القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

كورونا تونسيا : وباء فيروسي وحدث سياسيّ حين تعلّق الدولة أشغالها

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-03-17 13:39:00 | 1198 مشاهدة

تلخيص:

في خضمّ يوميات سياسية تونسية شديدة الغرابة والهشاشة، يطرأ "وباء كورونا" كحدث سياسي تاريخي غير تقليدي ويكاد يشبه في غرابته المشهد السياسي التونسي. وباء هو بصدد إحداث تحوّلات وإن بطيئة في شكل الدولة وفي فكرة السياسة وفي أدواتها. قد تتمنّع الأجسام السياسية الحزبية والتنفيذية والتشريعية عن الاستجابة لمقتضيات التعامل مع حدث طبيعي/ سياسي، ولكنها ستنتهي بالرضوخ إلى سلطة ميتاسياسية ينذر بتجاوزها جميعها إلى حالة العدم السياسي إن عجزت عن إدراك فاعليّته الجذرية في تغيير شكل وجود الإنسان السياسي على هذه الأرض.    

مقدّمة:

يصل فيروس كورونا إلى تونس في ظرف سياسي استثنائي مفتوح بطبعه على تطورات ستحدّد مصير الديمقراطية الناشئة وشكل الدولة وربما وجودها نفسه. فقد تزامن وصول الوباء العالمي مع تسلّم حكومة جديدة لمهامّ الحكم بعد أشهر من التوقّف الفعلي لأجهزة الدولة في ظل حكومة تصريف أعمال تصرّفت كفصيل سياسي لا كحكومة، لتولد على أنقاضها حكومة جديدة بما يشبه طريقة اللصق والتلفيق. حكومة مركّبة على عجل ضمّت فرقاء سياسة لم يحدث أن اجتمعوا من قبل حول فكرة سياسية مشتركة، ولكنهم التقوا اضطراريا و"انتهازيا" ( مع حفظ الحمولة الأخلاقية للّفظ) في عملية "طوارئ" سياسية، بعد أن كادت العملية الديمقراطية برمّتها تدخل نفق الفوضى بانتهاء آجال تشكيل الحكومة دستوريا.

في هذا السياق الاستثنائي جاءت جائحة كورونا لتفرض على الجميع، دولة وشعبا، "تعليق العمل" بالحياة القديمة كلّها لا بالسياسة القديمة فقط.

  1. السياسيّون الجدد أمام كورونا: صدمة انعدام السياسة:

1/ الحكومة الجديدة: ما معنى كورونا؟

بالكاد دخل الوزراء الجدد مكاتبهم ليجدوا أنفسهم عاطلين عن السياسة، وجها لوجه مع الموت الحاف، فبهتوا ولم يصدّقوا. السياسة التي تعلّموها لعقود في عائلاتهم الإيديولوجية القديمة لم تسعفهم بمفتاح الحركة الأولى في مهمّاتهم السياسية الجديدة. ولم تمهلهم الجائحة الطارئة لتجريب الشعارات التي رفعوها في الجامعات ضدّ الامبريالية العالمية وقوى الاستكبار العالمي وقوى التجزئة والصهيونية والاستعمار ... الخ. جاؤوا يهرولون لتدوير الشعار السياسي وكلّهم ثقة في فاعليته العملية من داخل "السلطة"، فإذا بهم يحدّقون في ملفاتهم المرصّفة فوق مكاتبهم في انتظار مرور الموت.

رئيس الحكومة الجديد بدا تائها متردّدا ذاهلا مرتعش اليدين في المناسبات القليلة التي ظهر فيها للإعلام، قبل ظهوره الضعيف الباهت في "خطاب الوباء" الذي أعلن خلاله عن إجراءات طارئة ببرود لا يناسب حجم الكارثة ويترجم غربته في مكانه الجديد الذي يبدو أنه لم يتوقعه ولم يستعدّ له، قبل أن يختفي تماما من المشهد مع تفشّي الوباء ووسط حالة عامة شعبية ورسمية من الفوضى والحيرة والعجز. أمّا وزراؤه، وحتى الأشدّ فيهم حماسا للسياسة وطموحا قبل دخول الحكومة، فقد غابوا تماما عن المشهد، وخيّروا "التريّث" ريثما يتبيّنوا الحقيقة من الخيال فيما يجري أمامهم. ردّ فعل مزرٍ يكشف خللا بنيويّا عميقا في التكوين السياسي لهذا الفريق الحكومي "الملفّق" بجميع مشارب مكوّناته.

وخلف الحكومة التائهة، يقف برلمان يعجّ بالطارئين على مجال السياسة.

2/ برلمان "خالٍ من السياسة": ما معنى السياسة؟

منذ بدء أشغاله يوم 25 أكتوبر الماضي بعد انتخابات "مجنونة" نسفت نتائجُها المشهد القديم، وعلى امتداد أربعة أشهر، اكتشف التونسيون فداحة المشهد البرلماني واعتباطيته وضحالته. غياب هوية سياسية واضحة لمكوّناته. في مقدّمة هذه المكوّنات كتلة حركة النهضة التي تمثل حزبا يفتقد رغم قدمه لهوية سياسية تجعل منه حزبا بالمفهوم الحديث. هوية يبحث عنها منذ مؤتمره العاشر، ولكنه ينتهي في محاولاته دائما إلى الاكتفاء ببراغماتية نفعية محكومة بمرجعيته التراثية. وفي المرتبة الثانية كتلة "قلب تونس" الذي لا يعدو أن يكون "مشروعا استثماريا مندمجا" يختلط فيه التجاري والإعلامي وملامح لوبيات الضغط السياسي والطموح للمجد الشخصي مع نسبة ضئيلة جدا من السياسة أضافها إليه بعض الملتحقين بالحزب من تجارب حزبية قديمة لتأكّدهم من حاجة مؤسس المشروع إليهم مراهنين على نجاعة خطابه الشعبوي في تمكينهم من فرصة الحكم. الفاعل البرلماني الثالث الأكثر حضورا هو كتلة الدستوري الحرّ التي لا تخفي استهدافها المباشر والجذري لتجربة الانتقال الديمقراطي برمّته إذ تعتبره نتيجة مؤامرة على نظام بن علي الوطني، وتعمل على إلغاء كل مخرجات مسار التأسيس الجديد الذي انطلق منذ 2011، مستغلة كل الفرص لتعطيل عمل المؤسسة التشريعية. هذا التعطيل تسهم فيه بنصيب كبير  ضحالةٌ ظاهرةٌ في التكوين السياسي لأغلبية النواب. ضحالة تبدو جلية في تدنّي مستوى النقاش السياسي والفقر الفكري خلال الجلسات العامّة إلى حدود لا تليق ببرلمان بلد يطمح لإنجاز انتقال ديمقراطي على أنقاض تاريخ طويل من الاستبداد ومن موت السياسة. الكتل الأخرى، وفي غياب كلّي تقريبا لليسار الماركسي، تتوزّع بين التيار الديمقراطي وحركة الشعب المتردّدين أمام خيار مشاركة أولى في الحكم، ومع خصمهما المشترك حركة النهضة، وائتلاف الكرامة الوافد الجديد للمشهد السياسي من الأوساط الشبابية المحافظة وحتى السلفية.

برلمان بهذا "الفقر السياسي الحادّ" لم يكن منتظرا منه أن يتفاعل مع جائحة عالمية بالسرعة والنجاعة والاستباق الذكيّ والتحشيد السياسي كما يجدر أن يحدث في مثل هذه الحالات. ومهما كانت الخطوات اللاحقة التي هو بصدد اتخاذها، ستكون خطوات متأخرة لا محالة، ومن باب التدارك العسير لتداعيات يصعب قياسها الآن بدقة: تداعيات اقتصادية على اقتصاد توقّفت نسبة نموّه قبل أزمة الوباء الحالي، ودخل في منحنى انهيار بفعل حالة الشلل السياسي شبه الكامل قبل تكوين الحكومة، قبل أن تداهمه هذه الجائحة العامّة، وتداعيات اجتماعية حتمية إذا طال أمد الشلل التام المتوقع حدوثه بعد أيام إن تمّ إعلان إيقاف حركة النقل الداخلي وغلق المصانع والإدارات والأسواق، إجراءات سيكون على الدولة تخفيف انعكاساتها على الناس بتفعيل طاقتها العملية القصوى لتلبية حاجياتهم الأساسية وملاحقة المحتكرين وتجار الحروب والمآسي، وهو أمر يتجاوز قدراتها الحالية.

3/ الرئيس يعلّق مشروع الديمقراطية من الأسفل: ما معنى كورونا؟

تأتي أزمة وباء كورونا والبلاد غارقة في ما يشبه "كوميديا سوداء" بطلها رئيس دولة جديد قادم من خارج المنتظم الحزبي كلّه بمحافظيه وثورييه ووسطيّيه، ومن خارج الأفكار السياسية المتداولة على المستوى العالمي تقريبا، ما عدا بعض الشبه بمنظومات شعبوية مندثرة. ورغم أن الدستور يقلّص كثيرا من صلاحيات الرئيس ويحدّ من تأثيره الفعلي على التوازنات السياسية الكبرى، فقد استدعت ظروف تشكيل الحكومة بعد الانتخابات الأخيرة وتوازن الضعف الذي لم يمكّن لا حزبا ولا ائتلافا حزبيا من قيادة الحكومة الجديدة، استدعت الاستنجاد بالرئيس لا فقط لتكليف رئيس حكومة، بل دفعت به إلى قلب العملية السياسية وهو الذي يفتقد إلى قوة سياسية واضحة تسنده، وإلى معرفة سابقة ولو محدودة بمكوّنات المنتظم السياسي نظرا إلى أنه كان على هامش السياسة العملية طيلة سنوات الدكتاتورية، فضلا عن افتقاده لمشروع سياسي حقيقي سوى ما يردّده من شعارات صارت موضوع تندّر شعبي بسبب هلاميّتها وبسبب طريقته المسرحية المفتعلة في عرضها.

صورة الرئيس يمكن اختزالها في شعار لا يكفّ عن ترديده: " الشعب يريد، ويعرف ما يريد"، ولا يفتأ يطالب شعبه ببلورة ما يريده في مقترحات مشاريع تنطلق من الأسفل، ويقصد من القرى والأحياء ومن حيث وجد تجمّع سكني، مقابل شعب ينتظر أن يحقق له الرئيس كل أحلامه وسريعا وهو الذي انتخبه في شبه بيعة، والنتيجة أن الرئيس والشعب ينتظر كلاهما الآخر ليبادر.

ضمن هذا السياق الرئاسي العجائبي بقي الرئيس مشدوها أمام وباء فيروسي قطع عليه تهويماته واضطرّه إلى تأجيلها، فيروس مجهول طرأ فجأة على سياسة العالم كما طرأ هو نفسه تقريبا على سياسة تونس، وفرض عليه تعليق "مشروعه" ومحاولة تطويع لغته مع مستجدّ كوني غريب لا تسعه الخطابة التقليدية البدوية التي تعتمد التهديد والوعيد والصراخ والفصاحة العتيقة.

 

بهذا المعنى وجد السياسيّون التونسيون الجدد، حكومة وبرلمانا ورئيسَ دولة، أنفسهم أمام ملفّ ما فوق سياسي وهم في خطوات الحكم الأولى قادمين من جدل انتخابي سياسوي سطحي لا يلامس استراتيجيات وطنية قابلة للتنفيذ المرحلي الهادئ تتمثّل في إصلاحات قطاعية حياتية جزئية ولكن فعالة يلمسها المواطن في حياته اليومية، وإجراءات عاجلة للحدّ من الفساد والمحسوبية والتهرّب الضريبي، وإعادة تهيئة البنية الأساسية للنقل والصحة والتعليم، بعيدا عن شعارات الإيديولوجيا من قبيل الازدهار العميم والعدالة الاجتماعية الشاملة والاستقلال الوطني الناجز.

ملفّ وباء كورونا مثّل صدمة عميقة للعقل السياسي الرّسمي الحزبي وغير الحزبي في تونس، وهو الآن ملفّ/ شبح يتجوّل في أروقة الحكم ويستنفر بقايا قدرة على التفكير السياسي السويّ بما قد يمكّن من إعادة بناء السياسة باعتبارها تنظيما عقلانيا للشأن الجماعي يستهدف أعلى درجات النجاعة في خدمة الفرد/ المواطن.

  1. كورونا وإعادة اختراع الدولة:

بعيدا عن المقاربتين الشموليّتين النقيضتين لوباء كورونا: التآمرية التي تراه من "افتعال" جهات استخباراتية عالمية اتخذته "الدولة" الرأسمالية المهترئة ذريعة تكاد تكون "ميتافيزيقية" لتجديد أدوات هيمنتها على مواطنيها، واتخذته أخرى ( المقصود أمريكا أساسا في مواجهة الصين) لدعم خياراتها الاقتصادية الحمائية الصارمة (منع كلّي للتواصل التجاري والمادي والبشري في زمن الثورة الاتصالية) في مواجهة الزحف الاقتصادي من منافسيها. مقابل المقاربة القيامية/ الدينوية للوباء والتي ترى فيه عقاب الطبيعة أو/ والآلهة للبشرية نتيجة إفراطها في تدمير الأرض والكون باستسلامها ل"ديانة استهلاكية" مجنونة رفعتها العولمة المعلوماتية والمالية إلى درجة الدين العالمي الواحد والنهائي.

 

مقابل هاتين الفكرتين الشموليّتين المسرفتين في التقريرية والدغمائية، واللتين نراهما واسعتين فضفاضتين كثيرا حول جسم السياسة التونسي النحيل، وقد نجد صعوبة إجرائية في تنزيلهما على الشأن السياسي التونسي، مقابلهما نميل إلى أن الطبقة السياسية التونسية ربما تجد نفسها اليوم أمام فرصة قدرية لا تخلو من "عبث فاجع ولكنه حكيم" لإعادة اختراع السياسة في مجال جديد بكر لكنّه أشدّ خصوبة كما يحدث للأرض بعد البراكين الكبرى المدمّرة. فربّما جعل "حدث كورونا" مادّة الخطاب السياسي الحالي تتغيّر بشكل جذري فعلا. وها نحن نلحظ بتحفّظ أن لا أحد يجرؤ الآن، والوباء يزحف ويقتل ويبيد، على إثارة الهويات الحزبية القديمة، إلا همسا أو نشازا يثير التقزّز والقرف من العموم. وينكفئ الرئيس الهلامي في محاولة لتجديد مفردات خطابه الذي أبلاه الفيروس الزاحف، ومن الصعب عليه أن يستأنف ترديد تمائمه القديمة بنفس الوتيرة في حضور كورونا، ويقف النواب الوافدون على السياسة من فراغ أمام درس افتتاحي مهيب خجلين وجلين وحتى مذعورين بكامل الانتباه أمام خطر زوال الحاجة إليهم بين الفينة والأخرى، وربّما خطر زوال الشعب بأكمله.. كما لو أنّ التاريخ يتحوّل هنا إلى شاشة عرض سينمائي عملاقة يتأملها هيتشكوك مندهشا كطفل من كثافة التشويق والإثارة والنهايات الدرامية الفاجعة.

خاتمة:  

بعد مرحلة الذهول العامّ لكلّ أجهزة الحكم في تونس أمام زحف وباء كورونا المفاجئ، بما شكّل عمليا تعليقا لوجود الدولة، أو فاصلا تاريخيّا خاليا من السياسة. هاهو الآن جسم الدولة يتحسّس أطرافه ليتأكّد أنه على قيد الحياة.. على الأقلّ حتى الآن. وفي انتظار المرور إلى استراتيجيات واضحة ودقيقة في محاربة الفيروس القاتل تعيد للدولة هويّتها الأصلية، هويّتها الكليّة المتعالية الجامعة وشديدة الواقعيّة، إلى الحدّ الذي يجعل المواطن الفرد يستطيع لمسها والتحقّق من وجودها في مكوّنات وجبته الغذائية اليومية الشبيهة بوجبة جاره.. جاره الذي كان لا يشبههه في شيء، قبل وصول كورونا.      

عبد الرزاق بلحاج مسعود (كاتب تونسي)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك