القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

قمّة الكُوريتيّن : من الشّقاق الى الوِفاق

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-05-15 10:31:00 | 227 مشاهدة

ملخّص

في لقاء تاريخي،  نهاية  أفريل الماضي، جمعت القمّة زعيم كوريا الشمالية "كِيم جُونغ أُون" ورئيس جمهورية كوريا الجنوبية "مُون جايْ إن"،  وكان الحدث مفاجئا  للمراقبين الذين  يعرفون حالة العداء التي وَسمت  البلديْن وخلّفت ما يناهز 5 ملايين قتيل طيلة ستة عقود من الخلاف. اتفق الزعيمان  على تخطّي كل أخطاء الماضي ولَجْم لغة الرّصاص دون اعتبار منتصر أومنهزم،  ودخلا  المسرح الديبلوماسي بمنطق جديد قائم على تغليب المصلحة والمنفعة  على كل حسابات ضيّقة . بينما تبقى الخلافات العربية أشدّ تعقيدا،  و تتّجه الى مزيد من الفرقة والبيْن والاحتراب  في عالم  يمور تحت اقدام الجميع ويتجه الى تشكيل  المَحاور السياسيّة القادرة على مواجهة التحديّات .

مقدّمة

في لقاء تاريخي جمع زعيم كوريا الشمالية "كيم جونغ أون" ورئيس جمهورية كوريا الجنوبية "مون جاي إن"  في مدينة بانمونجوم، وتحت أنظار العالم، ألزم الزعيمان نفسَيهما باتخاذ كل الإجراءات الضرورية من أجل إحلال سلام شامل في شبه الجزيرة الكورية. يوم الجمعة 27 أفريل 2018 صباحا، عبَر الزعيم الكوري الشمالي الخط الفاصل بين البلدين تعلو محياه ابتسامة معبّرة في الظاهر على حسن نوايا، وماسكا بيد الزعيم الجنوبي، متخطييْن خطوة نحو الشمال تتبعها عدسات المصورين، ليتحولا معا إلى الشطر الجنوبي في المنطقة المنزوعة السلاح. قمة يمكن اعتبارها تاريخية، لأنها تجاوزت أكثر من سبعة عقود من العداء والتنافر، بل والكيد والتهديد المستمريّن، نتج عنه ما يقارب من  خمسة ملايين قتيل. كيف تجاوز الزعيمان الكم الهائل من الاختلافات الهائلة التي لا يُتوقع لها حل،  ليصلا إلى اتفاق تاريخي يقضي بتذليل كل الصعاب التي يمكن أن تكون حائلا نحو الأمن والاستقرار في شبه الجزيرة الكورية، وفي المنطقة بشكل عام؟ و أين يقف زعماء العرب من طاولة الحوار التي  تقدم حلولا لمشاكل مهما استعصى حلها؟ وكيف يمكن أن تُكبح لغة الرصاص؟

 دروس من المصالحة   

في منطقة من العالم مشتعلة اشتعالا غير تقليدي، بل  كان يمكن أن تكون نتائجها أكثر كارثية من نتائج الحرب العالمية الثانية، يطوي التاريخ صفحة مليئة بدماء الأبرياء، ومن أنانية الزعماء الطامحين لتخليد مآثرهم، حتى وإن كان ذلك على حساب أرواح البشر. فمع اليدين اللَّتين تصافحتا بدءا، ثم رفعتا، سيشهد التاريخ أن ذلك كان عنوانا بارزا لتخطي كل أخطاء الماضي دون اعتبار منتصر ومنهزم، فتحقيق المستحيل لا يمكن أن يكون كوريا، من أجل ذلك ألزم الزعيمان الكوري الشمالي والكوري الجنوبي نفسَيهما بالعمل على بناء مستقبل مغاير لأبناء كوريا كشعب واحد مرتم في أحضان دولتين، لم يعرفا طعم الراحة يوما تحت ظل طموحات زعيم كوريا الشمالية التي تملك ناصية التكنولوجيا النووية، والتي بامتلاكها أرعبت كل جيرانها والعالم دون استثناء، وحتى الولايات المتحدة الأمريكية القوة العسكرية الأولى والأقوى في العالم كانت على يقين أنها في مرمى الزعيم الشاب الطموح.  متّحدتين، ستسعى الكوريتين على نزع فتيل التوتر والعمل على إحلال سلام راسخ بينهما وتجنّب كل الدوافع لاقتراف أعمال عدائية بين البلدين، وتجاوز كل استفزاز يمكن أن يعيدهما لنقطة الصراع، في خطوة تبعث بالراحة والطمأنينة لدى الجيران، والعالم الذي تلقى الرسالة بكل أريحية وانشراح بعد أن عاش على وقع ما بعد الحرب المتوقعة والوشيكة، وما ستخلفه من دمار لا يمكن لعاقل أن يتخيل مداه.

ولئن اشرأبت الأعناق نحو مدينة "بانمونجوم" ، فإن العيون العربية لا زالت تنتظر وحدة كان قد وعد بها كل من تولى الحكم منذ خمسينيات القرن الماضي وإلى يومنا هذا، فالفرقة في البلاد العربية تجسيم لطموحات ضيقة بعيدة عن إرادة الشعوب المستضعفة التي ينهشها الفقر والاحتياج في جغرافيا هي الأغنى في العالم. والخلافات مهما كانت بسيطة تحولت وبسرعة البرق إلى عداوات ما قرأنا عنها إلا في كتب الأدب والتاريخ الجاهلي، وبالرغم من ذلك كله، فإن الخلافات العربية لا ترقى بأي حال من الأحوال إلى الخلافات الكورية.اعتبرت القمة الكورية تاريخية لأسباب عدة، فزعيم كوريا الشمالية "كيم جونغ أون" يدخل المسرح الدبلوماسي من باب كبير، فقد حظيت القمة باستحسان دولي كان له شديد الأثر كما حُظيت بدعم إقليمي واسع من قبل دول لها تأثير سياسي كبير وباع في الاقتصاد العالمي - روسيا والصين واليابان وحتى من قبل الولايات المتحدة الأمريكية -. كما أنها  كانت ثنائية بعد أن اتفقت الدول الإقليمية على أن تكون  سداسية تجمع دول المحيط والولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما أضفى عليها مسحة ارتياح في جميع الأوساط وخاصة التي كانت تتوجس من الزعيم الكوري الشمالي. يمكن الاشارة  في هذا الصّدد أن الضغط الكبير الذي كان قد سلطه رئيس الولايات المتحدة "دونالد ترامب" على كوريا الشمالية في خطابه في الأمم المتحدة في شهر سبتمبر من عام 2017 وتهديده بقصفها، كان من بين الدوافع التي عجلت بالقمة، إلا أننا لا بد من تبيّن كل المعطيات وحسن قراءة المواقف والتماس  الواقع، حيث أنه لا يمكن أن تتخلى دولة نووية مثل كوريا الشمالية تملك بناصية التكنولوجيا ،  بكل بساطة عن كل ما حققته في المجال النووي مثابرة منذ عقود وبخطى ثابتة وبذلت من أجل تحقيقه ما لا يحتمل محققة ما تصبو إليه، بل وجعلتها هذه التكنولوجيا دولة نووية مهيبة الجانب، وتحقيق ذلك كلف ما كلّف، فهل أن زعيم كوريا الشمالية "كيم جونغ أون" سيتخلى عن سلاحه النووي وببساطة، وفي مقابل ماذا؟. لم تتحدث كوريا الشمالية في هذه القمة ولم تتعرض للكلام عن السلاح النووي، وإن كان المحللون يرون أن قمة يصفونها بالتاريخية، ستجعل من كان مهيب الجانب مستسلما فإن الجواب لا يكون إلا - ومن سوء الحظ - نوع من الهراء، فكوريا الشمالية لم تحظ بهذا الاهتمام من قبل العالم، إلا لأنها تملك أوراق ضغط وبرنامج حوار ومشروع يجعلها على طاولة الحوار ذات أثر وتحظى باهتمام ويقرأ لها حساب بل ألف حساب وأكثر. والسؤال أين يقف حكام الشّعب العربي الواحد، صاحب التاريخ الواحد، والحضارة الواحدة، والدين الواحد، ولهم كل مقومات الوحدة التي لا يملكها غيرهم، وهم ينظرون إلى زعيم شاب يتبسم ويرفع يديه ويجلس إلى طاولة حوار وكل العالم ينتظر ما ستؤول إليه هذه القمة؟ وما مواقفه هو بالتحديد؟ ألا يمكن لهؤلاء الحكام أن يستلهموا هذا الدرس ، ويبادرون إلى وضع لمسات القربى بينهم؟. عندما نتابع مجريات القمة نحسم القول بأنه لا مشكلة بدون حل، بل يكفي أن يكون لك مشروع تحظى من خلاله على احترام من العالم، فهل تملك  البلاد  العربية مشروعا؟.

 العرب وغياب المشروع

يقف العرب في وضع دولي متحرك دوما، والمعضلة انه قد تميد الارض تحت الاقدام ولكن لايشعرون بها. وهم الآن يجدون انفسهم امام مشكلتين :

1- هم  أمام قوى إقليمية صاعدة وطموحة تمسك بزمام المبادرات، حيث أن هذه القوى تملك مشروعا يجعلها فاعلة في الساحات العربية الداخلية التي جعلت منها لاعبا فاعلا وربما متحكما في الكثير من الملفات، وحتى التي لها صلة مباشرة بوضعها الداخلي، فما بالك بالقرارات السيادية. ففقدانهم لمشروع واضح ومتفق عليه يصنع القرار، ويردع المعتدي ويتصدى لمشاريع موازية لا تخدم المصالح العربية، ويجعل منهم قوة على الأرض يسمع العالم لها، وتؤخذ مواقفهم على محمل الجد وتقرأ لهم  القوى الإقليمية والعالم ألف حساب في التعامل المباشر أو حتى في اتخاذ القرارات على الصعيد الدولي، مشروع يوازي المشاريع الطامحة التي تعج بها منطقتنا العربية كالمشاريع التركية و الإيرانية والصينية التي استطاعت ان تقدم في البلاد العربية   منتجاتها  الاقتصادية، مع عدم إغفال المشروع الصهيوني القديم الجديد والمتجدد مع كل هزة في البلاد العربية من محيطها إلى محيطها مشروعها المدعوم بصفة آلية من الولايات المتحدة التي لا تتوانى لحظة على إعلان رأيها ودون تحفظ لمساندتها اللاّمشروطة والعمياء للكيان الصهيوني، فالعرب ،ومن سوء الحظ، لا وزن لهم في خضم هذه المؤثرات حتى في الساحة العربية التي تكتفي بالشجب والاستنكار.

2- الخلافات غير مبررة بين قادة الدول العربية، والتي لا يوجد  لها أساس سوى وفي كثير من الأحيان إرضاء لطموحات أصحاب المشاريع الناهبة للثروات ، زد على ذلك الشعور المتواصل لدى قادتهم  بأنهم مهددون في مناصبهم يتآمر بعضهم على بعض. فالخلافات العربية  لا ترقى في أكثر الأحيان إلى أن تعدو خلاف بين زوجين تغضب المرأة ثلاثة أيام في منزل عائلتها لتعود إلى منزلها وتستمر الحياة. ولكنه ثبت انها خلافات لم تزد إلا ضعفا وفسحت المجال واسعا امام التدخل الاجنبي وطمع  الغريب والبعيد، و رغم الجغرافيا العربية المتحدة دون فواصل لكنها مع كل نقطة تنشئ بؤرة توتر، في  العراق و سوريا و اليمن، ليبيا، وضاعت مكانة مصر الدولة المحورية في العالم العربي  وسط كل ما يحدث. ويتواصل التوتر  بين المغرب الجزائر دون ان يوجد من  يذيب الجليد بينهما. وتتواصل ازمة دول الخليج  حيث عجزت كل الوساطات على تجاوزها وحلها. لكن هل يمكننا أن نقارن بين مشاكلنا في وطننا العربي والمشاكل التي درات رحاها بين الكوريتين على مدى أكثر من ستين عاما؟. لقد كانت الخلافات بين كوريا الشمالية المدعومة أساسا من قبل الإتحاد السوفييتي السابق والمتبنية للإيديولوجيا الشيوعية، وبين كوريا الشمالية المدعومة من الولايات المتحدة بنظامها الرأسمالي. وأثناء فترة الحرب الباردة كانت نتائج وخيمة انعكست سلبا على الوضع الإقليمي وأفرزت جغرافيا متحركة مهددة الأمن العالمي، وفقدت من خلالها الدولة الواحدة المنقسمة إلى شطرين بفعل لغة الرصاص أرواحا وإمكانات، في الشمالية دكتاتور يحكم بالحديد والنار واقتصاد هش وظروف معيشية صعبة، و الجنوبية على العكس تماما، ديمقراطية في أرقى تجلياتها بل دولة تعد في المرتبة العاشرة في اقتصاديات العالم، قررتا بعد هذا كله أن تتجاوز كل المآسي مهما كان مأتاها لتفتح صفحة جديدة من أجل رسم صورة يكون فيها إشراق شمس عهد جديد يبعث الدفء رويدا رويدا لإذابة تراكمات الثلوج التي أوهم العالم أنه لن يكون ذلك إلا بالدمار، لذلك سيحسب للزعيمين هذه المبادرة.

خاتمة

 من يا ترى من الزعماء العرب سيخرج من الكهف عنوان الظلمة والتخلف، ليرفع يديه مناديا: "أنتم في الظلام تنتظرون الفجر والشمس في كبد الماء"، خارج الكهف. إن مشاكل الدول العربية لا ترقى إلى ما بين الكوريتين،  والعرب ينتظرون ان تكون الملفات العالقة فوق الطاولة ومناقشة القضايا على مائدة  الحوار، فقد عرفت الكوريتان خمس ملايين قتيل بينما  صفر قتيل بين دول الخليج والخلافات العربية البينيّة.إن أبرز من احتفل بالمصالحة الكورية دول المنطقة قبل غيرها، فهم الذين عاشوا في الأيام الأخيرة فترات صعبة، ففي لحظة كان يمكن أن تشتعل نيران حرب لا يعلم مداها ولا نتائجها. والمنطقة جاهدت طويلا لتجد لنفسها موقعا ضمن اقتصاديات العالم الصين واليابان والنمور الست، ليس هينا عليها أن تفقد في لحظة تهور ما أنجزته، وارتقت بنفسها من الهاوية إلى حالة الرفاه والتي تعمل بقوة من أجل إثرائها، وحرب في المنطقة لا تجر خلفها سوى الدمار يحل على الكل. لتدخل المنطقة عصرا جديدا  وُضع حجر أساسه، فأين  العرب من كل هذا؟

 د- منير بن الحبيب القبطني

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك