القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

كيف السبيل إلى مقاومة التطبيع الثقافي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-11-21 11:29:00 | 135 مشاهدة

ملخص                                                              

يسعى المقال إلى توضيح أهمية المسار الثقافي في مقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني في ظل  الجدل القديم المتجدد حول اختراق الصهاينة للنسيج الجمعياتي والفضاء الأكاديمي والعلمي التونسي واستقطاب عناصر مؤثرة داخله تستغل موقعها الاعتباري لكسر الحاجز النفسي والفكري  لدى الشعب التونسي والشعوب العربية عموما ضد تطبيع العلاقة مع دولة الكيان المحتل . يطرح المقال أٍسئلة حول سبل تفعيل مناهضة التطبيع على المستوى الثقافي أمام المفارقة التي تحكم المشهد من خلال وجود تيار تطبيع قليل العدد لكنه فاعل في مجاله مقابل تيار مناهض للتطبيع وافر العدد قليل الفاعلية

المقدمة

في ماي من سنة الفين وعشرة أصدر المفكر الفرنسي ريجيس دوبري كتابا تحت عنوان " إلى صديقي اسرائيلي " وتزامن ظهوره آنذاك مع احياء الصهاينة لذكرى قيام دولتهم المحتلة وقد أجمع الصهاينة أن ذلك التزامن جعل ذكرى قيام دولتهم الأسوأ على الإطلاق بناء على ما اعتبروه خرقا في جدار "المكتسب الثقافي " الذي حققه الصهاينة منذ قيام كيانهم الغاصب على أرض فلسطين في الأوساط المثقفة الغربية. ذلك أن مثقفي الغرب كانوا يتبنون موقفا داعما  لدولة الاحتلال بلا أدنى احتراز فقد أصدر عدد من المثقفين والمفكرين   في باريس يوم 28 مارس/آذار 1967 ما سمي ببيان المثقفين الفرنسيين الذي وقعه سارتر وسيمون دوبوفوار وأعلن فيه عدد من المثقفين تأييدا كاملا للدولة الصهيونية ودفاعهم المستميت عنها وانحيازهم إلى جانبها واستنكارهم لما وصفوه بتهديد سلامتها من الدول العربية.وقد أعاد كتاب دوبري سؤال المكتسب الثقافي إلى نقطة الصفر خاصة بعد سلسلة مواقف ثقافية هامة تبعته و بدأت برسالة المؤرخ اليهودي الأصل أندري نوشي إلى سفير إسرائيل في فرنسا والتي أكد فيها أنه "لم يعد من الممكن الصمت أمام سياسة الاغتيالات والتوسع الإمبريالي لإسرائيل"،ثم كانت  عريضة المثقفين التي وقع عليها نحو ثلاثة آلاف من اليهود البارزين من المثقفين بينهم أساتذة جامعيون من أمثال برنارد هنري ليفي وألين فنكيلكراوت اللذين يعتبران من بين أشد المدافعين عن إسرائيل بين المثقفين الفرنسيين. ومن بين الموقعين أيضا دانييل كوهين بينديت، وهو زعيم الاحتجاجات الطلابية التي جرت في ستينيات القرن الماضي ووصفت العريضة الاستيطان "بالخطأ الأخلاقي والسياسي". لذلك كان قلق الصهاينة واضحا وجليا بعد صدور كتابه إلى "صديق اسرائيلي " .

المثقفون العرب :الموقف اليتيم

ورغم أن دوبري لا يعارض فكرة الصهيونية من أساسها وهذا ما برز في كتابه "كنديد في الأرض المقدسة" إلا أن موقفه المندد بالانتهاكات الصهيونية ضد الفلسطينين أزعج الصهاينة ازعاجا كبيرا  لم يقع استثماره على المستوى العربي فقد  كان موقف النخبة المثقفة العربية ضعيفا بل يكاد يكون منعدما فباستثناء رسالة يتيمة من الدكتور سهيل إدريس موجهة إلى سارتر نشرتها الصحف اللبنانية الصادرة بالعربية والفرنسية وبعض المجلات المصرية استنكر فيها البيان وجاء فيها "... موقفكم الحالي في تأييد دولة اغتصبت أرضا وشردت شعباً يخون مواقفكم السابقة في تأييد نضال شعوب الجزائر وكوبا وأفريقيا وسواها لاسترداد حريتها والدفاع عن حقوقها. المثقفون العرب -وفيهم أصدقاء كثيرون لكم- آسفون لسقوطكم أنتم أيضا ضحية التضليل الصهيوني. أعاني ندما عميقا لترجمة كثير من كتبك وتقديمها للقارئ العربي. فقدان المثقفين العرب ثقتهم بكم لن يزيدهم إلا إيمانا برسالتهم في الدفاع عن الحق العربي في فلسطين".

وفي الحقيقة هذا اليتم التاريخي في موقف المثقفين العرب في ذاك الزمن لم يدفع العدو الصهيوني الى الاغترار به والاكتفاء بما تحقق والاطمئنان إليه بل سعى إلى مزيد من اختراق النخب والمثقفين والمنظمات المدنية العربية وقد عاد الجدل إلى الساحة السياسية والمدنية في تونس حول التطبيع مع الكيان الصهيوني خاصة بعد قرار حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي تجميد عضوية العميد السابق لكلية الآداب بمنوبة الحبيب القزدغلي في الحزب بسبب رئاسته الشرفية لجمعية تونسية هي فرع لجمعية صهيونية فرنسية تحمل اسم المنظمة الدولية لمناهضة العنصرية

التطبيع الثقافي:أكاديميو تونس في المهب

ويدفعنا هذا الجدل إلى التنبيه إلى أمرين مهمين أولهما الجهد الخفي والمستدام الذي تبذله دولة الكيان الصهيوني لاختراق النخب العلمية والأكاديمية والمثقفين عموما في الساحة العربية والإسلامية من أجل استغلال موقع هذه النخب الرمزي للتأثير في المجتمع والدولة في اتجاه تطبيع العلاقة مع الكيان الغاصب

ثاني هذين الأمرين سهولة اختراق النسيج الجمعياتي والمدني بعد الثورة من قبل الصهاينة و أطراف أخرى بسبب الانفلات الكمي غياب المراقبة لتمويل المنظمات والجمعيات المشكلة لهذا النسيج . ويبدو لنا أن   الواجهة الثقافية والمدنية هي الواجهة المفضلة للكيان الصهيوني لتمرير التطبيع مع الشعوب العربية وهنا ندرك حجم الوعي الذي يقوده مؤسسات هذا الكيان وقادته ونخبه في مواجهة حالة العداء المستحكمة التي تؤسس موقف الشعوب العربية من الاحتلال الصهيوني . والواجهة الثقافية والمدنية من    أخطر وجوه التطبيع بما أنه يدمر الوعي المجتمعي بحقيقة المعركة مع الصهاينة وبأهمية القضية الفلسطينية بما يدفع في نهاية المطاف نحو حالة من القبول الشعبي لكل السياسات الرسمية تجاه الصراع مع العدو الصهيوني  وهو جهد انطلق العمل عليه مبكرا  ففي تونس نجح الصهاينة في كسر  هذا الحاجز النفسي على المستوى الفني زمن المخلوع حين استضافوا بعض المغنين التونسيين في مدينة إيلات المحتلة  حتى  أن أحد هؤلاء المغنين هتف بحياة مجرم الحرب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مقترنا باسم رئيس الدولة آنذاك زين العابدين بن علي. وقد اختلفت ردود الفعل تجاه حركة التطبيع الثقافية هذه، لكنها ردود أجمعت على الاستنكار الشديد للعملية. من جهة أخرى نحن لا نعثر إلى حد الآن على مقررات مدرسية و جامعية  رسمية عن القضية الفلسطينية فالدولة منذ الاستقلال  لم تسمح بتدريس القضية الفلسطينية في برامج التعليم بمختلف مراحله، و وسائل الإعلام لم تكن تستعمل صفة العدو الصهيوني مطلقا مثلما كان دارجا في وسائل الإعلام العربية،وهذا وجه خطير من وجوه التطبيع الثقافي لعلاقته ببناء الوعي المواطني للأجيال المتعاقبة  وهو ما يبرز من خلال تمرير التطبيع تحت لافتات يبرع في إخراجها مثقفو التطبيع ويبدعون في تسويقها مثل الانفتاح والتسامح الديني و حوار الحضارات ورفض سياسة الكراسي الشاغرة.http://www.aljazeera.net/KNOWLEDGEGATE/KEngine/imgs/top-page.gif وقد أبدع عدد من الأكاديميين التونسيين المحسوبين على تيار التطبيع في تسويق هذه السياسة من أجل الالتقاء مع أكاديميين صهاينة لم يتورعوا عن مساندة سياسة التقتيل والتهجير التي تمارسها حكومتهم ضد أبناء الشعب الفلسطيني، في الوقت الذي كان فيه هؤلاء الأكاديميون الصهاينة يتعرضون لحملة مقاطعة أكاديمية في عدد من جامعات الدول الأوروبية، خاصة البريطانية منها. وفي هذا السياق تبرز كتابات تونسية من جامعيين ومن يحسبون على الساحة الأدبية في تونس تنتقد المقاومة وتدعو إلى التطبيع، بل الأنكى من ذلك أن هذه المقالات نشرها أصحابها في مواقع إلكترونية صهيونية. وإذا كان موقف الأكاديميين الأوروبيين محل تقدير في أوساط الشعب التونسي ونخبه الرافضة للتطبيع -وهي كثيرة- فإن الأمل كان معقودا على أن يسارع إلى الدعوة لمثل ذلك مثقفو تونس وأكاديميوها، لكن مرة أخرى يسبقنا إلى المكارم من هم أهل لها.

سبل مقاومة التطبيع الثقافي

ولأن الشعب التونسي أثبت أنه أهل للمكارم المتعلقة بالقضايا القومية من خلال تصديه لقافلة العار التي غنت في إيلات المحتلة وهباته السابقة في كل المناسبات، فإن السؤال الذي يشغل بالنا ما هي السبل الكفيلة التي تجعل  الصنف من الأكاديميين المطبعين مع الصهاينة والعاملين على تنزيل هذا التطبيع في الحياة الثقافية والسياسية للتونسيين  استثناء داخل الشعب التونسي. ذلك أنه ليس  من الحكمة تجاهل ما يأتيه هؤلاء نظرا للمواقع التي يتبوؤونها داخل المجتمع، وهي مواقع تمكنهم من الاتصال المباشر والتأثير على عدد هام من أبناء الشعب، خاصة من جيل الشباب الذين يشكلون مستقبل البلاد. بلا شك أن تيار مناهضة التطبيع داخل النخبة المثقفة التونسية هو أوسع بكثير من تيار التطبيع لكن فاعليته أضعف مقارنة بالتيار الأخير،ذلك أن تيار مناهضة التطبيع واقع في اشكال منهجي يحتاج إلى أن يتحرر منه فهو تيار جامد لا يتطور يستجلب من القضايا ما ليس له علاقة بواقع مجتمعه وقضاياه ويصر على خوض صراع مفاهيمي لا يوجد إلا في أذهان أصحابه وهو صراع يتمحور أساسا حول قضايا الهوية والدين  من المهم أن يلتقي الفاعلون داخل تيار مناهضة التطبيع على مشترك  يوحد جهودهم  بعيدا عن الاختلافات الجزئية والايديولوجية فلا يمكن لهذا التيار أن يحقق خرقا في مقاومة التطبيع ما لم تكن قضايا الحرية ومقاومة الاستبداد  مشتركا يدافع عنه الجميع بلا أدنى احتراز .

خاتمة

وفي تقديرنا أن تحقيق هذا الالتقاء على جملة هذه القيم كمشترك بين الجميع يحتاج إلى خطوة استباقية تتعلق بالتحرر من الارتهان للأنظمة السياسية التي تزعم تبني القضية الفلسطينية لكنها تقمع شعوبها وتصادر حرياتهم  وهي معضلة صاحبت الدولة العربية و نظام الاجتماع المدني والسياسي العربي منذ الحروب الأولى مع دولة الكيان الصهيوني في طرح مغلوط قوامها تحرير الأ{ض قبل تحرير الإنسان وهو ما كشفت الثورة التونسية وما تبعها من الثورات رغم الانتكاسة  بطلانها فلا يمكن للإنسان المقهور والمصادرة حريته أن يفكر في تحرير الأرض حتى تلك التي يقف عليها مباشرة فضلا عن التي تبعد عنه آلاف الأميال لأن وعيه المشروخ بعصا الاستبداد والكبت  يضعف درجة وعيه الرمزي المتطور .

الدكتور سمير ساسي

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك