القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

في ذكرى اليوم العالمي للغة العربية (18 ديسمبر) العربية في مواجهة سياسة الافتراس اللغوي الفرنسية في تونس

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-12-12 11:25:00 | 1361 مشاهدة

 

ملخص:

تمثل اللغة أبرز معالم الهوية لأي مجموعة بشرية باعتبارها أداة التواصل اليومي بين أفراد المجموعة ومع بقية المجموعات والتي تتضمن قيمها وتصوراتها للعالم. ومن نفس المنطلق تتحول إلى هدف لأي مشروع هيمنة حين يسعى الاستعمار إلى إخضاع لغة أي شعب مستعمر علامة على إخضاعه.

لم تخرج السياسة الفرنسية تجاه اللغة العربيةفي تونسخلال المرحلة الاستعمارية عن هذا الإطار. وهو ما حاولنا تتبعه في هذا المقال من خلال البحث في خلفيات تلك السياسة وإجراءاتها.

إلى أي مدى نجحت تلك السياسة في تدجين العربية؟

سنقول إنها فشلت حين نرى العربية اليوم قائمة. لكننا سنراجع مسلماتنا حين نكتشف أن اتفاقيات الاستقلال الذاتي أقرت للفرنسية بأنها ليست لغة أجنبية وهي لغة ثانية للبلاد التونسية.

مقدمة:

شغلت المسألة اللغوية حيزا هاما في اهتمام منظري الاستعمار الفرنسي من منطلق أنها علامة على مدى انتشار النفوذ الفرنسي في العالم مقارنة ببقية القوى الاستعمارية المنافسة. وعلى هذا الأساس وضعت استراتيجية استعمارية لنشر اللغة الفرنسية وفق خصوصيات كل مجموعة مستعمرة. ومن بين كل اللغات أقرت الأوساط الاستعمارية باستحالة إلغاء اللغة العربية والهيمنة عليها. لذلك اكتفت بالتخطيط للتعايش معها وتهميشها.

فما هي ملامح السياسة الاستعمارية الفرنسية تجاه اللغة العربية في تونس؟

وإلى أي مدى نجحت في مخططاتها؟

اللغة والهوية من زاوية نظر وطنية:

تتفق الدراسات اللغوية الاجتماعية (sociolinguistique) على أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل فحسب بل تختزن قيم كل مجموعة وتصورها للوجود ومن ثمة فهي أحد رموز الهوية إن لم تكن أبرزها وأكثرها ظهورا. "فاللغة، حسب علماء اللسانيات الاجتماعية، هي التي تجعل مجتمعا يتصرف ويفكر بالطريقة التي يتصرف ويفكر بها، وإن ذلك المجتمع لا يستطيع رؤية العالم إلا من خلال لغته، وإن تلك اللغة بمفرداتها وتراكيب جملها محدَّدة في ذاتها ومحدِّدة لنظرة المجتمع المتكلم بها، للعالم والحياة. فالعالم الحقيقي مبني على العادات اللغوية لمجتمع ما"([1]). وتلك القيم والتصورات والعادات اللغوية هي التي تصنع وحدة المجموعة البشرية التي تستعملها وتميزها عن مجموعات أخرى تستعمل لغة أخرى بما تحمله من قيم وتصورات وعادات مختلفة. وتتأكد هذه العلاقة بين اللغة والهوية من خلال الوظائف التي تؤديها. وحسب باديلا (PADILLA) فإن اللغة تؤدي ثلاث وظائف أساسية: فهي أولا الوسيلة الرئيسية للتهيئة الاجتماعية لدى الأطفال، وهي ثانيا تميز مجموعة الناطقين بها عن غيرهم، وهي ثالثا تنقل إلى الفرد مكانة المجموعة التي ينتمي إليها من خلال المكانة التي تعطى للغتها من قبل المجموعات الأخرى([2]). وكلها وظائف خطيرة ترتبط بوجود المجموعة الناطقة بأي لغة. فهي ترتبط بمستقبل وجودها من خلال تنشئة أجيال المستقبل ومن ثمة حفظ وجود المجموعة وتجددها عبر الزمن، وهي ترسم الحدود مع المجموعات البشرية الأخرى ومن ثمة تحقق الوجود الفعلي من خلال إيجاد مرجعية انتماء اجتماعي لدى أبناء المجموعة الناطقة بتلك اللغة ومرجعية تصنيف لدى غير الناطقين بها، وهي بمكانتها تحدد تراتبية في العلاقات بين المجموعات. وكلها عناصر فعلية محددة للهويات الاجتماعية. وبناء عليه يمكن أن نفهم موقع المسألة اللغوية وحساسيتها في استراتيجية المقاومة الوطنية باعتبار الحفاظ عليها حفاظا على الهوية وبالتالي مقوما من مقومات الاستقلال والتمايز عن المستعمر.

ويتدعم دور اللغة في نحت الهوية في الحالة التونسية ببعدها الديني المتأتي من علاقتها بالقرآن الذي يمنحها قدرة على الصمود أمام الافتراس اللغوي. حيث مثلت العربية، من بين كل لغات الشعوب المستعمرة، عقبة كأداء أمام الافتراس اللغوي لجملة من الخصائص التي ذكرها منظرو الاستعمار أنفسهم ومن تناول الموضوع من الدارسين. ففي سياق حديثه عن سياسة فرنسا لنشر اللغة الفرنسية في المغرب العربي ومدى قدرة اللغة الفرنسية على إخضاع العربية يعترف رئيس الرابطة الفرنسية بيار فونسان باستحالة إخضاع الإسلام. ويفترض أنه يقصد العربية بحكم سياق الحديث. لذلك يرى أنه لا بد من التأقلم معه وإيجاد الوسائل للتعايش معه([3]). وفعلا فقد تميزت العربية بثباتها وصمودها في وقت لاحظت منظمة اليونسكو أن مائتين وعشرين (220) لغة اندثرت منذ 1950 فقط دون اعتبار لغات كبرى مثل اللاتينية ولغات الحضارات القديمة ولغات شعوب القارة الأمريكية قبل وفود الأوروبيين بعد الاكتشافات الكبرى ونقلهم لجراثيم فتكت بتلك الشعوب ومعها لغاتها([4]). وهي مسألة أعادها الدارسون إلى خصائص العربية ذاتها. ومن تلك الخصائص والتي تعتبر خاصية مركزية في صمود العربية واختراقها للزمن لأكثر من أربعة عشر قرنا ارتباطها بالقرآن الذي أسبغ عليها صبغة دينية أعطتها قداسة وعلوية على اللهجات المختلفة سواء المستخرجة منها أو حتى السابقة لها مثل الأمازيغية وهو ما يعني تحول العربية إلى لغة وطنية فوق إثنية إذ أن ارتباطها بالإسلام والقرآن يخرجها من كونها لغة العرق العربي إلى لغة الإسلام وهو دين عالمي. فيصبح المس بالعربية مسا بالدين نفسه. وتتحول اللغة إلى رمز هوية جامع بشكل يهدد المشروع اللغوي الاستعماري التفتيتي ويجعلها تصمد أمام الافتراس اللغوي. 

 

اللغة والهيمنة الاستعمارية من زاوية نظر المستعمر الفرنسي

سنة 1882 كتب أحد منظري الاستعمار الفرنسي وهو جول جوسران (Jules Jusserand)([5]): «ليس لدينا حاليا من وسيلة لاستيعاب عرب تونس في حدود الممكن إلا بتعليمهم لغتنا... لا يمكننا التعويل على الدين... فلن يتنصروا أبدا. ولكن بقدر ما يتعلمون لغتنا فإن حشدا من الأفكار الأوروبية ستتكشف لهم بالضرورة»([6]).

إلا أن هذا التوجه إلى فرنسة المستعمرات وضعت له ضوابط أولها الانتقائية والنخبوية. ذلك أن منظري الاستعمار راهنوا على تكوين نخبة محلية رديفة للاستعمار وتحت رقابته وتحكمه([7]).ومن ثمة فإن النتيجة الحتمية لهذه الانتقائية ستكون إرساء الازدواجية اللغوية. وامتدادا لهذه الازدواجية اللغوية تنشأ ازدواجية اجتماعية، بين نخبة تملك اللغة الفرنسية وتنفتح أمامها الفرص والامتيازات، وجمهور يفتقد اللغة فتنغلق أمامه أبواب الارتقاء الاجتماعي([8]). وتتحول تلك النخبة المتفرنسة إلى رديفة الاستعمار. ويفترض ما سبق أن تكون السياسة التعليمية الفرنسية انتقائية في تعليم الفرنسية ومن ثمة تقتيرية في توسيع شبكة المدارس الفرنسية. وهو ما دعا له جورج هاردي([9]) بالقول: «يجب ألا تكوِّن مدارس الإمبراطورية الفرنسية من بين الأهليين إلا النخب التي تحتاجها لإدارة الاستعمار بتوفير تعليم محدود للجماهير. فنظام تعليم يكون نخبة كثيرة العدد دون إدماجها في الإدارة الاستعمارية خطير إذ أن تلك النخبة ستشعر بالغبن وهو ما قد يدفعها إلى تبني الأفكار الوطنية والاستقلالية». ويستتبع هذا الأمر منطقيا عرقلة نمو التعليم الأهلي وتوسيعه ببطء ومنعه من التطور. وتؤكد الأرقام حصيلة هذه السياسة. فبعد قرابة عشرين سنة من انتصاب الحماية (سنة 1898)، كانت نسبة الأطفال التونسيين الذين تعرضوا للفرنسية في دراستهم في حدود 6%([10]).

لقد كان التعليم الوسيلة الجماهيرية لنشر اللغة الفرنسية التي تنشر في ثناياها الثقافة الفرنسية وقيمها. لكنه لم يكن الوسيلة الوحيدة. فالحضور الفرنسي ساهم بدوره في الدفع إلى تعلم الفرنسية ونشر نمط العيش الفرنسي باعتبار المغلوب مولعا بالاقتداء بالغالب بالتعبير الخلدوني. إلى جانب كل ذلك فقد ساهمت الجمعيات الفرنسية ونوادي السينما التي ظهرت بعد الحرب([11]) في نشر الثقافة الفرنسية ولغتها. ورغم أن الازدواجية اللغوية خيار فرنسي فإن صمود اللغة العربية أكثر من غيرها أمام الافتراس اللغوي قد ساهم في إرساء تلك الازدواجية والحد من انتشار الفرنسية.

 

سياسة الحماية الفرنسية تجاه اللغة العربية في تونس


لم تخرج السياسة الفرنسية في تونس عن سياستها العامة في مستعمراتها مع بعض الخصوصيات بحكم الواقع التونسي. وتراوحت أهم ملامح تلك السياسة بين الخطاب والممارسة.

  • في مستوى الخطاب،

 مارس الاستعمار الفرنسي سياسة التمييز اللغوي تجاه العربية منذ التهيئة لاحتلال البلاد في إطار البحث عن مسوغات إخضاع لغتها للغة المستعمر. فقد ميز بيار فونسان الفرنسية على أنها لغة الأدب أي اللغة الراقية بينما خصص للعربية الوظيفة الطقوسية (cultuelle) فحسب([12]). وفي سياق سياسة تحقير لغة المستعمَرين لجأت الأوساط الاستعمارية في مختلف المواقع إلى الحط من قيمة اللغة العربية ووصفها بالعجز عن مواكبة العصر والتعبير عن العلوم العصرية. وفي أوج الصلف الاستعماري الفرنسي بداية الثلاثينات كتب المستشرق الفرنسي ويليام مارساي (William MARÇAIS) عن العربية في سياق انتقاده للعربية بالازدواجية(diglossie): «إن هذه اللغة السامية المصابة بازدواجية غير قابلة للبرء لا يمكنها أن تطمح إلى أي دور في المستقبل الثقافي والسياسي الجزائري بل حتى المغاربي»([13]). وفي موقع آخر يقول: «هكذا تبدو لي العربية... أداة صادمة للعادات الفكرية الغربية في التعبير عن الأفكار، حيوان برأسين، وأي رأسين! حيوان لا تعرف المناهج الدراسية كيف تتعامل معه لأنها لم تجعل لإيواء الوحوش»([14]). كتب هذا الكلام سنة 1930 في كتاب بعنوان "الازدواجية اللغوية" (diglossie). وبعدها بسنة أشرف هو ذاته على تنظيم مؤتمر اللغة العربية بتونس بين 14 و17 ديسمبر 1931واستدعى له شيوخا ومفكرين مستشرقين من بلاد المغرب العربي وفرنسا. وخصص البرلمان الفرنسي له مليون فرنك دليلا على مكانته في استراتيجية الحماية الفرنسية. وكان الهدف منه الحط من شأن اللغة العربية والرفع من شأن اللهجة الدارجة والدعوة لاعتمادها لغة رسمية بدل الفصحى وهو ما فعله مارساي في خطاب الافتتاح بحضور المقيم العام لكن شيخ الإسلام الشيخ أحمد بيرم الذي تحدث ارتجالا اتهمه بالجهل بالعربية وبين أن اللغة العربية حية بفضل الاشتقاق. فأفسد على مارساي المؤتمر وكلفه ذلك العزل من مشيخة الإسلام.

  • في الممارسة،

 عمدت الحماية الفرنسية إلى تنويع أساليب تغليب لغتها على العربية ومنها:

* تغليب الفرنسية على العربية: فرضت السياسة الاستعمارية ازدواجية اللغة في الإدارة. لكن الفرنسية كانت لها العلوية وعمدت الحماية إلى تهميش العربية وهو ما أثار احتجاجات الوطنيين. فحملت المقالات الصحفية عناوين معبرة عن "إهمال مقصود للغة العربية في الإدارات" (1943) ([15])، "اللغة العربية غريبة في بلادها"، "من المسؤول عن تقهقر اللغة العربية" (1950)([16])، وغيرها من العناوين وفي فترات مختلفة تعكس تواصل قلق التونسيين وتخوفهم من السياسة الاستعمارية تجاه العربية. وإلى جانب التحركات الاجتماعية ضد تلك السياسات فقد عبر المثقفون التونسيون عن ذلك القلق بطريقتهم. فكتب الطاهر الحداد في إحدى الخواطر: «لم يبق للغة العربية في تونس غير الكلية الزيتونية وهي فيها موؤودة منذ قرون، فما أشبه الكلية الزيتونية بأسواق المدينة المحدقة بها في الجمود والعجز عن التطور. وإذا كانت الحالة متشابهة فلا عجب أن تكون حياتنا مشهدا تاريخيا يتحرك أمام أنظار الباحثين والسواحينالأجانب»([17]). وقد لعبت السياسة الاستعمارية دورا كبيرا في تكريس غربة العربية في بلادها.

فقد انتقد الوطنيون ضعف الوقت المخصص لها في التدريس مقابل الفرنسية بالحد من عدد الساعات المخصصة لها في المدارس المزدوجة (الفرنكوعربية). ولم يزدد عدد تلك الساعات إلا بعد الحرب العالمية الثانية تحت ضغط الحركة الوطنية. ورغم ذلك حرصت إدارة المعارف على الحفاظ على تفوق لغة المستعمر. ففي سنة 1951 - 1952 كان عدد ساعات التدريس أسبوعيا بالمدارس العربية الفرنسية في السنتين التحضيريتين الأولى والثانية بالتساوي بين اللغتين بينما تقسم الثلاثون ساعة في السنوات الموالية إلى تسعة فحسب للعربية مقابل أربعة عشر إلى خمسة عشر للفرنسية والمواد المدرسة بها مثل الحساب وعلوم الأشياء والتاريخ والجغرافيا والباقي (خمس إلى ست ساعات) للتصوير والرياضة والراحة([18]). وزيادة في تغليب اللغة الفرنسية على لغة التونسيين، اللغة العربية، ورغم قلة التلاميذ الفرنسيين مقارنة بالتونسيين، عينت إدارة المعارف ثلاثة متفقدين للغة العربية مقابل ثمانية للغة الفرنسية. وعندما فتحت أقساما جديدة استقدمت لها مدرسين فرنسيين دون أن تكون لهم شهادة تخول لهم التدريس بالتعليم الابتدائي فاخترعت لهم شهادة "البروفي" وعينت لهم مناظرة خاصة لنيلها وقبلت واحدا وسبعين معلما منهم تونسيان فقط، كل ذلك لمنع سيطرة العنصر العربي في التعليم([19]).

* سياسة التلهيج: تم ذلك بإدراج العامية في التعليم. فقد أقحمت الدارجة في المدارس الفرنسية منذ أكتوبر 1950 لنصف ساعة يوميا وتختم بشهادة البروفي. ولهذا الغرض وقع تكوين خمسة عشر مدربا تونسيا قضوا تربصا لستة أشهر بمدرسة ترشيح المعلمين وزعوا على ست وعشرين مدرسة فرنسية بتونس. وانتقي ستة عشر مدربا جديدا في السنة الموالية لقضاء تربص بسنة ينتدبون بعدها لتعليم الدارجة([20]). وقد انتقدت الصحافة الوطنية هذه السياسة التي قدمها مدير المعارف لوسيان باي منذ 1949 على أنها تعريب للتعليم([21]). ويبدو أن ذلك كان تنفيذا لقرار اتخذ في مؤتمر انعقد بباريس في جويلية 1947 حضره مستشرقون من المغرب العربي للنظر في تعليم اللغة العربية بالمدارس الثانوية واتفق المؤتمرون على العودة إلى تدريس اللهجات الدارجة بمعاهد المغرب العربي([22]).

* ربط الامتيازات الاجتماعية والآفاق المهنية باكتساب الفرنسية والدارجة: ففي 1928 مثلا صدر أمر علي يقضي بتطبيق مبدإ المناظرة مع إدخال اللغة الفرنسية للارتقاء إلى خطة عدل إشهاد بعد أن كانت شهادة التطويع كافية وحدها. وهو ما أثار سلسلة إضرابات منذ ديسمبر 1928([23]). وفي 07/02/1936 صدر أمر علي يفرض معرفة اللغة الفرنسية لترسيم الموظفين التونسيين. وهو ما اعتبره الرأي العام التونسي مسا بوضع اللغة العربية والإسلام. ورفع شعار "القرآن لا يقرأ إلا بالعربية"([24]) الذي يعكس ما أشرنا إليه من ارتباط بين اللغة العربية والقرآن في ذهن التونسيين وفي واقع المعركة الثقافية مع المستعمر. وواجه طلبة الجامع القرار بإضراب مفتوح وامتد التحرك إلى باقي البلاد وتطور في بعض الحالات إلى مصادمات مع القوات الاستعمارية أدت إلى سقوط جرحى من الجانبين واعتقال ثلاثة وثلاثين طالبا. وفرضت التحركات التي تزامنت مع توتر الأوضاع بسبب اعتقالات 1934 ومقدمات التحول السياسي في فرنسا في سياق الانتخابات التي ستفرز نجاح الجبهة الشعبية، فرض كل ذلك على السلطة إلغاء القرار. وفي السنة الموالية (1937) ثارت تحركات جديدة بسبب رفض الجيش الفرنسي ذاته معادلة الأهلية بشهادة ختم الدروس الابتدائية التي تعفي حاملها من الخدمة العسكرية. وهو امتياز لتشجيع دراسة الفرنسية([25]). وبهذه السياسة حولت الحماية اللغة الفرنسية إلى علامة ارتقاء اجتماعي ولغة تواصل "بَيْإِثنية" (langue véhiculaire inter-ethnique) إلى جانب الدارجة([26]).

الخاتمة:

بعد ثلاثة أرباع قرن من الوجود الاستعماري، لا تزال العربية لغة الشعب التونسي. لقد نجحت الحركة الوطنية منذ بداياتها في مطلع القرن العشرين في أن تجعل من الحفاظ على اللغة العربية أحد أبرز مطالبها ونقلها إلى واجهة المعركة الوطنية بعد الحرب العالمية الثانية بعقد مؤتمر خاص بها.

لكن يحق لنا أن نتساءل عن مدى وفاء مخرجات مفاوضات الاستقلال الذاتي لتلك النضالات حين نطالع في أحد فصول اتفاقيات جوان 1955 أن اللغة الفرنسية هي اللغة الثانية للشعب التونسي وهي ليست لغة أجنبية، وحين نعلم أن أيا من برامج إصلاح التعليم منذ أولها (نوفمبر 1958) تحت إشراف أحد أبرز أعلام الأدب التونسي الذين أبدعوا بلغة الضاد (محمود المسعدي) مرورا بإصلاح بداية تسعينات القرن العشرين تحت إشراف أحد أبرز أعلام حركة حقوق الإنسان (محمد الشرفي) لم يكسر قاعدة الازدواجية اللغوية في التعليم وجعل من اللغة الفرنسية منافسا للغة التونسيين (من حيث التوقيت) وذات علوية عليها باعتبار مضمون التدريس (تخصيص الفرنسية لتدريس العلوم)، وحين نلاحظ الازدواجية اللغوية في تعليمنا ووثائقنا الإدارية الرسمية، وحين وحينوحين.

هل كان الاستعمار يطمح إلى أكثر من ذلك؟

 

عبد الرحمان الهذلي

 

([1]) البوغديري (عبد العلي)، في الثقافة والهوية، البوكيلي للطباعة والنشر والتوزيع، القنيطرة، المغرب، ط 1، 1995، 162 صفحة، ص 06.

([2]) أمارة (محمد)، "اللغة والهوية، تأثيرات وتداعيات على التعليم العربي في إسرائيل"، في اللغة والهوية، قراءات نقدية ونصوص تطبيقية بديلة، دراسات، المركز العربي للحقوق والسياسات، الناصرة، فلسطين، 2014، 144 صفحة، ص ص 13-50، ص 22-23.

([3]) ومما كتب رئيس الرابطة الفرنسية بيار فونسان:
«L’Islam est, dit-on, irréductible. Soit! bien que choses humaines et immobilité absolue soient des termes qui ne vont guère ensemble. En tout cas il faut s’accommoder de l’Islam, trouver d’honnêtes moyens de vivre près de lui et avec lui».

([4]) بونعمان (سلمان)، "النهضة اللغوية ومخاطر سياسات التلهيج الفرنكفونية - حالة المغرب نموذجا"،الجزء 1: مركز نماء للبحوث والدراسات، نص أدرج بتاريخ 22/09/2013، واطلعت عليه بتاريخ 20/02/2017 على الموقع:
http://nama-center.com/ActivitieDatials.aspx?Id=272

([5]) جول جوسران (Jules Jusserand): (1855-1932)، موظف سام بوزارة الخارجية الفرنسية. شغل خطة سفير فرنسا في الولايات المتحدة بين 1902-1925.

"Jean- Jules Jusserand". Encyclopædia Britannica. Encyclopædia Britannica Online.
Encyclopædia Britannica Inc., 2017. Web. 28 févr.. 2017
<
https://www.britannica.com/biography/Jean-Jules-Jusserand

([6]) SRAIEB (Noureddine), "L'idéologie de l'école en Tunisie coloniale (1881-1945)", In: Revue du monde musulman et de la Méditerranée, n°68-69, 1993, Etats modernes, nationalismes et islamismes. pp. 239-254; Document généré le 07/06/2016, consulté le 26/02/2017 sur : http://www.persee.fr/doc/remmm_0997-1327_1993_num_68_1_2570
زار جوسران تونس سنة 1882 في مهمة لصالح وزارة الخارجية وكتب بعد عودته ملاحظات حول التعليم في تونس (Note sur l'instruction en Tunisie) في فيفري 1882. ومن هذه الملاحظات اقتطف النص.

([7]) BLANCHET (Philippe),Introduction à la complexité de l’enseignement du Français Langue étrangère, Série pédagogique de l’Institut de linguistique de Louvain, 23, Peeters Louvain-La-Neuve, 1998, 253 pp, p 110.

([8])Sraieb (N), "L’idéologie…”, op. cit, p 250.

([10])MANZANO (Francis), "Sur l'implantation du français au Maghreb, Systémique et fractures identitaires au tournant des XIXème et XXème siècles", Le Français en Afrique, Réseau des Observatoires du Français Contemporain en Afrique - Université de Nice Sophia Antipolis 2007, pp.5-42, Document généré le 29/01/2009, consulté le 25/02/2017 sur : https://hal-univ-lyon3.archives-ouvertes.fr/hal-00357266, p 14-15.

([11])BELAID, "Les associations tunisiennes et françaises au cour des années cinquante à l’heure de la décolonisation", in :Actes du IXème Colloque… op. cit., pp 355 – 372, p 360.

([12])  MANZANO, op. cit, p 06.

([13])KOULOUGHLI (Djemal-Eddine), "Sur quelques approches de la réalité sociolinguistique arabe", Égypte/Monde arabe, Première série, n° 27-28, 1996, mis en ligne le 08 juillet 2008, consulté le 28 février 2017. URL : http://ema.revues.org/1944.

([14])LAROUSSI (Foued), "La diglossie arabe revisitée, Quelques réflexions à propos de la situation", Insaniyat / [En ligne], n° 17-18, 2002, mis en ligne le 30 septembre 2012, consulté le 28 février 2017. URL : http://insaniyat.revues.org/8583

([15]) إفريقيا الفتاة، 19/03/1943.

([16]) الأسبوع، 20/02/1950؛ 06/03/1950.

([17]) العياشي (المختار)، البيئة الزيتونية 1910-1945، مساهمات في تاريخ الجامعة الإسلامية، ترجمة حمادي الساحلي، تونس، دار التركي، 1990، 287 صفحة، ص 125.

([18]) "التعليم الابتدائي"، تقويم تونس 1951-1952، ص 27.

([19]) "سياسة التعليم ببلادنا، أرقام تتكلم"، الحرية، 18/07/1948.

([20]) "المدارس الفرنسية"، تقويم تونس 1951-1952، ص 27.

([21]) "كيف تنفق ميزانية إدارة العلوم والمعارف"، الزهرة، 23/03/1949.

([22]) ابن سلامة (البشير)، الشخصية التونسية، خصائصها ومقوماتها، مؤسسات ابن عبد الله، 1974، 267 صفحة، ص 177-176، وقد نقل المعلومة من مجلة المباحث عدد 40.

([23]) العياشي، البيئة...، ص 35.

([24]) نفس المرجع، ص 162 ما يليها.

([25]) A.N.T., Ser. D, C. 36, Doss. 02, Sous-Doss. 07, Doc. 05, "Note pour le Sr Gl du Gouvernement Tunisien" le 10/03/1937.

([26])  MANZANO, op. cit, p 21.

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك