القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

قرن من الانهيار السياسي في تو نس : جدل العلاقة بين نظرية المؤامرة وتصفية الحسابات في النظام البورقيبي

مقدمة:

صدر كتاب  ” قرن من الانهيار السياسي في تونس” باللغة الفرنسية Un siècle de déchéance politique en Tunisie  للدكتور خالد المنوبي، عميد سابق وأستاذ الاقتصاد السياسي، عن منشورات كارم الشريف، في بداية شهر أكتوبر من هذه السنة 2018 ، يتمحور موضوعه في الاختراق الفرنسي  لتونس عبر الحزب الحر الدستوري الجديد الذي قاد معركة الاستقلال وبناء الدولة الوطنية من خلال تصور كولونيالي سعى بورقيبة إلى تنفيذ بنوده بدقة متناهية

قراءة في مضامين الكتاب:

وفيه يطرق باب التحكم البوليسي والزعامات الكاذبة منذ استقلال تونس لتتواصل بعد الثورة بنفس آليات الكذب والتحيل على الشعب من أجل البقاء في السلطة. إنّ هذا الكتاب قراءة جديدة لواقع سياسي موبوء سلّط عليه صاحبه مجهر بحث جديد وفعّال يمكنه من إحداث  صدمة لدى بعض النخب المتكلّسة من عبدة الأوهام وهو ما سيحرمهم قطعا من إعادة القراءة بحكم العواطف الجياشة لأتباع الزعيم المتحيل على التاريخ  ولكنه حتما سيحدث دهشة تحفّز المؤرخين على إعادة بناء ما توفر لديهم من وثائق ودراسات.

واستند الكاتب في ذلك إلى قراءة جديدة للوثائق والبحوث التاريخية وهو ما يفتح بجدية موضوع إعادة كتابة تاريخ الحركة الوطنية أمام المؤرخين الجادين .  يكشف الدكتور خالد المنوبي في كتابه الموسوم ب" قرن من الانهيار السياسي في تونس عن أسماء شخصيات فرنسية وتونسية كانت فاعلة في إرساء المشروع الكولينيالي، وتواريخ مهمة في هذا المسار وكذلك أحداث ساهمت في كشف هذا المشروع الاستعماري كما كشف المؤلف ملفات وشهادات واقتباسات قادرة على إعادة كتابة التاريخ التونسي الذي زوره بورقيبة ورجالاته من خدم فرنسا ، وهو ما يطرح مسألة مهمة من أجل إعادة تفسير جريئة لتاريخ تونس الاستعماري وتكشف عن تسلل عارم في جميع مستويات الحياة السياسية خلال فترتي حكم بورقيبة والجنرال ابن علي .

 ولعل أهم مستتبعات أزمة 1929 حسب الباحث المنوبي التي كانت مدمّرة للاقتصاد الفرنسي مما أدّى إلى قرار  السلطة الفرنسية سنة 1932 النظر في إمكانية إنهاء الاستعمار  المباشر  وإسناد الحكم لدكتاتور من عملائها المخلصين تصنعه كما تصنع له حزبا من القوّادة يساعده على تسيير دواليب الدولة ، وتقوم على كل ذلك الشرطة الفرنسية. ويقرّ خالد المنوبي أنّ كل كوادر الدولة التونسية الذين اصطفاهم بورقيبة لإعانته على هذه المهمة التي ترجّح فرنسا أنها ليست سهلة ولذلك فإن هؤلاء الأعوان عاينوا ارهابا عنيفا تقوده الشرطة المكلفة بانجاز  المهمة على أحسن وجه ومن ثمّة صناعة حكم بوليسي وضعت نواته الأولى في بدايات عهد الطاغية بورقيبة واشتدّ عوده في عهد الجنرال ابن علي حيث يمرّ التوظيف والترقية والإسناد في العهدين كليهما  عبر جهاز الشرطة .

ولم يكن "المجاهد الأكبر"  "الزعيم" الحبيب بورقيبة سوى وكيل خدمات لشركة فرنسية خاصة رغم أن فرنسا قادت عملية تحسين واجهة بورقيبة وإشاعة أنه بطل الاستقلال المزعوم وأنه المجاهد الأكبر حامي حمى الوطن والدين والشعب ، وبذلك أمكن لبورقيبة أن يتسلل  إلى قلوب الناس بكذبة كبرى أطلقتها فرنسا ليكون وكيل أعمالها وغلامها المحبوب في تونس .وقد دافع الدكتور خالد المنوبي عن هذه الأطروحة المتمثلة في تسلل بورقيبة إلى الحياة السياسية بمؤامرة كبرى حيكت خيوطها بدقة وأطلقت لتوهم السذّج بأنه الرجل المناسب للمكان المناسب بعد تصفية حسابها مع المتشددين من الوطنيين المخلصين والقائمين على طلب الاستقلال والحرية والخلاص من استعمار رديء يجثم على البلاد كما يجثم الكابوس المخيف في ليل بهيم ولا يرقب في الوطن ولا في البشر إلاّ ولا ذمة . وقد أبان المنوبي عن مأزق الواقع السياسي البورقيبي في علاقته بالدين الإسلامي عموما وبالإسلام السياسي خصوصا متمثلا في الشيخ عبد العزيز الثعالبي خاصة وأن الشيخ الثعالبي أحرجهم بكتابه "الروح اللبرالية للقرآن" وهم المدافعون عن أطروحة أن الإسلام متعصّب ودوغمائي ولكن الثعالبي بكتابه هذا أربك عملاء فرنسا وأجنادها المتحمسين لتطبيق مشاريعها وزيادة، ولذلك نرى أن بورقيبة قد فتح النار على الإسلام المتعصّب مدخلا لما سيأتي بعد ذلك من خلال نقده الواضح لأساسات الدين. ويذهب الدكتور المنوبي إلى أن هذه المواقف المتشنجة ضدّ الإسلام هي بداية الأخطاء الكارثية التي وضع فيها بورقيبة نفسه والحال أن فرنسا تعلم علم اليقين مدى هيمنة الثقافة الإسلامية في الواقع التونسي، وكانت مقتنعة شديد الاقتناع أنه إذا أراد حزب من الأحزاب أن تكون له الحظوة الكبرى لدى الناخبين من التونسيين وليصبح مهيمنا على الحياة السياسية فعليه أن يقدّم نفسه على أنه إسلامي وأنه يسعى إلى تطبيق شرع الله في الحكم و في المعاش .

إن هذه الخطوة الأولى التي تمثل تسلل فرنسا إلى الحياة السياسية لعقود تمكنت فيها من إدخال بورقيبة إلى رأس هرم السلطة في الوطن المغتصب . أمّا الخطوة الثانية التي عملت عليها فرنسا حسب المنوبي تتمثل في إعادة تجميع أعضاء الحزب الحر الدستوري الجديد وإبعاد بورقيبة إلى برج الباف في رمادة من الجنوب التونسي  حتى يظهر  للشعب بمظهر الزعيم الذي ينافح عن حرية البلاد وكرامة الشعب . أما الخطوة الثالثة فهي إرسال بورقيبة إلى المنفى في جزيرة جالطة سنتين قبل الاستقلال حولته من مجرد تابع منفذ لمشاريعها إلى بطل قومي ، وقد عملت فرنسا في مختلف الاتجاهات من أجل دعم بورقية والوصول به إلى سدة الحكم والقيام مقامها في إنفاذ برامجها دون أن يفطن الناس إلى خديعتها وهو ما تطلب منها عملا شرطيا سرّيا تمثّل في إزاحة الزعماء الوطنيين من طريقه من أمثال الزعيم النقابي فرحات حشاد والهادي شاكر ، ومن الجهة الأخرى تربية الوكيل أحمد بن صالح ومن ثمة تخيير الباي على ترك الحكم طواعية أو فإن مصيرا مجهولا ينتظره وهو ما حدث له ولعائلته بالفعل إذ رغم التظاهر بتسريحه بكامل حقوقه المدنية إلا أن الحقيقة أن بورقيبة عمل على إذلاله وعائلته ومصادرة جميع ممتلكاته بما فيها حليّ زوجته والنيل من شرفها . كل ذلك استدعى من فرنسا دعما متعدد الأشكال والتقنيات البوليسية التي تتزامن مع الفعل السياسي من أجل إنهاء الحكم الملكي وإعلان الجمهورية. لقد تمّ الحفاظ على السرّ بشكل يحفظ ماء وجه بورقيبة وعملائه من القوادة برتبة سياسية من المرسكلين من الحزب القديم والجديد. وسيتبيّن لاحقا أنّ عملاء الشرطة الفرنسية الجدد بمساعدة المنتدبين من التونسيين من بارونات الحزب الجديد تحت قيادة بورقيبة "الزعيم الأوحد"  وهم الذين عوّلت عليهم فرنسا في الداخل إذ سيفرضون على البلاد استقلالا صارما ، وهم الذين سيواصلون لعب الدور المنوط بعهدتهم زمن ما بعد بورقيبة بداية من عهدة الجنرال ابن علي . وإن هذا التسلل السياي سيؤدي في نهاية الأمر إلى تفكيك مؤسسات الدولة ومن ثمة خلق شعور متورّم بالسلطة وهو ما خلق حالة من الغليان الشعبي أدّت في النهاية إلى قصف رأسها المنبوذ ذات ثورة عارمة سنة 2011 .

ويحدو المؤلف شعور بالقناعة مأتاه أن هذا التسلل المتعاقب وغير الشريف  للسلطة في تونس دون المرور  بالقنوات الشرعية المؤدية إلى الحكم والذي امتدّ على كامل تاريخ ما يسمى بالدولة الوطنية خلال العهدين البورقيبي والنوفمبري . وإن فرنسا لم تسلّم رغم بزوغ عهد الديمقراطية بعد ثورة 17 – 14  المجيدة إذ تواصلت نظرية المؤامرة وتصفية الحسابات من خلال التخويف والتخوين واستعمال الملفات المشبوهة من أجل إسكات الخصوم من الطامحين إلى عهد جديد من الحرية .

د محمد التومي

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية ، هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك