القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

كُرة القدم والعلاقات الجُيو سياسيّة الخَفيّة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-06-26 18:07:00 | 333 مشاهدة

مُلخّص                                                                   

تلوح امبراطورية كرة القدم مُلكا لا تغيب عنه الشمس، اللعبة الشعبيّة الاولى في العالم و الأكثر استقطابا للمشاهدين الذين بلغ عددهم 3 مليار  للدور النهائي لكاس العالم 2014 بالبرازيل. وبين نعومة اللعبة وخشونة التدخل  الفج في انتزاع شرف التنظيم تتوضح حقائق اخرى للقوة ورهانات جيوستراتيجية غير معلنة، تُظهر رغبة في التسلط على منطقة نزاع جديدة لم يقع الانتباه الى عمق جاذبيتها وتاثيرها كما يحدث الان. اقتحمت السياسة الخشنة كرة القدم وبدات تُكدّر صفو  قصة عولمة سعيدة للعبة ملأت الدنيا وشغلت الناس  عقودا وستظل. إذ هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب  كل الدول التي ستقف ضد تنظيم بلاده كاس العالم، وهو بذلك قد تجرا على ما لم يتجرّأ عليه أحد قبله. فقد أخذ دعمه لموقف بلده الذي يقود ملفا مشتركا مع كندا والمكسيك صبغة جيوسياسية. فقبيل التصويت الذي حصل يوم 13 جوان، أي قبل يوم واحد من بداية دورة 2014، نشر صاحب البيت الأبيض تغريدة مفادها أن واشنطن لن تقف مكتوفة الأيدي أمام من يعرقل مسيرتها من أجل الحصول على شرف تنظيم كأس العالم القادمة. ومن ثمة كانت رحلة الاصطفاف السياسي الجديدة معلنة دخول منطق القوة عالم الكرة.

مقدّمة

إذا كان ثمة اليوم إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، فهي إمبراطورية الاتحاد الدولي لكرة القدم. ففي قرن ونصف من الزمن، غزت هذه الرياضة مختلف أنحاء العالم وجميع الفئات الاجتماعية والثقافية تقريبا. وهي اليوم بالتأكيد في مقدمة الظواهر المعولمة على الإطلاق. ويكفي أن نذكر أن عدد مشاهدي الدور النهائي لكأس العالم الفارط، بالبرازيل عام 2014، قد تجاوز الثلاثة مليارات مشاهد، وأن هذا العدد في ازدياد مطرّد لنعلم ما تمتلكه هذه الرياضة من جاذبية وقدرة على التأثير. ولكنها قدرة تحيل أيضا على الرهانات الاقتصادية والسياسية وحتى الجغرسياسية التي تحيط بكرة القدم، والتي قد تهدد مستقبل هذه الرياضة واستقلالية مؤسساتها. وأمارة ذلك الظروف الاستثنائيّة التي أحاطت بقرار منح شرف تنظيم كأس العالم عام 2026 للولايات المتحدة وكندا والمكسيك على حساب المغرب. والمقصود هنا تدخل دونالد ترامب بصورة فجة واستثنائية لتهديد كل من يتجرأ على التصويت ضدّ الملف الأمريكي الشمالي. أي أن منطق القوة قد بدأ يغزو الرياضة التي طالما عرفت النجاح من خلال منطق الجاذبية والإغراء.

  1. كرة القدم: قصة عولمة سعيدة

لقد نشأت رياضة كرة القدم في بريطانيا لدى الأوساط الأرستقراطية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ثم انتشرت أفقيا لتكتسح كل القارات، وعموديا لتصبح أول رياضة شعبية بلا منازع. ورافق انتشارها مختلف مراحل التطور التقني في التواصل والاتصال. إذ كانت المبادلات البحرية أول حواملها إلى العالم. وهو ما يفسر أسبقية المدن المينائية في استيراد كرة القدم من خلال إنشاء أول الفرق وأعرقها، كبرشلونة في إسبانيا وهنبورغ في ألمانيا وجِنوا في إيطاليا. ثم تغلغلت هذه الرياضة جغرافيا بفضل سكك الحديد والمبادلات الثقافية التي اقترنت بانتشارها في أواخر القرن التاسع عشر. ولكن الطفرة الحقيقية التي عرفتها الساحرة المستديرة قد جاءت مع اختراع التلفاز في القرن العشرين.

لقد أنشأت الشاشة الصغيرة ملعبا كونيا لا تقيده الجدران ولا الحدود ولا الثقافات. ومن الطريف أن العلاقة بين كرة القدم والتلفاز قد بدأت متشنجة. إذ أن مسؤولي الكرة وقيادات النوادي كانوا قد تخوفوا من أثر السلبي للنقل المبشر للمباريات. فق اعتقدوا أن الملعب الافتراضي يهدد بإفراغ الملاعب الحقيقية من الجماهير، بما يتسبب في إفقاد رياضتهم أهم مصادر تمويلها. لم يكن أصحاب هذا الرأي يقدرون مدى تهافت موقفهم وضعف تقديرهم. فالعكس هو الذي حصل. إذ أن الشاشة قد نقلت عدوى الكرة إلى مختلف الشرائح الاجتماعية عبر القارات. فأصبحت بذلك أكبر حلفاء مؤسسات كرة القدم وأبرز مصادر تمويلها. وبقدر ما وسّع النقل التلفزي من شعبية الرياضة، دعمت كرة القدم صناعة الإعلام. ودليل ذلك تزامن انفجار مبيعات أجهزة التلفزيون مع المسابقات الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم. أما في العقود الأخيرة، فقد تعززت علاقة الربح المتبادل من خلال ظاهرة النواتات المختصة وحقوق البث الحصري وما يدرّه هذا النموذج الاقتصادي من أموال طائلة لكل الأطراف المتدخلة. إن هذه العوامل التقنية لا تكفي لتفسير نجاح المغامرة. فتلك وسائل خارجية لم تقم إلا بدعم عوامل قوة داخلية تتميز بها كرة القدم. ومن أبرزها بساطة القواعد وسهولة الممارسة، وذلك من دون تجهيزات مكلفة أو قيود صارمة. كما أن كرة القدم رياضة مساواة بامتياز. فلا الانتماء الطبقي ولا الثقافي ولا حتى البنية الجسدية تلعب فيها دورا حاسما من أجل التألق أو الفشل. أما استمرار المغامرة، فإنه يعود لطبيعة العولمة التي فرضتها كرة القدم. فبالإضافة إلى مدها الأفقي غير المحدود، استطاعت هذه الرياضة أن تفلت عموديا من قبضة النخب التي أنشأتها. أي أن النخب لم تستخدم وسائل القوة لديها لفرض رياضتها. فهي قد انتقلت بسلاسة ونعومة. فكانت مثالا للعولمة السعيدة التي تتحقق بجذب والتأثير، لا بالقوة والقهر. ثم إنها عولمة لا تقوم على التضحية بالانتماءات المحلية أو على حساب المشاعر الوطنية. بل إن كرة القدم في كثير من الأحيان ما تهدي فرصة لتعززها وتقويها، خاصة في حالات الانقسام الثقافي أو العرقي أو الديني. ففي هذا السياق، يكون الفريق الوطني واحدا من ركائز الوحدة والتقارب. ومثال ذلك بلجيكا التي يعتبر "شياطينها الحمر" آخر معاقل وحدتها الوطنية في ظل انقسامها الشديد بين الفرنكوفون والفلامون.

ولكن يبقى أكثر ما يميز إمبراطورية كرة القدم هو غياب الهيمنة فيها. فحتى الفرق والبلدان الأرسخ عراقة في ممارستها والأكثر حصدا لألقابها تتعرض باستمرار لندية الفرق الأضعف. وحتى وإن لم تكن هذه الندية كافية، فإن أسبقية بلد كالبرازيل وتفوقه تاريخيا ليس مصدرا للنبذ أو حتى الامتعاض، لأن الجميع مقتنع بجدارة البرازيل في تزعم كرة القدم في أكثر الأحيان. وهو تفوق يثير الإعجاب ويدعو إلى الاقتداء والاتّباع. قد لا يكون لكرة القديم نظير في نجاحاتها في الانتشار السريع وفي التقريب بين الشعوب. ولكن الرياضة فيها قد تكون ضحية نجاحاتها. ومن ذلك الأولوية المتزايدة للمال في صياغة حقيقتها. وأخطر منه حسابات السياسة والقوة التي عبرت عنها بجلاء ظروف انتخاب الملف الأمريكي الكندي المكسيكي لاحتضان كأس العالم عام 2026.

  1. ترامب واقتحام السياسة الخشنة لعالم الكرة

إن من طبيعة الأمور أن تساند السلطة السياسية ملف أي جامعة رياضية تطمح تنظيم المسابقات الدولية الكبرى، وخاصة إذا كانت شروطها صارمة كما هو الحال مع كأس العالم لكرة القدم. ومعلوم لكل المتتبعين أن سمعة نيلسون مانديلا قد لعبت دورا حاسما في منح جنوب افريقيا شرف استضافة كأس العالم سنة 2010. كما أن وقوف الرئيس لولا وراء ملف بلاده قد ساهم بشكل كبير في ترجيح كفت البرازيل عام 2014. أما نجاح روسيا وقطر على التوالي في الحصول على شرف تنظيم دورتي 2018 و2022، فقد أسال حبرا كثيرا لما تميّزت به حملاتهما من حركية بدت في كثير من الأحيان متجاوزة للضوابط القانونية والأعراف الرياضية. ورغم تواتر انتقاد هذه الممارسات، وخاصة منها تلك المرتبطة بالضغط السياسي والتأثير المالي من أجل تاجيل نتائج التصويت على الملفات المترشحة، فإن أحدا لم يتوقع ما آلت إليه الأمور قبيل الحسم في تعيين مكان تنظيم دورة 2026. إذ أقدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على ما لم يتجرّأ عليه أحد قبله. فقد أخذ دعمه لموقف بلده الذي يقود ملفا مشتركا مع كندا والمكسيك صبغة جيوسياسية. فقبيل التصويت الذي حصل يوم 13 جوان، أي قبل يوم واحد من بداية دورة 2014، نشر صاحب البيت الأبيض تغريدة مفادها أن واشنطن لن تقف مكتوفة الأيدي أمام من يعرقل مسيرتها من أجل الحظ على شرف تنظيم كأس العالم. بل إن التغريدة تضمنت تهديدا واضحا للدول التي قد تصوت ضد الملف الأمريكي. لم يشهد تاريخ كأس العالم هذا الشكل من التدخل الفج. وبالتالي، يكون ترامب قد كسر محرما جديدا من محرمات الدبلوماسية. ولئن أصبح الرئيس الأمريكي مشهورا بمثل هذه الإنجازات، فلعله قد عبر هذه المرة عن وعيه بنقاط ضعف ملفه. وأولها سياسته الخارجية العامة التي أثرت بشكل كبير على سمعة الولايات المتحدة لدى الرأي العام العالمي. ومن الغريب أن يسعى بلد للاستضافة كل القارات بمناسبة أكبر حدث كروي، في نفس الوقت الذي تنحرف فيه سياسته الخارجية إلى تعال يلامس العنصرية. ومن ذلك ما عبرت عليه تصريحات ترامب المتكررة وسياساته الإقصائية من احتقار لديه عميق لشعوب القارة الافريقية والبلدان الإسلامية.

كما أن الملف الثلاثي، الذي فاز رغم كل شيء بشرف التنظيم، قد جاء في تناقض مع التوتر المتزايد بين الولايات المتحدة وجيرانها. فمن الغريب أن يقع تشريك المكسيك في الترشح الثلاثي وهي التي لم تفتأ أن تمثل المرمى المفضل لنيران تصريحات ترامب حول الهجرة السرية والجريمة المنظمة منذ حملته الانتخابية. وهو لم يتخل عن مشروعه لبناء صور عازل على حدوده الجنوبية. أما كندا، فقد وصف ترامب رئيس حكومتها بالمتحيل والمنافق قبل أيام فقط من تصويت الجامعة الدولية لكرة القدم. وكانت تلك أبرز خلاصاته عنه قمة السبع الكبار التي استضافها جوستين ترودو. ولا شك أن الحرب التجارية التي أعلنتها إدارة ترامب على حلفائها التقليديين، ومن بينهم كندا، ليست إلا في بدايتها. ويرجح أن يؤدي رفض أوتاوا للحواجز الجمركية التي تعمل واشنطن  على فرضها على الضائع الكندية لمزيد التوتر بين البلدين.  ورغم هذه العناصر السلبية، فإن الملف الثلاثي كان يتمتع بحجج قوية. إذ أن منافسه الوحيد، ممثلا في الملف المغربي، قد بدا ضعيفا من حيث الحجج المادية. وللتذكير، فإن الناتج الداخلي الخام للثلاثي المنتصر يفوق مئتي مرة الناتج الداخلي الخام المغربي. كما أنه لا مجال للمقارنة بين الوزن الجيوسياسي والجغرافي والديمغرافي لطرفي المنافسة. ورغم ذلك، فإن ترامب لم يمكن الملف الثلاثي من أن يخوض المنافسة في ظروف عادية. بل إنه في دعمه له لم يتوقف عند الوسائل الناعمة التي تعودتها عليها رياضة كرة القدم ومؤسساتها. فأبى إلا أن يقحم الوسائل الخشنة التي طالما عبر عن تفضيله لها في التعامل مع شركائه أو خصومه. لقد كان من المؤسف أن صوتت أغلبية الفدراليات الكروية لصالح الملف الأمريكي. فهذا التصويت قد فوت فرصة تاريخية لتأكيد تقاليد كرة القدم في النفور من الوسائل الخشنة. وهكذا، جاء قرار الجامعة الدولية لصالح الثلاثي في قطيعة مع رفضها المبدئي لتدخل السياسي في الشأن الرياضي. فتهديد ترامب للدول التي تصوت ضد الملف الأمريكي يتضمن الاعتقاد بأن الجامعات الوطنية هي تابعة لحكومات بلدانها. وهو الخط الأحمر الذي طالما اعتمدته الجامعة الدولية، ولم تتردد في سبيل فرضه في إقصاء كل جامعة تقدر أنها قد وقعت تحت هيمنة حكومة بلدها.

خاتمة

لعل قرار الجامعة الدولية بمنح الولايات المتحدة شرف تنظيم كأس العالم مرتين في أقل من خمس وعشرين سنة يفتح الباب أمام رغبات أمريكية في الهيمنة على هذه اللعبة، لا بالمعنى الرياضي، ولكن بالمعنى المالي والسياسي. ومن مؤشرات ذلك الانقسام الملفت الذي شهدته التصويت العربي. فقد غابت الإجماع المتوقع في مساندة الملف المغربي. وهو ما يؤكد على الطابع السياسي للتصويت. ولعل التهديد المعلنة عبر تغريدات التواصل الاجتماعي لم يكن إلا الجزء الظاهر من جبل الجليد، بما يضع مستقبل كرة القدم واستقلالية مؤسساتها على المحك، خاصة في ظل حصول ترامب على ما أراد.

الدّكتور أيمن البوغانمي

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك