القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

قراءة في البرنامج الاقتصادي  للحكومة في أفق 2020

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2017-09-24 13:32:22 | 64 مشاهدة
 

ملخص
لم يكن البرنامج الحكومي الذي أعلن عنه رئيس الحكومة التونسية مساء يوم الاثنين 11 سبتمبر 2017  في خطابه امام مجلس نواب الشعب جديدا في محتواه، بل تنزّل في اطار اتفاق الحكومة التونسية مع صندوق النقد الدولي بما سمّي ب "تسهيل الصندوق المدّد" لقرض بأربع سنوات بقيمة 2.83 مليار دولار أمريكي. يقدم البرنامج تقييما للوضع الاقتصادي والاجتماعي قبل وبعد حكومة الشاهد ويقترح أهدافا على المستوى القريب يعتمدها في قانون المالية لسنة 2018 وعلى المدى المتوسط بحلول سنة 2020 تمكّن من الإيفاء بتعهدات الحكومة التونسية تجاه صندوق النقد الدولي لاستكمال تسريح الأقساط المتبقية للقرض مقابل إصلاحات تشمل المنظومة الجبائية والمالية ومنظومة الدعم والوظيفة العمومية والصناديق الاجتماعية والمنشآت والمؤسسات العمومية. فإذا كانت بعض الإصلاحات مفيدة لدفع عجلة النمو الاقتصادي بالرغم من كونها مرتبطة بتوفر عوامل الاستقرار السياسي والاجتماعي غير أن البعض الآخر قد لا يساعد الحكومة على بلوغ الأهداف المعلنة ومن بينها السياسة المرنة لسعر الصرف، السياسة النقدية وسياسة الدعم.

مقدمة
 يتضمّن هذا البرنامج على أهداف على المدى القصير  لتعديل موازنة الدولة لسنة 2017 وأهداف أخرى على المدى المتوسط لتضمينها في قانون المالية الجديد لسنة 2018 لتمرّ المؤشرات الاقتصادية وخاصة منها المتعلقة بالتوازنات الداخلية والخارجية الى اللون الأخضر ابتداءا من سنة 2019 قصد الوصول في نهاية المطاف الى الأهداف المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي بحلول 2020.
تأزم الوضع الاقتصادي منذ سنة 2015
ولئن لم يحمّل البرنامج الاقتصادي والاجتماعي للحكومة التونسية مسؤولية الموروث الاقتصادي الى حكومة دون أخرى، إلا أن لحكومة السيد الحبيب الصيد النصيب الأوفر مما وصل إليه الوضع الاقتصادي من تدهور وكذلك عجز حكومة الشاهد الأولى على تحسين المؤشرات الاقتصادية ممّا قد يبرّر هذا التحوير الوزاري خاصة في الوزارات المكلفة بالملف الاقتصادي. وقد قدّم البرنامج الاقتصادي والاجتماعي تقييما للوضع الاقتصادي ما قبل حكومة الشاهد الأولى، حيث تراجع النمو الاقتصادي بعد الثورة الى معدل 1.3% سنويا مّا أدّى الى ارتفاع نسبة البطالة لتفوق 15.5% خاصة لدى أصحاب الشهادات العليا. وقد كانت مؤشرات الاقتصاد الحقيقي فيما يخص النمو الاقتصادي ونسب البطالة في تحسّن مستمر منذ الثورة وحتى نهاية عام 2014، غير أن هذا المنحى التصاعدي لمؤشر النمو الاقتصادي و التنازلي لنسب البطالة انقلب لضدّه منذ الحكومة الأولى للسيد الحبيب الصيد ممّا أدى الى انخرام التوازنات الداخلية فسّرها البرنامج الحكومي بتضاعف نسبة الأجور من الناتج المحلي الإجمالي ب7 نقاط كاملة وبالتدخل المفرط لصندوق الدعم ليمثل هذا الأخير 26% من ميزانية الدولة.
حكومة الشاهد و تراجع المؤشرات الاقتصادية
أن الانزلاق المتواصل للدينار التونسي، خاصة في حكومة الشاهد الأولى، من جرّاء توسع العجز التجاري ليبلغ حولي 1.2 مليار دينار شهريا، الأثر السيئ على ميزانية الدولة حيث ارتفعت تباعا قيمة الديون الخارجية المستخلصة. كما زاد هذا التراجع في وتيرة التضخم المالي وأثّر سلبا على المقدرة الشرائية للمواطن التونسي ممّا قد يدفع المنظمة الشّغيلة المطالبة بالزيادة في الأجور ويسقط تعهدات الحكومة التونسية تجاه صندوق النقد الدولي. وقد زاد العجز المالي المتواصل للصناديق الاجتماعية وللمؤسسات والمنشآت العمومية في تعميق عجز ميزانية الدولة بعد أن كانت هذه الأخيرة أو على الأقل البعض منها مصدر تمويل لها قبل الثورة.
الاستثمار الخاص و عقدة  المنشار
في الواقع فإن حالة التردد والانكماش الذي ميّزت سلوك المستثمر التونسي منذ الثورة لا يزال قائما ممّا قلّص بصفة جليّة نسبة الاستثمار من الناتج بأكثر من 5 نقاط وعطّل النمو الاقتصادي الذي انحصر أساسا في القطاعات غير المنتجة. ولعلّ من أهم عوامله النسق البطيء للانتقال الديمقراطي رغم النجاحات التي تحققت في المجال السياسي حيث بوّأت تونس المرتبة الأولى عربيّا في مؤشر الحرية السياسية بالرغم من الطبيعة التوافقية للديمقراطية التونسية والتي جعلت من شرعية الصندوق شرطا غير كاف للحكم. إلّا أن جلّ التصنيفات للمؤسسات الدولية في مؤشر الحرية الاقتصادية أعطت تونس ترتيبا سيّئا ولم تقدّم رسالة جيّدة للمستثمر الأجنبي تدفعه للاستثمار في تونس. ولعلّ من أهم الأسباب التي ذكرت في تقارير هذه المؤسسات التعقيدات الإدارية من كثرة الاجرءات وطول آجالها في إحداث الشركات الجديدة وكذلك صلابة سوق العمل والتي أدّت الى تراجع مكانة تونس كبلد جاذب للاستثمار الخارجي.
بوادر انتعاشة  بين الأرقام والامل
استند البرنامج الحكومي في تقديراته للأهداف الاقتصادية المرتقبة على ما سمّاه "بوادر الانتعاشة" خلال السبع أشهر الأولى لسنة 2017 حيث ارتفعت الاستثمارات الخارجية ب6.7% وتطورت نوايا الاستثمار في القطاع الصناعي ب22% وفي الخدمات ب67% وفي القطاع الفلاحي ب68% وارتفع إنتاج الفسفاط ب34% وتحسنت مؤشرات القطاع السياحي خلال الثمانية أشهر الأولى لسنة 2017 ب 31% بالنسبة لعدد الوافدين و22.1% بالنسبة للمداخيل السياحية. ولئن اعتبرنا جدلا أن ارتفاع الاستثمارات الخارجية مؤشر ايجابي يمكن أن يكون عاملا من عوامل النمو حتى وإن انحصر في مجال استكشاف الطاقة فإن نسبة هذه الأخيرة من الناتج المحلي الإجمالي قد لا تمثل شيئا أمام الاستثمار الخاص والعمومي خاصة إذا استثنينا منه قطاع الطاقة. أمّا اعتبار ارتفاع نوايا الاستثمار مؤشرا ايجابيا لعودة النمو الاقتصادي فهو الخطأ بعينه خاصة في فترة الانتقال الديمقراطي حيث يتأثر هذا الأخير بالعوامل غير الاقتصادية من استقرار سياسي واجتماعي ووضوح في المقاييس المعتمدة في العدالة الانتقالية. وحتى فيما يخص العوامل الاقتصادية، فإن السياسة التضخمية التي اتبعتها حكومة الشاهد من جرّاء السياسة المرنة لسعر الصرف والتي أدت الى تراجع كبير للعملة المحلية قد تزيد من حالة التردّد والانكماش التي يعيشها المستثمر التونسي. كما أن السياسة النقدية الحذرة، والتي أدت الى الترفيع في نسبة الفائدة المديرية، قد تزيد من متاعب المستثمرين الخواص بما يخص تمويل مشاريعهم. ويبقى تحسّن مؤشرات السياحة العنوان الأكثر جدلا. فهل يمكن اعتباره مؤشرا للانتعاشة الاقتصادية خاصة وأن جل السياح إمّا جزائريون أو ليبيون قادمون من الحدود حيث يتم تداول العملة الصعبة في معظمها في السوق السوداء بعيدا على دواليب المنظومة البنكية ولا تنتفع خزينة البنك المركزي إلا بالشيء القليل وهو ما دفع محافظ البنك المركزي بالقول أمام البرلمان  في جلسة عامة يوم 16 مايو 2017 "وينهم فلوس السياحة...وين مشاو" بالرغم من المؤشرات الإيجابية المسجلة خلال الأشهر الأربعة الأولى لسنة 2017. ويمكن اعتبار تطور الاستهلاك خاصة من جانب الأخوة الجزائريين المؤشر الذي خلق نوعا من الانتعاشة لدى بعض المهن المرتبطة بالسياحة كالمطاعم والمساحات الكبرى وأدى الى دفع التشغيل في هذه القطاعات وهو مؤشر جيد على قوة محرك الاستهلاك في دفع عجلة النمو الاقتصادي خلافا لما ذهبت فيه الحكومة من سياسة اقتصادية تضخمية تحد من الاستهلاك الخاص.
ما هي الأهداف الكبرى للبرنامج ؟
عند قراءة شروط صندوق النقد الدولي لتونس وإشكالية الانتعاش الاقتصادي، تتبين  الأهداف الكبرى لهذا الاتفاق في موفّى 2020 والمعلنة في البرنامج الحكومي القديم الجديد، هي الارتقاء تدريجيا بنسق النمو الاقتصادي ليصل الى 4.5% والتخفيض من نسبة البطالة إلى مستوى 12%. ويمكن الوصول الى هذا المستوى من النمو الاقتصادي بمساهمة أكبر للإنتاجية الجملية في النمو عبر الترفيع من حصة القطاعات ذات المحتوى المعرفي المرتفع إلى حدود 25% من الناتج في موفى2020 ومن نسبة الاستثمار العمومي ب0.3 نقطة سنويا والتخفيض من حصّة الأجور من الناتج المحلي الإجمالي حتى لا تتعدى حدود 12.5% وكذلك من حجم الدعم الموجه للمواد الأساسية ممّا يمّكن من إحلال التوازن الداخلي والتقليص من عجز موازنة الدولة الى حدود 3% والدين العمومي الخارجي الى مستوى 70%من الناتج المحلي الإجمالي في موفّى 2020.  ويقدّر البرنامج الاقتصادي والاجتماعي لحكومة الشاهد أن انزلاق الدينار الى مستواه الحقيقي سيمكّن من التقليص من العجز الجاري الى حدود 6% من الناتج المحلي الإجمالي وأن جملة الإجراءات المقترحة ستمكّن من التحكم في نسبة التضخم المالي الى حدود 4% في موفى 2020.
سياسات اقتصادية في مواجهة العراقيل
غير أن رفع الدعم على المواد الأساسية والسياسة المرنة لسعر الصرف والتي أحدثت انزلاقا متواصلا للعملة المحلية لا يمكن إلا أن تؤدي الى مزيد من التضخم المالي والذي سيرهق قفة المواطن التونسي مما قد يجعل من تحقيق الهدف المنشود، وهو التخفيض من حصة أجور الوظيفة العمومية في ميزانية الدولة أو في الناتج المحلي الإجمالي أمرا يكاد أن يكون مستحيلا ولا يمكن تحقيقه إلا إذا وصلت الحكومة إلى اتفاق مع المنظمة الشّغيلة على أن تجمّد الأجور حتى موفى 2020 بالرغم من الزيادات المتوقعة لمجمل الأسعار. كما لا يمكن اعتبار أن تراجع قيمة الدينار  إلى هذا المستوى أو حتى أكثر في قادم الأشهر سيمكّن من التقليص من العجز الجاري خاصة وأنه سيؤدي إلى كلفة إضافية على مستوى الواردات وخاصة منها مواد التجهيز والمواد الأولية الضرورية لعملية الإنتاج مما قد يهدد التنافسية السعرية للمؤسسة الاقتصادية. وحتى هامش التصرف الذي كان متوفّرا في النصف الثاني من الثمانينات وهو التخفيض في نسب الأداءات الجمركية، لم يعد متوفّرا في الوقت الحاضر، لكي يؤدي تراجع قيمة العملة المحلية دوره كاملا في التخفيض من العجز الجاري. 
الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية المقترحة
وتتمثّل الإصلاحات الاقتصادية المقترحة في البرنامج الاقتصادي والاجتماعي للحكومة في مواصلة إصلاح المنظومة الجبائية لإحداث التوازن لميزانية الدولة ولدفع نسق الاستثمار الخاص، وإصلاح الوظيفة العمومية لتحسين خدمات المرفق العمومي والتحكم في كتلة الأجور، وإصلاح منظومة الضمان الاجتماعي لتقليص عجز الصناديق الاجتماعية وتطوير وحوكمة المنشآت والمؤسسات العمومية لتحسين قدرتها التنافسية. وإصلاح منظومة الدعم للمواد الأساسية قصد تخفيف الضغط على ميزانية الدولة. وتصاحب هذه الإصلاحات الكبرى، إصلاحات في المنظومة البنكية والمالية حتى تقوم بوظيفتها في تمويل التنمية على أحسن وجه. ولإضفاء مسحة اجتماعية للبرنامج، تقترح الحكومة جملة من الإجراءات ذات الطابع الاجتماعي تتعلق بتعزيز سياسات الإدماج الاجتماعي والتشغيل.
إصلاح المالية العمومية  واشكالية  ترسيخ العدالة الجبائية
الهدف من إصلاح المنظومة الجبائية هو تخفيض عجز موازنة الدولة تحت سقف 5% سنة 2018 وتحت سقف 3% سنة 2020 وذلك بمزيد التحكم في الإنفاق العمومي دون المساس بنسق الاستثمار العمومي والإنفاق الاجتماعي وهذا يعني أن العناوين التي سيقع العمل على تقليص حجمها في ميزانية الدولة هي الأجور ونفقات الدعم. أمّا من ناحية الموارد، فيقترح البرنامج مزيدا من تعبئة الموارد الجبائية وذلك بتوسيع قاعدة الأداءات غير المباشرة وتحويل عبأ الضرائب المباشرة إلى ضرائب غير مباشرة  مع إلغاء النظام التقديري وتعويضه بمنظومة أكثر مرونة سمّاها  "النظام الجبائي للمؤسسات الصغرى" إضافة الى جملة من الإجراءات تهدف الى مقاومة التهرب الجبائي من ناحية عبر سنّ مخالفة عدم الامتثال للواجبات الجبائية وتوسيع واجب التصريح بالوجود للحد من ظاهرة القطاع الموازي وتوفير حظوظ المصالحة وتحديث إدارة الجباية من ناحية أخرى عبر إعادة تنظيم إدارة الشركات الكبرى ودعم المراقبة الجبائية بالوسائل البشرية والمادية اللازمة وتثمين وظيفة استخلاص الديون الجبائية ممّا يمكّن استرداد متوسط 75 الى 100 مليون كل 3 أشهر.
وإن تعتبر فكرة تحويل بعض الأداءات المباشرة الى أداءات غير مباشرة فكرة جيدة عندما يتعلق الأمر بجباية المؤسسات وقد تساعد على الرفع من تنافسيها إلا أن الترفيع من الأداءات غير المباشرة سيزيد من حدة التضخم المالي وبالتالي من تآكل القدرة الشرائية للتونسي والتي سيكون لها الأثر السيئ على أهم المحركات للنمو الاقتصادي. إن تحويل الأداءات المباشرة الى أداءات غير مباشرة تثقل كاهل المستهلك التونسي وترسّخ الطبيعة غير العادلة للمنظومة الجبائية والقائمة أساسا على مساهمة أكبر للأجراء وهي الطريقة السهلة للاستخلاص التي دأب عليها النظام الجبائي منذ الاستقلال.
إصلاح الوظيفة العمومية
ويهدف إصلاح الوظيفة العمومية علاوة على التحكم في كتلة الأجور من الناتج المحلي الإجمالي، تحسين خدمات المرفق العمومي وذلك بتشجيع المغادرة عبر إحداث برامج مختلفة موجهة الى شرائح عمرية مختلفة مع معالجة المخاطر المتأتية عن ذلك و الحد من الانتدابات العشوائية وإحداث 20 دار خدمات إدارية سنة 2017 من أجل تيسير النفاذ الى الخدمات الإدارية من خلال تجميعها وتقريبها من المواطن و إرساء نظام التقييم حسب الجدارة ونظام التصرف التقديري في الموارد البشرية.
إصلاح الصناديق الاجتماعية
أما فيما يخص معالجة العجز الهيكلي للصناديق الاجتماعية، فإن الخيارات تبقى رهينة التوافق وتتمثل إمّا في  الترفيع في سن الإحالة على التقاعد أو مراجعة الأجر المرجعي ومردودية سنوات العمل مع دراسة إمكانية تنويع مصادر تمويل الصناديق الاجتماعية. وفي انتظار التوفّق إلى الحلول المقترحة فإن الحكومة ستواصل دعم الصناديق الاجتماعية و يرجّح أن يقع تحويل نصف مليار دينار إلى صندوق التقاعد والحيطة الاجتماعية واتخاذ الإجراءات الكفيلة باسترجاع متخلّدات الصندوق لدى المنشآت العمومية والتي تقدر ب 1.5 مليار دينار ضمن قانون المالية لسنة 2018. إلّا أن الحلول المقترحة لا تتطرق إلى حوكمة الصناديق الاجتماعية من حيث ترشيد نفقاتها كحل يمكن أن يسهم في تخفيف عجزها كقيامها بنفقات ليست من مشمولاتها (كراء بأسعار تفاضلية، النفقة، ...) وافي اعتقادي لا بد من تدقيق مالي يشمل جل الصناديق الاجتماعية ويمكّن من ترشيد نفقاتها خاصة وان الترفيع من مساهمة الأجراء سينعكس سلبا على مقدرتهم الشرائية والترفيع من مساهمة الأعراف سيقلص من القدرة التنافسية للمؤسسة التونسية وفي كلتا الحالتين لن يستفيد الاقتصاد التونسي إلا ظرفيا من حيث التوازنات الداخلية. أمّا مقترح الترفيع من سن الإحالة على التقاعد فيمكن أن يزيد من متاعب المالية العمومية من حيث كلفة الأجور ولا يمكّن الشباب من الولوج الى الوظيفة العمومية كأحد الحلول للتخفيض من البطالة.
حوكمة  المؤسسات العمومية
ويبقى الإصلاح المتعلق بتطوير وحوكمة المنشآت والمؤسسات العمومية رهين التوافق عبر الحوار الاجتماعي والذي سينظر في بعض المقترحات المجدولة في هذا البرنامج كإحداث هيكل إداري مركزي موحد خاص بالمنشآت العمومية و تفعيل إلزامية عقود الأهداف والبرامج بالنسبة للدولة والمؤسسة وذلك بعد مراجعة النصوص القانونية والترتيبية وتوزيع المنشآت العمومية الى استراتيجي وغير استراتيجي. وفبي اعتقادي لا يمكن الحديث عن التفويت في المنشآت العمومية قبل إصلاحها وتقويتها خلافا لما وقع سابقا عندما لجأت أطراف متنفّذة في الحكم الى إضعاف بعض المؤسسات العمومية قصد التفويت فيها إلى بعض المقربين من السلطة.
إصلاح منظومة الدعم
أما فيما يخص إصلاح منظومة الدعم لتوجيهه الى مستحقيه قصد المرور بشكل تدريجي نحو حقيقة الأسعار، فإن البرنامج الحكومي يقرن هذا الإصلاح بمدى التقدم في انجاز المعرف الاجتماعي الوحيد. لكن بعض الخبراء قدموا العديد من المقترحات العملية كسنّ أداء على الأجور المرتفعة أو أداء على الثروة مقابل المحافظة على أسعار  المواد المدعومة. في تقديري موضوع الدعم كان فعلا يشكل عبئا ثقيلا في ميزانية الدولة في السنوات الأولى بعد الثورة عندما كان السعر العالمي للنفط في مستويات عالية تفوق في أغلب الأحيان 100 دولار للبرميل الواحد، عندها ارتفعت نفقات الدعم من 8% من ميزانية الدولة سنة 2010 الى 21%سنة 2013. لكن مع نزول هذا السعر الى نصف ما كان عليه سابقا، انخفضت حصة الدعم في ميزانية الدولة وعادت كما كانت عليه سنة 2010 وهي 8% من ميزانية الدولة لسنة 2016 وكذلك لسنة 2017. إزالة الدعم للمواد الحساسة من شأنه أن يزيد في الضغوط التضخمية وفي إرهاق قفة المواطن وبالتالي في الاحتقان الاجتماعي بدون أن تستفيد منه ميزانية الدولة بالقدر الكافي.
الاصلاح المالي والافتقاد  للسياسة النقدية
إن إنجاح الإصلاحات الكبرى الآنفة الذكر يتطلب حسب البرنامج الحكومي إصلاحات في القطاع البنكي على المدى القريب تتعلق بمضاعفة رأس المال للبنوك العمومية وتركيز الحوكمة البنكية فيها كالفصل بين رئيس مجلس الإدارة والمدير العام و مراجعة المنظومة البنكية المقيمة وغير المقيمة وتدعيم صلاحيات البنك المركزي في مجال الرقابة المصرفية وإحداث صندوق لضمان إيداعات الحرفاء. وتقترح البرنامج جملة من الإصلاحات المستقبلية في المجال المالي كإعادة هيكلة البنوك ذات المساهمة غير الإستراتيجية وسنّ مشروع قانون لتدعيم جودة المعلومات الائتمانية ومراجعة الإطار القانوني لنسب الفائدة المشطّة ووضع إستراتيجية في مجال الاندماج  المالي لتطوير النفاذ للقطاع المالي وإحداث بنك الجهات وإصدار مجلة رأس مال الاستثمار  بتجميع كافة النصوص والأحكام المتعلقة بنشاط رأس مال الاستثمار ومراجعة الإطار القانوني المنظم للسوق المالية وإعادة هيكلة القروض الصغرى. غير أن البرنامج الاقتصادي والاجتماعي الحكومي لا يعطي أي تفسير للجوء البنك المركزي للسياسة المرنة لسعر الصرف، التعهّد الأهم للبنك المركزي تجاه صندوق النقد الدولي وقد تربك هذه السياسة الاقتصادية حسابات حكومة الشاهد في بلوغ الأهداف المعلنة والمتفق عليها مع الصندوق ولعل أهمها بلوغ نسبة تضخم مالي ب 4% بحلول 2020. كما أنه لا توجد في البرنامج الحكومي أي تبرير للسياسة النقدية للبنك المركزي والتي تتمثل في الترفيع من نسب الفائدة قصد الحدّ من الاستهلاك ممّا قد يحدّ من فاعلية المحرك الاقتصادي الأهم في عملية النمو وهو الاستهلاك ويعطل الهدف الأساسي للبرنامج الاقتصادي وهو بلوغ نسبة نمو ب 4.5% في موفى 2020.
سياسات التشغيل والادماج الاجتماعي
يقترح البرنامج الحكومي في الأخير جملة من الإجراءات الاجتماعية المتصلة بسياسات التشغيل والإدماج الاجتماعي. كالشروع في إعداد الإستراتيجية الوطنية لمقاومة الفقر والإدماج الاجتماعي و الإستراتيجية الوطنية للتشغيل أو تحيين ومراجعة الاستراتيجيات الوطنية في مجال الهجرة ومحو الأمية وتعليم الكباروتفعيل الإستراتيجية الوطنية للنهوض بالأشخاص ذوي الإعاقة و الإستراتيجية الوطنية للمبادرة الخاصة و الخطة الوطنية لمكافحة عمل الأطفال. ولتدعيم هياكل الحوار الوطني والتشاور، يقترح البرنامج الإسراع بإحداث المجلس الوطني للحوار الاجتماعي والمجلس الوطني للتونسيين بالخارج. ولدعم المقدرة الشرائية للموطن التونسي، سيقع الترفيع في الأجر الأدنى المضمون لمختلف المهن ومواصلة النهوض بالعائلات المعوزة ومحدودة الدخل. كما سيتم معالجة التشغيل الهش حيث بلغ عدد عملة الحظائر قرابة ال85 ألفا، ممّا يستوجب التدقيق في قوائم المباشرين مقابل توفير فرص التكوين وتشجيع باعثي المشاريع الصغرى وفتح التعاقد المباشر مع المؤسسات العمومية وإقرار إجراءات مبسطة وآليات تمويل خاصة لأصحاب الشهادات العليا وذوي الاختصاصات الفنية والتقنية.
خاتمة
يقترح البرنامج الاقتصادي والاجتماعي للحكومة تفعيل الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص ويقدم 19 مشروع بقيمة 5.2 مليار دينار ، منها 12 مشروع في مجال النقل والبيئة والطاقة وهو ما سمّي بالمحرك الرابع أو بالعنوان الثالث لميزانية الدولة. ويبقى نجاح هذا المحرك الإضافي رهين استجابة القطاع الخاص للشراكة مع القطاع العام وبالتالي لا بد من العمل على تهيئة المناخ الملائم للاستثمار من أنجاح للمسار الديمقراطي واستكمال بناء المؤسسات ومكافحة للفساد وتحسين أداء المرفق العمومي. إن التردّد في إجراء المواعيد الانتخابية قد يعطي رسالة سيئة لمؤسسات الترقيم السيادي أولا وللمستثمرين التونسيين والأجانب ثانيا ويربك البرنامج الاقتصادي والاجتماعي للحكومة ويصعب مهمة هذه الأخيرة في بلوغ الأهداف المرجوّة.
 
 أ.د. رضا الشكندالي/ أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية
عن مركز الدراسات الاستراتيجية و الديبلوماسية
 
  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك