القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

قراءة في واقع الإسلام السياسي ومستقبله

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-05-03 14:55:00 | 797 مشاهدة

الملخص

كل الدّلائل والمؤشّرات تؤكّد أنّ المنطقة العربيّة والإسلاميّة تعرف منذ اندلاع أحداث الرّبيع العربي  أوضاعا متقلّبة من المدّ والجزر الدّيمقراطي  وكان للإسلام السّياسي باعتباره تيّارا عاما دور محوري في تشكيل الواقع السّياسي  فمن السجون والمنافي إلى الحكم  والتمكين ثمّ إلى السّجن من جديد (إلاّ استثناء مغربي /تونسي) هذا فضلا عن اتّساع دائرة العنف والعنف المضاد بسبب تدخل قوى إقليمية وخارجية في إطار معركة السيطرة لتحقيق المصالح على المدى القريب والبعيد  وهذا ما يجعل موضوع واقع الإسلام السياسي بمختلف تشكيلاته موضوعا  جديرا بالاهتمام خاصة لمعرفة آفاقه القريبة والبعيدة. وهذا ما نسعى إليه في هذه المقالة الطويلة نسبيا لتعقّد هذا الواقع وتشابك عناصره  وخاصة لما تقوم به القوى الأجنبيّة ضدّ عودة الإسلام حضاريا من بوابة التمكين السياسي.

المقدمة

تنطلق هذه القراءة من تحليل معطيات واقعية تعيشها منطقتنا العربية وما يحيط بها من مناطق جغرافيّة واسعة وثريّة ذات خلفيات عرقية وثقافية غير بعيدة عن حضارتنا وهويّتنا العربية  خاصة وأنّ المنطقة ككل ببعديها العربي والإسلامي تعيش على وقع صراع قوى أجنبية من أقاصي آسيا وأمريكا إلى أداني أوروبا  طلبا للهيمنة وتقاسم النفوذ الإستراتيجي سياسيا واقتصاديا . ما يعنينا تحديدا هو المنطقة العربية التي  تمتدّ أطرافها من  المحيط الأطلسي( المغرب/غربا) إلى المحيط  الهادي( الخليج/ شرقا ) طبعا لا يمكن أن نتكلّم عن منطقة كبرى كهذه دون العروج ولو باحتشام عما يلفّها جنوبا أو شمالا  فالسياسة مثل الرمال المتحرّكة قد يكون منطلقها من الداخل نحو الخارج وقد تنعكس فتهبّ رياح الخارج حسوما  عاصفة. وبين أعاصير الداخل والخارج ثمّة من يرقب ويخطّط ويوجّه  ويردّ الفعل  أعني القوى العالمية الفاعلة والمؤثرة. إن الإسلام السياسي هو كل فاعل سياسي أو حتى قيمي (والفصل بين السياسة والقيم شبه مستحيل لمن لديه حد أدنى من الفكر السياسي ) يجعل من الإسلام مرجعيّة أساسيّة في فلسفته وإيديولوجيته العملية ونشاطاته الأساسية . بهذا المعنى يكون الإسلام السياسي ألوانا قزحيّة متعدّدة ومتنوّعة بحسب المناطق الحضارية والمناخات السياسيّة  إذ توجد  فصائل وقوى وحتى مذاهب تولد على وقع الرمال المتحركة. سواء أكانت رمالا خارجيّة أو داخليّة  وعموما ورغم دقّة التباينات  وصعوبة التمايزات يمكن لنا أن نجمل هذا التيار الممارس للقيمة السياسية/الدينيّة انطلاقا من الدّين الإسلامي  بما هو دين الأغلبيّة الكبرى من السكان في :

1/السلفية بنوعيها  العلمي والجهادي

3/الحركات الصوفية

4/حزب التحرير

5/الإخوان المسلمون

هنا يختصّ الحديث حول  الإسلام من جهة مرجعيته السنيّة  أمّا الإسلام الشيعي  فله إسلامه السياسي أيضا  ويمكن أن نجمله رغم دقّة التباينات وصعوبة الاختلافات في المسائل التالية:

1/الشيعة الإمامية القمية: وهي تحكم في إيران  وخير من يمّثلها خارجها حزب الله اللبناني ووليده أنصار الله الحوثي .

2/الشيعة الإمامية النجفية  وهي تحكم في العراق باشتراك  وخير من يمثّلها حزب المرجعيّة الناطقة للصدر.

3/الشيعة الإسماعيلية ويمثلها الأسد في سوريا (يتبنى القومية في الظاهر والطائفية العلوية في الحقيقة ) وقريب من هذه حزيبات هي فروع  من التشيع خرجت كالبهائية والأحمدية  والقاديانية  وتوجد في  الغرب  وفي بعض المناطق العربية.

4/ الشيعة الزيدية وتمثّلها بعض القبائل العربية في اليمن  وهي وإن كانت لا تعلن عن نفسها في تشكيلة سياسية  واضحة  لكنّ العليم بالتفاصيل يدرك أنّها موجودة.

5/الأباظية:  التي تحكم في عمان رغم أنّها من جهة الأصل شيعة ولكنّها خرجت إثر حادثة التحكيم

إنّ ما يعنيني هو الإسلام السياسي في نسخته السنيّة  أمّا حاضر ومستقبل الإسلام السياسي الشيعي  فيمكن تخصيص مقالة لاحقة له  رغم أن ّما سيقال عن حزب ما في السنّة ينطبق بصورة أو بأخرى عن فصيل شبيهه في الشيعة .

1/السلفية قبل انقسامها

ما يعنينا من السلفية ليس تأصيلها وتاريخها بقدر ما  يعنينا كونها أحد أوجه الإسلام السياسي الحديث  فهي حركة تنشط انطلاقا من القرآن والسنّة والصحابة كمراجع وتعمل على تنشئة جيل من الشباب المسلم الملتزم دينيا ضمن منهج يسمّونه التصفية /التربية  التصفية تعني تطهير الإسلام ممّا ليس منه والتربية تعني الالتزام بأحكام الشرع والاستقامة كجماعة الشيخ مقبل الوداعي في اليمن أو جماعة أنصار السنّة المحمدية في مصر ولكن كظاهرة سياسيّة أّثرت وتؤثر في الراهن الجغرافي العربي /الإسلامي  يبدو أنّ الوهابيّة هي التي عبّرت أكثر من غيرها عنها  وذالك لسببين.

-السبب الأول هو الزواج السياسي بين مؤسس المملكة السعودية والشيخ محمد بن عبد الوهاب  حيث تحالفا معا  أحدهما سلطة تنفيذية والآخر سلطة تشريعية وقضائية  فكان هذا التحالف عنوان النجاح السلفي الأوّل سياسيا .

-السبب الثاني  هو اكتشاف النفط وما وفّره من إمكانات مادية هائلة في طبع ونشر الكتب ذات المنحى السلفي  وبالتالي الدعاية له والترغيب في التخصص فيه  ليس في محيط صحراء نجد فقط بل في الشرق وفي الغرب  لدى العرب ولدى غيرهم. 

إنّ توظيف الدولة بمختلف أجهزتها وتوظيف المال المتدفّق بلا حساب  خاصة بعد الملك فيصل رحمه الله  مكّن  السلفيّة من الانتشار السريع خاصة بعد الزواج الظرفي بينها وبين مدرسة الإخوان المسلمين الذين وجدوا في السعودية ملاذا آمنا يقيهم ويلات الإبادة الناصريّة 

إنّ المنعرج الحاسم في تاريخ الوهابية كمذهب سلفي  لا يتمثل في تحالفه مع السلطة السياسيّة أيّا كان نوعها  ولا في ثورة النفط وتدفق السيولة المالية للترغيب أو للترهيب للمذهب  وإنّما  تعين المنعرج في  أمرين حدّدا  هذا الموقف السياسي /الديني ( وأقصد بذالك  تحول  السلفية  وجعلها في صدارة الاهتمام المحلي العربي والعالمي ).

-الأمر الأوّل هو اندلاع الثورة الإيرانية  وانتصارها باسم الإسلام وطردها لمن كان يعتبر ممثلا رسميّا للغرب( بل كان شرطيا للخليج  ويعمل على استعادة المجد الفارسي  الإمبراطوري  وهو ما تفعله إيران اليوم عن طريق المدخل الشيعي ) لكن ما أقلق السلفيين في نسختها الوهابية هو أنّ الإسلام المنتصر  ليس الإسلام الذي يتبناه السنّة بل إنّ آية الله الخميني يعيد سيناريو الخلافة الفاطمية (علما وأن ّالفاطميين منشقّين عن الإماميّة فهم وإن كانوا شيعة إلاّ أنّهم من نسل إسماعيل الأخ الأكبر ل جعفر الصادق )لكن من خلال المذهب الإمامي.

هذا الميلاد الثوري للدولة الشيعية أقلق الحاكم السعودي(ومن وراءه أمريكا وحتى الإتحاد السوفياتي )  وأربك كل المنطقة  لأنّ الخليج فيه طائفة شيعيّة وازنة عدديّا  فكان الانخراط  الكلّي لمن بيده التربية والثقافة( أي رجال الدين أو الوهابيين في رسم معالم المواجهة  وهنا يتمّ استدعاء  الخصومات التراثية  وكان بن تيمية (الخصم اللّدود والأكبر للمذهب الشيعي والصوفيّة )  في الموعد هذا لجهة الهجوم أمّا لجهة الدفاع فاشتغلت الوهابية على مفهوم اتقاء الفتنة وطاعة وليّ الأمر

-الأمر الثاني وهو من نتائج حدث الثورة الخمينية  إذ اندلعت على حدود الاتحاد السوفياتي انتفاضات جماهريّة في أفغانستان  هدّدت النظام الحاكم الموالي للسوفيات فكان القرار الخاطئ للدولة الكبرى والعظمى السوفياتية في اجتياح واحتلال أفغانستان  وكانت الولايات المتحدة الأمريكية التي فقدت للتو إيران غير مستعدّة لتفويت فرصة الانتقام من السوفيات  الذين لعبوا ذات احتلال أمريكي لفيتنام دورا قذرا ضدّهم فأرادوها معركة ثأر من جهة وربّما ضرب عصفورين بحجر واحد تحطيم القوة السوفياتية وإرباك القوّة الخمينية الناشئة (إن لم ينجح صدام العراق في مهمته ) باعتبار أنّ القبائل الأفغانية سنيّة المذهب . لقد لعبت السلفية الوهابية دورا محوريا في ما يعرف لاحقا  بظاهرة المجاهدين العرب. والحال أنّ المخابرات السعودية والأمريكية اشتغلتا معا في توجيه الشباب العربي نحو أفغانستان ويرضى من مختلف القوى  الفاعلة المحليّة  أكانت مؤسسات سياسيّة كالمؤتمر الإسلامي أو الجامعة العربية أو أحزاب مثل الإخوان المسلمين  أو مؤسسات روحية ودينيّة كالأزهر والقرويين. هذين المنعرجين كانا كبيرين إذ صعد نجم السلفيّة وساهمت في انتصار الجهاد الأفغاني  واندحار الاتحاد السوفياتي الذي سرعان ما اختفى في بورصة السيادة الكونية كمنظومة بديلة للحكم  ولكن ّصناعة الأبطال لا تنتهي بمجرّد الميلاد والمقاتل الشرس المتدرّب على القفز بين الجبال لن يسكت ولن يرضى بمجّرد انتهاء دوره المحدّد له  فكان ميلاد أو تحوّل السلفيّة إلى جنيسها الجهادية  بل نستطيع أن نؤكد أنّ السلفية العلميّة ولدت يوم ظهرت الجهادية .

2/السلفية العلمية

عندما تم ّالتحالف بين الملك السعودي ومحمد بن عبد الوهاب  تمّ هذا التحالف على أساس تقسيم الأدوار لرجال وأبناء سعود الحكم والتنفيذ ولمحمد بن عبد الوهاب وتلامذته التشريع والفتوى  وبالتّالي تمكّن آل سعود من السيطرة على جزيرة العرب  وحكمها بشرعية شبه دينية  واستطاع محمد بن عبد الوهاب ترسيخ المذهب السلفي  الحنبلي بروح تيمية شكلانية  ومع بناء الدولة ووفرة السيولة تمكّنت هذه القراءة الحنبلية من اختراق المنطقة العربية .

بعد محمد بن عبد الوهاب  تصدّر المشيخة بن باز ثم بن عثيمنين  وكلا الشيخين اهتما بالناحية المعرفية دون الدخول في مجالات سياسيّة حارقة  تاركين السياسة لأهلها إذا ما اضطرا للقول الفصل في الشأن السياسي كان أداؤهما يجمع بين الوفاء للموقف ا لشرعي وعدم التعرّض الواضح للسلطة. يمكن أن نعتبر أنّ ابن عثيمين هو الوجه الحقيقي للسلفيّة العلميّة مع المحدّث الألباني  فهما يركزان خطابهما على الحديث النبوي وعلى إّتباع السلف الصالح غير عابئين بالرأي السياسي العام من ذالك مثلا أنّ الألباني يحرّم الانتحار حتّى ولو كان في فلسطين (ما يعرف بالعمليات الاستشهادية ) بل هو ضدّ الجهاد في فلسطين ويدعو إلى الهجرة هذه الفتاوى والمواقف الصادمة  يقولها السلفي العلمي دون تفكير في التبعات السياسية والشعبية. ولقد تمكّنت السلفيّة العلميّة من الإشعاع الخارجي بفضل الدعم المالي اللامحدود من الدولة السعودية ومن رجال أعمال خليجيين  ومن خلال ثورة الاتّصالات السمعيّة والبصريّة وخاصة عبر الشاشات والقنوات الفضائية  استطاع هذا المذهب احتلال موقع مؤثّر في مجتمع مازال ذا ثقافة شفاهية فنسبة الأميّة في العالم العربي لا تضاهيها أيّ نسبة إلّا إفريقيا. إنّ المجتمع الذي لم يكتسب بعد تقاليد القراءة والمطالعة يمكن توجيهه والسيطرة عليه وهذا ما فعلته القنوات الفضائية الخليجية الدينية خاصة وأنّ السلط الحاكمة في المنطقة العربية اتّفقت على محاربة وتشويه معارضيها من يساريين إلى إخوانيين لتخلو الساحة للسلفيين  بل شجّعت السلط الحاكمة هذا الخطاب السلفي  فهو من جهة لا يهتم بالسياسة ومن جهة ثانية يخاصم خصمه اللّدود أي الإخوان المسلمين كان هذا حال مصر قبل الثورة  وأيضا حال سوريا  واليمن  ونسبيّا العراق أثناء الحصار ودول الخليج قاطبة (هو في الحقيقة مذهب الدولة الرسمي ) أمّا في ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريطانيا  فقد ظهر هذا التيار في مطلع الألفية الثانية مستحوذا على الفراغ الذي تركته الحركات الاخوانية بفعل قمع السلطات

إنّ تدفّق المال الخليجي وبعلم السلط الحاكمة في كل قطر على حدا لتمويل الأنشطة الاجتماعية للسلفيين  يضع أكثر من تساؤل حول انحراف هذا التيار أو بالأحرى اختراقه من قبل أجهزة المخابرات أكانت محليّة أو دوليّة  ويمكن أن نبرهن على ذالك من خلال السلفيّة في مصر . فهذه السلفيّة والتي نشطت ضدّ ثورة يناير واصطفّت مع النظام المصري وجيّرت كل القرآن والحديث ضدّ الخروج عن الحاكم وكفّرت الديمقراطية  انقلب موقفها رأسا على عقب  بعد الثورة وأسّست حزب النور  ودخلت البرلمان وناكفت الحكام الجدد العداء واصطفّت وهي في البرلمان مع القوى المضادة وانتهت بالتحالف مع العسكر  في انقلابها الشهير.  وإنّ الأداء السياسي للسلفية العلمية يشبه إلى حد بعيد الأداء السياسي للحركات الصوفيّة  أو للخطاب الديني الرسمي  وهي سياسيا تشتغل لصالح النظام إمّا بتأييده المباشر والواضح والصريح أو الغير المباشر من خلال الخطاب الديني  المزيّف للواقع أو عبر نقاش القضايا الغيبية والشكلانية . لم يعد لهذا التيار السياسي أنصارا  في مستوى المناطق الشعبيّة إلاّ من خلال الخدمات الاجتماعية  ومستقبله السياسي رهين بمستقبل النظام  بل إن السلفيّة العلمية اليوم سياسيا هي أقرب  إلى الجامية (نسبة إلى محمد أمان الجامي  الذي أفتى باستدعاء القوات الأمريكية لمحاربة صدام في 1990) وتلميذه ربيع بن هادي المدخلي  وهوتيار يقول بالخضوع المطلق للحاكم وله أتباع في مصر (أسامة القوصي/محمد سعيد رسلان /محمد لطفي عامر ) ويتّفقون على

*طاعة الحاكم مطلقا

*العداء المطلق للشيعة والصوفية والإخوان

*الديمقراطية كفر.  واضح  أنّ هذه النسخة الأخيرة هي صناعة مخابرتية بامتياز وهي نسخة مشوّهة عن السلفية العثيمنية أو الألبانية  إذا يبدو أنّ هده السلفية لا مستقبل لها إلا ّمع النظام وهي تنتعش بما يمنحه لها من عطايا وهبات ولكنّها تموت وقد تتحوّل إلى النقيض في صورة سقوط النظام أو تغيره  وعموما ليس لديها أيّ حرج في الانتقال من موقف إلى ضديده طالما الحاكم  الفعلي يريد ذالك   فقيادة المرأة للسيارة حرام والموسيقى مزامير الشيطان  والاختلاط ممنوع شرعا ولكنه إذا ما قرّرت الدولة خلاف ذالك فالسلفي جاهز لاستخراج الأدلّة الشرعية . يمكن أن نستقرئ مستقبل السلفيّة على المدى القريب والبعيد

فعلى المدى القريب تمثّل هذه السلفية (خاصة المداخلة ) عين السلط والنظام داخل الإسلام السياسي  وهي أداته في السيطرة والتحكّم  ولا يقلّ دورها عن دور النخب المرتزقة  الذين يجيّرون ويدافعون بشراسة عن خيارات وتوجهات السلطة وإذا كان المرتزقة يتقنون فنّ الدعاية في خطاباتهم للوعي الحداثي  علما وأنّ المال الخليجي استطاع شراء وسائل إعلام ومراكز بحوث ومعارف في الغرب  للتوجيه والتأثير على  القرار السياسي الغربي (خاصة في أمريكا وبريطانيا )وإذا كان قادرا على اختراق المنظومة الديمقراطية الغربية  فهو كان  أكثر قدرة على شراء مرتزقة القلم من المغرب وتونس ومصر وخاصة لبنان وسوريا  عن طريق ضخ ّملايين الدولارات  لقد  نجح   النظام السعودي /الإماراتي في الدعاية المضادة للثورة وللتوجّه الإخواني  بتوظيف كل ما هو متاح  وخاصة  عبر  السلفية (المدخلية ) التي تتقن فن التأويل الفج والسطحي وحتى الفتّان  للسيطرة على الرأي العام الشعبي وتوجيهه والتحكّم فيه.  لكنّ هذا الارتباط المصيري  بالنظم الحاكمة  غير مأمون النتائج فهبوب رياح التغيير القادمة ستعني موت هذا التوجّه  فالمدخلية اللّيبية مثلا ارتبطت بمصير حفتر والسلفيّة  المصريّة( حزب النور او المداخلة) مرتبطة  بالسيسي كما أنّ السلفيّة الجزائرية تعاني الآن وضعا حرجا فقد دفعت بمصيرها مع بوتفليقة وكانت تقول (نعم) في حين كان الشارع يقول( قع ) أمّا في المغرب  فهي مثل أخواتها ترى  في محمد السادس أمير المؤمنين. على المدى القريب ستضلّ هذه السلفيّة حيّة ومنتعشة  وليس لديها أي مشكل طالما ارتبط مصيرها بأنظمة الحكم . لكن على المدى المتوسط والبعيد  فإنّ رياح الثورات قادمة لا محالة خصوصا إذا مرّ قطار التغيير في الجزائر بسلام  فهذه السلفيّة لا مستقبل لها  صحيح هي خير ممثّل لأجندة إفساد الربيع العربي  وهي تلتقي مع مصالح القوى الداخلية كما الخارجية ضدّ إ رادة الشعوب . إنّ تداعيات اغتيال خاشقجي سيتم ّاستثمارها من طرف الرئيس الديمقراطي  الأمريكي الفائز في الانتخابات القادمة وسيتمّ تغيير جذري في المملكة السعودية  لاتجاه حكم ملكي شبه دستوري  وسيتقاسم النفوذ  القوى الإصلاحية  سواء المحافظة منها (الإخوان )أو اللّيبرالية  وعندئذ يجفّ نبع هذه السلفية المدخلية إمّا اندثارا أو عودة إلى شكلها التقليدي من جهة الاختصاص العقدي والطقوسي دون تدخل في السياسة. إذا كانت السلفية المدخلية والعلمية هذا حالها القادم في منطقة الخليج فحالها في بقية المناطق لا يختلف فمصر القادمة ليست مصر الراهنة وسيتشتت  أنصارها بين القبائل الإسلامية خاصة التيار الجهادي هذا إن لم يختر البعض التوجه اللّيبرالي أو حتى الصوفي  وقد ينتهي بالبعض إلى نوع من الريبية والإلحاد.

*3/السلفية الجهادية

هيّ البنت الشرعيّة للسلفيّة المعاصرة  فبن لادن زعيم القاعدة سعودي وأغلب من ساهم بنجاح في أحداث 11سبتمبر الشهيرة في أمريكا هم من الخليجيين المتربّين على الإسلام السياسي في نسخته الوهابية . لقد ظهر هذا التيار في مناخ الحرب الباردة وتدخلت المخابرات الأمريكية بالتعاون مع السلط المحليّة  في تنشئته وتربيته ورسم خططه وكانت أرض أفغانستان مناسبة كي ينمو هذا الوليد الجديد ويتعلّم ثم ّيقف على قدميه ويؤذي الأيادي التي ربّته . إنّ القاعدة هي إعلان الحرب على الغرب طالما أنّ الغرب يتدّخل في كل شيء وطالما أنّ الأّمة ومنذ سقوط الخلافة يتنافس عليها الأكلة . والأنظمة الحاكمة هي بيادق عميلة تحقّق مصالح اليهود والنصارى على حساب العرب والمسلمين. إنّ خطاب السلفيّة الجهادية  واضح  وأهدافها معلنة وسلوكها بيّن  وقد أغرى هذا الوضوح المئات والآلاف من الشباب والشابات ذوي الميولات المحافظة  فانخرطوا في التوجّه الجهادي والتحقوا بالقاعدة، ثم بنسختها الثانية أنصار الشريعة والنسخة الثالثة داعش  وأخيرا وبعد انتصار النظام السوري بتدخل روسي /إيراني  وسيطرة الأكراد السوريين بتدخل أمريكي  يتساءل الجميع ما مصير الآلاف من مقاتليه ومقاتلاته ؟ أين سيلتحق هؤلاء ؟وبمن ؟ومع من سيتعاونون ؟

لنرسم في البدء خريطة تواجد السلفية الجهادية

في تونس:   توجد كتيبة عقبة بن نافع

شباب التوحيد (وهم أنصار الشريعة قبل حلّهم )

جند الخلافة (تعاون سلفي جهادي تونسي جزائري )

في الجزائر :  توجد القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي  ومنها تتفرع كتائب وفصائل  أهمّها

كتيبة الموقعون بالدماء و كتيبة الملثّمون

في المغرب : القاعدة وداعش

في ليبيا : أنصار الشريعة بليبيا و المرابطون  ومجلس شورى شباب الإسلام (ولاية برقة)

في مصر :  يوجد  أنصار الإسلام وجند الإسلام وأنصار بيت المقدس (ولاية سيناء)  والدولة الإسلامية بمصر

اليمن : أنصار الشريعة و القاعدة

العراق وسوريا: جبهة النصرة وداعش

لبنان : أنصار الشريعة وجبهة النصرة (لبنان )

 الخليج العربي: القاعدة  

موريطانيا: القاعدة /داعش

ولأنّ الجهاديين لا يعترفون بالخارطة الدوليّة ولا بالحدود الجغرافية  ويسعون لتقويض الكل ّ فإنّ الحركة الجهاديّة بفعل ضربات وملاحقة الأنظمة والقوى العالميّة لها  وبفضل الثورة الإعلاميّة والاتصّالية  تمكنت  من  إيجاد مواقع نفوذ لها داخل المناطق القبليّة في الإسلام الإفريقي وبالتالي برزت حركات جهادية  نشطة مثّلت تحديا للعالم  لذا نشير إلى  انتشار هذه الحركات في المناطق الإفريقية التالية .

مالي /بوركينافاسو

جماعة نصرة الإسلام والمسلمين  وهي تابعة للقاعدة وتشكلّت من أربع فصائل هي ّ: إمارة منطقة الصحراء والمرابطون وأنصار الدّين  وجبهة تحرير ماسينا  وحركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا

الدولة الاسلامية في الصحراء الكبرى وحركة أزواد الإسلامية

الصومال

حركة شباب المجاهدين والدولة الإسلامية بالصومال

نيجيريا

بوكو حرام   وولاية غرب إفريقيا  والدولة الإسلامية بشرق إفريقيا 

كينيا

الهجرة  والمهاجرون  وجبهة شرق إفريقيا

هذه تشكيلات جهادية راديكالية يتداخل فيها المعطى القبلي  والمالي (التهريب) والدّيني وخاصة المعطى الاستعماري إن في مخابراته أو في لعبة تأمين مصالحه ضدّ القوى المناكفة له ولنتبيّن مدى توسّع أنشطة السلفيّة الجهادية يكفي أن نعلم أنّ  عدد إجمالي الوفيات نتيجة عملياتهم لم يتجاوز 6 في المائة من إجمالي الوفيات الناتجة عن الأنشطة المسلّحة ليرتفع هذا العدد الى 300 في المائة  وتضاعف عدد الدول التي تشهد هذا النشاط من خمس دول إلى 12دولة . يتركّز اليوم النشاط الجهادي في الصومال وغرب إفريقيا وجنوب الصحراء  وخاصة أفغانستان  وهذه المناطق  تشهد هذا الإرهاب  لموقعها الإستراتيجي أو لطبيعتها الجغرافية وثرواتها وهذا غير خاف على أحد.  فالصراع في إفريقيا بين قوى القارة العجوز وأعني تحديدا فرنسا وبريطانيا وإلى حدّ ما بلجيكا وإيطاليا والقوى الجديدة الشبابيّة وأعني تحديدا أمريكا والصين  وإلى حدّ ما روسيا. وكلا الفاعلين السياسيين العالميين يشتغلان ضمن مربّع المصالح الآنيّة والمستقبلية . إنّ دلالة المفاوضات  بين أمريكا من جهة وطالبان من جهة ثانية ليس سببها انتصار طالبان  بفعل تضاريس المنطقة وهذا صحيح نسبيّا ولكن الأهمّ من كل ذالك إعداد طالبان كقوة إقليمية فاعلة لمشاغبة الجار الشرقي أعني الصين.  ففي العشرية القادمة سيتمّ القبول بعودة طالبان للحكم لكن من خلال صناديق الاقتراع وتوظيف السلفية وترويضها لخدمة المصالح الأمريكية ويتم ّمن خلالها ضرب ثلاث عصافير بحجر واحد. الصين من خلال الدفع بالجهاديين عبر طالبان  لتكوين جبهة نصرة لمسلمي الصين (تركستان) تكوين حلف آخر لمشاغبة الروس أعداء طالبان. إيران  والضغط عليها ومراقبتها  علما وأن ّالدول الثلاث لها حدود مع أفغانستان (روسيا لها حدود مع طاجكستان وهي على حدود أفغانستان) . السلفية الجهادية صنيعة مخابراتية وهي ستضلّ موجودة طالما مبرر وجودها موجود ا فقط نشير إلى أنّها كظاهرة يتدخل فيها المعطى الديني نعم ولكن أهمّ من ذالك المعطى القبلي وخاصة الواقع الظالم

الحركات الصوفية

من جهة المبدأ  التصوّف هو تجربة ذاتية خاصة  تتعلّق بالعلاقة الوجدانية مع المطلق  فهي تجربة خلاص  ويمكن اعتبارها من هذا الجانب كونيّة  تعم ّكل الأديان  لكن عندما تصبح تجربة جماعية من خلال إخضاعها للسيستام،  فهي إذا تطلب الخلاص الجماعي  وبالتالي تلج السياسة من أوسع أبوابها رغم دعواها بأنّها حركة تربويّة زاهدة وحذرة تجاه التسيّس لكن سواء أرادت الحركات الصوفّية ذالك أولم ترد فإنّها لعبت أدوارا مفصليّة في الجغرافيا الحضارية للعالم العربي الإسلامي.  فهي من جهة استفادت منها الأنظمة التسلطيّة ووظّفتها ولازال توظّفها لخدمة أجنداتها  بل إنّ الاستعمار لعب بها كورقة رابحة للسيطرة  وحتى الدولة الوطنية اشتغلت على هذا الملف وجيّرته لخياراتها  هذا لجهة المنظور السلبي من الحركات الصوفية لكن في مقابل ذالك ثمّة محطّات مشرّفة لعبيتها التجارب الصوفية مثل مقاومة الاستعمار (مثلا في الجزائر مع الأمير  عبد القادر أو في ليبيا مع الحركة السنوسية) وحتى في أوساط إفريقيا المسلمة لم يحفظ للإسلام حضوره إلاّ التيجانية أو الشاذلية  بل إنّ التصوّف كان محوريا في مواجهة الشيوعيّة في الاتحاد السوفياتي والعلمانية المتطرّفة مع أتاتورك ، ولعل ما يعنينا من طرق باب التصوّف هو ذالك التوجّه الجامع بين السياسة والتربية  داخل مختلف المدارس على امتداد العالم الإسلامي , ولهذا السبب أجعله أحد الروافد الأساسية للإسلام السياسي. عندما نراجع خارطة تواجد هذه النسخة من الإسلام في منطقتنا  نلاحظ ما يلي

1/ لا وجود للتصوف في منطقة الخليج  وسبب ذالك هو خيارات سياسية /اجتماعية حيث تأسّست الشرعية السياسيّة للدولة السعودية على الوهابية بما هي سلفية راديكالية ضدّ التصوف بمختلف مدارسه والتشيع (علما وأنّ الفيلسوف بن تيمية يجعلهما على نفس الصعيد أخوان من الرضاعة )

2/التصوّف له جذوره في العراق والشام (سوريا ولبنان وفلسطين ) وهو ينمو ويقوى بحسب المحيط والظرف السياسي  ولم تر فيه مختلف الأنظمة الحاكمة أيّ خطر وكان ملاذا آمنا للقوى المحافظة التي تريد أن تتقي شرّ السياسة  بل أنّ الأحزاب السياسيّة المعارضة والحاكمة تستدعي التكاي والزواي طلبا للصوفيّة كأوراق انتخابية هذا إن سمحت الدول بالانتخابات .

3/في مصر المدارس الصوفية قديمة قدم التسلط الفرعوني فالروح المصرية تجد في الزواي والتكاي ما يشبع تطلعاتها  إنّها تمنحها الأمان والرضا حتى وإن كان الواقع السياسي بائسا وتعيسا. و إنّ الصوفية المصرية ينطبق عليها القول الماركسي الشهير   الدين أفيون الشعوب  وهي هنا  بمثابة الملجئ عندما تفشل كل محاولات مجابهة التسلّط العنيف للدولة . ولقد تغلغل التوجّه الصوفي في مفاصل الدولة إلى حدّ أن مشيخة الأزهر تمّ السيطرة عليها ليس فقط في العهد الحالي وإنّما منذ أن  حكم العسكر فقد تداول على المشيخة الدكتور عبد الحليم محمود  وهو لا يخفي تصوّفه  وصولا إلى الشيخ الحالي الذي بارك الانقلاب وأّيده  بل دار الفتوى نفسها أصبحت عندهم فالشيخ الحالي  هو الآخر ينتمي للصوفيّة

4/ في منطقتنا المغاربية  لعبت الصوفيّة أدوارا محوريّة في تاريخنا السياسي  وجمعت بين لحظات ثوريّة مضيئة وأخرى سلبيّة مظلمة  وما يمكن ملاحظته أنّ المدارس الصوفية بمختلف توجهاتها  ضلّت بعد الاستقلال ذات توجّه لا محيد عنه وهي أن تكون  في خدمة السلطة في صورة تسلّطها (حالة ليبيا وتونس والجزائر وحتى  موريطانيا ) ف قبل الربيع العربي  كانت  تدفع بمريديها نحو  خيارات الأنظمة مع عطايا وهدايا وخدمات تقدّمها الدولة لمقاماتها وزواياها أمّا في حالة المغرب الاقصى فالمملكة كمؤسسة تنافست مع الأحزاب حتى اليسارية منها في طلب ودّ شيوخ مدارس الصوفية سواء تمّ إعلان ذالك أم لا . إنّ هذه الصورة من التعامل الحزبي (السياسي)المغربي مع الصوفية نجده بأكثر وضوح في إفريقيا المسلمة  ففي السينغال ومنذ تأسيس الدولة كانت الأحزاب تحجّ إلى بيت شيخ الصوفيّة التيجانية وهي اليوم ابنته  طلبا للدعم والتأييد . إنّ الصوفيّة تغلغلت في إفريقيا عن طريق المغرب وهي اليوم شعوب إسلامية مالكية في الفقه وأشعرية في الكلام وصوفيّة في التربية والسلوك  ينطبق هذا على مالي والنيجر والتشاد وبوركينا فاسو والسينغال والكامرون ونيجيريا وحتى أثيوبيا

5/بقي من الصوفيّة ذات الخصوصية المتميّزة( كونها لا تخفي توجهها السياسي)  وهي صوفية أهل السودان (يتقاسم النفوذ المهدوية والأنصار الختمية )والصوفيّة التركية التي هي نورسّية واليوم يحتكرها عبد الله غولن او جماعة الخدمة . فهذه المدرسة الصوفية المتسيّسة  لا تشتغل لحساب غيرها وإنّما لحسابها فعينها على السلطة أكثر من أي ّحزب سياسي آخر  وما قصة الانقلاب  في تركيا عنا ببعيدة . ولقد نجح الصادق المهدي للوصول للحكم لأنّه زعيم الصوفية المهدوية ولم يتنح إلاّ من خلال الانقلاب كما أنّ جماعة الخدمة شاركوا في وصول  أردوغان ومن قبله أربكان للحكم يوم كان ثمة تحالف بينهما  ثمّ حاولوا الانقلاب . ما يمكن قوله هو أن ّمصير هذه المدارس الصوفية على المدى القريب والبعيد لا يختلف في شئ عن ما قلناه بصدد السلفية فالصوفيّة التي رهنت نفسها للأنظمة الحاكمة والمتسلّطة كالسيسي في مصر أو حفتر في ليبيا أو الصوفية في سوريا  أو في المغرب هذه ستضلّ موجودة ضمن حدود يرسمها صاحب السلطة الفعليّة أمّا تلك التي تشتغل لحسابها الخاص (المهدوية /الخدمة ) فهي القادرة أكثر من غيرها على الصمود وتجديد نفسها والتأثير الفاعل في الشأن العام . ففي السودان قريبا سيتمّ الحسم السياسي لصالح المهدوية وأتوقّع تحالفها مع الحزب الشعبي (حزب المرحوم الترابي ) وهذا يعني أنّ مصير السودان سيعرف تجديدا مهما في مستوى إحياء الصوفية التقليدية مع جرعة حداثية وربّما سينشأ تحالف  مدني صوفي حداثي  بزعامة الصادق المهدي يلتقي فيها الإخوان مع الصوفية  ومع الليبراليين . أمّا في تركيا فتقديري أنّ جماعة الخدمة (عبد الله غولن ) برهنوا على قدراتهم الخارقة في تحّدّي الدولة وحزبه الحاكم العدالة والتنمية  ولقد تمكنوا من توجيه الانتخابات نحو حرمان هذا الحزب من رئاسة بلديات المدن الكبرى( اسطنبول وأنقرة ) إن عن وجه حقّ من خلال التصويت المكثّف للحزب المنافس أو باطلا من خلال تحويل أصوات الناخبين وهذا يعني اختراقهم للجان الفرز وهّذه المعركة بين التيار الإخواني (ممثلا في العدالة والتنمية )والتيار الصوفي (جماعة الخدمة ) تستوجب لمصلحة تركيا القادمة  أن يتجاوز الاثنان معاركهما الوهميّة  بحل وسط تتنازل الدولة فيه عن الاستئصال ويتخلى غولن عن القيادة الروحية للخدمة وتعود الصوفية لنبعها الأصيل النورسي. فهذا التحالف إن تمّ قادر على إيجاد  حلّ إيجابي للمشكل الكردي  فالتيار القومي فيه (حزب العمال أوما يعرف اختصارا : ب ك ك)نجح في خطف المشكل الكردي ولا يمكن مواجهته إلاّ عن طريق الصوفيّة لأنّ الكرد كقومية أصيلة في المنطقة هي أيضا أصيلة في تصوّفها

حزب التحرير

هو حزب أنشأه تقي الدين النبهاني  في منطقة لازالت اليوم تعيش على وقع الاحتلال الصهيوني  وكان دافع التأسيس تجاوز الخلل الذي ترتكبه كل الأحزاب والقوى التي  تدعي امتلاكها الحلول الكاملة للشتات الإسلامي بعد سقوط الخلافة بما هي رمز الكيان. لقد انبنى الحلّ عند الشيخ تقي الدين في إقامة الخلافة  وما يترتّب عن ذالك من تحكيم الشرع  فلا مخرج للأمّة الإسلامية إلاّ بالعودة إليها وكلّ الأحزاب السياسيّة أكانت قومية أو طائفية أو إخوانية  إنّما تزرع في بحر وتبني أوهاما إن لم تذهب مباشرة إلى مؤسسة الخلافة وبزعمها أنّ الغرب نجح  في السيطرة على  المسلمين  من خلال عمليتين الأولى أصليّة وهي إعدام الخلافة كمؤسّسة (من خلال ابنهم البار أتاتورك)والثانية كنتيجة حتميّة وهي سايسبيكو  أي تقسيم العالم الإسلامي وتفتيته . وجد هذا الخطاب أنصارا له في فلسطين والأردن  ونسبيا في لبنان ولكنّه لم يغر القوى المحافظة في المنطقة العربيّة  الأخرى  بل استطاع اختراق الإسلام الآسيوي  ففي الدول الإسلامية جنوب روسيا وجد له أنصارا ومؤيدين بل في الولايات الإسلامية داخل الإقليم الروسي حقّق اختراقات مهمّة أمّا على مستوى مصر والمغرب العربي فضلا عن دول الخليج فقد  بقي نخبويا قلّة من الشباب الطلابي أو بعض رجال المحاماة والحقوق  ويمكن اعتبار تونس أكثر الدول التي يلفت فيها الأنظار خاصة بعد تعديل موقفه من الانتخابات (كان يحرمها)لمعرفة مدى حضوره الشعبي. إن حزب التحرير يمارس السياسة من خلال عجزه عن الخوض في التفاصيل( وهل السياسة إلاّ بحث في التفاصيل ؟ ) هو يحلّل ماكرو سكوبيا  ويعجز عن الإقناع حول ما العمل؟

لذالك توقّعي أنّ هذا الحزب  يعيش ويتمعّش من خلال بؤس الواقع  فقضية فلسطين  تلهم أتباعه بصوابيّة مواقفهم ولكن مثله مثل التيار القومي والتيار السلفي  يقوى نفوذهم ويروج خطابهم عند فشل الحركات السياسية الإخوانية باعتبارها كبرى الحركات  وهذا ما يفسّر العداء المبالغ فيه للتيار الإخواني. وإن الخلافة على منهاج النبوة هي حلم  والأحلام تضل قائمة طالما أسباب وجودها قائمة ولكن ما فعلته داعش  بالفكرة/الحلم قد أصاب التحريريين بمقتل  ولذا أتوقع على المدى المتوسط والبعيد نهاية هذا التيار  إلاّ من بعض القوى الطوباوية  والتي لا يخلو منها مجتمع.

الاخوان المسلمون

هي كبرى الحركات الإسلامية المعاصرة في العالم السنّي  حتى يكاد مصطلح الإسلام السياسي  الغامض يستوعبها لوحدها عند خصومها من النخبة الحداثية  وهي منتشرة في كل أرجاء العالم الإسلامي بل فروعها ومكاتبها توجد في القارة العجوز وفي أمريكا و هي حركة تضم ّداخلها كل ألوان  الطيف الإسلامي  من سلفيين وصوفيين وديمقراطيين وحداثيين بل وليبراليين وحتى اليساريين (جناح ما يسمى الإسلام الاجتماعي )هي حركة نشأت في محاولة من المؤسّس حسن البنا ملئ الفراغ الذي تركه سقوط الخلافة وكان إبداعه  في قدرته على إيجاد الخلطة العجيبة بين مختلف التوجّهات الإسلامية  وكانت النشأة في لحظة كانت فيها مصر تعيش أبهى عصور التعدديّة الحزبيّة والصراع الديمقراطي في عهد الملك فاروق فكان لزاما على الإخوان الدخول في تنافس مع الأحزاب  الحداثيّة و إقامة تحالفات  بحكم  الأمر الواقع ومن هنا قناعة مدرسة الإخوان بالتغيير السلمي  لكن داخل الفضاء السياسي الشرعي (شرعية عند المسلمين السنّة هي شرعية الشوكة او البيعة الحرّة )لكن ضمن أطر القوة الغاشمة أو الاستعمار  التغيير يتناسب مع القوى المعادية  فكان للإخوان أجنحتهم العسكرية المسلحة كما هو حال الوضعية الفلسطينية. إن حركة الإخوان المسلمون  مدرسة في الصبر على المحن  وفي التربية وهي لا تجنح للعنف  إلّا في حالات معيّنة  ويتّهمها خصومها بأنّ العنف الإسلامي أو الإرهاب هو صناعة إخوانية في حين تتبرأ هي من كل ّ ذالك وتعتبر نفسها ضحيّة من ضحاياه  وفي آخر دراسة كلّفت بها  لجنة علميّة  محايدة من طرف الحكومة البريطانية انتهى التقرير إلى أنّ الإخوان بعيدين عن الإرهاب وأنّه دخيل على منهجهم التربوي  فالبنا يوصي أتباعه بأن يكونوا كالشجر يرمونه الناس بالحجر فيعطيهم الثمر  ولكن ضل ّهاجس العنف مرتبطا بهم لأن ّالحركات الجهادية والإسلام السياسي الغاضب خرج من عباءتهم  فالذين إنخرطوا في العمل الإسلامي الجهادي تأثّروا بسيد قطب  والمودودي وهما من الزعمات الكبرى للإخوان (وهذا يتطلب دراسة خاصة تحقّق  في ما هو اليوم رائج في الصحف الصفراء حول سيد قطب وحتى المودودي) فالتكفير والهجرة هي صنيعة ممارسات النظم الحاكمة لا لجهة التخابر وإنّما لجهة الدفع العنيف  حتى إذا جنح الضحاي للعنف تمّ التوظيف الإعلامي. إن  عموم الأحزاب الإخوانية لا تتبنى العنف كخيار  ولكن التنظيم الإخواني من جهة البنية كونه يضمّ داخله كل العناصر المحافظة يمينها ويسارها يجعل من التنظيم في وضعية لا يحسد عليها  ومن ثم تهمة ازدواج المعايير فكيف يمكن التوفيق بين إخواني  يتحدّث عن الديمقراطية والحداثة والفكر والحرية حديث الخبير والعارف وبين آخر خريج جامعة الأزهر لم يغادر بعد الثقافة التقليدية الكلاسيكية ؟كيف يمكن التوفيق بين كتابات الغنوشي وخطابه حول العلمانية والحرية وبين  ما يكتبه الإخوان في الشرق ؟

الإخوان كما هم طيف واسع هم أيضا يتميزون بالانضباط الحزبي  إلى حدّ اتهامهم بالعقلية الطائفيّة من طرف الخصوم   وهم منتشرون في كامل الوطن العربي   وهي مدرسة يتعلم منها في مستوى الصبر على المحن  خاصة في المثال المصري . المحنة الأولى زمن الضباط الأحرار  إذ سرعان ما انفضّ التحالف بينهم وبين العسكر  ولا ندري هل الإخوان أرادوا اللّعب بالجيش تمكينا لحكمهم أم العكس ؟ وانتهى الصراع مع عبد الناصر إلى محاولة استئصال  كيان الجماعة  لولى أن دخل النظام السعودي على الخطّ   فمدّ في أنفاس الجماعة عن طريق الدعم المادي والسياسي  وتمّ الزواج بين جماعة الإخوان والوهابية  وهو زواج بتقديري أضرّ بالجماعة لأنّ التشدّد الديني تسرّب مع الدولار  وغاب منطق الحضارة وقيمها؟ لقد فوّت هذا التحالف بينهما على السنّة ثورة فكريّة حضارية كان يمكن أن تتمّ على يد الإخوان  لأن ّالشأن الديني وإصلاحه  لا يقوم به  إلا أهله من داخل  لا من  أطراف خارجيّة  

خروج الإخوان أقوى في عهد السادات من محنتهم مع تدفّق المال الخليجي  جعل الحركة الإسلامية  تتبوأ السيادة والريادة لا في الأنشطة السياسية فقط وإنّما أيضا في  مستوى الأنشطة الاجتماعية ومع ذالك ضلّوا دوما خارج الشرعيّة القانونية ولم يسمح لهم النظام بالمشاركة في الانتخابات بأسمائهم وإنّما ضمن قوائم أحزاب معترف بها  ورغم التزييف والتضييق فإنّ المناسبات الانتخابية مكنتهم في أكثر من مناسبة من ولوج قبة البرلمان وضلّ الأمر مراوحا مكانه في العلاقة بين العسكر والإخوان في مصر طوال حقبة حسني مبارك  الذي تميّز عهده  بنفوذ المخابرات العامة  وفي زمنه شهدت المنطقة أحداث الحرب العراقية/الإيرانية واجتياح العراق للكويت  والتي كان موقف الإخوان منها ملتبسا فخطّ مناصرة صدام جعل من صانع القرار السياسي السعودي يفك ارتباطه  مع الخطّ الإخواني دون إعلان ذالك  وتمّ التعاون مع المخابرات المصريّة للحدّ من سيطرة الإخوان عبر تمكين السلفية من قسمة الشارع المصري  فلم يعد الخط ّالإخواني هو اللاعب الوحيد في توجيه الشارع وكانت فتوى إباحة استدعاء الأمريكان في حرب الخليج أن انقسمت السلفية إلى جناحين كما بينا ذالك الجناح الراديكالي الجهادي والجناح الجامي والمدخلي  وكلاهما امتصّ من جماهرية الإخوان  وأنقص من قوّتهم  ولعبا معا أدوارا قذرة في تأييد الانقلاب  فحادثة قتل الجنود المصريين وأسرهم من قبل جناح بيت المقدس كانت الحجّة التي اتخذها العسكر للانقلاب كما أنّ حزب النور كان حاضرا في تأييد حركة 30 يونيو الانقلابية . يعيش الإخوان المصريون اليوم محنة الاعتقال والاستئصال  وإن كانوا متعوّدين على المحن  فإنّ تجربتهم القصيرة في الحكم إثر الثورة وفشلهم في تأمين الانتقال الديمقراطي  وإعلان الدول الخليجية باستثناء قطر  على طلاقهم البائن معهم بل واعتبارهم حركة إرهابية  ومعاملة أنصارهم ومؤيديهم  من خلال الحلّ الأمني في السعودية وفي الإمارات كل هذا يجعل مصيرهم مرتبطا بمصير الربيع العربي في المغرب الكبير . على المدى المتوسط وتبعا لما يجري في ليبيا وتونس وخاصة الجزائر  سيعمل السيسي إلى المناورة وربح الوقت  فإن تراجع الخط الديمقراطي في المنطقة الآنفة  سيتمّ تنفيذ الإعدامات في القيادات الوسطى وربما الكبرى وفي هذه الحالة ستحدث اهتزازات وربّما إحتجاجات ولكن سيسارع السيسي إلى التفاوض إن جرت رياح التغيير وجهة أخرى  وسنجد أنفسنا مع مربّع العلاقة الإخوانية /المباركية. أمّا على المستوى البعيد فالإخوان سينتصرون في البقاء وسيقومون  بمراجعة جذريّة لمنهجهم وأهمّ قرار برأيي هو فكّ الارتباط النهائي مع الوهابية والتبرؤ من قراءتها  الحرفية والظاهرية للنصوص . في بلدان الخليج وخاصة في السعودية والإمارات  سيكون مصير الإخوان تبعا لمصير نظرائهم في  مصر  إن فرجت هموم المصريين فرجت همومهم وإن تم ّالعكس  فالعكس . تبقى تجربة الكويت فريدة فثقل الإخوان ليس كبيرا ولكن مع ذالك لهم حضورهم الإعلامي والثقافي  وقد يقوى بفعل التحولات في المنطقة.

إخوان سوريا مشكلة للباحث  لأنّهم يفتقدون القيادة المتمكنة من فهم الواقع (مصطفى السباعي               ) كما أنّ نشاط التيار العلماني والحداثي كان متطرفا أقصى اليسار فكان ردّ الإخوان التطرف أقصى اليمين  إخوان سوريا واجهو عسكرة الدولة بالسلاح (مجزرة حماة ) وكان فشلهم في التغلغل في الأوساط الشعبية بسبب عنف الدولة والحصار الذي عوملوا به وحدها الصوفيّة وإلى حدّ ما السلفية العلميّة كانت ملاذهم حتى إذا جاء الربيع العربي  ظهر ضعفهم وطوباويتهم  فانخرطوا في عسكرة الثورة دون قراءة سليمة للواقع المحلّي والعالمي.  ما ينطبق على إخوان سوريا يجري على إخوانهم في العراق  فيكاد وجودهم يكون منعدما  أمّا لبنان فهم أقلية ونشاطهم أقرب للثقافة (مكتبات ودور نشر ) ولكن برأيي هم الأقدر على التكلم باسم  الطائفة السنيّة في مقبل الأيام تبعا للتحولات داخل السعودية

أمّا في فلسطين والأردن ولطبيعة الصراع الهووي مع الكيان الصهيوني  فإنّ مصير الإسلام السياسي   سيضلّ جاذبا وفاعلا ما ضلّت فلسطين جريحة . نأتي الآن إلى إخوان المغرب الكبير المثال التونسي وجنيسه المغربي أعني حركة النهضة والعدالة والتنمية هما الفصيلين اللذين بدآ يخرجان من جلباب التوجّه الشرقي  نحو التعامل باقتدار مع الخصوصيّة التونسية /المغربية

في تونس قدّمت الثورة للإسلام السياسي أو الإسلام الديمقراطي( كما يحلو لنفسه  التسمية وكنت اقترحت تسمية الاتجاه المديني الديمقراطي) قدّمت له الحرية فبعد محنته طوال الحكم الاستبداد ي عاد للنشاط السياسي من أوسع أبوابه  حتى وصل للتنفذ في أجهزة الدولة عبر ثلاث محطات انتخابية (تشريعية تأسيسية وتشريعية نيابية وبلديّة )وهو الآن يستعدّ للاستحقاقات الانتخابية لسنة 2019 وكل نتائج سبر الآراء تضعه في المقدّمة  لا لشعبيته المطلقة فخصومه كثّر سواء في الخط ّالشعبوي للتجمّع المنحل (حزب عبير موسي) أو الأحزاب اليسارية والقومية (الجبهة الشعبية) بل حتى من بعض القوى الثوريّة ذات التوجّه اليساري الاجتماعي (التيار )  ولكن القراءة الموضوعيّة لأدائه السياسي طيلة السنوات الفارطة تجعل خطّه واضحا وهو الشراكة مع الجميع من أجل تجاوز المرحلة الانتقالية

إنّ البراغماتية المبالغ فيها أحيانا لطلب الشراكة  لن تمكّن تونس من تخطي عقبة الإقلاع الاقتصادي  بل ربّما تحسب الشراكة والتوافق ضدّه لأنّ مقاومة الفساد الحقيقية تقتضي عدم غضّ البصر  وعدم الرضى أو الانتقاء والتلفيق  في محاربة قوى الفساد ومن ثم أصبحت الشراكة وطلب التوافق  هدفا في حدّ ذاته وليس غاية من أجل الإصلاح والبناء  نعم أصبحت النهضة –وهي تعاني من عرج الأداء الإعلامي الجّيد – عنوانا لتهم الفساد فضلا عن تهم الإرهاب (الاسطوانة القديمة للدولة العميقة ونخبها )وهذا الخيار الاستراتيجي للتوافق من أجل تأثيث الدستور وبناء الدولة الديمقراطية حتى يتم تخطي المرحلة الانتقالية بسلام هذا الخيار أفقدها جزءا من خزانها الانتخابي  فالذين صوتوا لها في الانتخابات التشريعية هم قرابة المليون ناخب تقلّص العدد إلى النصف في الانتخابات البلدية وكونها الأولى في سبر الآراء  ناتج عن عزوف الناخبين (والقوى المعادية لها تذهب في غباء أن ّأصوات العازفين بالضرورة هي ضدّ النهضة في حين ليس ذالك مؤكد ا)وناتجة أيضا عن تشتّت الخصوم . فما هو مؤكّد أنّ الاستقطاب الثنائي ليس في صالح النهضة ولا في صالح البناء الديمقراطي  وما هو مؤكد أيضا أنّ الصراع الإيديولوجي والتنافس الهووي لم يحسم بعد رغم التصويت على الدستور بأكثر من 90 في المائة وهذا يعني أنّ الانتخابات القادمة يلعب فيها الجوار الإقليمي أدوارا تأثيريّة وتوجيهيّة

أتوقع إن بقي الوضع في سياقه الحالي أي استقرار الجارين الشرقي والغربي أن تحوز النهضة على المرتبة الاولى أو الثانية وربّما الثالثة  بحيث ستعرف تونس ترويكا جديدة لان الإصلاحات الكبرى تستوجب توافقا واسعا لا مجال فيه للإقصاء  ولكن إن سارت رياح التغيير في الجارين نحو التحالف الإماراتي السعودي  فاءن النهضة ستكون في المعارضة هذا إن وقعت الانتخابات أصلا  لكن نجاح الحراك الثوري في الجزائر وانتصار ربيعها المؤجّل سيمنح النهضة رئة كبيرة لتتنّفس الصعداء وقد يكون نجاحها كبيرا في الاستحقاقات الانتخابية لكن مهما كانت نتائجها فهي مقتنعة بضرورة التشارك والتوافق مع الخصوم  وفي هذه الحالة المنطقة قادمة على تغيرات كبرى . وفي المغرب  الأقصى الذي لم يعرف ربيعا ثوريا ولكنّه خطى ببطء نحو الإصلاح ومكّن الإسلام السياسي من  المشاركة في تسيير الدولة لكن ضمن  حدود يرسمها المخزن  فقد منح الإسلاميين هامشا من الفعل سرعان ما تراجع عنه وقلّصه إلى الأقصى بفعل انتكاسة الربيع وتحوّل القوى الإقليمية والعالمية لتقليم أظافر الإسلاميين. فكان حزب الأصالة والمعاصرة (حزب المخزن ) بالمرصاد له الى حدّ تخلي بن كيران لنائبه في تسيير الحكومة

إذا كانت النهضة التونسية استطاعت ببراغماتيتها وبذكاء قادتها تخطي كلّ المؤامرات (آخرها الجهاز السري وتهمة الإرهاب) والبقاء في صورة المشهد رغم خسارتها لجزء كبير من خزانها الانتخابي فإن ّغباء خصومها وتشتّتهم وخاصة احتكار النهضة للإسلام السياسي بعد فشل السلفيين بمختلف أنواعهم  وضعف حزب التحرير فإنّ حزب العدالة والتنمية المغربي يعاني من ثلاث مشاكل كبرى ستفقده إشعاعه وهي

*قوة وعراقة نفوذ المخزن  والقوى المتنفذة من ورائه

*قوة النخبة العلمانية واليسارية خاصة في الثقافة والإعلام

*قوة الإسلاميين  الذين على هم على هامشه وأقصد هنا جماعة العدل والإحسان

أتصوّر أنّ الوضع الجزائري له تداعياته  الكبرى على المغرب كما تونس  فإذا أتمّ الحراك مساره في صالح الديمقراطية فإنّ الخصومة الأبدية بين المملكة والجيش الجزائري ستنتهي وسيلعب صانع القرار السياسي في المغرب آخر ورقاته من أجل البقاء ليتحول فعلا نحو الملكيّة الدستورية وأتصوّر أن ّيتقلص نفوذ العدالة والتنمية لصالح العدل والإحسان وربّما يتحالفان  أمّا إذا انتهى الحراك الجزائري إلى الفشل فسيقوى حزب المخزن وسيعود الإسلاميون للمعارضة. أختم بالوضع في موريطانيا  فهي متأثرة بالجارة المغرب إن نجح الإسلام السياسي الإخواني  أو جنيسه فإنّ الإسلاميين ينتعشون وإن تراجع الربيع العربي تنفذت القوى الخليجية المعادية واستطاعت بمالها شراء الذمم. يبقى الوضع الليبي متراوحا بين الخصمين الكبيرين فرنسا وحليفتها الإمارات والسعودية   وإيطاليا  التي تستقوي بحلفائها في الداخل خاصة في مصراطة ويبدو إنّ التوجه العام هو تقليص دور الإخوان  لصالح توليفة بين الليبراليين  وأنصار النظام السابق   لكن تطوّر الأوضاع في الجزائر قد يسارع نحو هذا الحل أو إلغائه وتعديله  ويبدو أنّ الانتخابات القادمة تحت إشراف الأمم المتحدة ستنهي وجود الإسلام السياسي  أو الإخوان المسلمين مؤقتا لانّ تغير الوضع في مصر أو تونس أو السودان له أثاره على من يحكم .

الخاتمة

الخلاصة إنّ الإسلام السياسي  في شقّه الغاضب سيتم توظيفه مجدّدا في نسخة قريبة من التوظيف الغربي له في المعركة مع الشيوعية السوفياتية  وسيكون هذا الشباب وقودا لحرب جديدة لكنّها هذه المرّة مع الصين  فالمفاوضات الحالية في قطر بين وزارة الدفاع الأمريكية وطالبان أفغانستان ليس إلاّ تمهيدا لطلب التحالف الاستراتيجي مع الحاكم القادم أي طالبان  علما وأنّه توجد للصين حدودا مشتركة مع أفغانستان  وسيتم استغلال العنف الصيني مع مسلمي تركستان المحتلة  وإن لم تبادر الصين إلى حلّ مشكل الأقلية المسلمة وإن لم تدخل لتحييد طالبان  فإنّ المعركة لا محالة قادمة  وإلاّ فإنّ السلفية الجهادية سينتهي مبرر وجودها . أما الإسلام السياسي في شقه المسالم  اللاديمقراطي  فسيضلّ رهين أنظمة الحكم ودعمها له لتتحول إلى النقيض إمّا انخراطا في الجهادية أو عزوفا عن السياسة وأهلها  في صورة انهيار تلك الأنظمة أو تغيير في سياستها  أمّا الإسلام السياسي الديمقراطي  أي التيار الوسطي (مدارس الإخوان وتوابعها) فسيضل حاضرا في المشهد السياسي حاكما وراسما للسياسات حينا ومعارضا فاعلا حينا آخر .

عقيل الخطيب ( باحث تونسي)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك