القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

لماذا قدّم بورقيبة مجلة الأحوال الشخصية عن الإجابة عن سؤال "هل نحن مستقلون؟"

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-09-10 11:09:00 | 141 مشاهدة

               

    ملخص:

يستمد خطاب "تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة" مشروعيته التاريخية من "عهد الأمان" و"دستور الاستقلال" و"دستور الثورة التونسية" بيد أنّه يقدّم "مجلة الأحوال الشخصية" أهمّ وأبرز محطّة تمّ البناء عليها، والأغرب أنّ الخطابات المضادة تستند على المجلة ذاتها. بعيدا عن تحليل مضمون مجلة الأحوال الشخصية، هل أدرك "المبدعون" للتقرير ومعارضيهم الوضع العام الذي تنزل في إطاره مشروع مجلة الأحوال الشخصية ظهورا وبداءة، إنّ الإشكالية التي نحن بصددها هي غياب طرح سؤال محوري : لماذا تم التشريع بإنجاز هذه المجلة في هذا الحيز التاريخي بالذات ؟

مقدمة:

يتوجّب فحص السياقين للخطاب بشكل متواز ومتلازم للإجابة عن سؤال: لماذا كان يوم 13 أوت 1956 ، تاريخا  لإصدار المجلة المذكورة ؟ حيث لم يمر على "الاستقلال" خمسة أشهر، وفي الوقت الذي تعتبر هذه الفترة وإلى حدود معركة الجلاء، مرحلة الحزر بمفهوم العلوم السياسية حيث تتصف المرحلة بالتدني الأخلاقي الناتج عن التصفيات الداخلية، أي العنف بين أجنحة العمل الوطني لصالح المستعمر؟ فهل إن الإصلاح في مستوى المسألة الاجتماعية وبهذه السرعة حتمته أولويات المرحلة ؟ هل كان طلبا اجتماعيا ملحا وأكيدا، بحيث يسمح بالتغطية على أولويات أخرى على رأسها إتمام عملية التفاوض من أجل الاستقلال التام ؟ هل تنم الإصلاحات على حس إصلاحي عال للزعيم الفذ، كما سوقها هو نفسه وصورتها بعض الدراسات() ؟ هل كانت مجلة الأحوال الشخصية ثمرة دولة "الاستقلال" أم إنها مشروع بورقيبي غايته البحث عن دولة تمارس شكلا مكبوتا من السيادة على الجسد الاجتماعي خارج المفاوضات المعطلة ؟

-1- الخطاب السياسي من "استقلال" غامض إلى البحث عن دولة:

خولت وثيقة الاستقلال، اختيار بورقيبة من قبل مجموعة صغيرة -غير منسجمة بشكل كامل- تتألف من: الباهي الأدغم (الكاتب العام للحزب) وأعضاء من الديوان السياسي هم: علي البلهوان وأحمد التليلي، والطيب المهيري، والفرجاني بلحاج عمار، وأحمد بن صالح (اجتماع بمركز الديوان السياسي بنهج روما، أفريل 1956)  وهو ما مكّن بورقيبة أن يكون رئيسا للحكومة، وأن يتحدث باسمها بل باسم الشعب والوطن. وكان الزعيم يدرك جيدا أنّ "الاستقلال" رهن وثيقة يلفها الغموض من كل جانب، بل لقد صرح في مؤتمر النصر 1959 بأنه أدرك ذلك مبكرا ، وكان يعول على ذلك الغموض، لخوف يلازمه من الأطــراف المتشددة داخل الحكومـة والبرلمان الفرنسيين، والحقيقة أن هؤلاء مازالوا يحظون بوزن لا يستهان به داخل المؤسسات السيادية لفرنسا الاستعمارية. من هنا تبرز سلطة الوثيقة بصفتها سلطة نصيّة تلعب الفراغات دورا هاما فيها، ويمثل الغموض في بنيتها ومضامينها، دور السياقات الخطابية الأكثر خطورة، وقد ترجم بورقيبة ذلك، في كلمة افتتاح مؤتمر النصر يقول: "وقد اضطررت إلى قبول هذا الاستقلال الغامض، لأنه بدون غموض لا سبيل إلى الاستقلال ، ولأن البرلمان الفرنسي لم يكن ليصادق عليه بدون غموض" ، لكن هل كان هذا الغموض النصي المتعمد من قبل محرريه الفرنسيين، المطروح على طرفي العقد: الطرف الفرنسي والطرف التونسي، يحمل الغموض ذاته لدى الممضين عليه ؟

-2- الاستقلال: غموض المفهوم وارتباك المسار السياسي:

يبدو أنّ بورقيبة كان يعول على بعض المؤشرات، التي قد تكون وصلته على شكل إشارات، توحي بإمكان العثور على المخرج في نهاية الطريق، لأجل ذلك عول الزعيم على البياضات داخل نص "الاستقلال"، لعلها تفتح تلك الفجوات المهيأة للتسلل من خلالها ، يقول بعد تباعد الزمن عن تلك المرحلة ولم يأت الفرج بالجلاء بعد "أذكر أنه عند تحرير الفقرة الخاصة بالدفاع المشترك في باريس دعاني الأمر إلى المطالبة بالرجوع إلى السطر للتفريق بين تلك الفقرة وبين الفقرة الهامة المتعلقة بالجيش التونسي". لكن ماذا تستطيع السياقات الخطابية، التي رسم الزعيم بورقيبة بعض بنيتها وفراغاتها فعله، في السياق السياسي العام، للممارسة الخطابية التفاوضية حين تنص على أن "تبقى فرنسا مشرفة على الجيش وعلى السياسة الخارجية ولمدة عشرين عاما على الشرطة" .

يبدو أن بورقيبة لم يكن يمارس لعبة الغموض التي تحدث عنها، مع متشددي فرنسا من أعضاء البرلمان والأطراف المحسوبة على المعمرين في فرنسا فحسب، بل مع متلقيه التونسيين المؤيدين والمعارضين لسياسته. لقد ظل يتحدث في خطاباتها المتراوحة بين 12 أفريل تاريخ أول خطاب وهو لا يحمل آنذاك صفة رئيس حكومة بشكل رسمي و24 ماي من سنة 1956 عن "استقلال" تم تحقيقه، موهما مستمعيه المباشرين المؤيدين له، وأولئك المسترقين للسمع من المعارضين، بهدف بعث الاطمئنان وزرع الأمل، بوجود مخرج في آخر النفق، بقصد واضح لتحقيق حالة من الارتخاء العام يترتب عنها تحقيق أهم الشروط المفروضة من المانح الفرنسي المتعلقة بتحقيق الأمن ، وضمان سلامة الفرنسيين المقيمين بالبلاد التونسية. والواقع أن مسألة الأمن هذه تأخذ أحيانا الأولوية الأولى في المسارات الخطابية لبورقيبة. لكن المؤكد أن المسألة المتعلقة بالمرأة لم تكن تعني شيئا في سلم الأولويات السياسية للزعيم ولا هي من انشغالات الرأي العام مطلقا، أما أولئك المقربون منه فقد فوجئوا كغيرهم بالإجراء في تلك المرحلة الانتقالية. فما الذي غير بوصلة الخطاب والسلوك السياسيين للزعيم هذا التغيير الانقلابي ؟ في حين أنه وفي أحسن الحالات بإمكانه تقديم أولويات أخرى، هي ملفات عالقة على مكتب رئيس الحكومة الجديد، إذ لا نعد أولها المسألة الاقتصادية، ولا آخرها المسألة الأمنية التي يظل الوجود العسكري الاستعماري، هو الفاعل والمستفيد من خلط أوراقها ؟

إنّ المسألة المركزية لخطابات الرئيس من 25 ماي إلى 18 جوان (1956) ، ظلت مسألة الوعد بإتمام المفاوضات مع فرنسا لتحقيق "الاستقلال التام"، بل إن بورقيبة كان يبدو أحيانا ممتلئا ثقة في أنه لن يعود من رحلته الفرنسية إلا وقد أنهى مهمته تلك بالنجاح يقول "نستأنف المفاوضات التي ستضبط علاقتنا مع فرنسا وخاصة في ميدان الدفاع وإن شاء الله تكون سارة ". بيد أنّ رحلة المفاوضات المضنية، انتهت بتنازلات كانت توصف لدى المعارضة بالمخزية، وليس أدلّ على ذلك المفاوضات المتعلقة بالدبلوماسية والتي تم فيها اللعب بالتسمية، فمن اتفاق تصرف تونس في سيادتها الخارجية، أصبح يسمى باتفاق التبادل الدبلوماسي بين فرنسا وتونس"()، ولم تقف هذه المفاوضات عند إرغام الزعيم على اللعب على الفراغات النصية، أو القبول بتغيير تسميات الاتفاقات (بحد تفسيره)، بل إن تلميحه المحتشم في غمرة الحمـاس بالحديث عن قرب جلاء القوات الفرنسية، عن كامل تراب الجمهورية (خطاب تطاوين 18 جوان 1956) يسقط في آذان الخارج، والواقع أن الفاعل السياسي كان يهدف يومها لإقناع متلقي الداخل، هؤلاء الذين يتوقع أنهم أقرب للمعارضة منهم لتأييده، لقربهم الجغرافي والإيديولوجي من خصمه صالح بن يوسف.

-3- الخطاب السياسي و "أفق انتظارات" المتلقين:

يقع صاحب الخطاب في مأزق التوفيقية أو التلفيقية المستحيلة، فلئن قصد بأفعاله الكلامية توجيه الخطاب قصد تقريب فئة، يراد لها أن تكون مؤلفة قلوبها إلى خطابه، فإنه وقع فريسة التقاط خطابه من قبل أولئك المتعارضة مصالحهم معه، أي أعدائه الداخليين صالح بن يوسف، الفلاقة، الشق الزيتوني المعارض... بذلك تم توقيف المفاوضات بدايات جويلية 1956 على خلفية رفض فرنسا لجلاء جيوشها عن الأراضي التونسية رغم قبول بورقيبة بانسحاب تدريجي يُتّفق عليه سلفا، وتقديم تنازل آخر يخص القضية الجزائرية، بحيث تبقى تونس على الحياد من قضية جارتها. ورغم كل ذلك فإن الجانب الفرنسي استعصم وأبى، مما اضطر بورقيبة ورفاقه لإيقاف المفاوضات والعودة إلى تونس وفق الرواية البورقيبية، أو تم إيقافها من قبل الجانب الفرنسي بحسب رواية المعارضة التونسية. لكن ماذا بعد إيقاف المفاوضات ؟ ماذا عن مصير الاستقلال التام الذي لم يأت، رغم الأمل البورقيبي الكبير والوعد المكرر بتحقيقه ؟

إنّ الخطابات السياسية للزعيم بين 12 جويلية إلى حدود ما قبل 10 أوت كلها منشغلة بمسألتين : الأولى شرح موقف المفاوض التونسي، والأسباب التي دعته لوقف المفاوضات مع الجانب الفرنسي، والثاني البحث عن إثارة القضايا ذات الأولويات التالية للاستقلال، وهي قضايا تتعلق أحيانا بالاقتصاد، وأخرى بالتعليم والشباب، وأخرى بالعدالة الاجتماعية. لكن السياقات ذات طابع العنف الدموي أحيانا التي تنذر بتفاقم الوضع الأمني، ستوّجه بورقيبة نحو قضية لم تكن من قبل مدرجة على جدول الأولويات إذ هي قضية غير مفكر فيها.

تزاحمت قضايا لصيقة بمسألة المفاوضات، في خضمّ انهماك الخطاب الرئاسي في إجرائها مع الطرف الفرنسي، حتى عادت شروطا ملزمة، أهم تلك القضايا: الوضع الأمني، إذ كانت فرنسا تلح بشكل مكثف على الحالة الأمنية، فكان هذا المطلب المحور الثاني في أولويات الخطاب، بل إن الممارسة السياسية كانت تسير باتجاه قمع فلول المقاومين الممتنعين عن تسليم سلاحهم.

في ظل هذه الأجواء يتنزل مشروع بورقيبة في البحث عن ساحة أخرى للمعركة، خارج هذه الساحات الملغومة، خاصة وأنه نفض يديه من كل أمل في إنهاء المفاوضات المتعلقة بالاستقلال التام، وكذلك من توقف استفزازات الجيش الفرنسي، التي تعمل من غير قصد على إيجاد المبررات للمقاومين )شقّ بن يوسف( للاستمرار في المعركة من أجل الهدف نفسه وهو الاستقلال. فالبحث عن الاستقلال وتحقيق السيادة لدولة لم تتشكل ملامحها بعد، هو الإطار العام الذي طبع المرحلة التي تنزلت فيها (مجلة الأحوال الشخصية)، وكذلك هو الإطار العام لكل الإصلاحات الموالية، بل إنّ جملة التوترات القائمة بين النخبة الحاكمة ورأسها الزعيم بورقيبة مع الدين وممثليه من الزعامات والمؤسسات التقليدية، وقضايا تتعلق بالشرائع كمسألة الصوم والحج، حصلت كل تلك الانقلابات ولماّ يأتي بعد جلاء القوات العسكرية عن البلاد، أي مازالت السيادة إلى حينه معلقة ، أي أنّ البحث عن السيادة سوف يظل هاجس الزعيم، يبحث له عن مجالات أخرى غير وثيقة الاستقلال (النص المنقوص)، من مثل التشريعات المتعلقة بالمسألة الاجتماعية (مجلة الأحوال الشخصية 13 أوت 56 ) وتوحيد القضاء (25 سبتمبر 1956) والتعليم (إنهاء التعليم الزيتوني) والوقف (الأمر بإلغاء الوقف العام 31 ماي 1956 ).

-4- استراتيجيات الخطاب السياسي البورقيبي:

إنّ السؤال "هل نحن مستقلون ؟"  هو سؤال بورقيبي تضمنه خطاب، نهض على وقع صدمة الخيبة من حلفائه الفرنسيين على حد تأكيده، يجيب بورقيبة عن هذا السؤال : "ومادامت الجيوش الفرنسية تصول وتجول ببلادنا يجب أن نعتبر أن الكفاح لم ينته بعد ويجب استئنافه ونحن مستعدون لذلك" إن الجواب عن هذا السؤال، خارج التزامات السلطة التي كبلت الزعيم، نجده واضحا لدى المعارضة التي اختارت مواصلة الكفاح المسلح، عملا لا تصويتا لغويا ، أما رئيس الحكومة فإن المقتضيات السياسية والاتفاقات الأمنية الموقعة ترغمه على أن يبحث عن سيادة أخرى يحقق بها الاستقلال لتحقيق اختراق على الصعيد الداخلي. أما الممارسة الخطابية التي لوح فيها بالعودة إلى الكفاح، موهما بأنها ستتحول إلى ممارسة فعلية. فقد توقفت عند حدود اللغة/اللغو، الذي ظل يتكرر إلى حدود معركة الجلاء. وإن أهم انجاز فعلي أجاب بواسطته بورقيبة عن تساؤله الذي ألقاه في ختام خطابه الطويل، عن طريق الإذاعة، والمؤرخ في 24 جويلية 1956 ليس هو الكفاح، بل هو العمل على إعداد مشروع مجلة الأحوال الشخصية.

إنّ الخطاب الذي سيكون قطب الرحى في إجلاء هذا المشروع الوليد - برأينا- هو خطاب 10 أوت 1956 ، الذي نرى أن الباحثين لم يولوه العناية الكافية، إذ فيه تكشف إستراتيجية الخطاب عن محاولة في الإقناع بوجاهة الخيار، والمحاجّة بعقلانية النصوص القانونية، الواجب سنها لتنظيم علاقة ظلت برأيه تخل بالأمن والاستقرار الاجتماعيين في صورته المصغرة العائلة، لكن ما هي بنية هذا الخطاب ودلالاتها .

-5- بنية خطاب التأسيس لمجلة الأحوال الشخصية :

إنّ تاريخ هذا الخطاب هو العاشر من شهر أوت 1956. ولقد أشرنا إلى قرب هذا التاريخ من تاريخ "الاستقلال" 20 مارس 1956.

إنّ السياق التاريخي للخطاب لا يستطيع أن يمثّل المؤشّر الوحيد لفهم دواعي الفاعل السياسي، بل تحتاج الممارسة الخطابية لعمل القراءة في تفكيك بنية نص الخطاب، المساعدة على تلمس مقاصد الباث ودوافع سلوكه التلفّظي، ومنها ممارساته السياسية. إن أولى الملاحظات المتعلقة بالبنية هي :

- أولا : صدور هذا الخطاب عن مؤسسة رئاسة الحكومة، ممثلة في شخص بورقيبة، فالخطاب يملك سلطته من المؤسسة التي خولته الحديث حول القانون وباسم الشرعية، ذلك أنه "أيا كانت صفة رجل السلطة : أمير، أو مستبد، أو رئيس دولة، فهو المسموح له دوما بالكلام، بل المصدر الوحيد للكلام الشرعي".

- ثانيا: ابتداء الخطاب بتحديد متلقيه وهم المواطنون: "أيها المواطنون".

-ثالثا : التمهيد بنسف التراتب بين أولويات عمل الحكومة، في مرحلة تتسم بالدقة وتشعب المشاكل الملقاة على عاتقها، مع إيعاز عملية تساوي أهمية الملفات، إلى صعوبة رؤية المسؤول، للأشد أهمية، معلّلا بإقحام مسألة الأمّة، ذلك أنّ "حياة الأمة وحدة لا تتجزأ

-رابعا: ختم نص الخطاب بالحض على تدعيم هيبة الدولة ورجالها، والتحذير من الشقاق، والدعوة إلى الأخوة. ثم يذكر بسفره المزمع إلى جزيرة جالطة، في استدعاء للمشروعية التاريخية، التي هي السند الأساسي والتاريخ البديل لتونس عن تاريخها البعيد الموصول بجذور هويتها الدينية، وسوف يظل التاريخ النضالي لبورقيبة يعيد إنتاج ذاته على امتداد جل الخطابات، كمحور يبحث عن مركز، يلوذ به الباث هوية يلبسها وتتلبسه، تنكشف جلية أحيانا للقراءة، إذا ما استدعت سياقات تاريخية ربطتها بجملة مآزق التهديد التي حفت بلحظة تلفظ الخطاب، أو بالتاريخ العام للبلاد المنحل في تاريخ "القائد الفذ".

-خامسا : نكتشف بين التمهيد والخاتمة، الخطوط العامة لمشروع المجلة، يمهد لها الخطاب بذكر الصعوبات التي تعترض هذا العمل، ويبشر بأنها "جاءت بانقلاب كبير في العادات التي كانت مسيطرة على هذه البلاد "، أما أهم أصول المجلة، فهي تلك المتعلقة بمنع تعدد الزوجات، وتحديد سن الزواج، وحصر الطلاق بحكم القضاء (أي لا اعتبار للطلاق إلا ما كان صادرا عن المحاكم) .

-سادسا : يعرض الخطاب للمشاغل الاقتصادية، التي نكتشف معها أنّ محور "المفاوضات" التي تعوّد المتلقي اقترانه في الخطاب بـ"الاستقلال"، في جل الممارسة السابقة، يقع إغراقه عمدا في الحوض الاقتصادي، بإبلاغ المتلقين بأنها لا تزال جارية على صعيد مجال التجهيز وتنفيذ المشروعات لصالح المناطق الداخلية، والتبشير بأن الأزمة عابرة بالاتكاء على التشبيه فهي: "كسحابة صيف"، ويربط نص الخطاب شروط النجاح بما يسميه تدعيم "استقلال" الأمة وسيادتها.

سابعا : لم يشر الخطاب من بعيد ولا من قريب إلى الشيخ الطاهر الحداد، ولا إلى كتابه.

إنّ البحث عن تجسيد السيادة التي خاب ظن المفاوض التونسي في تحقيقها عبر استكمال التفاهمات مع الطرف الفرنسي-هي التي صعدت البحث عن الدولة في جانبها السيادي الداخلي ذي الطابع القانوني، وذلك لامتناع السيطرة على المجال الخارجي (تمثيل دبلوماسي لا يزال هزيلا، يحكمه اتفاق غير عادل، وإمكانيات أضعف)، وكذلك امتناع السيطرة على الفضاء الوطني لتشبث الجيش الفرنسي بمسألة حماية الحدود، وتفوق آلته العسكرية (نواة الجيش الوطني لا تزال تتلقى عتادها من عدوها). إن مستند هذا الرأي الذي ذهبنا إليه، أي توجيه القراءة إلى مسألة انشغال الفاعل السياسي في البحث عن الدولة خارج المساحات الممنوعة، وعلى رأسها المفاوضات المتوقفة، هو الانطلاق من الممارسة الخطابية، لفهم الممارسة السياسية، ففي معرض ربط بورقيبة بين السبب (وقف التفاوض)، والنتيجة (البحث عما سمّاه "استكمال السيادة") يقول: "إننا قطعنا المفاوضات التي افتتحناها مع الحكومة الفرنسية بباريس لأننا رأينا أنه لا يمكن لنا التفاوض ما لم نكن على قدم المساواة مع الطرف المقابل وقد بقي علينا استكمال سيادتنا بصفة عملية". فهل يكون استكمال السيادة دون تقوية مؤسسات ضعيفة (المؤسسة الدبلوماسية وحاجتها إلى زيادة عدد السفراء، والمؤسسة العسكرية والمؤسسة الاقتصادية وهيمنة الفرنك، والمؤسسة الأمنية ذات الأهمية في مرحلة متوترة الخ...) لكن ما الذي تستطيع أن تفعله القوانين ؟ كيف يتمّ استكمال السيادة بصفة عمليّة خارج الاستقلال؟

إنّ الأعراف الاجتماعية ذات الجذور الدينية التقليدية، التي ظلت تحكم علاقة المرأة بالرجل في إطار مؤسسة الأسرة، كانت بعيدة عن سلطة الدولة، وفي استقلال تام عنها، وهو تقليد يعود إلى تاريخ بعيد في الاجتماع الإسلامي، بحيث كان التعويل في تنظيم هذه العلاقة على التشريعات المنصوص عليها في القرآن والسنة وفي اجتهاد الفقهاء، دون عودة إلى تدخل الفقيه والقاضي بصفته ممثل للسلطة التشريعيّة أحيانا، سوى في فض النزاعات المتعلقة بالإرث، كأهم القضايا الدافعة لذلك التنازع بين أفراد تلك المؤسسة.

إنّ التدخل في تنظيم علاقة المرأة بالرجل يعد جرأة امتاز بها الزعيم، سيرا ضديا ضد جميع الأنظمة العربية بلونيها الملكي والجمهوري، بل مزايدة على نمط استعماري ألزم فرنسا عدم الاقتراب من ذاك المربع ذي الحساسية الاجتماعية المفرطة، فرغم تنوع التحويرات في المجال التشريعي، على عهد الهيمنة الاستعمارية على تونس، فإن التشريع الفرنسي لم يقترب من دائرة "الأحوال الشخصية للتونسيين لأنها لا تهم مصالح الاستعمار" الذي كان في غنى عن إثارة عاطفة دينية ضده، تنقاد بيسر لتلك الطبقة من العلماء المعارضين لسياسته، بل تقف هذه الطبقة غالبا ضد وجوده. والواقع أن هؤلاء الذين تم العمل على مشروع المجلة في ظرف يتسم باسترخاء عزائمهم، وغيابهم عن جغرافية العاصمة (شهر أوت)، هم أكثر تهديدا لذاك المشروع الذي دأب الزعيم على الإسراع بإنجازه، باستدعاء من ظن يومها أن مصالحهم المتصلة بحكمه تضطرهم للموافقة والطاعة. إن العلماء المعارضين سوف يشنون حملاتهم على المشروع الوليد، وسوف يتحول الخلاف بينهم وسلطة الزعيم إلى "الشارع الذي انقسم إلى تيار أول مدافع عن الإصلاح جسمته جريدة لاكسيون وتيار محافظ التف حول جريدة الاستقلال لسان اللجنة التنفيذية للحزب الدستوري التونسي". لكن هل كان الشارع منسجما قبل ذلك ؟ ألم يكن منقسما حول القضية المركزية المتمثلة في إتمام الاستقلال، وجلاء القوات العسكرية الاستعمارية عن البلاد ؟ ألم تكن جريدة الاستقلال الفضاء الإعلامي المعبر عن سخط الشق الذي كان يشكك في نية فرنسا في منح تونس استقلالها ؟ ألم يكن إعلام السلطة يبشر دوما بقرب موعد ذاك الاستقلال الموعود ؟

ألم تنجح استراتيجية الخطاب السياسي لبورقيبة في تهميش القضية المركزية وإلهاء معارضيه بجدال إيديولوجي إلى حين؟

-6- الخطاب الرئاسي وإستراتيجية السيطرة على الجسم الاجتماعي

يبدو الزعيم حكيما، إذ حول الانقسام الكارثي في الشارع، وسحب البساط من المعارضة المرتكزة على التشكيك في شرعية السيادة المنقوصة، مهددة بذلك هيبة الدولة. لقد حول الزعيم الجدال حول شرعية الدولة، إلى الشرعية الدينية للفصل الثامن عشر من مجلة قانونية، بحيث أصبح التساؤل منصبا على السند النصي لمسألة التبني، أو غيرها من الأحابيل القانونية، التي يبدع صانع الخطاب السياسي في إيقاع خصومه في زراديبها. هي لعبة لا تنفك تعيد إنتاج ذاتها باستمرار، في إيهام بعقلانية تحررية لـ"قائد فذ"، ولمؤسسة اسمها "دولة" تعيش أحيانا كثيرة جميع اضطرابات زعيمها الصحية والنفسية والجسدية، في الآن نفسه يؤسس الخطاب من خلال إستراتيجيته، لهيبة تستمد الدولة منها سلطتها وسيادتها، ببسط النفوذ على الجسد في لقائه بالجسد . أليس ذلك شكل من أشكال البحث عن سيادة الدولة في إطار "المراقبة والمعاقبة" باسم العقلانية القانونية ؟

يبدو أنّ القول ببحث الخطاب السياسي عن بسط نفوذ الدولة على الجسد، يجد ما يدعمه بالنّظر للممارسة الخطابية البورقيبة في عموم رؤيتها للمرأة (الجسد)، ذلك أن تلك الممارسة لم تقف عند مؤسسة الزواج ، أي في إطار العلاقة (رجل–امرأة)، إنما تجاوزت إلى محاصرة المرأة من جهة اعتبارها المتسبب الأول في الكارثة الديمغرافية في البلاد.

قد يتعدّى قصد الفاعل السياسي تحرير المرأة إلى تحرير المجتمع من السلطة الذكورية، ذلك أن الممارسة الخطابية لخطاب (10 أوت 1956) تتعمد وضع صاحب هذه السلطة في إحراجات تقدم بلبوس المحاجّة العقلية، وسلاحها اللغة بصفتها "الأنثى" لا "الفحل". ففي معرض تبرير مسألة تخليص المرأة العاقر من الرجل بطريق الطلاق للضرر، يتوسل الخطاب بتشبيه المجرد (الهيمنة والسيطرة) في الإعلان عن انتهاء سلطة الذكر على الأنثى، بل يذهب أبعد من ذلك في عقلانية غريبة تهدد بالسماح للمرأة بالتعدد في حالة عقم الرجل، باسم المساواة، يبسط الخطاب ذلك ملمحا إلى الموقف العدائي للفاعل السياسي من مسألة الإنجاب: "وهذا حق من حقوقه [حق الرجل في الطلاق بسبب عقم الزوجة] على شرط أن لا يبقي الزوجة الأولى تحت كلاكله ولا سبيل في هذه الحالة لغض الطرف عما إذا كان العقم متأتيا من الرجل نفسه إذ للمرأة في هذه الصورة الحق كذلك في أن تتزوج رجلا ثانيا أو ثالثا وإلا فلا تكون هناك مساواة بين المرأة والرجل واحترام لجانب المرأة والفراق إذا هو الحل الوحيد وهو الشيء الذي أقره القانون الجديد "، لكن هل توقفت أبوة الخطاب الرئاسي عند التدخل للحد من السلطة الذكورية في مجتمع لا يزال تقليديا إلى ذلك التاريخ ؟. إنّ نجاح مشروع الممارسة الخطابية للقائد في إحكام القبضة على المجتمع، سوف يفتح المجال لممارسات أخرى، ترسخ تلك الأبوة كشكل من أشكال الاستبداد السياسي، إذ تاريخ الأب هو جذر تاريخ المستبد، فمن تفكيك العلاقة بين طرفي العقد (المرأة - الرجل) في إطار مؤسسة الزواج، تأتي الممارسة الخطابية بنظرية إقالة الذكر عن مقعد الأبوة داخل الأسرة، لصالح "الأب الأعظم" وسيد الأسرة (المجتمع التونسـي) الأكبر، بل إنّ الخطاب يذكر أنّ باثه هو الأب (الراعي الحقيقي)، يعلل الفاعل السياسي ذلك بقوله: "لأنّ الأب الأعلى سيبقى ساهرا على رعاية الأخلاق الشريفـة . ولأنّه أدرى بمصالح الأبناء من الأبوين المباشرين. فهو أكثر رأفة بالأبناء ورعاية لحقوقهم منهما.

خاتمة

لأجل عيون المرأة في السياسة البورقيبية، توقفت العقلانية القانونية عن العمل وفق آليتها العقلانية، بحيث ألغت "المراسيم" المتعلقة بها "القوانين"، باسم الرفق بها وتحريرها من العادة البالية المسماة إنجابا  بشكل لا عقلاني ولا قانوني. فهل يعني قلب سلطة خطاب القانون، بمحوه بسلطة خطاب المرسوم، شيئا آخر غير السيطرة والاستحواذ على الجسد إلى غاية ما بعد نيل "الاستقلال التام " ؟ هل يمكن للأزمة الاقتصادية بالمفهوم "الليبرالي" البورقيبي أن تفسر تلك الممارسة الخطابية وغير الخطابية المتعلقة بالمرأة ؟ هل كانت المرأة والنسل في تونس سببان من أسباب أزمة الخيار التعاضدي (فترة الستينات) للاشتراكية البورقيبية ؟ أم أن الأزمة تسببت فيها المرأة وأحمد بن صالح ؟ ومن ناحية أخرى ألم يكن العرف والشريعة بتشكلاتها الاجتهادية هما العائق أمام تغيير العادات البالية التي مكنت للسلطة الذكورية على المجتمع والأسرة ؟ أليست طبقة العلماء هي المستفيدة الأولى في بقاء التقاليد ؟ أم كان التشكل القبلي هو صاحب المصلحة وهو المقوض لسلطة خطاب المفاوضات مع فرنسا، بدعمه للشق اليوسفي ممثلا في "الفلاقة" ؟ لكن ما الذي تستطيع فعله طبقة العلماء المحاصرة بدورها غير التشويش على المشاريع القانونية التي تقدمها الممارسة الخطابية على أنها "انقلاب كبير في العادات التي كانت مسيطرة على البلاد وهي في الحقيقة منافية لروح العدالة والإنصاف؟ لكن ماذا يعني تبشير الخطاب بانقلاب في العادات في ظل ظرف تاريخي يمتاز سياسيا بالتوتر مع قوى منافسة ترفع راية الهوية، شرعية لنضالها ضد السلطة الحديثة ؟ ألم يكن الفاعل السياسي يتوقع أن يحدث مشروعه ذاك مزيدا من الاضطراب على وضع متأزم أصلا ؟ هل من مصلحة للبحث عن سيادة بواسطة القانون ترتد عاصفة على الدولة وعلى المجتمع وإن بعض ثمارها واضحة للعيان في واقعنا الراهن الذي يبدو مثقلا محتاجا إلى تشذيب وتهذيب سياسي وقانوني.

سالم صمود (باحث في الحضارة)

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك