القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

قراءة في تقرير هيئة الحقيقة والكرامة أسئلة لا بد منها

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-04-08 16:06:00 | 301 مشاهدة

 

تلخيص:

نقدم ضمن سلسلة من المقالات المتتابعة قراءة في تفاصيل التقرير الختامي لهيئة الحقيقة والكرامة المسؤولة عن ملف العدالة الانتقالية بعد أن قدمته للعموم في انتظار نشره في الرائد الرسمي ووضع الآليات الكفيلة بتنفيذه وهي مسؤولية الحكومة التي لا تبدو أنها في عجلة من أمرها لانجاز هذه المهمة . ما هي أبرز توصيات التقرير وما أثره الواقعي في مستقبل العملية السياسية والمدنية في تونس ،وما جدية الضمانات التي تقول الهيئة إنها طرحتها حتى لا يتكرر ما وقع من انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان طيلة ثمانية وخمسين سنة ؟ فهل وفقت الهيئة في استكناه الأسباب الحقيقية لوقوع هذه الانتهاكات وفي تقديم الحلول المثلى لتفكيك منظومة الاستبداد كما طرحت في ديباجة تقريرها . هذه الأسئلة وغيرها نقوم ببحثها وتفكيكها للوقوف على دلالاتها ضمن هذه السلسلة  التي نستهلها في جزئها الأول بقراءة في الديباجة العامة للتقرير.

مقدمة

نشرت هيئة الحقيقة والكرامة تقريرها الختامي للعموم بعد أن سلمته للرئاسات الثلاث و أعلنت نهاية عهدتها التي استمرت طيلة خمس سنوات وسط جدل سياسي و إعلامي لم ينقطع بعد ويبدو أن ستكون له رجات ارتدادية كثيرة خاصة في ظل تلكؤ الحكومة في نشر التقرير في الرائد الرسمي و حديث عن محاولة  للالتفاف على مخرجات هذا التقرير من خلال التحضير لتقديم مشروع قانون للبرلمان يقضي بالعفو عن مرتكبي الانتهاكات مقابل الاعتذار وجبر الضرر دون العرض على الدوائر القضائية المختصة التي شرعت بعد في النظر في عدد من الملفات . وقد يتبادر للذهن سؤال عن جدوى هذا التجاذب طالما أن الهدف واحد كما يبدو هو وصول المجتمع التونسي إلى وضع المصالحة مع الذات من خلال اعتراف المذنبين واعتذارهم وتعويض المتضررين أو جبر ضررهم ،وهذا ظاهر الأمر الذي تشير إليه كل هذه المواقف لكن نعتقد أن الأمر أعمق من مجرد خلاف لفظي و أن قاعدة " لا مشاحة في الألفاظ لا تصلح في هذا المقام  وهذا ما سنحاول الوقوف عنده من خلال قراءتنا في مخرجات التقرير الختامي للهيئة . يتضمن التقرير أجزاء مختلفة خصص أولها لمسار تشكيل الهيئة والإشكالات التي صاحبت هذا التأسيس  وخلال فترة عملها  ورد تحت عنوان عهدة الهيئة ،وتناولت بقية الأجزاء  مسائل تفكيك منظومة الاستبداد وتفكيك منظومة الفساد وانتهاكات حقوق الانسان والانتهاكات التي استهدفت النساء والأطفال ،وجبر الضرر ورد الاعتبار ، وضمانات عدم التكرار مع الاستشارة الوطنية حول البرنامج الوطني لجبر الضرر.

 

التقرير الختامي: وجهة نظر هيئة الحقيقة والكرامة:

 

تقول هيئة الحقيقة والكرامة إنها تقدم في هذا التقرير" مخرجات أعمالها التي تحتوي على تشخيص لمواطن الخلل الموجودة في مؤسسات الدولة على مدى 58 عامًا ونصف. وقد أدى هذا الخلل إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بالإضافة إلى فساد مالي واعتداء على المال العام. كما أدى الى السطو على موارد الدولة وثرواتها مما تسبب في إغراقها في المديونية وحرمان مرافق الصحة والتربية من الموارد الضرورية وهدر فرص التنمية. وبقيت هذه المديونية تؤثر سلبا على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للتونسيين والتونسيات لفترة طويلة."

والهيئة بهذا التقديم تحسم سبب الانتهاكات التي تعرض لها التونسيون وهو أولا وبصفة رئيسية "خلل في مؤسسات الدولة" مواطنه عديدة   أصابت كل المؤسسات وامتدت في الزمن منذ الاستقلال

وتضيف الهيئة أن هذا الخلل كانت له نتائج أخرى غير انتهاكات حقوق الانسان الجسيمة وهي الفساد المالي والاعتداء على المال العام و اغراق الدولة في المديونية بما أثر على سير المؤسسات وحرم التونسيين من فرص التنمية خاصة في قطاعي الصحة والتربية

ومما لا شك فيه أن هذه نتيجة لا تقل خطورة عن النتيجة الأولى ولا ندري لماذا فصلت بينهما الهيئة ،هل هو فصل منهجي مرتبط بظاهر مهام الهيئة التي تتعلق ببحث الانتهاكات المباشرة لحقوق الانسان من تعذيب وغيره أم فصل مضموني يميز بين المستويين ؟

نجد أنفسنا هنا مضطرين لاستصحاب قاعدة "لا مشاحة في الالفاظ "(وقد رأينا في البداية عدم الحاجة إليها) دفعا للوقوف على أكثر دلالات التقرير أثرا مستقبليا على واقع الحريات في البلاد خاصة أن الهيئة أقرت بأن النتيجة الثانية المتعلقة بالفساد المالي ونهب ثروات البلاد ما يزال يؤثر على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للتونسيين .

ويأتي وقوفنا عند هذه النقطة و من قناعة أن النظام السياسي الذي تركز بعد الاستقلال وتواصل إلى الثورة إنما كان يرتكب ما ارتكبه من تعذيب وتضييق على الحريات انطلاقا من رؤية للحكم تقوم على منطق الأبوة بما يجعل الحق الاقتصادي والاجتماعي للمواطن "هبة"من السلطة تمنعها متى تشاء وتمنحها متى تشاء و أن منعها لا يستوجب احتجاجا.

وبالعودة لتقرير هيئة الحقيقة والكرامة في ديباجته العامة يكشف التقرير عن تقديمه لتوصيات  يقول إنها "تدعم مسار تفكيك منظومة الفساد والاستبداد، والقطع مع منظومة

التراخيص لكسب الولاءات وإدخال الشفافية في إدارة القطاع العام وإرساء نظام ضريبيّ عادل" من أجل " ضمان عدم تكرار الانتهاكات لحماية سلامة الدولة ومناعتها من سرطان الفساد الإداري والمالي"

 

ملاحظات و أسئلة:

 

ما يلفت نظر الملاحظين من الحقوقيين والأكاديميين، قناعة الهيئة بأن تقريرها يندرج ضمن مسار أو هو جزء من مسار انطلق وجاءت الهيئة بتوصياتها لتدعمه ،ونعتقد أن الهيئة تشير هنا إلى الثورة التي كانت الخطوة الأولى في مسار تفكيك منظومة الفساد والاستبداد". كما يلفت نظرنا أيضا قناعة الهيئة بأن هذه التوصيات الواردة في تقريرها الختامي من شأنها ضمان عدم تكرار الانتهاكات ،فهل نحن فعلا إزاء ضمانات حقيقية  قدمها التقرير ؟ وهل يساهم التقرير بتوصياته في تفكيك منظومة الفساد والاستبداد كما وصف نفسه ؟ سنتناول هذه الأسئلة من خلال قراءة تفكيكية في جملة التوصيات التي قدمها التقرير ،لكننا نشير في البدء إلى أن طرحنا لهذه الأسئلة فرضها ما كشفت عنه الهيئة نفسها في التقرير ذاته من معيقات وضعتها مؤسسات الدولة في وجهها  وما تزال ،وكذلك ما نلاحظه كمتابعين من وجود مساع حثيثة لطمس مسار العدالة الانتقالية برمته وهو المسار الذي يتنزل فيه التقرير. ويبدو أن هيئة الحقيقة والكرامة تعي تمام الوعي بما طرحناه من اشكالات حول توصيات تقريرها الختامي فقد شرطت لنجاح هذا التقرير في إحداث أثر ايجابي على المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد ،شرطت "بأن يكون للقائمين على الدولة جرأة و إرادة كافية للإقدام على انجاز الإصلاحات الكفيلة بانقاذ البلاد من قبضة القوى التي  تشدها إلى الوراء وتسعى سرا أو جهرا لاعادة الديكتاتورية " . ورغم أن هذا الشرط في نظرنا مخيب للآمال بما أنه يكل الأمر إلى السلطة المعنية بمخرجات هذا التقرير  معولا على قدرة مفترضة أو إرادة سياسية مأمولة للانجاز ،وهو مالا يمكن الركون إليه بما أنه قائم على افتراض يحظى بالنسبة نفسها التي يحظى بها افتراض غيابه ،رغم ذلك فإننا لن نصادر على المطلوب  وسنقوم في حلقات متتالية بتحليل توصيات التقرير  من أجل تبيان دلالته وكشف هناته والتنبيه إلى آثار تنزيله أو تغييبه على مستقبل العملية الديمقراطية في البلاد. ومن الملاحظات المهمة التي نشير إليها في هذا المقال الأول عن تقرير هيئة الحقيقة والكرامة حالة الرضى التام لدى الهيئة عن عملها ،فقد ورد في الديباجة التي نحن بصددها ما يلي: "ومن جهتها أوفت الهيئة بالالتزامات المحمولة عليها ونجحت في إنجاز المهام المنصوص عليها بالفصل 67 من قانون العدالة الانتقالية وهي :

-1 نشر الحقائق التي توصلت اليها بعد التثبت والتحقيق

-2 تحديد المسؤوليات

-3 كشف الأسباب التي أدت الى الانتهاكات المشمولة بقانون العدالة الانتقالية والتوصيات الكفيلة بعدم تكرارها في المستقبل.

-4اقتراح التدابير الواجب اتخاذها للتشجيع على المصالحة الوطنية وحماية حقوق الأفراد وعلى الأخص حقوق النساء والأطفال والفئات الهشة،

 5اقتراح التوصيات المتعلقة "بالإصلاحات السياسية والإدارية والاقتصادية والأمنية والقضائية والإعلامية والتربوية والثقافية وغيرها لتجنب عودة الاستبداد والقمع وانتهاك

حقوق الانسان وسوء التصرف في المال العام".

ونحن لا نجد محصيا من التسليم للهيئة بهذا الرضى إذا نظرنا للأمر  من زاوية شكلانية بحتى ،فهناك مهام نص عليها قانون العدالة الانتقالية الباعث للهيئة ترى هذه الأخيرة أنها وفت به والتزمت وهذا أمر  من قبيل المسلمات غير القابلة للتدليل عليها إذ يمكن لأي كان  أن يكتب ما يشاء تحت بنود القانون  ويزعم أنه وفى بما طلب منه وهو في ذلك صادق ،غير أن جهدنا لن يقف على حدود الشكلانية التي سلمنا بها بل يتعدى إلى بحث التوصيات وتفكيكها للوقوف عن  الأبعاد الحقيقية لهذه التوصيات  وتبين وجه الفرادة في  التجربة التونسية حول العدالة الانتقالية .

 

على سبيل الخاتمة:

 

ننوه في هذا الفصل الأخير من العمل إلى أن طرح هذه الأسئلة والاعتراضات لا يعني بالضرورة موقفا سلبيا من تقرير الهيئة أو عملها أو توصياتها ولا من مسار العدالة الانتقالية ولكنه مسافة ضرورية تضمن لنا حدا أدنى لقراءة علمية موضوعية في مخرجات هذا التقرير التي سنعمل على قراءتها في اللاحق من المقالات.

 

الدكتور سمير ساسي ( أكاديمي وباحث تونسي)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك