبيا يفتقرون إلى المشروع السياسي الذي يوحدهم. وكان عديد النشطاء السياسيين ومنهم المفكر والسياسي الليبي "محمد عمر حسين بعيو"  قد نادى منذ أكثر من سنتين إلى ضرورة تشكيل المجلس الأعلى لثوار ليبيا ليكون الجهة التي تمثل الثوار في مخاطبة العالم وفي تسويق مشروعهم السياسي والحقوقي في الداخل والخارج. واليوم هناك حراك مهم في هذا الاتجاه بعد أن اقترب الخطر كثيرا وأصبح يهدد كل مكتسبات الثورة.
الأمر الآخر الذي أثبتته العملية أن قوات حفتر تعمل وتتحرك تحت قيادة موحدة عسكريا وسياسيا وهو ما جعل منها قطبا وازنا في البلاد. وهذه ميزة لفائدة حفتر بقطع النظر عن أسلوب السيطرة والتحكم في هذه القوات. وهذا العامل جلب له عديد الأنصار في ليبيا  ذلك أن واقع التمزق والتشرذم وانتعاش ظاهرة الميليشيات قد أصبح يهدد وحدة البلاد وتحول الواقع إلى كابوس يرعب المواطن الذي لم يعد يشعر بالأمان. فالناس اليوم أصبحوا يطلبون الأمن بقطع النظر عن الجهة التي تحقق لهم هذا المطلب .وتأخر بناء مؤسستي الجيش والشرطة يصب في صالح مشروع حفتر ، رغم أن عدد العسكريين في قواته لا يتجاوز  13% بالمائة من مجمل ما يملك من مقاتلين.
ويرى عديد المتابعين للشأن الليبي اليوم أن ثوار فبراير إذا لم يرصوا صفوفهم تحت قيادة موحدة فإنهم لن يستطيعوا التصدي لمشروع حفتر ولن يفرضوا أنفسهم كقوة على الأرض أمام  العالم الذي لا يحترم إلا القوي. والفرصة لازالت متاحة أمامهم لقلب المعادلة من جديد خصوصا بعد إعلان تحرير سرت وتفرغ قوات الثوار لبقية التحديات التي تواجه البلد ومنها مشروع الثورة المضادة الذي يتحرك بالسرعة القصوى.
الحدود القصوى لعملية الكرامة في ليبيا:
إن الهدف الأقصى الذي  يسعى إليه حفتر هو حكم ليبيا في تحد لكل الترتيبات الدولية التي تريد الدول الكبرى إرساءها في المنطقة العربية ومنها ليبيا. إن النظام المصري الذي يعيش أزمة اقتصادية غير مسبوقة والذي فقد الكثير من الدعم الدولي الذي كان يحظى به لم يبق  أمامه إلا الثروة الليبية الذي ينظر إليها بنهم شديد. وقد وجد ضالته في الجنرال حفتر المتعطش للسلطة والمستعد لتقديم كل شيئ لمن يساعده في الوصول إلى حكم ليبيا. وأقدر أن الرجلين اليوم متحدان في المسار والمصير. فحفتر لن ينجح في مشروعه دون السيسي. والسيسي لن يبقى في السلطة إذا لم يتمكن من نفط ليبيا. والإمارات لم يعد بوسعها تمويل الموازنة المصرية التي لم ينقذها أكثر من 12 مليار دولار تم ضخها على امتداد ثلاث سنوات. فالسيسي في حاجة إلى مغامرة ولو كانت غير محسوبة لأن مستقبله السياسي في الميزان. وحفتر لم يعد بوسعه العودة إلى الوراء لأنه يدرك حجم ما أحدثته الكرامة من خراب في ليبيا وما ارتكبته من جرائم في حق الليبيين وأن فشل مشروعه يعني ملاحقته كمجرم حرب إن لم يكن في ليبيا فلدى محكمة الجنايات الدولية. هذا الواقع هو ما دفع بالرجلين إلى المضي إلى آخر المطاف في المغامرة متحدين كل الإرادات الداخلية والدولية. ولم يبق لهما من داعم حقيقي إلا  الإمارات وإسرائيل. فالإمارات لها مصلحة في إنهاء مظاهر الثورة في كل الأقطار العربية وإسرائيل ترى في السيسي الحليف الاستراتيجي الذي لا يجود به الزمان إلا نادرا وهي لن تتنازل عنه تحت أي ظرف . ولولا اسرائيل لما عمر السيسي كل هذا الوقت في مصر لأنه أصبح عبئا ثقيلا على المشروع الغربي الذي لم يعد يحتمل دكتاتورا فاشلا على شاكلته.
والسؤال هل سيتمكن حفتر من تحقيق حلمه في ليبيا؟ إن حفتر لن يتمكن من حكم ليبيا فلا الداخل الليبي يسمح له بذلك ولا القوى الدولية مستعدة لأن تسلمه بلدا غنيا مثل ليبيا. فعلى المستوى الداخلي الرجل مرفوض في الغرب الليبي حيث الثقل الديمغرافي وحيث القوة الحقيقية للثوار. والمعادلة الداخلية ستتغير بمجرد التفرغ من ملف سرت. كما أن المصالحات الجارية في الغرب الليبي بين مختلف الفرقاء ستغير العديد من المعطيات على الأرض وستجعل القوى الدولية الفاعلة تعيد حساباتها من جديد لأن الثوار أدركوا اليوم أنهم إذا لم يستعيدوا وحدتهم وإذا لم يتصالحوا مع مخالفيهم في المنطقة الغربية فإن حفتر سيبتلع كل شيئ . وهذه النهاية بالنسبة للثوار دونها الموت. كذلك حفتر يدرك أن الوصول للسلطة في ليبيا ليس أمرا هينا مهما كان شكل الدعم الخارجي الذي يحظى به. ولذلك هو لم يقدم على تجاوز حدود إقليم برقة بعد سيطرته على الموانئ النفطية وذلك لأمرين أساسيين : الأول أن حفتر لا يمتلك قوة كافية تمكنه من خوض حرب ضد ثوار فبراير، والثاني هو الفيتو الدولي وخصوصا من إيطاليا التي لن تسمح له بالتمدد غربا.
والسيناريو الممكن أمام حفتر اليوم هو فرض نفسه كقائد عام للجيش الليبي أو وزيرا للدفاع خصوصا وأن هناك عناصر في المجلس الرئاسي مستعدة لدمجه في المشهد بتعلة التوافق ومنها فايز السراج الواقع  تحت ضغوط شديدة من الإمارات وفرنسا وربما جهات أخرى تدعي مساندتها للإتفاق السياسي، رغم أن روح الاتفاق ترفض حفتر باعتباره شخصية جدلية لا يمكن التوافق حولها .ولكن الثابت في ما يخص هذه النقطة أن الثوار لن يقبلوا بحفتر في المشهد تحت أي ظرف  وهو ما سيؤدي إلى الإحتمالات التالية : أولها انهيار اتفاق الصخيرات ودخول البلاد في مرحلة اقتتال جديدة قد تحصد من الأرواح  أكثر مما حصدته مرحلة الخمس سنوات السابقة. وهذا السيناريو يضر كثيرا بمصالح القوى الغربية الفاعلة وستعمل جاهدة على تثبيت اتفاق الصخيرات لأنه أقصى ما يمكن الوصول إليه في ليبيا بعد أن ثبت أن الليبيين عاجزين عن الوصول إلى حل داخلي أي حل ليبي –ليبي ومؤتمر نالوت الأخير خير دليل على ذلك..الإحتمال الثاني الضغط على دولتي مصر والإمارات لتجفيف منابع قوة حفتر لأن سقف طموحه غير واقعي. فالرجل رافض  لكل مخرجات الصخيرات وغير معترف بالمجلس الرئاسي وبحكومة الوفاق. وهذا يتصادم مع الاستراتيجيات الدولية وخاصة مع أمريكا التي تسعى إلى ترتيب الأوضاع على طريقتها و إلى تقريب وجهات النظر بين حليفيها إيطاليا وفرنسا. والجميع ينتظر الإنتخابات الأمريكية وما ستفضي إليه النتائج. والمواقف  الأخيرة "لهيلاري كلينتون "الأوفر حظا في الفوز بالانتخابات تنذر بمواقف حاسمة تجاه السيسي وتسعى إلى حل ينهي الإقتتال في ليبيا مما يعني إضعاف حفتر وربما إنهاء مشروع عملية الكرامة بعد أن ثبت استحالة تحقيقه سواء بالقوة العسكرية أو بالمفاوضات السياسية..والإحتمال الثالث هو تقسيم البلاد. وهذا الإحتمال هو الأقرب والمزاج العام في ليبيا أصبح مستعدا لتقبل مثل هذا الأمر وحفتر في النهاية سيكتفي بحكم برقة وهو إقليم غني بالنفط ويحقق له طموحه في الحكم وستكون مصر حليفه الإستراتيجي والقوة التي ستحميه من تهديد الجهة الغربية. ولكن هل سيقبل أحرار ليبيا بفرض التقسيم . قطعا لا, إلا إذا تحول هذا السيناريو إلى حل دولي يراد فرضه بالقوة كخيار نهائي لإنهاء النزاع في البلاد.
إن الوضع في ليبيا صعب جدا وعلى غاية من التعقيد والأطراف المتدخلة في الملف متعددة ومتناقضة في رؤاها وتوجهاتها .ويبقى التدخل المصري والإماراتي هو الأخطر لأن غايته ليس البحث عن حل وإنما فرض أمر واقع على الليبيين. وبالنسبة  الى بقية القوى الغربية فإنها تسعى للحفاظ على ليبيا موحدة تحت قيادة حكومة منفتحة على العالم ولا تمثل خطرا على مصالح القوى الكبرى وهذا الموقف تدعمه إيطاليا وأمريكا بالأساس. وحفتر بالنسبة لهاتين الدولتين حتى وإن تمدد على الأرض وأصبح يمثل رقما صعبا فإنه سيظل بالنسبة لهما جزء من المشكل وليس جزء من الحل على خلاف فرنسا الذي تسعى لفرضه في الإتفاق السياسي خصوصا بعد سيطرته على الهلال النفطي لأن فرنسا لها مطامع في الجنوب الليبي الذي يوصلها بعمقها الحيوي وهي دول جنوب الصحراء مالي وتشاد والنيجر.وهي تراهن على حفتر في أن يمكنها من هذا المجال الحيوي في الجنوب الليبي. واجتماع باريس الذي انعقد  في العاصمة الفرنسية(3\10\2016)كان في اتجاه التحشيد لفرض حفتر في المشهد. إلا أن هذا الإجتماع الذي لم يتم الإعداد له بشكل جيد، عرف فشلا ذريعا ذلك أن أغلب الجهات الفاعلة والمعنية بالملف الليبي قد قاطعته لأن جدول أعماله يصب في اتجاه واحد ولايساعدعلى الحل و بالنسبة لروسيا، وإن أعلنت أنها مع الإتفاق السياسي وضد تزويد اي جهة بالسلاح إلا أن عينها تبقى على ليبيا فهي تدرك أن السيسي وحفتر قد يلتجئان إليها في صورة تعرضهما لضغوط غربية شديدة. كما أنها تهدد بالتدخل المباشر في  الملف الليبي في صورة إصرار الأمريكان على الضغط على النظام السوري والتهديد بالتدخل العسكري المباشر ضد قوات الأسد.
خاتمة:
سيظلّ الملف الليبي محل تجاذبات دولية إلى حين إجراء الإنتخابات الأمريكية في  شهر نوفمبر القادم حيث ستنزل أمريكا بثقلها في الملف وستفرض التسوية مع حلفائها بشكل سلمي، وهذا في صورة فوز "هيلاري كلينتون" التي تمثل سياسة الحزب الديمقراطي. وفي صورة فوز " دونالد ترامب" فقد تتأزم الأوضاع بشكل أكبر وقد يشتعل فتيل الاقتتال من جديد ذلك أن " ترامب " يعتبر السيسي حليف مهم في المنطقة وهو ما سينعكس بشكل مباشر على الساحة الليبية..وعلى القوى الوطنية في ليبيا أن تنتبه لمجمل السيناريوهات الممكنة وأن تبني استراتيجية عمل موحدة سياسيا وعسكريا لإنقاذ بلدهم مما يطبخ لها في الغرف المغلقة.
 
المهدي ثابت
عن مركز الدراسات الاسترتيجية والديبلوماسية.
 
 
 
 
  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك