القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

كتاب نهاية جماهيرية الرعب: غرائبية الحقيقة وصدمة التاريخ

مقدمة:

 كتاب نهاية جماهيرية الرعب للكاتب الصحفي اللبناني  حسن صبرا رئيس تحرير مجلة الشراع اللبنانية صدرت الطبعة الثالثة التي نعتمدها عن الدار العربية للعلوم ناشرون  في نوفمبر 2012  وقد ورد هذا الكتاب في حجم كبير يحوي 367 صفحة، قسمه صاحبه إلى سبعة عشر فصلا ، تيمنا بهذا العدد الذي مثل رقما سحريا وهو يوم الخلاص من الرعب الذي ظل جاثما على صدور الليبيين لأكثر من أربعين سنة ينهب خيرات الوطن ويكمم الأفواه ويلقي لهم من الفتات منّة، بل إن 17 فبراير كشف عن خور في بناء مؤسسات الدولة بالمعنى الحديث فلا جيش ولا مؤسسات أمنية ولا قضاء وطغت على شخصية القذافي ردّات الفعل غير المحسوبة انتقاما وتلذذا بتعذيب الآخرين يصل حدّ السادية وقد سعى حسن صبرا أن يكون ملما بالموضوع الذي طرقه صادقا في نقله متحرّيا في مصادره موقنا بهدفه وبدت صورة القذافي تتهاوى نحو وهدة عميقة كالتي تهاوى إليها جسده المطعون .  

1/ جماهيرية الرعب .. الحقيقة المغّبة:

يبدو الكتاب في ظاهره تأريخ لجماهيرية الرعب خلال فترة القذافي وخاصة منذ 1975 بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها بعض صحبه ممن كان معه في الانقلاب الأول سنة 1969 . وقد حاول حسن صبرا ألا يكون مجرّد ناقل فقط بل محللا للأحداث قارئا لما بين السطور ، ولكن الحقيقة أن القذافي كان متعايشا مع الغرائبي والأسطوري في بناء الحدث والسير به إلى المنتهى  يقول  "... خطر ببالي لحظة أن أكتب المقدمة بعبارة واحدة هي صدق أو لا تصدق... وهذا ما دفع في خاطري عبارة أخرى كمقدمة تقول: هذا الكتاب يجمع في وقائعه ما هو مضحك وما هو مبكي، ما هو ساخر وما هو جدي"  وهكذا يمكن اعتبار هذا الكتاب جامع الشرائط.إذ هو مجموعة وقائع، وهي كلمة مشتقة من كلمة وقع، "واسمها واقع أي أنها حصلت، وفيها شهود مثلما فيها ضحايا، ومجرمين، وكلهم بشر، وهذا ما يجعلها تختلف عن أفلام السينما، ولو أن بطلها  معمر القذافي". إن الحقيقة أنه  لا يمكن تصديق شخصية طاغية معجب بنفسه حدّ الهذيان حتّى بيتبدّى للقارئ أنها من صنع الخيال... ولعل معمر القذافي هو أول من اعتمد كلمة "خيالة" تعريباً لكلمة سينما، والخيالة مشتقة من الخيال... فقصص معمر القذافي كما يراها صحبه وينقلها حسن صبرا  أغرب من الخيال..." وهو ما يدفعنا إلى اعتبار هذا الكتاب ليس تأريخاً لأحداث، بقدر ما هو قراءة لها، في أسبابها، في تداعياتها، في مساراتها المتعرّجة إلى أقبية السجون وإلى الغرف السوداء وإلى المقبرة أخيرا وآخرا وإنما أزاح صبرا عنها الستار لتتعرى أمامنا حقائق مفجعة، تنفث ألماً، وظلماً، تعبر عن رؤيا مثقف عضوي ومفكر مجدد من عالم عربي مشحون بالصراعات والتناقضات، وغياب العدالة، والخوض فيها يتطلب الثقة والسعي إليها في مصادرها الأولى دون تحريف أو تزييف

2/ القذافي : مسارات الوطن المكلوم:

يبدأ الكتاب مباشرة من قصة ثورة فبراير الليبية التي أحدثت شرخا في ليبيا وأزاحت الكابوس الجاثم على صدور الليبيين منذ زمن الهزيمة الأول ومنذ ذلك الحين وهم في الهزائم يغرقون ، وقصر العزيزية يعج بفضائح القذافي النسائية  في الداخل والخارج الشاذة وقد بدا الكاتب اطلاعه على كتاب طرائد القذافي الذي ألّفته إحدى الصحفيات الفرنسيات بالاعتماد على نساء كنّ مقربات من العقيد وخاصة الفتاة فاطمة ثم تناول المؤلف مسألة نبوءة هذا الرجل الحالم الذي لم يزد تعليمه عن شهادة الإعدادي ليدخل بعدها في التدريب العسكري في سبها بوساطة أحد النافذين حينها وقد كان حلمه يكبر حتى أنه صارح زملائه أنه يريد أن يحكم ليبيا وبدأ يخطط لذلك بشكل لا يمت لواقعه في شيء ولم يصدّقه إلا صديقه عمر المحيشي الذي كان يمثل ظله منذ الصغر وهو الذي سيعلن الخروج عنه في أول منعرجات الحكم ، ومن الحكايات الصادمة التي ينقلها الكاتب هو حينما كان يحاول أن يتشبه بالنبيّ محمد صلى الله عليه وسلم بشكل كاريكاتوري يدعو إلى الهزل وقد خلص الكاتب إلى أصله اليهودي من الأم  ولعل ذلك ما بنى عليه الكاتب آراءه في  تفسير بعض أفعال هذه الشخصية المأزومة التي يصعب فهمها وفق علم النفس البشري للإنسان العادي، وقد بدا الكاتب مستغربا ولذلك تراه يعنون فصلا كاملا ب"يا رفاق معمر لماذا تركتموه يفعل كل هذا بكم وبليبيا ؟" 
ثم يكشف حقيقة طالما أرّقت الناس "هكذا قتل الإمام موسى الصدر " ثم يعرّج عن مجزرة سجن أبو سليم " الذي مثل الشوكة التي انغرزن في خاصرة حكم القذافي العنيد الذي أطلق يد المجرم عبد الله السنوسي ليقتل ألفا من مساجين بو سليم دون إثم اقترفوه. وقد عقد بعده فصلا  بعنوان "أولاد الإمبراطور: جرائم وصراعات وراقصات وملايين تبعثر ، ولعل المؤلف صبرا يحاول في كل عمله أن يؤكد مقولة " إن الصحافي هو مؤرخ اللحظة" لذلك تراه ينحو منحى ذرائعيا أحيانا ليقرب أكثر إلى الحقيقة ويضع رجليه في برد الحقيقة .  ولعل أهمية هذا التوصيف وقوته تكمنان في التعبير عما يختزنه الحدث أي حدث من وقائع وأحداث وأبعاد وانعكاسات ومفاهيم بعيدة الأثر تتصل أولا بالحاضر وتالياً بالمستقبل، ولا تقف فقط عند حدود عبر وأحكام وسمات مستخلصة من تاريخ مضى قريباً كان أم بعيداً. هذا بالنسبة إلى الحدث، أي حدث. فكيف إذا كان الحدث بمستوى ثورة الشعب الليبـي الذي انتهك القذافي عرضه ونهب ثروته وتركه على الحديدة رغم ثروات الوطن، ولذلك كانت ثورة فبراير من ابرز محطات الربيع العربي المتوهج في العقد الأول من الألف الثالث، وكان صبرا في كل ما كتب مؤرخا اللحظة في هذا السياق الدرامي

إن الكتاب لا يعرض سيرة القذافي فقط ، إلاّ انه يتناولها بكثير من التفصيل طباعه وعقده  النفسية ومسار  حكمه وصعود نجمه  وهبوط مستواه وبورصته وفساد منهجه، وقد نجح صبرا في الإحاطة بكل الجوانب المعروفة وغير المعروفة في شخص هذا الإمبراطور الطاغية الذي قـلّ نظيره على مـرّ التاريخ.  وقد بدا أن الأمر نفسه ينطبق على أولاد القذافي وأبرز رجاله وكذلك أبرز القيادات والأشخاص الذين ارتبطت أسماؤهم بالعقود القذافية الأربعة السابقة في ليبيا والمنطقة، ويمكن القول إن هذا كتاب يحاول أن يكون جامعا لأهم وأبرز المحطات في سير هؤلاء، ليس فقط من خلال ذكر بعض الوقائع المثبتة والأكيدة والخاصة، بل وأيضاً من خلال إماطة اللثام عما خفي في حياة القذافي من فضائح وشذوذ وطغيان وإجرام قل نظيره في التاريخ  وهؤلاء من علاقات شخصية ونسائية عـبّـرت عن أمزجة عليلة وفاجرة لا شأن لها إلا العبث بمصائر أالشعب، والتلذذ بذلك في نزعات سادية مكبوتة أو ظاهرة، في استعادة ممسوخة لمدعي الألوهة قبل التاريخ المكتوب أو استعادة متفلته من أية ضوابط لمشاهد إنصاف الآلهة للحكم في أزمان الإغريق والرومان القدماء. ولا يقف الكتاب عند حدود رصد ابرز جرائم القذافي ومعه أبناؤه  وبطانته، ومكائدهم للحديث عن تفاصيلها بأسلوب السرد الصحافي المميز والواضح، بل يضعها في سياق مشهدي، دون أن يؤثر إيراد التفاصيل على إبراز صورة اللوحة العامة السوداء في ليبيا على أكمل وجه، ودون أن يفرق في سعيه لرسم تلك اللوحة بالتنظير أو إطلاق المواقف الجافة أو الأحكام غير المسندة. فكل فكرة لها ما يفرزها من الأسانيد والحجج والوثائق، وكل عنوان يضج بأحداث حقيقية يرويها الكاتب بأسلوبه الفذ والصريح والمشوق والسلس، مضيفاً إلى قالبه في التعبير الكتابي كل ما يميزه اليوم من نضج اكتسبه كمخضرم في عالم الكتابة والصحافة والسياسة والفكر على مدى نحو نصف قرن. ولعل ذلك كان وراء العناية الفائقة التي أولاها لقصة ثورة شباط/ فبراير من دون إغفال قصة انقلاب القذافي وسيطرته على مقدرات الليبيين قبل أربعة عقود، متوقفاً عند عناوين – عرض لكل منها بتفاصيل واسعة – ستبقى لصيقة باسم القذافي حاضراً ومستقبلاً، ومن أهمها مجزرة سجن أبو سليم، إخفاء الإمام موسى الصدر وقتله، وقتل الإسلاميين في سجن أبو سليم سيء الذكر . وغير ذلك من العناوين التي يضج بها الكتاب .
خاتمة:

إن هذا الكتاب بفصوله الـ15 وثيقة حية تغطي مرحلة استمرت نحو 41 عاماً في التاريخ الحديث المعاصر قبض خلالها الطاغية معمر القذافي على ليبيا الشعب والدولة والمقدرات الهائلة ومارس فيها شتى أنواع القمع والإرهاب والإذلال والتجهيل بحق الشعب الليبي الذي ظل يرزح نحت كلاكل حكم متغطرس أشدّ من الحكم الفاشي على علاته وتحكم بحكم موقعه بمسارات وأوضاع بالغة التعقيد والأهمية عربياً وإفريقيا.. الخ. وهو ما يعرض له الكتاب عبر صفحات مفصلة ونابضة بالوقائع الحية الحقيقية، بشكل تكاد تكون معه شبيهة بفيلم رعب سينمائي استخدم فيه المخرج كل أنواع التخويف والرعب وتقنيات استخدام الدم والتعذيب.

د.محمد التومي ( باحث تونسي )

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية ، هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك