القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

لماذا تخلفنا وتقدّم غيرنا؟

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-08-14 11:23:00 | 270 مشاهدة

ملخص:

لقد شاعت في الفكر العربي مفاهيم التطوّر ومعانيه وأبعاده بعد أن وضع داروين نظرية في النشوء والارتقاء الّتي أصبح لها في الفكر العربي دعاة ومبشّرون منهم إسماعيل مظهر وشبلي شميل وسلامة موسى لا سيّما بعد أن طبّق سبنسر قانون التطوّر العامّ على المجتمعات البشريّة، فقد استخدم الفكر التطورية في مكافحة الاستبداد والطائفية والتعصّب الديني والسياسي والدّغمائية كما استخدمها للاستدلال على حتميّة التطوّر وضرورة مسايرة التاريخ وحاجات العصر ومقصياته، وقد كنّا حللنا أبعاد هذا المفهوم عند المفكّرين العرب الّذين قاوموا الاستبداد الكلّياني في عملنا "مواقف المفكرين العرب من قضايا النهضة" (42). وها نحن نعود لهذا المفهوم في حديثنا عن المستقبل لأنّ مفهوم التطوّر والمعاني الحافة به كالتحوّل والتقدّم والديناميّة مثّل جميعها أسسا نظرية استند إليها طه حسين وزريق في بناء مشروعهما المستقبلي وربطاها بالاستشراف الّذي يتنزّل في نسقية التطوّر ويستجيب لمتطلّبات التحوّل والتقدّم. فقد شدّد طه حسين على الطابع الحتمي للتطوّر في سياق إقراره بوجوب النسج على منوال أوروبا في احترامها حقوق الإنسان وتعلّقها بالحرية والعدل والمساواة يقول " وقد ذاقت الشعوب طعم هذه الحقوق فاستلذّته وطمعت في الاستزادة من هذه الحقوق ومضى كثير منها في ذلك إلى آماد بعيدة فالخيار أن ندبر التطوّر بأنفسنا وأن نسعى إليه طائعين قبل أن ندفع إليه كارهين" (43). وألحّ على حتميّة التقدم واستحالة النكوص عنه والتّراجع إلى الخلف وذلك بمناسبة تذكيره بالتزام مصر بتعهّدها بمسايرة أوروبا ومجاراتها: "فلو أنّنا هممنا أن نعود وأن تحيي النظم العتيقة لمت وجدنا إلى ذلك سبيلا ولوجدنا أمامنا عقابا لا تجتاز ولا تذلّل عقابا تقيمها أوروبا لأنّنا عاهدناها على أن نسايرها ونجاريها في طريق الحضارة الحديثة" (44).

أمّا زريق فإنّه يقرّ في نطاق استعراضه مختلف النظريات الّتي عرفتها أوروبا منذ نهضتها إلى العصر الحديث بأنّ نظريات كلّ من هيغل وأوغست كونت وماركس "تخلّفت من حيث تعليلها لجوهر الوجود وللقوّة الدّافعة والمراحل التاريخيّة وللهدف النّهائي ولكنّها تتّفق في اعتقاد أساسي هو الاعتقاد بالتقدّم المستمرّ باتّجاه الهدف المرموق وبحتمية هذا التقدّم وهذا الاعتقاد يتّفق والتفاؤلية المستقبلية" (45).

 

مقدمة:

إنّ الفكر المؤمن بحتمية تقدّم العالم الخارجي المادي والمعنوي هو ذاته معرّض بصفة قسرية إلى التطوّر والتحوّل في نطاق حركيّة تاريخية دؤوب مدّها سيل جارف لا يردّ وهذا التبدّل لا يستثني في نظر زريق ما كان من المعتقدات راسخا رسوخ أهرام مصر ثابتا ثبوت الرواسي: "والآراء والمعتقدات والإيديولوجيات تتباين أيضا في سرعة التبدلات الّتي تعتريها وفي درجة نفوذ هذه التبدلات وانتشارها ولكنّها كلّها في ما نرى معرّضة إمّا اليوم أو في الغد القريب لتغيّرات وتحوّلات لن تستطيع أن تمنع حدوثها مهما تتحصّن عنها أو نقم الحواجز دونها" (46)، فتراجع الإيديولوجيات التقليديّة ماركسيّة أمميّة وقوميّة يقوم اليوم دليلا قاطعا على صدق المقال لأنّ الحصون الّتي أوت الماركسيّة في البلاد الشرقية تهاون بسرعة أذهلت كلّ العالمين وانحسار المدّ القومي في البلاد العربية بعد موت عبد الناصر وهزيمة جوان 1967 أربك كلّ العروبيين. وهذا التراجع لا يعني في نظرنا موتا لأنّنا نعتقد بأنّ الأفكار لا تموت بل تظل
 كامنة كمون النار في الحجر تنتظر لحظة الزمان ودورته القادمة لتتقد جذوتها لهبا ساطعا وتقوم سطوتها موعدة مائجة وهذا الرّأي من اعتقادنا بالتطوّر الحتمي رغم ظاهر السكون المؤبّد لأنّ الإيمان بأبديّة الاستقرار والركود قتل لمعنى الإيمان وهدم لجوهره.

1/ نظرية التطور في الفكر العربي:

تتولّد عن الحركيّة التاريخية المتولّدة بدورها عن التطورية الحتميّة حركية إجتماعية يسمّيها زريق "دينامية مجتمعيّة" تتحدّد مقاديرها ونجاعتها تأثرها بمدى توجّهها نحو المستقبل، فالاطمئنان إلى الموروث الحاصل والركون إليه يعدمان هذه الدينامية ويشيعان في المجتمع الركود والسكون أمّا التوق إلى الطريف المستحدث فيدفع هذه الدينامية دفعا منجزا وهذه الدينامية" هي أقوى وأفعل وأسرع في الأدوار الّتي تتّجه فيها الشعوب نحو مستقبلها وتمضي في صنع المستقبل بالتّساؤل والارتياد والإنجاز ممّا هي في الأدوار الّتي تكون فيها واقعة تحت سطوة ماضيها متلفتة إليه قانعة به غير شاعرة بالحاجة إلى تخطّيه أو قادرة على ذلك". (47) ويضفي طه حسين على مفهوم التطوّر الّذي يبدو في نظرنا غير قابل للتجزئة صبغة محلّية خاصّة وصبغة عالميّة عامّة ويخصّ النخب بالقدرة على استيعاب هذا التطوّر وتمثّل آلياته وهي نخب يقترح أن تنهض بمهمّة التعليم الأوّلي لأهمّيته وخطره "إنّما أمر التعليم الأوّلي خليق أن يكون إلى صفوة الأمّة وخلاصة النّابهين من علمائها وقادة الرأي فيها أولئك الّذين تتّسع عقولهم لا لفهم التطوّر الوطني الخاصّ فحسب بل لفهم التطوّر العامّ الّذي تخضع له الحضارة الإنسانيّة كلّها" (48). وواضح أنّ التطوّر يعني هنا درجات التقدّم والرقيّ العام الّذي بلغته أمّة من الأمم ولا يرقى إلى مفهوم التطوّر بالمعنى الفلسفي العلمي الّذي قصد إليه التطوّريون الّذين ألمعنا إليهم. ويبدو أنّ طه حسين يصنّف ضمنيّا وخلافا لكلّ منظور تطوّري أصيل المجتمعات إلى مجتمعات ساكنة سكونا نهائيّا أبديّا وأخرى قابلة للتطوّر ويتجلّي ذلك عندما يربط تطوّر المجتمع وتطوّر الحياة الجديدة الّتي تبعثها المؤسّسات الغربية المخترقة الوافدة أو المقتبسة بقابليّة هذه الحياة للتطوّر أي باستعداد الفكر والمؤسّسات الاقتصاديّة لأن تخضع لناموس التحوّل الّذي تفرضه الحياة الدّيمقراطية، يقول: "ومن الطبيعيّ أنّ الحياة الّتي يجب أن تكفلها الحياة الدّيمقراطية للنّاس إنّما هي الحياة القابلة للتطوّر والرقي من ناحيتها المادية ومن ناحيتها المعنويّة" (49). وهذا التطوّر قابل للتّواصل والانتكاس فلكلّ البشر قابليّة للتطوّر لكن تلك القابليّة معرضة لأخطار النكوص والتوقّف إذ يقضى عليها عندما لا تنمّى بالاستعمال والاستثمار وعندما يسوء التّعامل معها عن قصد أو عن غير قصد مثلما يحدث ذلك مع النّاشئة الّتي يفسد أمرها ويدنّس فطرتها معلّم عاجز أو ينحرف بها مدرّس جاهل بقواعد صناعته يقول طه حسين "... لأنّ الآباء والأمّهات... إذا ردّ إليهم أبناؤهم جهّالا وقد كانوا ينتظرون لهم استقامة الخلق وحسن السيرة كان من حقّهم أن يسألوا المعلّم في هذا كلّه لأنّه تلقّى أبنائهم صالحين للتطوّر والرقيّ فأفسد حين كان ينتظر منه الإصلاح" (50). والتطوّر عند طه حسين صنفان "معقول" و"جامع" وهو من دعاة الأوّل وأنصاره فهو يرفض كلّ جموح، والتحوّل عنده تدرّج في التغيير والانتقال بعيدا عن الانقلاب الجذري الّذي كثيرا ما يكون ناشئا عن انفعالات نفسيّة وثمرة طفرة وجدانية يقول " ... ولكنّي لأفهم أن يذهب ابن القرية إلى المكتب فيرى فيه تأنّقا وترفا ويحيا فيه حياة تبغض إليه حياته الغليظة الخشنة الّتي يحياها آخر النّهار.. ذلك خليق أن يجعل منه عنصرا خطرا من عناصر الثورة الّتي لا تأتي من رويّة وتفكير وتطوّر معقول وإنّما تأتي من السخط والحنق والضيق والحسد وحسبك بهذا كلّه شرّا"(51). إنّ تفسير طه حسين للثّورة وأسبابها أقرب إلى الكاريكاتور منه إلى التفسير العلمي الدّقيق وألصق بالذّات والمعيار منه بالموضوع والحكم المعرفي الصّارم لأنّ في تاريخ الإنسانيّة ما يبرهن على أنّ الثورات لا تقوم بنوازع من الذّات الحاقدة بقدر ما تنطلق من أسباب يخلقها الواقع العيني فتكون تعبيرا عن إرادة جماعيّة تهدف إلى الإبداع والإنشاء، ومهما يكن من أمر هذه المعياريّة فإنّ طه حسين إذ يميل إلى المعقول بدل الجامح يلتقي مع زريق الّذي يفضّل المستقبليّة الراجحة المتجوهرة بالعقلانيّة على المستقبليّة الجامحة في التعامل مع التراث، وهذا الموقف الإعتدالي إبن الوسطيّة الّتي طغت على الفكر العربي وسليل الإصلاحية الّتي نشأت مع فكر النهضة منذ بواكير عهدها. وإنّ ما يتعيّن الاحتفاظ به من كلّ ما أوردنا أنّ التطوّر مطلوب لأنّه يساعد على بناء المستقبل ومسايرة العصر ولأنّه أحد الأسباب الدّافعة لدينامية المجتمع المساهمة في إنتاج المعرفة المتجدّدة وفي تقدّم العلوم داخل مسار يقوم على إعادة النظر المستمرّة في تلك العلوم الّتي بها تتحقّق مطالب المستقبل في جانبها المادّي وبها يكون التطوّر بإعتباره قوّة دفع وتنوّع "تخضع لهما في الدّور المعاصر الدينامية الشمولية والديناميات القطاعية للمجتمعات" على حدّ تعبير جاك بارك (52).

وإنّ العلم والمعرفة إذ يسهمان في الديناميات جميعها بالتوجيه أو بتحديد المضمون والتأثير فيه يمثّلان مرتكزا نظريّا تأسّس عليه جانب من متصوّرات مفكّرينا لنمط المجتمع المطلوب في المستقبل.

2 / نظرية المعرفة ودورها في التطور:

يحتلّ التخلّف حيّزا هامّا من مشاغل المفكرين العرب إذ هو مصدر العجز الّذي يسم الذات العربية وأصل القصور عن مواجهة التحديات الخارجيّة وما صحبها من هيمنة استعمارية وهزائم عسكريّة وسياسيّة وتبعيّة اقتصادية وثقافية وتجزئة ترابية وتفكّك في البنى الاجتماعية واهتزاز جميعها العباد والمؤسّسات وأنهك القدرات بل شلّها. ولمغالبة هذه الآفات ودرء شرورها لا بدّ من علاج يحوّل الطمأنينة قلقا خلاّقا والعجز قدرة والفقر ثروة تمثّل المعرفة والعلم والعقل أهمّ مكنوناتها وأجلّ عناصرها. والفكر المستقبلي يعتبر هذه العناصر الثلاثة آليات فاعلة لتجديد مضامينه وصياغة منهجيته، وللمعرفة عند زريق معنى شامل مرادف لمفهوم الثقافة إذ يضمّ "جميع أنواع المعلومات والمهارات الّتي يكتسبها الإنسان بالتحقيق والاختبار والأساليب الّتي يمارسها لصنع حاجاته وتنظيم شؤونه وترقية عقله ونفسه" (53). ومن وسائل ترقية النفس والعقل النشاطات الفنّية والدّينية والثقافية والرياضيّة والترفيهيّة الّتي تمثّل مع المعارف والمهارات مكوّنات "طور المعرفة" الّذي يعيشه "مجتمع المعرفة" والّذي يلي طور "بعد الاقتصادي". لكن زريق يعتبر المجتمعات المتخلّفة ومن ضمنها المجتمعات العربيّة بعيدة عن بلوغ هذا الطّور الّذي لن يشمل إلاّ الشعوب الّتي عاشت الطورين الصناعي والاقتصادي، وبالرغم من هذا الّإقرار ببعد المسافة بين العرب وهذا الطور التاريخي الجديد الّذي تقبل عليه بعض المجتمعات الإنسانيّة المتقدّمة الّتي بلغت حدّ التشبّع الحضاري المادّي فإنّ زريق يجعل ارتفاع شأن المعرفة بالمفهوم الّذي أسلفنا الذكر أحد مكونات الطور التاريخي المقبل، ولعلّ الواقعية والشعور بالخوف من شطط الطلب وغلوّ المطالبة هما اللّذان دفعا الرجل إلى أن يقنع بمجرّد الإشارة إلى هذا المكوّن المعرفي دون أن يعتبره مطلبا رئيسيّا لأنّ المجتمعات العربيّة ما تزال في مرحلة ما قبل الصناعي وفي طور ما قبل الاقتصادي، فكأنّ زريق يحدّد لنفسه سقفا لا يعدوه في الطلب ويضبط حدّا أقصى من التوق لا يتعدّاه حتّى لا يسقط في التوهّمية الّتي يدينها باسم العقلانية ولا يقع في مجرى اليوطوبيا الّتي يرفضها باسم الواقعيّة والعلميّة. إلاّ أنّ كلّ هذا لم يمنع صاحبنا من التعبير الخفيّ الصامت عن مطامح يريدها أن تتحقّق مع الوعي التامّ بأنّ أوانها لم يحن بعد وأنّها بعيدة المنال إذ لا يمكن القفز على التاريخ قفزا يختزل مراحله اختزالا لا يفضي إلاّ إلى المرارة والسباحة في يمّ الطوبي البعيد الأغوار والطيران بدون أجنحة في قضائها الرحب لاسيّما وأنّ الإنسان العربي مؤهّل بالتربية والثقافة إلى مثل هذه التهويمات الرومنسيّة الحالمة الّتي شجبها كرد علي في مطلع القرن وأدانها زكي نجيب محمود وصادق جلال العظم في أواخره، يقول زريق في هذا "هي ذي بعض الخصائص الّتي تنتسب إلى الطور التاريخي المقبل والّتي يعمد الباحثون إلى شرحها وتحليلها كلّ حسب المبادئ الأصلية الّتي ينطلق منها فنكتفي بذكرها ذكرا إجماليا: ارتفاع الإنتاج الوطني ومعدّل الدخل الفردي، التكنولوجيا المتفوّقة تضخّم قطاع الخدمات، ارتفاع شأن المعرفة اتساع فرص الرّاحة والترفه، تقلّص الدوافع الاقتصادية آملين أن يكون في هذا الإجمال دلالة أولية على محتوى الطور الجديد واتّجاهاته وعلى ميزات المجتمعات الّتي ستخطو إليه" (54).

وإنّ واقعيّة زريق وتميزه بين المتاح و"المرام البعيد المنال" لم يصرفاه ولم يثنياه عن إفاضة القول في المبحث المستقبلي البعيد إذ يعرض بالنظر في الفاعليات المجتمعيّة المختصّة في إنتاج المعرفة ونشرها والّتي يسمّيها على "وجه التشبيه صناعات كالتعليم والبحث والطباعة والنشر والإعلام بفروعها المختلفة" (55). ويقدّم زريق شواهد إحصائية عن تطوّر "قطاع المعرفة" في الولايات المتّحدة الأمريكية ويذكر نسبة العاملين فيه ونسبة دخلهم ونموّه ويشير إلى تنامي العاملين في التعليم في العالم فيقول "وإذا اقتصرنا من هذه الصناعات على "صناعة التعليم" وحدها وجدنا أنّ العاملين في حقوله يتكاثرون عددا ويعظمون أهميّة في العالم كلّه، يستدلّ على هذا بالمبالغ المتزايدة الّتي تتّفق على هذه الصناعة سواء قيست بمجموعها أو قدّرت بنسبتها المئوية إلى الموازنة أو إلى الناتج الوطني الخام. وينطبق هذا على الدول المتخلّفة مثل ما ينطبق على الدول المتقدّمة بل إنّ تلك الدول لتجهد في تخصيص مبالغ ونسب مرتفعة من مداخيلها المحدودة تلبية لمطامح شعوبها في التنمية السريعة حتّى ليأتي هذا التزايد أحيانا أوفر ممّا هو عليه في الدّول المتقدّمة" (56).

إنّ مقارنة زريق بين المخصّصات المالية الّتي توفّرها بعض الدول المتخلّفة لصناعة التعليم والمخصّصات الّتي ترصدها الدّول المتقدّمة لهذا القطاع وإبراز تفوّق الأولى على الثانية لا يعنيان إطلاقا خروج زريق من حيّز "المحظور" إلى مجال "المباح" بمعنى إقراره بدخول الدّول العربية المتخلّفة "طور المعرفة" باعتماد إحدى فاعلياته بل يعنيان التأكيد على أنّ المجتمعات المتخلّفة لا تزال في طور ما قبل الصناعي وما قبل الاقتصادي إذ تسعى إلى تنمية سريعة في المجالين الصّناعي والاقتصادي بواسطة التعليم، ويتجلّى من خطاب الرجل في هذا الباب المتعلّق "بطور المعرفة" أنّ صاحبنا مشدود إلى "محظور" "مطلوب" متعلّق بأمل يراه داني التحقّق عند أمم غريمة معادية لأمّته ويتمنّى أن تتوصّل أمته إلى تحقيقه. والجرأة على البوح بما في الضمير والخاطر غائبة لذلك عمد زريق إلى مجرّد التسجيل حينا وإلى التأكيد على أهمّية المعرفة في المستقبل حينا آخر وإلى التنبيه إلى إنتشار المعرفة وأهميّة إنتاجها أحيانا أخرى. فالرّغبة في بلوغ ما أدرك الآخرون تتلجلج في الصدر لكنّ الواقع المادي والأوضاع التاريخيّة والأحوال الموضوعيّة تحول دون بروز الفكر بجلاء على السطح، يقول مسجّلا انتشار المعرفة والاهتمام بإنتاجها إنتاجا واهتماما مرتبطين بالتطوّر الّذي تشهده المجتمعات المتقدّمة الّتي يريد زريق أن يكون للمجتمع العربي مصير وقدرة ذاتية شبيهان بمصيرها وقدرتها "وإنّ إنتاج المعرفة ونقلها ونشرها تغدو أكثر فأكثر، الجهد المميّز للمجتمعات المتطوّرة" (57). ويبدو المستقبل في نظر زريق مجالا تنمو فيه المعرفة ويزدهر إنتاجها معلّلا ذلك بضرورة تحقيق التوازن الحيوي بين المادّي والروحي أي المادّي والمعنوي لأن تخمة المادّة لا يمكن أن تزول أضرارها وأشرارها إلاّ بوفرة معرفيّة. ويبدو زريق رجل المعرفة وداعية العقلانيّة رسولا للمعرفة في الحاضر وداعية إلى أن تتبوّأ المعرفة أهمّ المنازل وأسناها في المستقبل. يقول عن هذه المنزلة في وثوق مشرب برومنسية المثقّفين الحالمين ونفح من روح الطالبين المجاهدين "لن يكون للمعرفة أهميّتها كطاقة إنتاجية استثمارية فحسب أي أنّها لن تطلب لمجرّد كونها وسيلة أو عاملا لسواها بل سيكون لها أكثر فأكثر مكانتها المستقلّة وستطلب غاية في ذاتها ذلك أنّ تضخّم الإنتاج المادّي وتوافر السلع والخدمات وتناقض حدّة الدوافع الاقتصادية وتوسّع أوقات الفراغ وفرص التثقف، كلّ هذا سيفسح في مجالات السعي لإكتساب المعرفة وتقصّي أسباب الرقيّ العقلي والنفسي بواسطتها" (58).

إنّ النّاس في المجتمعات المتقدّمة قد "فكّروا جيّدا" فحقّقوا الرفاه المادّي وعليهم أن "يعرفوا" جيّدا بمعنى أن يتزوّدوا بما يناسب ذينك "العمل والفكر الجيّدين" من "معرفة جيّدة" أي من "ثقافة جيّدة"، فكأنّ مرحلة المعرفة أو طور المعرفة لحظة عود إلى الذّات لتنميتها روحيّا وفكريّا بعد أن أشبعت حدّ التشيّع ماديّا. وإن الناظر في وجهة نظر زريق لحظة خطابه يستحثّه الحكم على الراجل بالطوباويّة الخافقة بجناحيها في ملكوت الأحلام والخيال لكنّ تسارع الأحداث اليوم وتحوّل العالم من كيانات متباعدة إلى ما يشبه الكيان الواحد المتقارب ثقافيّا بتأثير من طرق الاتّصال السيّارة والانترانت وسائر يحتّم جميعها على البلاد العربية أن تنمّي المعرفة لا لتنافس أضدادها وتقاوم أعداءها بل لتبقى، وهكذا فإنّ رؤية زريق تصبح نبوءة إذا واجهناها بالنظر إلى التاريخ المباشر ومطلبا آنيا محرقا إذا واجهناها بالاستناد إلى الواقع العيني ومتطلّبات المصلحة وضغوطاتها. وإنّنا نؤكّد أنّ رأي زريق على درجة من الوجاهة تسوّغ لنا إعادة القول بأنّ القرن المقبل هو قرن المعرفة بدون منازع أي قرن الثقافة.

وإذا كان نظر زريق في إشكالية المعرفة وتصوّره لها ولدورها المستقبلي واضحين منتظمين فإنّ طه حسين قد عالج المسألة بصفة مشذّرة مذرّرة، فتعريف "المعرفة" لم يرد صريحا مباشرا بل يستنتج استنتاجا من استقراء إشارات أقرب إلى الرموز منها إلى العلامات الواحة المفصحة عن المراد بدقّة، وهذا الاستقراء يساعدنا على القول بأنّ طه حسين يعتبر المعرفة جماع الأنشطة الفكريّة والمهارات الّتي يكتسبها المرء والّتي ستشهد في المستقبل تطوّرا ونموّا يعبّر عنهما بقوله "لأنّ المعرفة الإنسانيّة لم تبلغ قطّ من الكثرة والتنوّع ومن التشعّب والتفرّع والاختلاف ما بلغته الآن ولأنّها ستبلغ من هذا كلّه غدا وبعد غد أكثر ممّا بلغته اليوم" (59). والمعرفة عند طه حسين مفهوم أعمّ ممّا هو عند زريق الّذي فصل المعرفة عن طور الصّناعة وبالتالي العلم عن المعرفة الّتي لا تقصي عند الأوّل العلم من دائرتها والدّليل على ذلك تساوي المفاهيم الثلاثة: المعرفة والثقافة والعلم. وإنّ بعض أطراف هذه الثلاثية يماهي ويطابق مطابقة تامّة طرفا آخر. فيقول في سياق توتولوجي تبدو فيه عبارة "علم" تكرارا وترديدا لعبارة ثقافة "وإنّما يتفاوت النّاس بكفايتهم وحظوظهم من الثقافة والعلم" (60). والمعرفة عنده هي العلم الّذي يعني في بعض المواضع "الثقافة" والمعرفة تعني "الثقافة". ويبدو ذلك في موضعين من الكتاب، أحدهما صريح قائم على التكرار "ولكنّه إن فعل كان رجلا من الدهماء ضئيل الحظّ من المعرفة محدود النّصيب من الثقافة" (61)، وثانيهما يوحي بضرب من التراب بيتهما إذ يعتبرهما غاية التعليم العام المشتركة لا على أساس الاختلاف بل على أساس التماهي والتّطابق فالفرد "يرتقي في الثقافة إلى حيث يبلغ المعرفة من حيث هي وإلى حيث يقصد به توسيع العقل وتغذيته بألوان مختلفة من العلم الإنساني قد لا يحتاج إليها الفرد من عامّة الناس" (62). والمعرفة عند طه حسين هي على وجه العموم مرادف للتعليم نقيض للجهل، وهي بذلك تمثّل المستوى الأدنى من المطالب الّتي تسعى إليها التربية وأولوية من أولويّات البناء الحضاري "لأنّ كثرة الشعب لا تزال جاهلة ولأنّها إلى المعرفة أحوج منها إلى البناء المترف الأنيق" (63). وهكذا يتّفق زريق وطه حسين في أنّه ينبغي أن يكون للمعرفة شأن وبها اهتمام لكنّهما يختلفان في تناول المسألة وفي تحديد موضعها التاريخي والزمني فالسابق يراها أولويّة من أولويات البناء وهذا أمر بديهي لأنّه يدبّج مشروعا ثقافيا تربويّا لدولة وطنيّة ناشئة في سياق تاريخي محدود، واللاّحق يراها مطمحا ومطلبا مستقبليا آجلا لأنّه لا يباشر المسألة المعرفيّة بالمنظور المبسّط الّذي به عالجها سلفه بل يعالجها من منظور إنساني تاريخي ينزّل المعرفة في السياق العامّ لصيرورة الإنسان وتطوّر حاجاته وتنوّعها. والمعرفة حصيلة العقل الخلاق ونتاج العقل المنشئ الّذي لم يحفل طه بتحديده بقدر ما اعتمّ بضبط مكوّناته الحضارية فهو تركيب تتفاعل صلبه مؤثّرات حضارات متعدّدة. فهو ليس قيمة مطلقة بقدر ما هو متلبّس بعنصر ودين وحضارة. والعقل متعدّد تعدّد الحضارات الّتي أنتجته لذلك نرى طه حسين يتحدّث عن العقل المصري والعقل الإسلامي والعقل اليوناني، ويردّ العناصر المكوّنة للعقل الإسلامي إلى الثلاثة الّتي ذكرها الأديب الفرنسي بول فاليري إذ يقول "وقد ذكرت في غير هذا الموضع أنّ الكاتب الفرنسي المعروف بول فاليري أراد ذات يوم أن يشخّص العقل الأوروبي فردّه إلى عناصر ثلاثة: حضارة اليونان وما فيها من أدب وفلسفة وفنّ وحضارة الرومان وما فيها من سياسة وفقه والمسيحيّة وما فيها من دعوة إلى الخير وحثّ على الإحسان فلو أردنا أن نحلّل العقل الإسلامي في مصر وفي الشرق القريب أفتراه ينحل إلى شيء آخر غير هذه العناصر الّتي انتهى إليها بول فاليري" (64). ويبدو طه حسين في مضمار حديثه عن العقل منشغلا بقضيّة الانتماء- انتماء العقل المصري" لأنّها هي الّتي ستمكّنه من تجذير العقل في محييط غربي بصفة تيسرّ له وتساعده على تنزيل المشروع المقترح في نفس المحيط: "فإذا لم يكن بدّ من أن نلتمس أسرة الشعوب الّتي عاشا حول بحر الروم" (65)، ومعلوم أنّه من العسير على أيّ كائن مهما كان مجرّدا أن يقطع قطعا نهائيّا تامّا مع جذوره وهو ما يروم بلوغه طه حسين من الرجوع إلى أصول العقل المصري الأولى وأسراه الناسلة والدليل على ذلك أنّ هذه الأسرة ظلّت تغذّي النفس وتدعم العقل بقيمها ومثلها وبما يحوي رحم مؤسّساتها وتنظيماتها من عوامل التغيير وآليات التبدّل الحضاري وهذا الأمر سيستمر ويتواصل دونما انفكاك "وهل الحياة الدستورية النيابية إلاّ شيء أخذناه من أوروبا أخذا ونقلناه عنها نقلا؟ فلم نكد نستمتع به حتّى اتصل بحياتنا وامتزج بدمائنا وأصبح حبّه لنفوسنا وقواما لعقولنا وعنصرا من عناصر ضمائرنا" (66).

3 / الاستشراف في الفكر العربي:

إنّ العقل عند طه حسين مقولة عامّة قديمة حديثة، فهي قديمة بمكوّناتها وجذورها حديثة بدورها في بناء الحاضر وتوجيه المشروع المستقبلي باعتبارها في الآن نفسه أحد أركان مضمونه وآلية من الآليات الّتي تسوس النظر وتقود التصوّر. ولا نغالي إن قلنا إنّ العقل عند طه حسين عقيدة آمن بها وجسّد إيمانه بها في حياته الفكريّة وكان أحد دعاتها المتحمّسين، وقل مثل هذا بالنسبة إلى زريق الّذي يعتبر داعية العقلانية في الفكر العربي الحديث والمعاصر بدون منازع، لذلك نراه يحفل بهذه المسألة ويفيض القول فيها. فالعقل عنده ملكة محدودة المعالم مضبوطة الصفات وقد استأنس في حصره خصائص العقل وصفاته بفلسفة العلوم في الغرب. ومن هذه الصفات اليقظة الّتي تحدّث عنها باشلار والتطوّر الّذي أسّس له دلروين وعمّمه سبنسر على العلوم الإنسانيّة والفاعلية الّتي استثمرتها الوضعيّة ووظّفتها العلوم الطبيعيّة والفيزيائيّة لتنمية القدرات البشرية في مجالات العلوم المختلفة، وهذه السمات تحلّ العقل محلّ الأسطورة والخرافة وتنزّله منزلة الريادة وتجعل منه عون الإنسان في سعيه إلى الدقّة والصرامة ونبذ العشوائية والسهولة والاحتمال كما تنصّبه حكما يقدّر الفاعلية والمصلحة ويميّز بين المعقول واللاّمعقول. فالعقل بصفاته هذه هو الّذي يصوغ "حالة الذهن" الّتي يعبّر عنها زريق بالعقلانيّة المميّزة للعقلية المستقبليّة الّتي تعتبر بديلا للعقلية السائدة الّتي قلنا إنّها ميثولوجيّة خرافية عشائرية آنيّة مركزيّة، والعقل ينسل العلم. وقد حدّد زريق مفهوم العلم بوضوح سنة 1939 في كتابه "الوعي القومي" تحديدا ظلّ ساريا في كلّ مؤلّفه "نحن والمستقبل" إذ جمع كلّ المقوّمات الّتي أرادها زريق مكوّنة للعلم مؤلّفة له وذلك بصفة موجزة لكنّها دقيقة شاملة لكلّ الأبعاد الإجرامية العمليّة والمنهجيّة والتربويّة "وإنّما أعني بالعلم تلك الطريقة في التفكير وذلك الأسلوب في التحليل الّذي يثبت في العقل ويشيع في النفس عندما يعاني المرء التدريب العلمي أعني البحث الدّائم عن الحقيقة والشكّ واليقظة في ما لا يوافق العقل والاستنتاج الصحيح والمنطق السليم أعني التواضع النفسي الّذي يقدّر ضآلة العلوم بالنّسبة إلى المجهول والاتّزان العقلي الّذي يقيس الأمور بمقاييسها الصحيحة والاطمئنان الروحي الّذي يفيض على النّفس من سعيها الحثيث إلى الحقيقة وإشراقها بها. ويخيّل إليّ أنّه لا يزال بيننا وبين هذه المزايا العلميّة الصحيحة خطى واسعة ومراحل بعيدة وأنّه يحسن بنا أن نقبل على علم الغرب بقلوب متواضعة ونفوس ظمأى ونروي عقولنا من منابعه النقية" (67). فالعلم الّذي يمثّل الغرب مصدره الأصيل مطلب زريق الّذي يحثّ أبناء جنسه من أهل العربية على الأخذ بأسبابه ويحدّد لهم الصفات الخلقيّة الّتي يتعيّن عليهم أن يتّصفوا بها ومنها التّواضع وحسن الاستعداد للتلقّي وقبول ما عند الآخر. وهذه الدعوة ليست ناشئة عن طفرة في لحظة محدودة بل تندرج في صلب تصوّر كامل لأحد معاني التاريخ ومتصوّراته عند العرب الّذين يدعو لفيف منهم إلى الانغلاق والاكتفاء بالماضي والتشبّث بأهداب الموروث باعتبار تمامه وكماله. "والعلم" إشكال مركزي شغل الفكر والأخذ بأهدابه وأسبابه هاجس ملازم للمفكّرين. وهو ركن أساسي من أركان المشروع المستقبلي الّذي حاول طه حسين تحديد معالمه، وإذ تبدو المقارنة بين انتظام النظر في مسألة "العلم" عند زريق وتشتّته وغموضه النسبيّ عند طه حسين متعسّفة ولا تفضي إلى طائل فإنّها مع ذلك تساعدنا على الإقرار بأنّ انشغال المفكّرين العرب بالعلم أداة مبجّلة للنهوض بالمجتمعات العربية ووسيلة متميّزة لتجاوز الفقر المعرفي وبأنّ همّ الثلاثينات يظلّ عينه في السبعينات وما بعدها.

ومهما يكن من أمر هذا كلّه فإنّ زريق يدعو إلى أنّ يكون مجتمع الغد في البلاد العربية مجتمع العقل والعلم ويسعى إلى أن يكون ذانك العقل والعلم مناخا عامّا شائعا نفحه في كلّ مكوّنات المجتمع. وذانك السعي والدّعوة لم يكونا وليدي طفرة خاطر مأزوم يبحث لنفسه عن مستقرّ ولا ناشئين عن نزوة إنسان مفتون ملك الإغواء عليه الزمام وبهره بريق "الشعار" و"لمعان" ما عند الجار بل هما امتداد لأصل ثابت وتذكير بمطلب ظل قائما منذ بواكير الأزمان. فكأنّ زريق يواصل قي عناد وإصرار رسالة لم يبلغ صداها المدى المطلوب ولم تثمر بذرتها إذ لم تجد راعيا ومتعهّدا.

إن اعتداد زريق بالعلم واستناده إليه مرتكزا محوريّا في تدبيج مشروعه المستقبلي أدّاه إلى الدّعوة إلى "علمويّة" مؤسسة على عقلانيّة ذات خصائص حدّدت منذ عصر النهضة. وهذه العقلانيّة تدعو إلى وجوب الأخذ بأسباب العلوم العقلية والتجريبية دون العلوم النقليّة والدّينية لأنّ توازن المجتمع يقتضي ذلك. وقد استحالت العقلانيّة إلى أداة نقد للماضي والمجتمع المتّهم بالاطمئنان إلى خرافيته وميتولوجيته وعشائريته كما تحوّلت إلى بديل "مستعجل" لهذه "القيم العلل" وأصبحت علاجا "شافيا منها". وقد اهتمّ طه حسين بالعقل ونتاجه وأشاع في مؤلّفه دعوة حارّة إلى العناية بهذا العقل جوهرا ومجسّدا وحثّ على العلم دون أن يسقط في "العلموية العقدية". وغاية الرجلين واحدة تتمثّل في صياغة مشروع مستقبلي تكون ميزته التبدّل النوعي الارتقائي الّذي به يتجاوز الإنسان راهن حاله باعتبار الإنسان على حدّ تعبير زريق "أهمّ الكائنات في الوجود وأولاها بالرعاية وأنّ الصّفات الّتي يتصف بها هي الّتي تعيّن نوع مجتمعه ومدى تقدّم هذا المجتمع أو تأخّره" (68). فهذا الإنسان الغاية والمعيار المحدّد بصفاته نمط المحيط ومنزلته في سلم القيم- قيم الرقيّ والتخلّف، مناط اهتمام طه حسين الّذي ما انفكّ يذكّر بأنّ جوهر الإنسان واحد رغم اختلاف الأحوال المادية وتمايز القدرات والملكات "وإذا كانت الظروف التاريخية لحياة الناس قد فرقت بينهم في الغنى والفقر وإذا كانت الظروف الطبيعيّة قد فرّقت بينهم في المقدرة والكفاية فهم مشتركون في مقدار لا يختلفون فيه وهو أنّهم ناس قد خلقوا من تراب وسيردون إلى التراب كما يقول الحديث الشريف" (69). وهؤلاء الناس ينبغي أن يكلؤوا بالرعاية ويحصّنوا من عاديات الزمن ونوائب الحدثان حتّى يستطيعوا العطاء والمساهمة في الإغناء والإنماء كما يقول "وكما أنّك خليق أن تصلح الأداة إذا أدركها الفساد أو نالها العطب لتستخدمها لما هيّئت له من المرافق فأنت خليق أن تطعم الشعب وتسقيه وتذود عنه الأوبئة والآفات لتسخّره بعد ذلك في الزراعة والتجارة والصناعة" (70).

ووضع هذا الإنسان المركز في العالم العربي وضع رداءة وتخلّف وانحطاط وجهل، وهذه أمور يقرّها طه حسين في أواخر الثلاثينات ويردّدها زريق في أواسط السبعينات كما ذكرها في أواخر الثلاثينات والأربعينات وبداية الخمسينات حتّى لكأنها أحوال من "بنية المجتمع" الأصلية ومن إهابة المكوّن لا تزول إلاّ بزواله. فهي مستمرّة عبر العقود متأبّدة عبر السنين سرطانا ينخره دون أن يقدر على إزالته وإفنائه، يقول طه حسين معترفا باستمرار التخلف وتواصله "فإذا اليابانيون قد زاحموا الأوروبيين حتّى زحومهم وإذا نحن ما نزال متخلّفين" (71). ويعيد زريق بعد أربعين سنة  تقريبا نفس الفكرة ويشدّد على أنّ تخلّف المجتمع العربي لا ينكر وأنّ التخلّف أضحى سمة من سمات هذا المجتمع وحالة من أحوال واقعه يقول بوضوح مثير "ثمة صفة أساسيّة أخرى لهذا الواقع وهي أنّنا مجتمع متخلّف بل لعلّ هذه الصفة هي الطاغية على حياتنا الحاضرة. لعلّها هي المشكلة الأمّ الّتي منها تنبثق جميع المشكلات الأخرى" (72).

فالإنسان مثلما يلوح من خطاب طه حسين ومن أقوال زريق محرّك فعّال للعلاقات الاجتماعية وقبل كل شيء لعلاقات الإنتاج، لكنّ هذا الإنسان ينوء تحت وطأة التخلّف والانحطاط والجهل وهذه مفارقة سعى الرجلان إلى كسرها وفكّها بالإلحاح على وجوب أن يلعب الإنسان دوره وأن ينعم بمقوّمات إنسانيته من عزّة وحرية وكرامة واستقلال وهذه القيم المطلوبة في المستقبل والّتي تمثّل حصونا للنّاشئة من مغبة ما تلبّس بالأسلاف من ذلّة وهوان هي الّتي ينادي طه حسين بوجوب غرسها قيما أصيلة في المجتمع "فالحق علينا أن نحتفظ بما كسبنا وألاّ نضيع ما فزنا به وأن نحوط الاستقلال الّذي استرجعناه وننمّي العزّة الّتي كسبناها وننشئ لمصر الحديثة أجيالا من الشباب كراما أعزّاء أباة للضيّم حماة للحرم لا يتعرّضون لمثل ما تعرّض له بعض أجيالنا السابقة من الذلّة والهوان" (73). ويفيض زريق القول في نفس المساق ويواصل الدّفع في نفس الاتجاه حين يقول عن الكرامة الّتي يماهيها مع الحرية "إنّها القيمة الإنسانية الجوهرية الّتي تقوم بها سائر القيم وتنتظم. إنّها الغاية الّتي يجب أن تظلّ منصوبة أمام الأعين مستثيرة للجهد الفرديّ والجماعي في مختلف حقول النشاط وإذا أردنا مرادفها لها قلنا الحرية فالإنسان الكريم هو الإنسان الحرّ بأعمق هذه الكلمة" (74).

 

خاتمة:

إنّ الحريّة والعزّة والكرامة والاستقلال تمثّل بتضافرها وتعاضدها وترابطها نسيج القيم الّذي تؤسّس عليه أرضيّة خلاص الإنسان من شقاوته المادية والمعنويّة وقاعدة ارتكاز المجتمع المطلوب ووجها من وجوه القطيعة مع المجتمع المرذول المقام على العبوديّة  والاستغلال والذلّ. وهذا المجتمع الجديد هو المجتمع الفاضل بصريح عبارة زريق وبضمنيّ مطامح طه حسين وأهدافه المرسومة.

وهذه القيم الّتي تصون الإنسان وتحفظ له إنسانيّته تساعد على خلق التوازن المطلوب في مجتمع الغد بين ما توفّره القدرة الذاتية من رفاه ماديّ وما يتطلّبه وجود الإنسان كائنا روحيّا ومعنويّا من استمرار وبقاء.

إنّ المرتكزات النظرية الّتي وضعها المفكّران قاعدة لتصوّر مشروعيهما المستقبلين بل قل القصوى والدّنيا تبين عن شمولية الرؤية المستقبلية في منطلقاتها وتفصح عن الحرص على فاعلية التوجّه ونجاعته وذلك سواء انصرفت هذه المرتكزات إلى البرهان على أصالة الانتماء أو إلى التّدليل على ضرورة القطيعة أو إلى التّأكيد على وجوب الحضور الفاعل بدل الضمور القاتل كما هو الشأن بالنسبة إلى العقلانية والعلم، ومن ها هنا يمكن الإقرار بأنّ هذه المرتكزات لا تزال آنية محرقة في نهاية هذا القرن لأمرين: أوّلا لأنّها تستجيب في جملتها للقواعد الموضوعة اليوم أسسا للتقدّم المطلوب غدا في سياق العولمتين الاقتصادية والثقافية وما يقتضيانه من تمايز وتغاير.

ثانيا لأنّها تستمدّ نسغها وموضوعها إن كليا أو جزئيا وفي عديد المستويات من مرجعيات الفكر الليبيرالي الّذي يمثل اليوم في نظر الكثيرين الأساس النّظري والمرجعي للنّاظم العالمي الجديد بعولمته وتوقه إلى السؤدد المطلق وفرض التبادل الحرّ بدل الحماية في الاقتصاد والحرية والدّيمقراطية واحترام حقوق الإنسان في السياسة والمجتمع.

 

د. عبد المجيد البدوي ( باحث وأكاديمي تونسي)

ا

(42) عبد المجيد البدوي: مواقف المفكّرين العرب من قضايا النهضة. منشورات كلية الآداب بمنوبة 1996 ص ص 165- 171

(43) طه حسين: المرجع المذكور ص 161

(44) نفس المرجع ص 39

(45) ق. زريق: نحن والمستقبل ص 46

(46) نفس المرجع ص 39

(47) نفس المرجع ص 21

(48) طه حسين: المرجع المذكور ص 127

(49) نفس المرجع ص 102.

(50) نفس المرجع ص 110

(51) نفس المرجع ص 119

(52) Jacques Berque: Nouvelles logiques du progrès: Diogène N 92 Gallimard 1975 p.73

(53) ق. زريق: نحن والمستقبل ص 116

(54) نفس المرجع ص 125

(55) نفس المرجع ص 127

(56) نفس المرجع ص 128

(57) نفس المرجع ص 127

(58) نفس المرجع ص ص 129-130

(59) طه حسين: المرجع المذكور ص 319

(60) نفس المرجع ص 171

(61) نفس المرجع ص 129

(62) نفس المرجع ص 137

(63) نفس المرجع ص 119

(64) نفس المرجع ص 39

(65) نفس المرجع ص 24

(66) نفس المرجع ص 45

(67) نفس المرجع ص 49

(68) ق. زريق: نحن والمستقبل ص 293

(69) طه حسين: المرجع المذكور ص 237

(70) نفس المرجع ص 236

(71) نفس المرجع ص 504

(72) ق. زريق: نحن والمستقبل ص 227

(73) طه حسين: المرجع المذكور ص ص 59-60

(74) ق. زريق: نحن والمستقبل ص 294

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك