القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

فِنزويلاّ : حصاد تْشافيز و ثورة في بلاد الثّورية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2017-06-28 09:55:04 | 108 مشاهدة

ملخص
ظل مثال أمريكا اللاتينية أنموذجا للاستشهاد بنجاح المنوال التنموي المرتكز على الايديولوجية اليسارية الراديكالية. غير ان تعثّر التجربة في بوليفيا أخيرا وتصاعد الاحتجاج الشعبي ضد خَلَفِه  رغم صعود نجم الرئيس "هيغو تشافيز"  اثر انتخابه سنة 1998 على راس البلاد، جعل التجربة برمتها موحية بالهزيمة على صعيد النظرية والتطبيق في امريكا للاتنية كما حصل في بلدان اوربا الشرقية سنة 1989 . من النظرية الى الشعبوية، مسار قطعته التجربة وانتهى بها الى ثورة في بلاد الثورية مؤذنة برحيل آخر قلاع الفخر الايديولوجي وتهاوي حلم العدالة والمساواة بين حلم الشعبوية ولعنة الريع النفطي ...في بوليفيا ..

مقدمة
لايزال رموز الجبهة الشعبية في تونس يصرّون على العودة الى المثال الامريكي اللاتيني،على اعتبار انه التجربة العملية التي تثبت واقعية اطروحاتهم. ولئن كان التحرر الكلي من قيود الحقيقة واحدا من ابرز ميزات الشعبوية، فان اعتماد هذا المثال بالتحديد لا يؤكد الا تمادي القوى اليسارية الراديكالية في تجاهل الواقع التجريبي. فقبل سنوات كانت أمريكا اللاتينية بالفعل توحي بأنها تجربة واعدة تؤسس لاشتراكية القرن الواحد والعشرين،حسب تعبير الرئيس الفنزويلي الاسبق "هيغو تشافيز" الذي قاد ما سماها الثورة البوليفارية من اجل العدالة والمساواة. ولكن يعلم الجميع اليوم النتيجة. والنتيجة كارثة حلت ببلد يملك حسب آخر التقديرات اكبر احتياطي للنفط في العالم قبل السعودية نفسها. ومن بعض ملامح الكارثة  وصول نسبة التضخم الى 800 بالمائة العام الماضي وقد تتجاوز 1000 بالمائة هذا العام. كما اختفت اغلب المواد الاساسية من الاسواق. في حين اصبحت "كراكاس" واحدة من اخطر المدن في العالم ، اذ تحتل المرتبة الثانية من حيث عدد جرائم القتل العمد. واذا اضفنا الى ذلك ان هذا البلد لم يتعرض لاية كارثة طبيعية او أزمة خارجية ،كالحرب او الارهاب مثلا من شانها تفسير حالة التحلل التي آلت اليها مختلف بناه الاجتماعية ،وجب التساؤل عن أسباب هذا الفشل المدويّ.
اولا : نجاحات كاذبة  
لقد بدا القرن الواحد والعشرون بموجة يسارية عارمة غمرت أمريكا اللاتينية. فبعد وصول "هيغو تشافير" للسلطة سنة 1998،تم انتخاب "لولا" رئيسا للبرازيل عام 2002 ،ثم "كاشنير" قائدا للارجنتين سنة 2003، ثم "ايفو موراليس" زعيما لبوليفيا عام 2005،ثم "ميشال باشلي" كاول امراة على راس الشيلي سنة 2006، وتتمتع هذه البلدان بثروات طبيعية استثنائية. ولاستيعاب ذلك يكفي ان نشير ان بلدا كالارجنتين كان قبل الحرب العالمية الثانية ، يحتل المرتبة الخامسة عالميا، من حيث الدخل للفرد الواحد قبل فرنسا والمانيا. ولكنه وقع خلال النصف الثاني من القرن العشرين ،في قبضة نسخة من الشعبوية تسمى ب"البيرونية" نسبة الى الرئيس السابق بيرون. فتراجع تدريجيا الى ان اظطر سنة 2001 الى تعليق دفع ديونه الخارجية. وعلى عكس ما يدعي الكثيرون كانت نتيجة هذا التعليق ان فقد الارجنتين ما يناهز 20 بالمائة من ناتجه القومي الخام .ولا يزال هذا البلد الذي يعج بالثروات يعاني الى حد اليوم العزلة في اسواق المال الدولية. وليست الارجنتين المثال الوحيد الذي يملك كل حظوظ النجاح ولكنه يفشل لوقوعه في قبضة الشعبوية وخطابها التبسيطي حول مقاومة الامبريالية الامريكية  واسقاط الراسمالية ومحاربة الفساد وتوزيع الثروات. فهي شعارات أبدع في استخدامها "هيغو تشافيز" في فنزويلا حين رُفعت راية الثورة البوليفارية ابان وصوله الى السلطة عام 1989.
ولاشك ان في وعود "تشافيز" وامثاله ما فيها من اغراء للسامعين ،خاصة انه كان جادا في تنفيذ مشروعه. فقد أممّ قطاع النفط وفرض مجانية العلاج ، ووفّر الرعاية لكل الفئات الضعيفة ،بل انه كان يقضي على الفقر والبطالة بفضل التشغيل المكثف في مؤسسات الدولة. وقد استطاع بفضل هذه السياسات الحصول على ثقة الشعب الفنزويلي في 4 مناسبات انتخابية. ليخلفه من بعده عضدُه "نيكالاس مادورور"الذي كان عاثر الحظ على عكس ابيه الروحي. اذ ان وصوله للسلطة قد تزامن مع نهاية العامل الاساسي الذي اوهم بنجاح التجربة البوليفارية. لقد قامت اسطورة تشافيز على تزامن بداية تنفيذه لمشروعه الثوري مع انفجار اسعار النفط التي تجاوزت 140 دولار للبرميل في بداية القرن. وهو ما منحه موارد ماليه لا متناهية. اي ان النجاحات المذكورة لم تكن الا انعكاسا لوضع استثنائي استفادت منه فنزويلا على المدى القصير. اما على المدى المتوسط والبعيد فان منهج تحقيق الانجازات الاجتماعية المذكورة انما يعبر عن فشل ذريع في الاستفادة من تهاطل البترو دولار من اجل العمل على التخلص من سيف تقلبات اسعار النفط. وذلك بتنويع مصادر الثروة وبالانتقال بالبلد من اقتصاد ريعي الى اقتصاد استثماري. وقد انفقت فنزويلا ما يقارب 150 مليار دولار في خلال عشر سنوات دون ان تستثمر في اي شيئ يذكر. ولا حتى  في قطاع النفط. ودليل ذلك انه لا تنتج اليوم اكثر من مليوني برميل يوميا  اي ما يقارب انتاج العراق الذي عرف ما لم يعرفه اي بلد اخر من مصائب داخلية وخارجية. ثم ان فنزويلا مظطرة لاستيراد المواد النفطية المكررة لانها لم تطوّر اي قدرة فعلية على تطوير الخام.
2 لعنة الرّيع  
لقد ادت الدوغمائية الايديولوجية ل"تشافيز" ، مدعومة بزهو نظامه باوهام النصر خلال السنوات السمان. الى تفكيك الالة الصناعية الفنزويلية تفكيكا تاما. فانقرضت المؤسسات الصغري والمتوسطة بشكل شبه كلي. اما الاستثمارات الخارجية فقد نجح تشافيز واعضاده في اقصائها بشكل تام من الاقتصاد الفنزويلي. ولئن بدا لهم ان في ذلك تحريرا للبلد من قبضة راس المال العالمي فان الحقيقة تقول انهم بسياساتهم قد حكموا على فنزويلا بالعبودية للنفط وبالارتهان المطلق لتقلب اسعاره في  اقتصاد اصبح ريعيا صرفا. بالتالي لم تحتج الكارثة اكثر من تراجع اسعار المواد الاولية لتعلن عن نفسها ، كاشفة عن حقيقة تجربة اشتراكية القرن الواحد والعشرين.
وليس الحديث عن الكارثة بالمبالغة. اذ فقدت العملة الفنزويلية كل قيمة. فانتشرت السوق السوداء ، وانتشر معها العنف والجريمة المنظمة. اما الشعب ، فالاباضافة  الى الاشباح المرعبة التي تتهده من فقر وجوع وغياب للمواد الاساسية  فانه قد اصبح يرزح تحت وطاة تقييد استهلاك الماء و الكهرباء. وقد نزلت  الجماهير للشارع مطالبة باسقاط النظام. اي ان رياح الثورة قد هبت على معقل الثرة البوليفارية الداعية للاشتراكية والرافعة للواء الفئات الشعبية. ورغم سقوط عشرات الضحايا منذ شهر افريل ، فان الرئيس "مادورو" متشبث بالسلطة سلاحه في ذلك القضاء والجيش. لقد فعلت منظومة الاقتصاد الريعي فعلها الكلاسيكي في علاقة السلطة بالمجتمع المدني. ومعلوم ان هذه العلاقة، في مثل هذا السياق سريعة الانحراف الى الزبونية التي تجد في الاقتصاديات الريعية خير تربة. فالافراد يعلمون ما يوفره الاقتراب من مواقع القرار من مكاسب. ثم ان التبعية للريع قاتلة للمبادرة ،مدمّرة لقيمة العمل. كما يمنح الريع النظام السياسي حرية مطلقة في مقابل المجتمع. فتكون الزبونية استراتيجيته الوحيدة تجاهه. اي ان تحرر المالية العمومية من رقابة دافعي الضرائب يضعف وازع النزاهة والشفافية ،ويشجع على الاستهتار و إهدار المال العام. وهو ما حصل في فنزويلا ، حيث أنتجت سياسات تشافيز، التي تشكل مقاومة الفساد واحدة من ابرز دعاماتها ،فسادا من صنف جديد. وبالتالي، تكون حرية المجتمع في  الانظمة الاقصادية الريعية رهينة الرغبات السلطة من جهة ، وبقدرة المالية العمومية على اشتراء السلم الاجتماعية من خلال توسيع دائرة الزبونية من جهة اخرى. اي ان فقدانها هذه القدرة ، بتراجع عائدات المواد الاولية مثلا، لا يترك للنظام السياسي الريع اي خيار سوى اللجوء الى العنف . فافراد المجتمع يطورون تجاه السلطة نفس الاستراتيجية التي تتبعها تجاههم. فينقل الانتفاع بالزبونية تدريجيا في ضمائر الافراد من ممارسة فساد الى حقّ يعرف فحوى المواطنة وتلك بعض عناصر ما يسمى بلعنة الريع.
3 حصاد الشعبوية
لا شك ان التعنّت الايديولوجي الذي أبداه نظام الثورة البوليفارية منذ وصوله الى السلطة يشكل واحد من ابرز أسباب الكارثة التي تعصف اليوم بفنزويلا. فقد غابت الحكمة كليا عن الحسابات الاقتصادية والاجتماعية ل"تشافيز" الذي كان حريصا اشد الحرص على اثبات ما يؤمن به من افضلية الاشتراكية على اقتصاد السوق في توزيع الموارد. وقد تجاهل في سبيل ثبات ذلك كل اكراهات الواقع فضلا عن ابسط علوم الاقضتصاد. ولكن شيمة الواقع انه دائما ما ينتقم ممن  يتجاهله ، ينتقم ولو بعد حين. ومام انتقامه ، الذي  يهدد اليوم مقومات المجتمع الفنزويلي نفسه، ولن يفيد الشعبَ في شيئ تمادي حكومته في القاء  المسؤولية على الامبريالية الامريكة وعملائها في المعارضة، تقول حَنة أرِنت"  ان الايمان بالقدرة على تغيير كل شيئ لم يصلح يوما الا لاثبات امكانية تدمير  كل شيئ ". ولاشك ان الثورة البوليفارية ، التي قامت على الوعد بتغيير طبيعة الاقتصاد وبانجاز ديمقراطية حقيقية لم تؤد على المدى المتوسط الا الى الدمار. فقد الحق فشلها ضررا بالغا بالبنى الاساسية للمجتمع الفنزويلي ، حتى ان احتمال الحرب الاهلية بات غير مستبعد. وعلى كل حال من الواضح ان الحل الديمقراطي يزداد صعوبة يوما بعد يوم خاصة في ظل ممارسات نظام "مادورو" التي افقدت المعارضة كل ثقة في مؤسسات الدولة. فبعد حرمان القضاء ل"هنريكي كابرليس" ، ابرز رموز المعارضة من الترشح للانتخابات الرئاسية لمدة خمسة عشر عاما ، جاء قرار المحكمة العليا بمنح نفسها الصلاحيات التشريعية ورفع الحصانة عن نواب البرلمان ذي الاغلبية المعارضة، ليثبت تركز السلطات المتزايد في يد الرئيس. ورغم تراجع المحكمة عن هذا القرار بعد يومين  فقط من اتخاذه  وذلك اثر المظاهرات التي غمرت شوارع "كراكاس" وباقي المدن الكبرى ، فان الازمة لم تزدد الا حدة لما تخلل المظاهرات من عنف ذهب ضحيته عشرات الشباب. والمفارقة ان اخطر ما في الشعبوية اليسارية يكمن في نبل الشعار وعقلانية تحليلاتها. فالدفاع عن الشعب والافتخار بالانتماء الى شرائحه المحرومة وإعلان الحرب على من تسبب في هذا الحرمان وغيره من الشعارات التي تشترك فيها مختلف هذه التيارات عبر العالم ،هي مبادئ مطلقة يصعب نقاشها. كما ان القول بان الخضوع الى قوانين السوق شكل من اشكال الاستعباد الذي يجب تجاوزه بعقلنة توزيع الثورات موقف مغر للكثيرين ،وخاصة أولئك الذي يعتقدون في قدرات العقل غير المحدودة على فهم الواقع واعادة تشكيله. ولكن هذه المبادئ والشعارات على قوتها، لا تعطي الحق لاحد في ان يستخدم المجتمعات البشرية كمخابر لتجربة الافكار الراديكايلية ، خاصة إذا كان التاريخ قد اثبت عمليا تهافت هذه الافكار. وهو بالفعل الحق تتعسف القوى اليسارية في منحه لنفسها. وكل من يعارضها سواء اكان باسم المبادئ او باسم الواقعية ، رجعي ومناهض للشعب. وهو ما يظهر مثلا من خلال اصرار هذه التيارات على ادعاء احتكارها لتمثيل ارادة الشعب. فكل من يعارضها خارج عن هذه الارادة. وذلك بغض  النظر عن وزنه الانتخابي  او موقعه في السلطة او في المعارضة. مثال ذلك في فنزويلا ادعاء "مادورو" انه الوحيد الذي يتكلم باسم الشعب ،وذلك رغم ان الانتخابات التشريعية الاخيرة قد منحت المعارضة أغلبية الاصوات والمقاعد في البرلمان. ان الايمان بان عقلانية بعض الافكار ونبلها يجعلها اقوى من كل تجارب الواقع والتاريخ هو الطريق الامثل الى الدكتاتورية بل الى الكليانية. وهو مصدر الخطورة التي يفرضها الفكر اليساري حيث انه لا يتردد في تحييد الواقع جانبا كلما اثبت هذا الواقع عدم انصياعه للعقلانية التي تريد سياساته فرضها عليه. ويعبر عن ذلك ببلاغة قول "مورويس مارلو بونتي " ان عدم تحقيق صيروة التاريخ لحتميات العقل يعني ان التاريخ قد اخطا ".
خاتمة :
ان لليسار الراديكالي في مواجهة الواقع حجة لا يشق لها غبار في الظاهر. ولكنه تعبر في عمقها عن خطر قاتل. وتقول هذه الحجة ان فشل التحارب اليسارية الراديكالية يرجع ال اسباب سياسية اوجغراسياسية خارجة عنه. ومن ابرزه الخيانة او التدخل الاجانب.  اي ان اليساريين الراديكاليين مصرون على عدم مراجعة افكارهم لاعتقادهم بانه لم تطبق بجدية بعد.
وهذا ما يفسر المفارقة الايديولوجية الراهنة. فبالرغم من الأزمة التي تعصف باليسار الراديكالي في امريكا اللاتينية ،كما في غيرها . فان ا نموذجه لا يزال يخترق القارات ويرواد الشعوب. ولا يقتصر على بلدان العالم الثالث. بل انه يشمل أيضا دولا ديمقراطية عريقة على راسها فرنسا التي وعد فيها "جُون لُوك ميلونْشُون" بالانضمام الى الحلف البوليفاري في حال فوزه  بمنصب الرئاسة. واذا ذكرنا بانه قد حصل على مايناهز 20 بالمائة من الاصوات في الدور الاول الذي تزامن مع احتداد الازمة في فنزويلا، فاننا ندرك معنى  تجاهل الواقع ونستوعب ما في الشعوب من نزوع  الى استلام امام جاذبية الشعبوية. ان كان المثال فنزويلي يصلح اليوم لشيئ ، فانه يصلح لدحض اطروحات اليسار الراديكالي. وحتى من يؤمن بان  فشله يعود الى اسباب خارجية عن نطاق افكاره ، عليه ان يتساءل عن جدوى اعادة تكرار المحاولة مرة اخرى. فالسعيد من اعتبر بغيره اما الشي فمن اتعظ بنفسه. ويبقى السؤال : اذا كانت الشعبوية اليسارية قادرة على ان تدمر بلدا آمنا بثراء فنزويلا فماذا عساها تفعل في بلد محدود الثروات ومحاط بالاخطار كتونس ؟
 
الدّكتور أيمن البوغانمي
عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسيّة.
  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك