القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

قمة كوالالمبور الإسلامية المصغرة: من عباءة النفط إلى عصر التكنولوجيا

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-01-08 10:36:00 | 839 مشاهدة

ملخص:

انعقدت بين يومي الأربعاء والسبت 18-21 ديسمبر 2019 بالعاصمة الماليزية كوالالمبور قمة إسلامية مصغرة أسالت الكثير من الحبر نقدا ومساندة وعبرت بذلك عن واقع العالم الإسلامي المنقسم. وإذا كان تنازع القيادة التركي السعودي قد طغى على اهتمام المحللين، فإن دراسة معمقة لسياقات المبادرة ورهاناتها يعكس تحولا عميقا في تفكير قيادات العالم الإسلامي ضمن التحولات العميقة التي يشهدها العالم الإسلامي ذاته نحو مزيد الانخراط الفاعل في العولمة والاقتراب أكثر من معاناة الشعوب الإسلامية.

يقوم المقال على ثلاث مفاصل أساسية: سياقات المبادرة ورهاناتها، فرص المبادرة ومزاياها، آفاقها. ويخلص إلى أن المبادرة بخلاف ما قد يتبادر إلى الذهن من أنها محاولة عابرة مثل غيرها من القمم واللقاءات بين زعماء العالم الإسلامي، فإنها تمثل محاولة جادة متأنية باحثة عن الثبات والنجاح من خلال تقليل المشاركين والاقتصار على المتقاربين في الأفكار والحاجات، وتوسيع المشاركة إلى النخب المفكرة بدل الاقتصار على الزعماء. وهو ما يمنحها قدرة على الحياة والنماء وتجاوز التناقضات الداخلية.

مقدمة:

أثارت القمة الإسلامية المصغرة المنعقدة بكوالالمبور (ماليزيا) بين الأربعاء 18 والسبت 22 ديسمبر 2019 شيئا من الاعتراض. وذهبت عديد التعاليق إلى التركيز على صراع الزعامة بين القوتين السنيتين الكبريين: تركيا والسعودية. إلا أن قراءة متمعنة في رمزيات هذه القمة تذهب أبعد من ذلك بكثير وتحيل على ما يشهده العالم الإسلامي من تحولات عميقة.

ولئن سبقت هذه المحاولة محاولات تكتل أخرى من ذات الدول ودول أخرى، بما قد يوحي أنها محاولة استعراضية لا تختلف عن سابقاتها، فإن القمة الحالية تحمل من أسس القوة ما يمكن أن يجعلها أكثر جدية وثباتا وقابلية للتطور والتوسع.

نحاول في هذا المقال رصد

سياقات هذه القمة ورهاناتها،

الفرص التي تحملها،

آفاقها.

مؤشرات اقتصادية وبشرية (سنة 2018) لدول القمة الإسلامية المصغرة بكوالالمبور (مقارنة بمصر والسعودية)

 

البلد

عدد السكان بالمليون

المساحة (1000 كم2)

ن د خبالمليار دولار

نصيب الفرد من الناتج الداخلي الخام

% الصناعة في ن د خ

% الخدمات

في ن د خ

النفقات العسكرية (% من ن د خ)

المسجلون في الهاتف الجوال (% من السكان)

% النفاذ إلى الإنترنت

% الصادرات التكنولوجية العالية من مجموع الصادرات الصناعية

قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد الصافي (مليون دولار)

تركيا

82.3

785.4

771.4

9373

29%

65%

2.5%

97%

71%

2%

13044

ماليزيا

31.5

330.3

358.6

11384

39%

53%

1%

134,5%

81%

53%

8570

إندونيسيا

267.7

1913.6

1042.2

3893

40%

47%

0,7%

119.8%

40%

8%

20008

باكستان

212.2

796.1

314.6

1483

18%

59%

4%

72.6%

15.5%

2%

2354

قطر

2.8

11.6

191.4

68357

61%

39%

1,5 (2010)

142%

99.7%

0%

- 2166

إيران

81.8

1745.2

454

5550

35%

56%

2.7%

108.5%

70%

1%

3480

المجموع

678,3

5582.2

3132,2

 

 

 

 

 

 

 

45290

المعدل

 

 

 

4618

37%

53%

2%

90%

63%

11%

 

                       

السعودية

33.7

2149.7

786.5

 

50%

48%

8.8%

122.6%

93.3%

1%

4247

مصر

98.4

1001.5

250.9

 

35%

51%

1.2%

95.3%

46.9%

1%

6798

ن د خ = الناتج الداخلي الخام

(المصدر: البنك الدولي)

 

أولا: سياقات ورهانات معقدة.

وضح مهاتير محمد رئيس حكومة البلاد المنظمة (ماليزيا) أن فكرة القمة تبلورت على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخير وكانت أقرب إلى العفوية نتيجة ما لاحظه أصحاب المبادرة (مهاتير محمد والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الحكومة الباكستاني عمران خان) من ضعف المسلمين واضطهادهم وتكالب الدول عليهم.

قد يكون الإطار المباشر عجل بالمبادرة، لكن النظر في سياقات المبادرة يكشف أنها ضرورة جمعت المبادرين إليها. وهي تعبر عن رغبة قديمة (منذ نهاية القرن العشرين (1997) مع نجم الدين أربكان) متجددة (مع مهاتير محمد (2014)) لدى بعض الدول في أن تتقوى ببعضها في مواجهة تحديات إقليمية ودولية.

من مجموعة الدول الثماني الإسلامية النامية(1997) إلى منتدى كوالالمبور (2014):

تأسست هذه المنظمة الدولية بمبادرة من رئيس الحكومة التركية آنذاك نجم الدين أربكان بإعلان إسطنبول يوم 15 جوان 1997. وضمت ثماني دول إسلامية هي تركيا، وماليزيا، وباكستان، وإيران،وإندونيسيا، وبنغلاديش، ومصر، ونيجيريا. والملاحظ أن النواة الأساسية لهذه التجربة هي ذاتها التي تقوم عليها المبادرة الحالية. وهي تعكس رغبة لدى هذه الدول في افتكاك مكانة ما داخل النظام الدولي الجديد بعد نهاية الحرب الباردة وهجمة الأحادية القطبية وبحث كل التكتلات عن موقع في الوضع الجديد. يتكشف ذلك من محاور الاهتمام والتعاون التي وضعتها المنظمة لنفسها: العلوم والتكنولوجيا، المالية والخدمات المصرفية، الزراعة والتنمية الريفية، الصحة والتنمية البشرية والبيئة، الطاقة.

وقد عقدت المنظمة عشر ندوات منذ ذلك التاريخ، آخرها بتركيا في أكتوبر 2017. ورغم الإعلان أنها منفتحة على التوسع فإنها لم تسجل انضمام أي دولة جديدة. كما أن فاعليتها لم تثبت فلم تخرج عن خصائص بقية المنظمات والتكتلات التي تحولت إلى جزء من المشهد الدولي الباهت المهمش. وبقيت في مستوى أدوات الدعاية للأنظمة والحكومات التي توهم بأنها تسعى إلى فعل شيء لكنها لا تفعل إما تقصيرا أو عجزا. ويبدو أن التناقضات الداخلية بين مكوناتها وارتباطاتها الإقليمية والدولية تمثل أكبر عائق أمام بلوغ أهدافها.

ولعل ما يؤكد عطالة هذه المحاولة، مبادرة صانع نهضة ماليزيا، مهاتير محمد إلى تأسيس «منتدى كوالالمبور» عام 2014 لبناء شبكة علاقات بين قادة العالم الإسلامي والمثقفين والباحثين والمفكرين والخبراء([1]). وهي مبادرة استعادت حيويتها بعودته إلى الحكم والتقائه بالرئيس التركي أردوغان في إسطنبول صائفة هذه السنة (24-27 جويلية 2019)([2]).

فالمبادرة إذن تعكس هذه الرغبة المتجددة من نفس القوى القائدة لاكتساب القوة والمكانة والشاعرة بثقل التحديات أمام تلك الرغبة. وبتوسيع المبادرة إلى دول أخرى تشاركها نفس الرغبة فهي تسعى إلى توفير أكبر قدر من فرص النجاح والقدرة على مواجهة تلك التحديات.

 

تحديات إقليمية ودولية ملحة أمام المجموعة:

 

تشترك مجموعة القمة في أنها تقع في منطقة مشتعلة وتشهد تحديات متعددة الأبعاد ومتداخلة ذات طبيعة جيوستراتيجية واقتصادية بل وحتى حضارية إلى حد يضع بعضها في مواجهة بعض. وفيما يلي نذكربأهم تلك التحديات دون أن نتوسع فيها:

الثورات العربية: منذ 2011 فتحت الثورة التونسية على موجة من الثورات اجتاحت بلدانا تكلست أنظمتها وحملت آمالا بدخول العالم العربي التاريخ من جديد. لكن القوى العربية والإسلامية الرئيسية انقسمت في موقفها من تلك الثورات بين داعم وعلى رأسها تركيا وقطر، ومعارض بل ومقاوم للتغيير وعلى رأسها المملكة السعودية والإمارات المتحدة. وانعكس هذا الانقسام على بقية القضايا التي تشغل المنطقة حيث أصبحت المواقف تتحدد منها بالنظر إلى التموقع من تلك التحولات.

القضية الفلسطينية: إضافة إلى معاناة الشعب الفلسطيني التي تدعو إلى التضامن معه فإن هذه القضية أصبحت تمثل موضوع انقسام بين القوى الرئيسية في العالم الإسلامي. فهي بالنسبة إلى تركيا وإيران الطامحتين إلى مكانة جيوستراتيجية من خارج رضا القوى الدولية المهيمنة على القضية تمثل خير مدخل لكسب الشعوب العربية والإسلامية من خلال درجة الدعم والمساندة لحقوق الفلسطينيين (وتتنافسان في ذلك). وهما تدفعان لأجل ذلك اليوم من استقرارهما الاقتصادي والسياسي (تحريض القوى الداخلية المعارضة الذي وصل إلى حد دعم المحاولة الانقلابية التركية صيف 2017). في المقابل انتقل موقف القوى المعارضة للثورات العربية إلى الانخراط في صفقة القرن باعتبارها مدخلا لضمان وجودها (التي تراه مهددا بسبب الثورات العربية) عبر كسب دعم القوى الكبرى المساندة للكيان الصهيوني.

القضية الكردية: تشغل كلا من تركيا وإيران وتستنزف جزءا من جهودهما الاقتصادية والأمنية. وقد اتخذتها الدول المعارضة للربيع العربي ورقة ضغط على مسانديه بالتحريض والتمويل.

الأقليات الإسلامية: تشغل قضية كشمير باكستان خاصة بعد أن ألغت الهند الاستقلال الذاتي للإقليم. بينما تعاني أقليات أخرى من الاضطهاد العرقي والديني ولعل أبرزها على الإطلاق أقليت االروهينغيا في ميانمار والأويغور في الصين. وفي ظل طموح هذه الدول إلى لعب دور جيوستراتيجي فإنها تجد نفسها أمام تحد كبير في الموازنة بين مصالحها ومواقفها وتجد نفسها محرجة أمام شعوبها إذا ما صمتت عن تلك الانتهاكات.

الوضع المضطرب في كل من سوريا والعراق: يشغل كلا من تركيا وإيران اللتين تفترق مصالحهما في هذا المستوى. ويمثل البلدان ساحتي تجاذب مع القوى الإقليمية والدولية المضادة لهما حيث تسعى إلى استنزاف البلدين هناك. لكن ذلك لا ينفي أن هذا الملف يمثل مدخلا أساسيا لمكانتهما الجيوستراتيجية.

الوضع اليمني: لم ترتح الجارة الكبرى وحليفتها الإمارات إلى التحول الديمقراطي في اليمن ورأت أن أخطر ما فيه هو انفتاح الباب أمام صعود حزب الإصلاح الذي يمثل النسخة اليمنية من الأحزاب الإسلامية القابلة بالديمقراطية والتي يرى فيها الحلف المضاد لثورات الربيع العربي ذو الخلفية الوهابية خطرا على استقراره الداخلي وزعزعة لمسلماته. أما إيران فقد وجدت في الملف اليمني فرصة في إطار لعبة التوازن مع المملكة السعودية وحلفها الإقليمي من ناحية وتركيا وحليفها المحلي (حزب الإصلاح) من ناحية ثانية وذلك من خلال بناء تحالف وثيق مع الحوثيين. أما تركيا فهي ليست غائبة بدورها عن الملف في إطار موقفها الداعم للتحول نحو الديمقراطية بالعالم العربي وعلاقاتها بحزب الإصلاح اليمني. وهو بذلك ملف يفرق الدولتين تماما مثل الملفين العراقي والسوري.

الوضع الليبي: يشبه كثيرا الوضع اليمني مع تغير طفيف في القوى الفاعلة فيه بانقسام بين تركيا وحلفائها غرب ليبيا والحلف المضاد للثورات العربية وحلفائه شرق ليبيا وانخراط بعض القوى الدولية بالنظر إلى أهمية الثروات الطاقية الليبية. ولعل تصاعد الأحداث الأخيرة يعكس حدة الأزمة وما يمكن أن تتطور إليه من انخراط مباشر في الصراع. وهو ما يحيلنا على ملف آخر أشمل وهو ملف الغاز المتوسطي.

ملف الغاز في المتوسط: تشهد تركيا حاجة متزايدة للطاقة في ظل نموها الاقتصادي. وتمثل وارداتها الطاقية سدس مجموع وارداتها (16%سنة 2017). وتواجه حملة محاصرة من حلف ثلاثي الغاز المتوسطي (مصر واليونان والكيان الصهيوني) الذي يسعى لفرض أمر واقع بتقسيم المياه المتوسطية بشكل يخرج تركيا من أي حق في الثروة الغازية الواعدة. وهو مسعى لا يخفى فيه أثر الانقسام الحاصل حول الديمقراطية العربية. فالنظام المصري يعتبر هذا الملف وسيلته للانتقام والثأر من الموقف التركي الرافض للانقلاب والداعم لمعارضيه وإسطنبول التي تحولت إلى مأوى لهم من خلال تضييق الخناق على تركيا حتى وإن ضحى بالمصالح الوطنية المصرية (تحوله إلى مستورد للغاز الفلسطيني من الكيان الصهيوني والتضحية بمساحة من المياه الإقليمية المصرية). وفي المقابل فقد وجدت تركيا في حكومة الوفاق بطرابلس حليفها الذي فك عنها هذا الخناق.

الوضع الأفغاني المضطرب: تشكل أفغانستان عمقا استراتيجيا لكل من إيران وباكستان بشكل يجعلهما متنافسين. وهو تنافس يتأكد بالنظر إلى الواقع المذهبي باعتبار كل منهما يحتوي أقلية مذهبية منافسة (الشيعة في باكستان والسنة في إيران وكلا الطائفتين في أفغانستان). وفي ظل التدخل الأمريكي لا تزال أفغانستان تشكل مصدر انشغال للبلدين بما أن حديقتهما الخلفية مخترقة.

حصار قطر: تعاني هذه الإمارة الصغيرة حصارا من جيرانها الثلاثة على خلفية خياراتها الداعمة للربيع العربي ومكانتها الجيوستراتيجية وقدراتها الاستثمارية المتنامية. وهو ما يدفعها إلى البحث عن تحالفات خارج محيطها الخليجي لتضمن تحرر إرادتها وتفلت من قبضة الشقيقة الكبرى وتؤمن انطلاقتها الاقتصادية.

الملف النووي الإيراني وحصار إيران: يمكن اعتباره مدار السياسة الخارجية الإيرانية باعتباره ضمانة مكانتها الجيوستراتيجية وقاطرة نموها التكنولوجي والاقتصادي. وهو الهدف الاستراتيجي للقوى المعادية لإيران في العالم والمنطقة. وبسببه تواجه إيران حصارا اقتصاديا من الولايات المتحدة التي تدوس على الاتفاق النووي رغم كونها شريكا فيه. لكن هذا الملف يمثل بصورة ما محل تجاذب خفي مع القوى الإقليمية الأخرى بما فيها تركيا التي قد ترى فيه تفوقا في ميزان القوى الإقليمي مع إيران حتى وإن مثل انتماؤها إلى حلف شمال الأطلسي ضمانة مرحلية في مواجهة ذلك.

عطالة التكتلات العربية والإسلامية المختلفة: لقد تكلست المنظمات العربية والإسلامية التي حملت عند تأسيسها آمال الشعوب العربية والإسلامية في استرجاع هيبة المسلمين ورد الاعتبار لإرادتهم. وتعطلت بارتداد إرادات الأنظمة إلى المصالح القطرية بدل القومية والإسلامية والارتهان في وجودها إلى الخارج. ومن هنا فإن التكتلات الجزئية التي تظهر هنا وهناك (مثل اتحاد المغرب العربي ومجلس التعاون الخليجي) إنما هي محاولات لجمع ما يمكن جمعه باللعب على تقليل نقاط الاختلاف وتثمين الممكن من المشترك. لكنها بدورها سقطت في نفس علل التجمعات الكبرى (الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي). ومن ثمة تبدو القمة الإسلامية المصغرة أمام تحد كبير في إثبات أنها محاولة جادة حتى لا تكون محاولة أخرى من المحاولات الفاشلة.

التحدي الاقتصادي: تشترك الدول المكونة للتجربة الجديدة في الإرادة الواضحة في افتكاك مكانة ضمن النظام الاقتصادي العالمي الحالي من خلال اكتساب التكنولوجيا. ويواجه كل منها منافسة حادة من قوى صاعدة في المنطقة. فماليزيا وإندونيسيا تواجهان الصعود الصيني والهندي الكاسح.بينما تدفع إيران وتركيا ثمن خياراتهما السياسية وطموحهما الجيوستراتيجي حصارا وتضييقا بما يعطل نموهما (دون أن يمنعه).

تدفع هذه التحديات القوى المبادرة إلى عقد القمة الإسلامية المصغرة إلى التقارب وتجميع فرصها للتقوي ببعضها ومحاولة تنظيم خلافاتها. فما هي الفرص التي يمثلها هذا التجمع؟

 

ثانيا: فرص متنوعة.

اقتنعت مختلف الدول متقدمها وناميها بضرورة البحث عن تكتلات تتقوى بها وتوفر لها مجالا حيويا بما تكتسبه من عمق مجالي (ثروات وموقعا) ورصيد بشري (طاقات وسوقا) يهيئان لقوة إنتاجية تنعكس كلها وزنا جيوستراتيجيا بين الأمم وفي المحافل الدولية. ولا يخرج المسعى الأخير عن هذا التوجه إذيحمل تجمع الأقطار الإسلامية المبادرة إليه فرصا تجعله إن نجح تكتلا وازنا في المعادلات الدولية. ويمكن أن نشير فيما يلي إلى أبرز تلك الفرص.

الرصيد البشري:

تعد مجموعة الدول الخمس المبادرة والمدعوة إلى قمة كوالالمبور قرابة 680 مليون نسمة (سنة 2018) يتمتعون بمعدل دخل فردي يقارب 5000 دولار، مع سقف يقارب 70 ألف دولار في قطر ومعدل أدنى يقارب 1500 دولار في باكستان. وبذلك يوفر هذا التجمع رصيدا بشريا من الطاقات الشابة التي تمثل قاعدة للتجديد التكنولوجي وسوقا قادرة على استيعاب الإنتاج الفائض عن التصدير. هذا فضلا عما يمثله هذا الرصيد من دعم للقوة الجيوستراتيجية في منطقة تعتبر الأكثر كثافة في العالم.

 

ويتمتع هذا الرصيد بعدد من المزايا منها الانفتاح على التكنولوجيا (النسب العالية من النفاذ إلى الإنترنت والمسجلين في شبكة الهاتف الجوال). وتولي مجموعة هذه الدول عناية خاصة بنظامها التعليمي وهو ما يجعل أغلبها يحتل مراتب متقدمة في سلم مؤشر التنمية البشرية (قطر الأولى بــ 0.856 ورتبة 36 دوليا، وباكستان الأخيرة بـ ـ0.562 والمرتبة 149 دوليا). ومعلوم أن هذه المؤشرات أصبحت تمثل أساس تقييم الدول من قبل المستثمرين الباحثين عن رصيد بشري متعلم وقادر على التعامل مع التكنولوجيا الجديدة.

 

 

المجال والموقع: (الخريطة).

يمتد مجال الدول الست المدعوة للقمة قرابة 5,6 مليون كم2 وهو ما يفوق مساحة الاتحاد الأوروبي مثلا (قرابة 4 مليون كم2). ويحتوي هذا المجال على ثروات متنوعة تمثل قاعدة لأي تنمية اقتصادية. يمكن الإشارة هنا إلى المحروقات التي تزخر بها بع أقطار المجموعة مثل إيران وقطر وإندونيسيا والتي تمثل دولا مصدرة للمحروقات. كما تتمتع المجموعة بمجال منفتح بفضل سواحلها الممتدة والتي توفر فرصة للانخراط في الأدفاق العالمية تجارية كانت أو سياحية أو حتى مالية فضلا عن مكنونات تلك السواحل من ثروات سمكية وطاقية (نذكر بغاز المتوسط مثلا).

وتحتل المجموعة موقعا استراتيجيا في الاقتصاد العالمي بفضل موقعها على طرق التجارة العالمية بفضل نفس الانفتاح والمعابر التي تتحكم فيها. نشير من بين تلك المعابر إلى مضيق البوسفور والدردنيلالتركي المتحكم في العبور بين المتوسط والبحر الأسود، ومضيق هرمز الذي يؤمن 80% من حاجيات اليابان و60% من حاجيات الاتحاد الأوروبي من المحروقات.

وإذا أضفنا توسطها للكتل الاقتصادية الكبرى (جنوب شرق آسيا والاتحاد الأوروبية) نفهم جيدا المكانة التي تحتلها في مشروع طريقي الحزام والحرير الصينيين (الخريطة).

الحركية الاقتصادية:

حققت المجموعة ناتجا داخليا خاما جملياقدر بـ3132,2 مليار دولار (سنة 2018)، تراوح بين أدنى مستوى بـــ 190 مليار دولار لدى قطر وقرابة 1050 مليار دولار في إندونيسيا. ورغم ما تواجهه المجموعة من صعوبات ناتجة عن الأزمة العالمية أو الصعوبات الخاصة مثل الحصار في بعض الحالات فإن المجموعة تسجل مستويات نمو محترمة يمكن أن تتطور بتراجع تلك الضغوط والعوائق.

وتتأكد ظاهرة الحركية الاقتصادية لدى المجموعة من نمو مكانة الصناعة وخاصة التكنولوجية والخدمات في إحداث الثروة والمبادلات (53% من صادرات ماليزيا مثلا). وتمثل المواد الصناعية 75% من الصادرات التركية (2017) وعلى رأسها السيارات (16%) والآليات (9%).وتستثمر قطر في الصناعات البتروكيميائية التي توفر 60% من صادراتها. ونتيجة لهذه الحركية تزداد مكانة قطاع الخدمات في اقتصاديات المجموعة وإن بدرجات متفاوتة. يظهر ذلك من مساهمتها في الناتج الداخلي الخام التي تجاوزت معدل النصف وارتفعت إلى الثلثين (65%) في تركيا في الأقصى وفي الأدنى الخُمُسَيْن (39%) في قطر.

 

ومن المؤشرات الأخرى على تلك الحركية حجم الاستثمار الوارد إلى هذه المجموعة من الدول والذي بلغت جملته سنة 2018 قرابة 45,3 ألف مليار دولار صافيا. وسجلت إندونيسيا أفضل حصيلة استثمارية واردة بعشرين ألف مليار دولار تليها تركيا بأكثر من 13 ألف مليار دولار بينما تفوقت صادرات الاستثمار القطرية على ما ورد عليها (-2166).

 

العمق الجيوستراتيجي:

تمتد المجموعة المكونة لمبادرة القمة الإسلامية المصغرة بكولالمبور في شكل محور على أطراف الجناح الشرقي من العالم الإسلامي. وكأنما يؤذن بانزياح مركز العالم الإسلامي نحو تلك الأطراف. ويدفعها شعورها بأهمية موقعها الجيوستراتيجي إلى إيلاء الجانب العسكري اهتماما تعكسه نسبة نفقاتها على جيوشها (الرسم) واكتساب درجة من التصنيع العسكري وتحول بعضها إلى مصدر للسلاح. فإذا كانت إيران قد تميزت بتملك الخبرات النووية رغم الحصار، وبقدراتها الصاروخية التي تمنحها قدرة على إحداث التوازن الاستراتيجي مع القوى التي تهددها، وإذا كانت باكستان تتميز بقدراتها وخبراتها النووية، فإن تركيا اقتحمت مختلف ميادين التصنيع العسكري في الأسلحة الثلاثة وتتميز اليوم مع دول قليلة في الطائرات المسيرة([3]).

 

أما في مستوى الخيارات والسياسات فيمكن القول إن عددا من دول المجموعة تتمتع بإشعاع يجعل منها قوى إقليمية فاعلة ويحسب لها حساب من القوى الدولية (الخريطة). فتركيا اليوم تتصرف بوصفها وريثة للإمبراطورية العثمانية. وقد حولتها نجاحاتها الاقتصادية في ظل حكم حزب العدالة والتنمية وقيادة أردوغان إلى نموذج لدى الأحزاب الإسلامية ذات الميول الديمقراطية في العالم العربي وخاصة في بلدان الربيع العربي. كما أن طموحاتها القيادية دفعتها إلى توظيف أزمات بعض المناطق في العالم الإسلامي لتوسيع إشعاعها مثل التدخل لمساعدة الصومال في إعادة بناء نفسه، والسودان في إعادة تأهيل بعض المناطق السياحية، ومساعدة اللاجئين الروهينغيا، والاصطفاف إلى جانب الشعوب العربية الثائرة ضد الاستبداد، والتميز عن بقية العالم العربي السني في دعم القضية الفلسطينية وكسر احتكار إيران لخطاب المقاومة والاصطفاف إلى جانب الحق الفلسطيني ودفعت لأجل ذلك من استقرارها إذ أصبحت هدفا لمؤامرات تحالف الكيان الصهيوني والقوى المضادة للثورات العربية. لكنها في المقابل كسبت عمقا شعبيا في العالم الإسلامي.

وعلى نفس الخطى كسبت قطر عمقا استراتيجيا يفوق حجمها البشري والجغرافي. فقد اختارت الاصطفاف إلى جانب الشعوب العربية في ثورتها على الاستبداد. وأحسنت توظيف قدراتها الاستثمارية في مد شبكة ناجحة من العلاقات الاقتصادية والسياسية والاتصالية. وتحولت بعض العلامات إلى رموز للقوة الناعمة القطرية التي تخترق العالم العربي والإسلامي بل وحتى العالم نذكر منها شبكة الجزيرة الإعلامية التي أصبحت مرجعا عالميا، وشركة أوريدو للاتصالات التي لا تكاد تغيب عن بلد عربي.

أما إيران فقد استطاعت بصبر ومثابرة أن تبني نسيجا من العلاقات حول محورين: الأول هو المحور المذهبي مع أبناء الطائفة الشيعية من خلال تحويل إيران إلى مرجع جامع للنسبة الأكبر من الشيعة. أما المحور الثاني فهو مقاومة المشروع الصهيوني باعتماد خطاب مقاومة وممانعة مساند للحق الفلسطيني وهو ما سمح بنسج شبكة من العلاقات مع حركات المقاومة الفلسطينية والقوى العربية والإسلامية الداعمة لها. وقد أعطاها كل ذلك عمقا استراتيجيا في العالم العربي والإسلامي ينافس العمق التركي وهو ما يحيي ذاكرة الصراع العثماني الصفوي القديم.

ولا يعوز باكستان من ناحيتها العمق الاستراتيجي. فهي لا تزال تمثل أمل الكشميريين الشرقيين للتخلص من النفوذ الهندي وإعادة توحيد شطري كشمير. بينما تمثل طالبان ورقة باكستان في أفغانستان. وهي البلد الإسلامي الوحيد المالك للسلاح النووي رغم أنه شبه مخصص لإحداث التوازن مع الهند.

أما ماليزيا وإندونيسيا فتملكان عدة مزايا تفاضلية بالنسبة إلى المجموعة. فهما من الدول الصاعدة التي حققت درجة من نقل التكنولوجيا. وهما تقعانعلى مشروع طريق الحزام الصينية. وبفضل موقعهما فإنهما تمثلان نقطة انفتاح لبقية أعضاء المبادرة على جنوب شرق آسيا والمحيط الهادي (أول منطقة تبادل في العالم وأكبر منطقة تركز سكاني).

هكذا تعوض المجموعة عن تركزها الجغرافي في الجناح الشرقي من العالم الإسلامي بنفوذها الذي يمتد نحو جناحه الغربي. وتراكم من الفرص ما يعطيها إمكانات التحول إلى تكتل فاعل في السياسة الدولية.

 

ثالثا: رهانات كبرى وعوائق مكبلة.

رهانات كبرى:

حمل خطاب القادة المنظمين للندوة شعارات كبرى وحالمة ومغذية للمخيال الشعبي مثل "استرجاع أمجاد الحضارة الإسلامية" ورفض الظلم المسلط على الشعوب الإسلامية (خطاب مهاتير محمد). واعتبر مهاتير محمد أن الحصار على أي بلد إسلامي هو مظلمة ولم يعد ممكنا القبول به (ولعله بذلك يشير إلى الحصار المسلط على كل من إيران وقطر). ويعتبر أن ما يحصل على بعض الدول الإسلامية اليوم يمكن أن يحصل مع ماليزيا. بينما تحدث أردوغان عن نفاذ صبر المسلمين وأنه لم يعد ممكنا ترك مصير 1,7 مليار مسلم بيد 5 أعضاء دائمين في مجلس الأمن مقدما نفسه بذلك ناطقا باسم العالم الإسلامي.

يمكن القول إذن إن خطاب القادة المنظمين لامس مسألة حساسة لجمهور المسلمين ويمكن وصفه بأنه خطاب عزة وكرامة. وفي ظل ما تشهده المنطقة من تكالب القوى الخارجية على ثرواتها، واضطهاد الأقليات الإسلامية، وعتو المشروع الصهيوني، وتخاذل القيادات التقليدية للعالم الإسلامي في مناصرة تلك القضايا وتذيلها للقوى الكبرى، ومعاداة إرادة الشعوب في الانعتاق، في سياق كل هذه التحديات يصبح لهذا الخطاب صدى ويوحي فعلا بأن هناك قيادة جديدة في طور الولادة.

وتبدو هذه القمة طموحة بالنظر إلى مسألتين: أهدافها والحضور المشارك فيها. فقد حددت القمة لنفسها ثمانية محاور اهتمام وهي: التنمية والسيادة، التجارة والاستثمار، التكنولوجيا وإدارة الإنترنت، الثقافة والهوية، السلام والأمن والدفاع، العدالة والحرية والنزاهة، الحكم الرشيد، أسباب العجز عن وضع حد للعدوان الصهيوني المتواصل على الشعب الفلسطيني.

تكتسي القضايا المطروحة راهنية كبرى. وقد كان الشعار الأساسي للقمة "دور التنمية في تحقيق السيادة الوطنية". وهو ما يعكس الشعور القوي لدى قادة القمة باكتساب درجة من الحضور والفاعلية في المشهد الدولي والخروج من موقع العجز والضحية وإحداث قطب قوي يتبنى قضايا المسلمين. وتبدو بقية القضايا المطروحة داعمة لهذا الهدف الرئيسي (السيادة). وهي تعكس تفكيرا قياديا ونزعة إلى تمثيل العالم الإسلامي مع خارجه. ولعل هذا ما جعل البعض يتوجس من هذا اللقاء ويراه تهديدا لزعامته.

أما الحضور فلم يقتصر على قادة الدول وحاشيتهم من الوزراء والمستشارين بل اتسع إلى450 من القادة والمفكرين والمثقفين ممثلين لعشرين دولة من العالم الإسلامي. وهو ما يعكس الحرص والجدية في العمل على تحويل القمة إلى مركز تفكير (Think Tank) كبير يدمج الشعوب (من خلال نخبها) في استنهاض همم الأمة الإسلامية نحو التقدم والعزة وافتكاك مكانة ضمن العالم بدل إبقائها كومة من البشر على هامش التاريخ، واهبة بذلك للشعوب "مشروعا حضاريا" وأملا في استعادة الأمجاد. وذلك أول شروط النهوض. وتبدو القمة المصغرة كنوع من الانتفاضة على العجز الرسمي العربي والإسلامي والبحث عن النجاعة من خلال العمل على تجاوز القمم الرسمية التي مثلت غالبا مهرجانات خطابية، وغرقت في تناقضات الأنظمة المكونة لها، ولم تتحول إلى ممثل مهيب الجانب للمسلمين الذين يضطهدون ليل نهار.

أي فرص لنجاح التجربة الجديدة:

تملك المجموعة المكونة للمبادرة نقاطا عديدة مشتركة تدعمت بالمواقف الداعمة لبعضها البعض في أزماتها. يمكن الإشارة من بين تلك النقاط إلى طبيعة أنظمتها الديمقراطية في أغلب الدول المشاركة أو الداعمة لها (في حال قطر مثلا). كما توفر هذه الدول لبعضها فرصا ومزايا تفاضلية في المستوى الاقتصادي (المبادلات والطاقة والتكنولوجيا) والعسكري بتطور الصناعات العسكرية لديها. وفي المستوى الجيوستراتيجي تلتقي المجموعة على رغبة حقيقية في افتكاك موقع بين الكتل الفاعلة في المشهد العالمي([4]).

لكن رغم ذلك تنطوي المبادرة على بعض العوائق التي تهدد تواصلها. فالمجموعة تشهد بعض التناقضات الداخلية التي أشرنا إليها سابقا (في تحليل التحديات) مثل الصراع التركي الإيراني على زعامة العالم الإسلامي واسترجاع الانقسام السني الشيعي. أما نقطة الضعف الأخرى التي كشفتها القمة الأخيرة فهي ضعف بعض مكونات المبادرة وارتهان قرارها لقوى أخرى تمسكها من نقطة وجعها وهو الملف الاقتصادي والعمالة البشرية. فقد غابت باكستان وإندونيسيا في أعلى مستويات التمثيل بسبب ضغوط المملكة السعودية وتهديدات بسحب الاستثمارات وطرد المهاجرين (4 ملايين باكستاني مثلا) بعد أن رأت في القمة انشقاقا وهرطقة وسحبا للبساط من تحتها ورفضت هي ذاتها الحضور وطالبت بمناقشة القضايا المطروحة تحت سقف منظمة التعاون الإسلامي التي تخضع لنفوذها.

يمكن القول إذن إن النواة الصلبة لهذه المبادرة هي تركيا وماليزيا وقطر. وهي مجموعة تملك من عناصر التجانس والتكامل والإمكانات وخاصة الإرادة ما يعطي المبادرة فرص الحياة والتواصل. وفي حين كان خطاب أردوغان الختامي صريحا ومباشرا في كشف الضغوط التي مارستها السعودية لعرقلة القمة فقد حرص مهاتير محمد على خطاب أكثر ديبلوماسية بتجنب الخوض في أسباب عدم حضور السعودية وتخفيض التمثيل الباكستاني والإندونيسي والتأكيد على أن القمة لا تمثل منافسا ولا بديلا عن أي تنظيم (إشارة إلى منظمة التعاون الإسلامي). وفي سياق التطمين تحوّل اسم القمة إلى قمة منتدى "بِردانا" للحوار والحضارة([5]).

الخاتمة

لم تكن القمة الإسلامية المصغرة مسقطة ولا فجئية. فهي تمثل مرحلة جديدة ضمن مسار قديم (بدأ مع أربكان منذ 1997) ومتجدد منذ 2014 بوجود زعيمين يحملان نفس الطموح (أردوغان ومهاتير محمد).

وبالنظر إلى طموح الدول المكونة للمبادرةإلى لعب دور يوازي ما اكتسبته من قوة وتأثير، ويجسم مشروعها النهضوي، فإنه يمكن القبول بفكرة البحث عن قيادة جديدة بعد ترهل القيادة التقليدية وانفصالها عن إرادة شعوبها وغرقها في الارتهان للخارج والابتعاد عن القضية الفلسطينية.

وبالنظر إلى خطاب الفاعلين في المبادرة يمكن القول إنه يمثل مظهرا لالتحام القيادة الجديدة بشعوبها بتبني خطاب عزة وكرامة يغطي شعورا بالهزيمة والإذلال والعجز، ويهب لها مشروعا حضاريا يبشر باستعادة أمجاد المسلمين ودخولهم في العصر باكتساب آخر منتجاته التكنولوجية والارتقاء فيها. وهو خطاب يجد صدى لدى الشعوب ويهب لرموز القيادات الجديدة احتراما وشعبية بعد أن انعزلت القيادات التقليدية عن جمهورها واستعاضت عنه بالسعي وراء شرعية من الخارج.

وبالنظر إلى موقع تلك الدول فإنه يمكن القول إن القيادة تنزاح من المركز الجغرافي للعالم الإسلامي (مصر والسعودية) نحو أطرافه الشرقية غير العربية. ولولا الحضور القطري، ومشاريع الديمقراطيات الناشئة في العالم العربي، لقلنا إن العرب يخلفون موعدا آخر مع التاريخ في القيادة بعد أن خرج آخر قرشي (عباسي) من الخلافة، وبعد أن أهدر العرب فرصة استعادة القيادة التي وهبها لهم مصطفى كمال على طبق.

وبالنظر إلىالخصائص الاقتصادية لتلك الدول، فإنه يمكن القول إن تلك القيادة تنزاح من المركز القديم الذي لم يفلح في استثمار ريع المحروقات ليرتقي في عالية التقنية نحو المركز الاقتصادي الجديد للعالم الإسلامي الذي عرف كيف ينفتح على مالكي التقنية وينقل منهم جزءا مما ابتدعوه ليدخل عصر الإبداع وينتج تقنيته (نشير هنا إلى السيارة التركية الواعدة). وبذلك يمكن القول إن قيادة العالم الإسلامي بدأت تنفض عنها عباءة النفط لتلبس عباءة التكنولوجيا.

وبالنظر إلى موقف تلك الدول من مسألة الإسلام والديمقراطية، فإنه يمكن القول إن العالم الإسلامي وعلى الأخص العربي أصبح أمام فرصة تاريخية لامتلاك قيادة ترهن شرعيتها بشعوبها، لا برضا الخارج.

هكذا إذن، تبدو القمة المصغرة معبرة عن روح النهضة التي تتملك الشعوب الإسلامية ولم تجد إلى الآن القيادة القادرة على اقتناصها والسير بها إلى نهايتها. وفي اعتقادنا أن وجود نواة أساسية صلبة متجانسة من الثلاثي الماليزي التركي القطري، يمنحها فرصا حقيقية للنجاح والتواصل وتجاوز التناقضات الداخلية للمجموعة.

د.عبد الرحمان الهذلي ( باحث تونسي)

 

([1]) قمة-كوالالمبور-الحاجة-لقيادة-إسلامية
https://www.alquds.co.uk

([3]) يمكن أن نشير إلى هذا المقال الذي يكشف جزءا من القدرات العسكرية التركية.

La Turquie modifie l’équilibre des forces dans la mer Noire et la Méditerranée orientale

https://reseauinternational.net/la-turquie-modifie-lequilibre-des-forces-dans-la-mer-noire-et-la-mediterranee-orientale-2/

([4]) نحيل على مقال مفصل في النقاط المشتركة بين القوى الثلاثة الرئيسية في المبادرة وهي تركيا وماليزيا وباكستان. https://www.noonpost.com/content/28899

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك