القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

لبنان في مهبّ العاصفة: من انفجار ميناء بيروت إلى ترسيم الحدود مع إسرائيل

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-10-07 14:50:00 | 257 مشاهدة

ملخّص:
أخيرا جاء دور لبنان ليكون هو البلد العربي الرابع الذي ينتدِب له المجتمع الدولي مبعوثا خاصا، وإن كان مبعوثا من نوع مختلف خرج به المجتمع الدولي عن نمطيته المعتادة في اختيار مبعوثيه. فبعد كل من سوريا واليمن وليبيا التي تعاقب على كل منها حشد من المبعوثين المتخصصين ليتعاطوا مع أزماتها على مدى السنوات العشر الأخيرة، جاء الآن دور "لبنان"، هذا البلد الصغير الذي أثبت بهذا المبعوث الذي خُصِّص له وللتعاطي مع أزمته أنه ليس صغيرا، إن لم يكن بمساحته وقوته العسكرية وبتعداد سكانه ومتانة اقتصاده، فبدلالاته الاستراتيجية التي ما فتئت وعلى مدى أكثر من خمسة عقود تثبت للقاصي والداني أنه مفتاح حزمة من أهم القضايا الإقليمية بامتياز وبلا منازعة.

مقدمة:
تجاوز المجتمع الدولي عادته في اختيار مبعوثيه إلى الدول العربية المأزومة من بين مخضرمي السياسة ممن يكون لهم باع وازن في التعاطي مع الأزمات التي ابتعثوا لتفكيك عُقَدِها، ولتليين مفاصلها المتشابكة، عندما اختار هذه المرة، بعد كارثة انفجار مرفأ بيروت، وما أسفر عنه من تغييرات جوهرية في الكثير من معطيات المشهد اللبناني داخليا وخارجيا، مبعوثا مميزا أكثر من كونه سياسيا مخضرما، فكان مبعوثا دالا ومؤشرا على وجهة الإرادة الدولية الصارمة والحاسمة، أكثر من كونه مجرد مبعوث تتعامل معه الأمم المتحدة عبر قنواتها المؤسسيَّة المعروفة. فأن يختار المجتمع الدولي رئيس دولة كبرى هي فرنسا، ليكون هو مبعوث المجتمع الدولي إلى لبنان، يدفعنا إلى عدم المرور العابر على الحادثة، لأنها ليست عابرة بكل المقاييس.

فالمبعوثون الخاصون المعتادون يُعَيِّنُهم مؤسَّسِيا الأمين العام للأمم المتحدة، وهو الذي يضع لهم برنامجهم، وله يرفعون تقاريرهم، حتى ونحن نعلم أن كل ذلك لا يمكنه أن يتم إلا من خلال التماهي مع انفراجات الزوايا التي تراقب بها الدول الفاعلة والوازنة في مجلس الأمن، أداء المنظمة الدولية من خلال أولئك المبعوثين.

خطاب ماكرون وكسر الأنماط الدبلوماسية:

في ضوء ذلك، هل يمكننا اعتبار الرئيس "ماكرون" مبعوثا عاديا؟! بكل تأكيد لا، لأنه أولا لم يعين من قبل المنظمة الدولية، ولن يكون معنيا بتقديم تقاريره لمجلس الأمن وللأمين العام لهيأة الأمم المتحدة. فهو بكل بساطة مبعوث رؤساء الدول الكبرى، أي أنه مبعوث المجتمع الدولي ممثلا لا في ممثلته الدولية "الأمم المتحدة"، بل في الفاعلين فيه بشكل مباشر، ألا وهم رؤساء الدول ذاتها.

فالرئيس ماكرون مبعوث غير نمطي، لرؤساء دول قررت أن تتعاطى بشكل غير نمطي، مع حالة يبدو أن الجميع حزم أمره في أنه قد آن الأوان للخروج عن كل أشكال النمطية في التعاطي معها.

إن خطاب الرئيس ماكرون الأول للبنانيين، والذي هو أشبه بخطاب التكليف، بدا في جانب مهم منه وكأنه خطابٌ موجه إلى تلاميذ مدرسة سارعوا إلى تنفيذ ما يُطلبُ منهم، لا فرق في ذلك بين كبير وصغير، ولا بين مجعجع وخافض للصوت، وقد كان الخطابُ شديد اللهجة التي وصلت إلى حد وضع خارطة طريق صارمة مفعمة بالتهديد والوعيد – وإن كانا في قوالب دبلوماسية – في التعامل مع المشهد بعد واقعة انفجار بيروت على ذلك النحو الكارثي الذي وضع كل العقد اللبنانية الإقليمية المتشابكة في سلة حتمية تفكيك دهاليزها، والذي لملم كل المفاصل المتيبِّسَة في عظام الفعل اللبناني في وعاء من الزيت بقصد تليينها.. إن خطاب الرئيس ماكرون هذا وبمواصفاته غير المعتادة عندما يكون التعامل مع دول، يشي بوضوح بأن وراء الأكمة ما وراءها، وأن أصحاب الوزن السياسي العالمي قرروا وجوب إعادة لبنان لموضَعة مكانته الإقليمية في قلب الاتجاه العام للسياسة العالمية، غير بعيد عن الإستراتيجيات التي رسمت معالمَها "الولاياتُ المتحدة" بالدرجة الأولى، والتي كانت مسيرة العقوبات الأمريكية القاسية على إيران وأدواتها الإقليمية، ومنها وعلى رأسها "حزب الله"، هي دالتها الوجِّهَة، وأسلوبها الأمثل.

ولأن لبنان لا يمكن فصل التعامل معه أو عزله عما يعنيه ويمثله في فضاء الدور الإقليمي لإيران، وتحديدا تجاه إسرائيل من جهة، وتجاه المشهد السوري من جهة أخرى، دون تجاهل امتدادات هذا الدور من خلال حزب الله إلى الساحتين العراقية واليمنية.. لأن لبنان كذلك، فإن أيَّ تغير يعتري التعامل معه، لا يمكن فهمه خارج هذا السياق، ألا وهو سياق التعامل مع إيران وفضاء نفوذها الإقليمي.

ولعل صرامة الرئيس ماكرون، لهذا السبب، لم تخرج – رغم محاولته تخفيف حدتها بجعل الفنانة "فيروز" بكل دلالاتها اللبنانية وغير اللبنانية محطته الأولى في زيارته الأخيرة إلى لبنان–عما تقتضيه إرادة المجتمع الدولي بثقله الأميركي من ضرورة إعادة إنتاج الدور اللبناني والمشهد اللبناني في السياقات الثلاث التالية:

الأول: ما يفعله حزب الله داخل لبنان وخارجه، وعلى رأس كل ذلك مسألة سلاحه المتفلت خارج إطار الدولة ومؤسستها العسكرية والأمنية، وذلك عبر ضرورة إعادة مَوْضَعَة ذلك السلاح المتحرك حتى الآن خارج ذلك الإطار، ليصبح جزءا من هذه المؤسسات، على نحو يتماهى مع الاتجاه العام للسياسة الأميركية الإقليمية.

الثاني: مسألة الإصلاحات من بوابة مكافحة الفساد والعمل على استئصال شأفته،وهي الإصلاحات التي تم رهن أيِّ مساعدات دولية بشأنها، باقتناع المجتمع الدولي بأن قاطرتها انطلقت فعلا، بكل ما يعنيه ذلك من ضرورة فصم عرى الزوجية الآثم بين مؤسسة الفساد التي يقف على رأسها "جبران باسيل"، ومؤسسة السلاح التي يمثلها "حزب الله".

الثالث: الطائفية السياسية التي راح العالم يقتنع شيئا فشيئا بأنها هي التي تقف وراء كل مشكلات لبنان، ووراء تمكن إيران من اختراق المشهد اللبناني، ومن التغول على تفاصيله، ما يستدعي حتما أن يكون التحرر من هذه الطائفية السياسية هو البوابة الحقيقية لأيِّ إصلاح إذا أريدَ له أن يكون إصلاحا مستداما.

إن السياسيين اللبنانيين الذين كشفوا عن هلع غير عادي عقب حادثة انفجار مرفأ بيروت، بمن فيهم تحالف "العهد"، وهو تحالف "عون – نصر الله"، وجدوا أنفسهم ولأول مرة منذ ثلاثين عاما، يتجاوزون كل مناكفاتهم المعتادة التي كانوا بها يخربون بلدهم، مؤجلين اختيار رئيس لبلادهم عامين كاملين مثالا وليس حصرا..

لقد وجد هؤلاء السياسيين اللبنانيين أنفسهم يختارون رئيسا جديدا للوزراء بعد استقالة "حسان دياب" مباشرة وفورا وبلا تأخير، ليثبتوا أنهم قاموا بواجبهم المدرسي الذي كلفهم به المعلم على أكمل وجه وبأسرع ما يمكن،فكان "مصطفى أديب" الذي وَعَدَ بأنه سوف يشكل حكومة لبنانية في وقت قياسي بعيدا عن المحاصصة الحزبية المباشرة، وإن كنا نعلم يقينا رغم هذا الادعاء أن المحاصصة كانت ستكون حاضرة بشكل لا يرقى إليه الشك في هذه الحكومة، بالشكل غير المباشر الذي قد يجعلها أكثر فشلا وعجزا وتكبيلا من سابقتها، إلا أن المسألة كانت أكبر حتى من التحايل، ففشل "أديب" في تشكيل الحكومة واعتذر.

بطبيعة الحال فإن الكل يعلم أن ما طلبه ماكرون نيابة عن المجتمع الدولي من لبنان عبر سياسييه الذين قال لهم عندما اختار البدء بزيارة فيروز، جاعلا إياهم جميعا في مرتبة ثانية وبالكاد يعدلون فيها مجتمعين كفة هذه الفنانة: "إنكم جميعكم لا تساوون في مصير لبنان وفي وحدة لبنان وفي أهمية لبنان، ما تمثله هذه الأيقونة الفنية العالمية"..  إن الكل يعلم أن ما طلبه ماكرون من سياسيي لبنان نيابة عن المجتمع الدولي بتلك الصرامة غير المسبوقة، يعني في أهم ما يجب أن يعنيه، أن لبنان عليه أن يتخذ مؤسَّسيا شكلا آخر غير ذلك القائم على هذا التزاوج غير الشرعي بين "الفساد" و"السلاح"، والذي مفاده شرعِن لي السلاح، كي أغطي على فسادك"، في مقابل "غطي لي على فسادي كي أشرعِن سلاحك"!!

وهنا نتساءل:

في ظل الواقع الإقليمي الذي يؤكد على أن سقوط هذه المعادلة القائمة في لبنان بين الفساد والسلاح، لا يمكنه أن يحدث إلا في قلب سيرورة عالمية تُخرِج إيران من استخدام لبنان كمركز ثقل في إدارة ملفات سياستها الإقليمية..

وفي ظل حراك شعبي لبناني ما يزال يرفض كل أشكال الحكومات والسياسيين الذين يُعيَّنون بهذه الطريقة، حتى لو جاءت عبر تأييد مجتمع دولي يبدو أنه جاد في وضع قاطرة الحل في لبنان على السكة الصحيحة..

وفي ظل عدم استسلام إيران بعد لما يُراد لها من توجهات إقليمية، وعدم إظهارها بشكل واضح لأي بادرة توحي بأنها بدأت تقبل بإعادة إنتاج دورها الإقليمي في قلب السياسة الأميركية الراهنة.. في ظل كل ذلك، هل نستطيع الجزم بأن لبنان سيبدأ بالفعل بالقبول بالصيغ الجديدة التي فرضتها واقعة انفجار المرفأ الكارثية، أم أنها مجرد مرحلة لن يدرك ساسة لبنان خلالها أن عليهم إما أن يلتزموا بإرادة المجتمع الدولي، وإما أن ينزلقوا إلى المجهول الأسود؟!

ولأن لبنان على مفترق طرق حقيقي، فالمجتمع الدولي قال كلمته التي نقلها الرئيس ماكرون، وعلى اللبنانيين أن يختاروا بالفعل بين الأمرين:

فإما إيران وسلاح حزب الله الذي يغطي على فساد المفسدين، ويمنع لبنان من أن يكون دولة للبنانيين، ومن ثم الكارثة، وإما أن تستغرقهم لحظات حكمة ومسؤولية فارقة لم يعهدوها منذ عقود طويلة، فيحدث الطلاق الذي لا منقذ للبنان سواه، ليعود لبنان دولة يملكها اللبنانيون!!

إيران العقبة الكأداء في لبنان:

بعد فشل "مصطفى أديب" في تشكيل الحكومة، والتي هي مفاجأة من العيار الثقيل، جعلتنا نقف مندهشين مما حدث ويحدث، وكأن انقلابا راديكاليا في الاتجاهات العامة حدث بين عشية وضحاها في معسكر وخندق "الممانعة"، الذي هو معسكر "الطائفة الشيعية" إلى حد بعيد، والذي هو في المحصلة معسكر "إيران والولي الفقيه".

فما الذي جرى، ليحصل ما حصل فجأة.

في يوم الثلاثاء الموافق 29 أيلول/سبتمبر، أي بعد وقت قصير من الفشل في تشكيل الحكومة المستقلة عن القوى السياسية اللبنانية، والتي كان العالم ينتظرها بفارغ الصبر، والتي كان الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" يراهن عليها رهان من راهنوا قديما على حصان طروادة،إلى درجة أنه عقد بعد فشل "أديب" في تشكيل الحكومة واعتذاره، مؤتمرا صحفيا اعتبره المراقبون الأقسى في التاريخ الفرنسي في حق فئة سياسية حاكمة في بلد مُقرَّب من فرنسا، منتقدا فيه الجميع بلا هوادة، لا فرق في ذلك بين رئيس ووزير وسياسي، لا في هذا التيار ولا في ذلك، واصفا الجميع بشكل غير مباشر بأنهم كذابون لم يلتزموا بما عاهدوه عليه، وبأنهم يكرهون الشعب اللبناني ولا يفكرون إلا في مصالحهم الشخصية والحزبية الضيقة.. إلخ..

وقد صرَّح حينها "حسن نصر الله" أمين عام حزب الله، بما لا يمكنه أن يعنى شيئا آخر غير كون عدم موافقته على تشكيل حكومة مستقلة في لبنان، إنما يعود إلى الخشية من انزلاق مثل هذه الحكومة إلى بدء مفاوضات ترسيم حدود مع إسرائيل. ومع أن مثل هذا التبرير يبدو سخيفا سياسيا، إذا ما تم تقييمه في ضوء موازين القوى الحقيقية في لبنان، وفي ضوء ضخامة الأحداث التي شهدتها الساحة اللبنانية على مدى العام الأخير، والتي تَوَّجَ تراجيديتَها انفجارُ مرفأ بيروت، لجهة ضرورة أن يكون السرد التراجيدي للمشهد اللبناني على مدى هذا العام، دافعا قويا لتقديم الجميع تنازلات تتجاوز الادعاءات التي يحاول حزب الله إقناعنا بمواقفه في ضوء فرضها علينا – أي في ضوء فرض تلك الادعاءات علينا – وكأننا مجموعة من التلاميذ.

إنّ هذه التصريحات تبدو بلا مقدمات، إذ تضرب بعرض الحائط، وبدون وجود حكومة يُخشى من انزلاقها إلى ذلك المستنقع التفاوضي أصلا، ببدء الترتيبات لتحديد إطار لمفاوضات لبنانية إسرائيلية لترسيم الحدود بين البلدين.

وخلافا للدستور اللبناني الذي ينص على أن المفاوضات الدولية يشرف عليها ويقودها الرئيس عبر وزارة الخارجية، يتم اختيار "نبيه بري" رئيس مجلس النواب، أي قمة هرم السلطة التشريعية لقيادة وإدارة الجانب اللبناني في هذه المفاوضات.

ما أكدته كل التقارير والتسريبات، أن الولايات المتحدة هي التي أصرت على أن يكون أحد طرفي الثنائي الشيعي المتغوِّل في لبنان هو المفاوض اللبناني، وهو الأمر الذي يؤكد العارفون على أنه حِرْصٌ من واشنطن على ألا يتمكن الشيعة من التنصل لاحقا من مُخرجات هذا الاتفاق، إذا لم يكونوا هم مهندسوه ومديروه ومُصَمِّموه من ألفه إلى يائه. أي أن كل الحيثيات المرافقة لما جرى ويجري، ولما سيجري في هذا السياق التفاوضي، تؤكد على أن حزب الله الذي يلوذ بالصمت حتى الآن، قرَّر أن يخوض المستنقع، تحت عنوان مقولة: "أن الملائكة تخوض في الطين ولا تتسخ"، مع أن المقولة الأصح هي: "أن الشياطين تخوض في المسك ولا تتطَهَّر".

ترسيم الحدود الذي كان حزب الله يصر دائما على أن يكون ترسيما للحدود البحرية فقط، ويرفض أن يكون ترسيما للحدود البرية أيضا إلى جانب البحرية، لأن الخط الأزرق الذي أعقب الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، جاء لصالح لينان، وهو من ثم ما لا يريد الحزب أن يتم تغييره أو التلاعب به.. إن ترسيمَ الحدود، أصبح اليوم بريا وبحريا، يشمل الخط الأزرق، والمياه الإقليمية، ولا يستثني حتى مزارع شبعا.

ومع أن مزارع شبعا تُعتبر أرضا احتُلَّت عام 1967، وتخضع من ثم للقرار 242، وليس لأيِّ قرار لاحق يتعلق بلبنان، إلا أن حزب الله كان يتحرك من خلال فكرة المقاومة، وسلاح المقاومة، وعبر فكرة الممانعة، وفي تمرير أجندة إيران من خلال فكرة الممانعة، داخل المساحة التي تقول:

إن شبعا هي في الأصل أرضٌ لبنانية، تنازل عنها لبنان لسوريا كي يخرج من معادلات حرب 1967، ومن تجاذبات القرار 242. وهذه هي المساحة التي كان التحرُّك الدائم لحزب الله في داخلها، يمنحُ سلاحَه الذي يسبح خارج نطاق الدولة اللبنانية، نوعا من الشرعية المرتبطة ببريق المقاومة حتى تحرير الأرض اللبنانية.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: إذا كان غياب أي شكل من أشكال ترسيم الحدود بين إسرائيل ولبنان، هو الذي أربك الحسابات فيما يخص مزارع شبعا، التي كانت تعتبر سورية عندما يتعلق الأمر بالتسوية مع إسرائيل، لتصبح لبنانية عندما يتعلق الأمر بسلاح حزب الله المقاوِم لإسرائيل. وإذا كان غياب ترسيم الحدود هذا، هو الذي أسالَ موضوع شبعا سياسيا، وجعله مطية للتلاعب ولشرعنة السلاح خارج نطاق الدولة، فما الذي سيترتب على ترسيم الحدود إزاء هذا السلاح؟!

خاتمة:

إن أي ترسيم للحدود بين إسرائيل ولبنان:  إما أن يجعل "شبعا" أرضا لبنانية، فتخرج عن نطاق كونها خاضعة للتسوية الإسرائيلية – السورية، لتصبح خاضعة للتسوية الإسرائيلية – اللبنانية، باعتبارها أرضا لبنانية محتلة.وليس هناك من ثم ما يمنع أن تتفاوض لبنان حولها مع إسرائيل، كما فعلت مصر فنتجت كامب ديفيد، وكما فعل الأردن فنتجت وادي عربا، وكما فعل الفلسطينيون فنتجت أوسلو.. إلخ.

وعندئذ فما هي الحاجة إلى سلاح حزب الله، إذا كانت نتيجة التفاوض عودة شبعا إلى لبنان، وهي التي من أجلها بالدرجة الأولى ما يزال يتمسك الحزب بسلاحه ويمنحه الشرعية؟! وإما أن يجعل هذا الترسيم من "شبعا" أرضا سورية عبر إخراجها من دائرة التفاوض مع لبنان حول ترسيم الحدود، ليجد سلاح حزب الله نفسَه مُعَلَّقا في فراغ بلا مشروعية، بعد أن يكون الوضع القاطع لشبعا قد أخرجها من دائرة تسويغ شرعية سلاح حزب الله. وعندئذ ومرة أخرى ماذا سيفعل حزب الله بسلاحه؟!

إذا أضفنا إلى ذلك كلِّه واقعةَ أن ترسيم الحدود بين بلدين، وتحويل خط الهدنة العسكري القائم بينهما إلى حدٍّ سياسي، هو اعتراف فعلي بالحدود السياسية الفاصلة بين الدولتين، فماذا يكون قد بقي من مسوغات تُشرعن سلاح حزب الله خارج مؤسسات الدولة اللبنانية، والترسيم سينتهي بهذا الشكل من أشكال الاعتراف المتبادل بالحدود؟!

إن شرعية مقاومة حزب الله وشرعية سلاحه وممانعته، مرهونة كلها بجرة قلم من إسرائيل تحدد فيها مصير مزارع شبعا بالدرجة الأولى؟! ولقد أكدنا مرارا وتكرارا وفي أكثر من مناسبة، على أن حزبَ الله ومصيرَه المقاوم، وشرعيتَه الداخلية، تتحدَّد في تل أبيب وليس في بيروت، وعلى أن إسرائيل ما دامت لم تتخذ أيَّ خطوة جادة تجاه الانسحاب من مزارع شبعا، وتجاه حسم مسألة سوريتها أو لبنانيتها، فهذا يعني أنها ما تزال هي ومن يقف وراءها ينظرون إلى حزب الله باعتباره ورقة لم يئن بعد أوان حرقِها؟! وبالتالي فهل يمكن القول إن هذا الذي حصل في لبنان فجأة، وبدأ يؤسِّس لترسيم الحدود بينه وبين إسرائيل، هو بداية النهاية لحزب الله وسلاحه؟!

هل آن أوان تصفية هذا الحزب؟! وهل إيران غدت أضعف من أن تستطيع الدفاع عن أهم أدواتها الإقليمية خارج نطاق إعادة دمجه في الحياة السياسية اللبنانية بغير سلاح؟!

وإذن، وما دام كل هذا الذي يحصل، إنما هو نتيجة لسياسة العقوبات والضغوطات القصوى التي مورست وتمارس ضد إيران وأدواتها وعلى رأسها حزب الله..

أفلا يعني ذلك أن هذه الظاهرة التي يُصار حاليا إلى تصفيتها، أو إلى إعادة تأهيلها وموضَعتها على الأقل، لبنانيا وإقليميا، لم تكن مفروضة بالمعنى الحقيقي للفرض على الحالة الصهيونية الأميركية.

بقدر ما كانت تُمَرِّر بعلمها أو بغير علمها دورا كان مطلوبا لتلك الحالة.. وعندما لم يعد ذلك الدور يتلاءم مع الاستراتيجيات الإقليمية الجديدة، فكان لابد من أن يُصار إلى التصفية. وهو ما تؤشر عليه تداعيات بدء تأطير التفاوض بين اللبنانيين والإسرائيليين حول ترسيم الحدود البرية والبحرية؟!

أسامة عكنان (باحث أردني)

 

 

 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك