القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

في ذكرى أفريل 1938، من شرعية النضال إلى شرعية التفويض

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-04-08 15:42:00 | 1023 مشاهدة

ملخص:
عديدة هي الدروس التي يمكن أن نخلص إليها من ذكرى أحداث أفريل 1938 أو عيد الشهداء. لكننا اخترنا في هذا المقال التركيز على العلاقة بين شرعيتي النضال والتفويض باعتبارها الهاجس الذي حكم تجربة الديوان السياسي في خوض تلك المرحلة في صراعه مع الاستعمار واللجنة التنفيذية من ناحيةوحكم مرحلة ما بعد 2011 (سواء بعد انتخابات أكتوبر 2011 أو انتخابات 2019 التي أعادت تأكيد هذه المسألة من خلال نتائج الانتخابات التي اعتبرت موجة ثورية ثانية والسعي إلى تشكيل الحكومة من القوى الثورية).

حاولنا بداية البحث في إطار المسألة، ثم كيفية حسم الديوان السياسي لشرعية تمثيل الحالة الوطنية وفوزه بتفويض قيادتها لينتقل بذلك إلى تفويض قيادة الدولة الوطنية.
بعدها تساءلنا عن مصير تلك الشرعية انطلاقا من حدث الثورة ذاته الذي أعلن نهايتها لصالح قيام شرعية جديدة لنخلص إلى جملة استنتاجات على قوى الثورة التنبه إليها حتى لا يكون مصيرها مثل مصير بعض القوى الوطنية.

مقدمة
لفترة طويلة اتُّخِذ أفريل 38 برمزيته أداة لإقصاء الآخرين من ذاكرة الوطن، لفترة طويلة كان مصدر شرعية للاستئثار بثمرة نضال تضافرت فيه جهود كل القوى الوطنية، لفترة طويلة سوقت عنه سردية تختصره في الزعيم لتغيب رفاقه والجمهور...

بعد الثورة لم تفقد هذه المناسبة مكانتها في الروزنامة الوطنية. لم تعمد القوى الجديدة التي فوضها الشعب للقيادة إلى الانتقام الذاكري بطمس المناسبة. بل إن الثورة فتحت الباب لإعادة الاعتبار للمنسيين من أبنائه، سواء من الجمهور الذي مثل وقود المعركة، أو القادة الذين خاضوا المواجهة في الصفوف الأولى لكنهم تحولوا في الذاكرة إلى الصفوف الأخيرة إن لم يكن إلى النسيان. ويمكن القول إن تلك القوى نجحت في تجاوز النزعة الانتقامية التدميرية للذاكرة الوطنية ولم تسقط في نفس خطإ السابقين من المستأثرين به.
في الذكرى 82 لتلك الأحداث يحتاج قادة المرحلة الجديدة وجمهورها إلى التعلم من تاريخ الوطن بكل من عبروه، سواء بقوا أوفياء له أو انقلبوا عليه. وفي كلٍّ من العبر ما يمثل دروسا للمستقبل. وقد اخترنا من تلك الدروس مسألة الشرعية والتعاطي معها. يومها كان هناك لاعبان وطنيان أساسيان، لكل منهما آماله من وراء الحضور: الجمهور الذي مثل وقود الملحمة وارتمى في أتون المعركة بلا حسابات إلا فداء الوطن والزعماء المهددين بالاعتقال، والقيادة – ممثلة في الديوان السياسي - التي أطرت الجمهور وعبأته إلى درجة الاستعداد للشهادة من أجل القضية الوطنية.
إلام كانت تلك القيادة تطمح من دفع الأحداث إلى التصعيد حتى بلغت أوجها – وعلى غير ما خططت له - يوم 9 أفريل 1938؟إلى أي مدى نجحت في بلوغ ذلك المطمح؟ ثم كيف تعاطت معه بعد ذلك؟ومن وراء كل ذلك: ما هي الدروس التي على قوى الثورة أن تستلهمها من أجل المستقبل؟
للإجابة عن تلك الأسئلة اخترنا تقسيم المقال إلى الأقسام التالية:
أولا: أفريل 1938، في البحث عن حسم الشرعية التمثيلية.
ثانيا: مآلات الشرعية بين تدعيم الرصيد وتبديده.
ثالثا: في دروس التجربة من أجل المستقبل.

أولا: أفريل 1938، في البحث عن حسم الشرعية التمثيلية.
من بين ما يتبادر إلى الذهن هو دواعي أحداث أفريل 1938. وانطلاقا من إشكالية المقال وبعيدا عن الأجوبة الباحثة في الظرفية التي حفت بالأحداث ممثلة في السياسات الاستعمارية وتحولات الاقتصاد والمجتمع التونسيين في ظل الأزمة العالمية الخانقة، اخترنا أن نبحث في المسألة من زاوية العقل السياسي لقيادة الديوان السياسي التي وظفت كل تلك المعطيات لتدفع بالمواجهة منذ نهايات 1937 بعد مؤتمر نهج التريبونال (30 أكتوبر – 2 نوفمبر 1937) نحو التصعيد.
يمكن القول بأن سياسة الحزب التصعيدية كانت في اتجاهين: الأول باتجاه الحماية ردا على سياستها المتصلبة والمتنكرة لوعود الإصلاح والثانية باتجاه الساحة الوطنية. وفي الاتجاهين كان هناك هدف استراتيجي: حسم مسألة الشرعية التمثيلية للقضية الوطنية.

1/في خلفيات المسألة:
من خلال التصعيد في مواجهة السياسة الاستعمارية، كان الحزب يهدف إلى تأكيد زعامته على الساحة الوطنية. واعتقادنا أن دوافعه في ذلك عديدة ومنها:
* تنازع الشرعية الحزبية مع اللجنة التنفيذية: فمؤتمر قصر هلال كان بكل الحالات انشقاقا حتى وإن حافظ على برنامج الحزب وهياكله الوسطى والقاعدية، ولم يشارك فيه إلا جزء من قواعد الحزب. لذلك بقيت مسألة الشرعية وتمثيل القضية الوطنية تلاحق المجموعة المنشقة. ولم تكن معركة الإعلام والخطابات وحدها كافية لحسم تلك المسألة. ولا كان الإكثار من عدد خلايا الحزب (شُعَبه) بدوره كافيا لذلك أمام الطعن بوهمية عدد الشُعب.
وإذا كان الديوان السياسي قد وجد في بطء حركة اللجنة التنفيذية مجالا ليخترق قاعدتها الحزبية ويسحبها لصالحه، فإن عودة الثعالبي وتمسكه بأصدقائه القدامى قد أحيى آمالها في استعادة قواعدها وطرح تحديا على الديوان السياسي في جدية الالتزام بوحدة القضية الوطنية من خلال استعادة وحدة الحزب وهو ما اعتبره خطوة إلى الوراء باعتبار أن الانشقاق قد حرره من أعباء السلطة الأبوية لجماعة اللجنة التنفيذية المتدرعين بعباءة الشرعية التأسيسية للعشرينات. كما أن تلك الخطوة كانت ستسقط ما ثبته على الساحة الوطنية من أساليب جديدة في العمل والنضال وأساسا إدخال الجمهور في المعركة الوطنية وهو ما يعتبر أنه بذل الكثير في سبيله منذ 1934 بل وربما منذ البروز في بداية الثلاثينات. لقد بدأت جماعة الديوان السياسي منذ اعتقالات 1934 في بناء شرعية جديدة وهي الشرعية الميدانية في مواجهة الشرعية التاريخية ولم يكونوا على استعداد لوضع ما اكتسبوه موضع مراجعة. من هنا كان تصعيدهم للنضال تمسكا بالانشقاق باعتباره صنوا لتلك الشرعية التي بدؤوا بنحتها حديثا لكن بخطى ثابتة.
* عودة الثعالبي وصراع الزعامة: مثلت عودة الثعالبي من المشرق تحديا آخر للديوان السياسي، وتحديدا فيما يتعلق بزعامة بورقيبة للحزب.
فوراء الثعالبي كان يقف تاريخ من النضال والشرعية مع بواكير النخبة الوطنية قبل الحرب العالمية الأولى. وهو زعيم الحزب الحر الدستوري التونسي بلا منازع. وهو سفير القضية الوطنية في الخارج سواء قبل أن يختار المنفى في 1923 أو بعده، وهو الذي جسم مطالب الحركة الوطنية من خلال كتاب تونس الشهيدة... وهو إلى جانب ذلك شخصية كاريزمية إذ كان خطيبا مفوها قادرا على كسب الجمهور.
مقابل ذلك كان بورقيبة زعيما ناشئا محدثا. وهو قد التصقت به تهمة شق صفوف الحركة الوطنية. لم يكن يملك ذلك الماضي الذي يملكه الثعالبي وإن كان يملك حماس الشباب وحركيته. ولو سمحنا لأنفسنا أن نغوص في البعد النفسي للمنافسة بين الزعامتين فربما أخذنا بالاعتبار حتى الخصائص الجسمية للرجلين. فأمام ضمور جسم الزعيم الشاب كانت تقف هامة الرجل الذي يشهد معاصروه بضخامتها. وفي ذلك ما فيه من تأثير على الجمهور حين المقارنة. وقد يكون هو الموقف الذي تجنبه الزعيم الشاب بورقيبة بالغياب في الجولة المقررة على جهات البلاد لحسم الخلاف بين الحزبين في صائفة 1937 ولجوء جماعة الديوان السياسي إلى الحط من قيمة الزعيم التاريخي بإهانته في بعض الجهات. وبذلك تنتفي ميزة الرجل وتفوقه النفسي على غريمه الشاب.
هكذا إذن تجمعت عناصر التحدي أمام القيادة الجديدة التي وجدت نفسها بحاجة إلى حسم قاطع لشرعية تمثيل القضية الوطنية أمام السلطة والرأي العام الوطني. ولم يكن من مجال لذلك الحسم مثل الميدان. ولم يكن من وسيلة لذلك الحسم مثل الجمهور ذاته.

2/في عناصر المسألة:
منذ نهايات 1937 بدأت تلوح ملامح معركة مصيرية قادمة مع الاستعمار الفرنسي. وفي ثنايا ذلك التطور كان الحزب يتحضر لمعركة حاسمة في مستوى الشرعية التمثيلية مع اللجنة التنفيذية. وفي تلك الشرعية كانت تمتزج شرعيات:
* الشرعية النضالية: فمنذ 1934 أثبتت القيادة الشابة أنها تملك من الاستعداد ما يجعلها تدفع ثمن تحريضها للجمهور ضد سلط الحماية. وتلك إحدى أهم مواصفات القيادة في أعين جمهور شاب متحفز غاضب من واقعه المتأزم. لقد كان دخول معتقلات الجنوب بداية شهادة على ذلك الاستعداد للقيادة. وتلك كانت القوة الموازنة للشرعية التاريخية لجماعة اللجنة التنفيذية. وتلك كانت مدخلا لشرعية أخرى وهي شرعية التفويض.
* شرعية التفويض: في وضع يسمح بتنافس قيادات عديدة على تمثيل الجمهور مثل الحالة الوطنية في ظل الحماية، يصبح قرار ذلك الجمهور في اصطفاء إحداها حاسما للنزاع. وقد اختارت القيادة الشابة تثبيت قيادتها الوطنية من خلال إثبات حركيتها الميدانية وسط جمهور شاب متحرك واستثمار شرعيتها النضالية في وجه الاستعمار والمستمدة من التضحية بالنفس. كان ذلك أول شروط العقد الاجتماعي والوطني بينها وبين الجمهور المتقد حماسا للقضية الوطنية. وقد استطاع الديوان السياسي وبورقيبة تحديدا أن يكسب عقول الشباب مسنودا بنخبة من القيادات الشابة الحماسية مثل علي البلهوان.
لقد كانت أحداث أفريل من مسيرات يوم 8 إلى مواجهات يوم 9 أنها التجسيم العملي لالتحام شرعية النضال بشرعية التفويض. دفعت القيادة بالأحداث إلى أقصاها فاستجاب الجمهور بلا تحفظ. وإذا كانت مسيرات 8 أفريل التعبير عن انصياع الجمهور لقيادته التي ساقته نحو ساحة الإقامة العامة، قبالة الجيوش المدججة، حيث كان من المقدر أن تسيل الدماء – والجمهور مستعد لها لو تلقى الإشارة من خطبائه، علي البلهوان والمنجي سليم – لولا تدخل الدكتور الماطري ليغلق المسيرة بالدعوة إلى الانسحاب، فإن مواجهات 9 أفريل كانت فداء الجمهور لنفس القيادة حين دعيت إلى التحقيق. يومها قدم الجمهور الدم الذي بحثت عنه القيادة لتعمِّد زعامتها على الحركة الوطنية وتحسم معركة الشرعية التمثيلية نهائيا. لم تعد القيادة القديمة قادرة على التقليل من وزن القيادة الشابة إلا من باب تهورها في دفع الجمهور إلى الموت، الجمهور الذي كان يستطيب تلك الموت في سبيل قيادته الجديدة. لقد وجد الشباب المتحمس الفائر قيادته التي تعبر عن حالته ففوض لها قياده.
وهكذا حسمت القيادة الجديدة بأحداث أفريل معركة الشرعية. فكيف تعاملت مع ما اكتسبته؟

ثانيا: في مآلات الشرعية، بين دعم الرصيد وتبديده:
يمكن أن نقسم هذه المرحلة من المقال إلى قسمين:
*1938-1955: صعود نجم الديوان السياسي أو من شرعية التفويض لقيادة الحركة الوطنية إلى شرعية التفويض لقياد الدولة الوطنية.
*1955-2011: تبديد الرصيد أو المسيرة نحو السقوط.

1/1938 – 1955:من الحركة الوطنية إلى الدولة الوطنية.
دعونا نستعرض صورتين متقابلتين حد التناقض: صورة الأوضاع غداة 9 أفريل 38 تقابلها صورة 1955-1956.

  • غداة 9 أفريل 1938: أو ضريبة الشرعية النضالية:
    غداة أحداث أفريل، كانت ملامح الوضع كما يلي:
  • سلطة استعمارية شرسة تحصر الحدث في طرف سياسي وحيد هو الديوان السياسي وتحاصره بمنافسيه سواء من خارجه أو ببعض قياداته القديمة التي انسحبت قبل المواجهة.
  • قيادة الديوان السياسي تحاكم بالسجن، الحزب نفسه يحل، وسيلته الإعلامية تعطل...

وفي ظل الجو القاتم الذي ساد البلاد يبدو أن الحزب الفتي انتهى. هكذا يتبادر الأمر للناظر إلى الأحداث بعين اللحظة لا بعين التاريخ. وربما تبادر إلى ذهن المنافسين له في الساحة الوطنية أن الأحداث أعطت الحق لمنهجهم في العمل السياسي حينما اعترضوا على التصعيد في مواجهة الاحتلال، وأن الشعب سيعود إليهم لقيادة الحركة الوطنية بعد أن أظهرت الأحداث تهور القيادة الشابة للديوان السياسي.

  • 1955-1956: أو جني ثمار النضال.
    بعد قرابة العشرين سنة من أفريل 38، ترانا أمام لوحة عناصرها جديدة تماما غير ما تنبئ به أوضاع 1938.
  • الديوان السياسي في السلطة بمباركة من نفس السلطة الاستعمارية التي اعتقلته منذ قرابة العشرين سنة والتي تفضله الآن على منافسيه.
  • الأطراف التي بقيت خارج المواجهة تجد نفسها مهمشة سواء من الجمهور نفسه أو من الذين خاضوا المواجهة في 1938.

كيف نفسر هذا التطور الدرامي؟
في اعتقادنا العوامل الحاسمة في ذلك هي التالية:
عوامل ذاتية في الحزب: وأهمها:

  • مكانة الشباب في الحزب قاعدة وقيادة: فقد كان معدل الأعمار في العشرينات مقابل اللجنة التنفيذية التي كانت تتجاوز ذلك، وهو ما جعل الشباب المندفعين يكونون الدواوين السياسية الواحد تلو الآخر غير مبالين بالسجن فحافظوا على مشروع الديوان السياسي قائما في الواقع رغم انحساره. وهذا انعكس على حركية الحزب مقابل منافسيه.
  • حيوية الديوان السياسي واندفاعه واستعداده للتضحية (السجون والمنافي) مقابل بطء حركة المنافسين السياسيين وميلهم إلى الأسلوب السياسي القانوني أعطاه القدرة على استقطاب الحالة الوطنية الغاضبة من الاستعمار. وتبين ذلك في:
  • منهج العمل الذي اعتمد الاتصال المباشر بالشعب بدل المكاتب.
  • استفزاز الاستعمار واستدراجه إلى المواجهة.
  • العمل على توظيف التضحيات في اكتساب الشرعية مقابل المنافسين.
  • العمل على التحول إلى ممثل للشعب أمام فرنسا والقوى الخارجية من خلال بعض الرسائل ومنها: تقديم نفسه على أنه امتداد للثقافة الحداثية خلافا للآخرين، التوسيع من حضوره الميداني عبر إحداث الشعب وتوسيع المنخرطين، المبادرة إلى الاتصال بتلك القوى، الاستفادة من صداقاته مع أطراف فكرية وسياسية داخل تلك القوى (اليسار مثلا، النقابات الأمريكية)...

الظرف الدولي:

  • الحرب العالمية تبعث الحزب من جديد: فقد مثل الوجود الألماني في تونس فرصة لانبعاث العمل الوطني بإضعاف السلطة الفرنسية. وحاول المحور توظيف إطلاق سراح المعتقلين لكسب الدعم الشعبي في مواجهة الحلفاء فانفتح الباب أمام عودة الحزب إلى النشاط.
  • الوحدة الوطنية وراء المنصف باي في السلطة وخارجها (بعد نفيه): لقد أعطت تلك الوحدة الحزب غطاء لتطبيع وضعه من جديد لكن من خلال محمود الماطري في الحكومة وليس بورقيبة.
  • الحرب الباردة وموجة تحرر المستعمرات ترفعان الحزب إلى المفاوض الأول للاستعمار: لقد فتح تراجع أوروبا الباب أمام قوى مؤثرة جديدة: العملاقان. وقد كانت فرنسا مدينة للولايات المتحدة بالدعم في مواجهة النازية. لذلك أصبحت تحت تأثيرها المعنوي وهو ما منع إعادة اعتقال قيادات الديوان السياسي (بدعوى التعامل مع المحور) الذي تمكن لاحقا من تسويق نفسه ممثلا للقضية الوطنية من خلال زيارة الولايات المتحدة وربط علاقات بالنقابات الأمريكية (1951) وعلاقاته بالمشرق العربي وآسيا.
    وفي ظل موجة تحرر المستعمرات التي أقنعت الاستعمار بأفضلية الانسحاب من تونس بكلفة محدودة مقابل البقاء فيها بكلفة عالية طرح السؤال حول كيفية الحفاظ على المصالح مع الانسحاب. وهنا تقدم الديوان السياسي وبورقيبة تحديدا بما جمعه من أوراق داعمة لملفه: شرعية التفويض التي ثبتها أفريل 1938 ونمتها النضالات اللاحقة، وعليها تراكمت جملة من المعطيات الداعمة: المعطى الثقافي باعتباره لا يمثل نقيضا للاستعمار، المعطى السياسي الإقليمي والدولي باعتبار ما نسجه من علاقات خارجية.

يمكن القول إذن إن أفريل 1938 فتح الطريق إلى جوان 1955. وذاك تاريخ له ما بعده. لقد بدأ استثمار تلك الشرعية وما بني عليها من رصيد لاحق في مرحلة ما بعد الاستعمار. وبعد تفويض قيادة الحركة الوطنية بدأ الديوان السياسي يجني ثمار تلك الشرعية في قيادة دولة الاستقلال.
لكن قفزة في مستقبل البلاد تجعلنا أمام حدث آخر يمثل قطيعة مع تلك الشرعية. إنه ثورة 2011 التي تفتح على تساؤل مهم: أين ذهب أفريل 38؟ وهو السؤال المعبر إلى المرحلة الأخيرة من المآلات، من السلطة إلى الموت.

2/ 1955 – 2011: من السلطة إلى الموت.

متى ماتت شرعية أفريل 1938؟

هل ماتت في 2011 عندما سقط الحزب الحاكم وريث حزب 1934؟ أم في 1987 بسقوط بورقيبة من الحكم وسعي السلطة التي خلفته إلى نحت شرعية جديدة بديلة؟ أم يوم وصوله إلى السلطة في جوان 1955؟

اعتقادنا أنه بدأ قبل ذلك، حينما بدأ مسار الاستئثار بأفريل 38. والأمر يجد تفسيره برأينا في العقلية الاستئثارية  الإقصائية التي سادت قيادة الحزب وجعلته يتطور بالانشطار:ديوان سياسي مقابل لجنة تنفيذية (1934)، ديوان سياسي مقابل أمانة عامة (1955).في الحالة الأولى لم تستطع القيادة الجديدة أن تفرض رؤيتها في كيفية التعاطي مع الوضع وبدل أن تؤسس حزبا جديدا فضلت الاستحواذ عليه وتوصيف اللجنة التنفيذية بالقدم. وفي الحالة الثانية لم تستطع مكونات الحزب المتشابهة في أسس التفكير التعاطي مع بعضها إلا بنفس الطريقة وهي الإقصاء المتبادل والانشطار بطريقة مؤلمة أدخلت البلاد فيما يشبه حربا أهلية. وكان ذلك أكبر ضربة لشرعية أفريل 38.
انتصر الديوان السياسي شق بورقيبة فسقط نصف شرعية أفريل 38.
والأخطر من ذلك هو مسيرة الإقصاء الذاكري بمحورة التاريخ والذاكرة الوطنية حول شخص الزعيم المنتصر وإسقاط الرفاق الواحد تلو الآخر من تلك الذاكرة، وتحويل الشهداء إلى مجرد أدوات لا تعني شيئا من دون إرادة الزعيم.
حاولت السلطة الجديدة أن تدعم شرعية 38 بشرعية الإنجازات: التحديث والتنمية. لكنها لم تنجح تماما في الحالتين. ففي التنمية لم تستطع أن تنجز تنمية جامعة. فكانت اختلالات التنمية الاجتماعية والجهوية ضربة أخرى لشرعية 38. أما في التحديث، فقد اختارت السلطة توظيف شرعية 38 لفرض نموذج تابع غير جامع، فكان ذلك ضربة أخرى لشرعية 38.
وقد كان ثمن ذلك في السياسةحين وظفت السلطة المنتصرة على رفاقها شرعية أفريل 38 في تبرير الاستبداد والتفرد بالسلطة. وشيئا فشيئا انخرط أصحاب شرعية أفريل 38 المنتصرون في سنن التاريخ: تهرم وتآكل مقابل قوى شابة صاعدة تصنع شرعيتها في الميدان، في السجون، سجون أصحاب تلك الشرعية القديمة، وفي المنافي. نمت أجيال من مختلف المشارب الفكرية اليوسفية القومية، اليسارية، الإسلامية... كلها كانت تعبيرات في مراحل تاريخية مختلفة عن تآكل شرعية أفريل 38 وانفصامها تدريجيا عن شرعية التفويض لتستقر في سلطتها على قاعدة نقيضة لتلك الشرعية، وهي شرعية القوة والاستبداد. ولم يكن حل الأحزاب وفرض نظام الحزب الواحد (1964) ثم فرض الرئاسة مدى الحياة (1975) والتأسيس في ذلك لأسلوب المناشدة بدل شرعية التفويض إلا التعبيرة المدوية لذلك السقوط.
ولقد تتابعت بعدها علامات سقوط العقد الاجتماعي الوطني بين شرعية أفريل 1938 وشرعية التفويض معلنة انتهاء مفاعيل الشرعية النضالية في الوعي الجمعي للتونسيين.
في جانفي 1978 كان الاتحاد العام التونسي للشغل هو قائد تلك القطيعة بقياد زعيم نقابي وهو الحبيب عاشور الذي يملك شرعيته النضالية الوطنية ضد الاستعمار.
وفي أول اختبار حقيقي لشرعية التفويض، سقط الحزب بطريقة مدوية أمام حزب خارج من رحمه وهو حركة الديمقراطيين الاشتراكيين في انتخابات 1981 التي اضطر لتزويرها.
ولم يكن سقوط 1987 إلا رصاصة الرحمة على تلك الشرعية التي دخلت مرحلة الغيبوبة التاريخية.
هل كان 1987 محاولة بعث جديدة لشرعية 38؟
ربما تبادر إلى ذهن بسطاء الحزب الاشتراكي الدستوري آنذاك أن تغيير بورقيبة وبقاء الحزب كان سينقذ تلك الشرعية. ويبدو أن الوهم والقوة – وربما الفساد كذلك – هو الذي صور لهؤلاء إمكانية الفصل في تاريخ الحزب بين مرحلة العذرية الوطنية المبنية على شرعية 38 من ناحية وبين مرحلة تدنيس تلك العذرية منذ 1955. وربما توهموا أن عملية تجميل بتغيير الاسم والوجوه القيادية ستكون كفيلة بضمان القفز في وعي الناس على تلك المرحلة الفاسدة واستعادة التاريخ منذ 1955. لكن الأحداث اللاحقة أثبتت فشل ذلك الخيار. وفي أفريل 1989 – أي نفس الشهر الذي تأسست فيه شرعية 38، ويا لغرابة الصدف - سقط الحزب المتحول – التجمع الدستوري الديمقراطي – في أول اختبار شعبي لاستعادة شرعية التفويض ضد منافس جديد من خارجه هذه المرة، وهي القائمات المستقلة المدعومة من الإسلاميين. واضطر مرة أخرى إلى تزوير إرادة الشعب ليحصل على تفويض مزيف. لم ينتبه الحزب إلى أن شرعية التفويض كانت تبحث عن شرعية نضالية جديدة تتعاقد معها. في الاحتجاجات الاجتماعية مثل جانفي 1978 وجانفي 1984 أعلنت شرعية التفويض طلاقها من شرعية 38 نهائيا. وفي نوفمبر 1981 ثم أفريل 1989 بحثت عن شرعية قرينة جديدة. وجدتها في المرة الأولى في مجموعة مناضلة من أجل الإصلاح بعد أن عجزت عنه من داخل الحزب. ووجدته في الثانية في مجموعة نقيضة للحزب، كانت تبني شرعيتها النضالية في مواجهته، خارجة لتوها من تجربة ثانية في السجون والمحاكمات (1987) بعد تجربة 1981-1984.
بعد 1987 بدأت السلطة الجديدة إعادة صياغة ذاكرية بطيئة لكنها ثابتة للزمن الوطني وتأسيس شرعية جديدة هي "شرعية التغيير والتحول" بديلا عن شرعية 38 التي تحولت إلى ذكرى باهتة، وأسقط الاحتفال ببعض روافد شرعية 38 من الاحتفالات الوطنية فعوَّض "نوفمبر التحول" "أكتوبر الجلاء" وتحولت بعض المناسبات الأخرى إلى مجرد عطل إدارية لا تكاد تذكر في وسائل الإعلام مقارنة بما يرافق "ذكرى التحول" من احتفائية. فذكرى الاستقلال (20 مارس) لم تعد تمثل عند الشباب والناشئة إلا يوما من أيام عطلة الربيع، وذكرى إعلان الجمهورية (25 جويلية) لم يعد يشعر به إلا الموظفون أو الجمهور المرتبط بهم في قضاء مصالحه. أما 18 جانفي (ذكرى ثورة 1952) فلم يعد يعني شيئا غير أنه يأتي بعد 17 جانفي وقبل 19 جانفي. هكذا إذن ساهم الحزب المتحول في قتل شرعيته التأسيسية – شرعية أفريل 38 – في سبيل البقاء في السلطة. وكان الفساد هو الثمن المقبوض مقابل إرضاء الحاكم الجديد وهو نفسه مدخل الإجهاز النهائي على تلك الشرعية في ثورة 2011.
لقد كانت ثورة 2011 ثورة شرعية التفويض (الشعب) على من غصبوها لتقترن بشرعية "نوفمبر" بعد أن أعلنت طلاقها من سلفه "أفريل" ولتعلن تعاقدا جديدا مع "شرعية النضال ضد ذلك العقد الفاسد". وقد أسس يوم 23 أكتوبر 2011 لتعاقد اجتماعي جديد ولد بعد ثلاث سنوات في دستور 27 جانفي 2014. ومن المهم أن يعي أطراف هذا العقد دروس مسارات ومآلات العقد السابق الناشئ من أفريل 1938 حتى لا يتبدد الرصيد النضالي ولا يفترق عن شرعية التفويض.

ثالثا: أي دروس في ذكرى أفريل 1938؟

من الزاوية التي اخترناها للتطرق إلى ذكرى أفريل 38 وهي مسألة بناء الشرعية النضالية مدخلا للحصول على شرعية التفويض، لا يمكن بعد عملية استقراء تاريخي لمسارات تلك الجدلية بين الشرعيتين إلا التأكيد على ثبات موقع شرعية التفويض (الشعب) وتغير مواقع شرعية النضال (القوى المناضلة اليوم قد تصبح مستبدة غدا). وفي هذا السياق يهمنا إبداء الملاحظات التالية تحصينا لمسار الثورة ذاتها:

1/ في شيوع الشرعية النضالية:

يتميز المناضل بوعيه المتقدم عن محيطه. وهو ما يبوئه لتزعم الحركة النضالية وبناء شرعيته. لكنه في عملية البناء تلك لا يكون وحيدا بل يستند إلى طاقات نضالية، هي الجمهور الذي قبل به وفوضه رمزا وقائدا لآماله. كذا كان الحال في أفريل 38 عندما اصطف جمهور التونسيين من كل الفئات العمرية وعلى رأسه الشباب ومن الجنسين وفي المقدمة النساء، وراء قيادة الديوان السياسي. فشرعية أفريل لم تكن مبنية على تضحيات زعماء الديوان السياسي بعد محاكمات ما بعد 9 أفريل، في السجون والمنافي، بل قبل ذلك من الخطاب الملتحم بالحالة الوطنية الشعبية، ومن حضور الجمهور في مسيرات 8 أفريل، ودمائه يوم 9 أفريل.
فالجمهور شريك أساسي في الشرعية النضالية بطريقة مزدوجة: فهو شريك فاعل بتضحياته من أجل القضية الوطنية ومن أجل فداء قيادته. كذا كان حال الضحايا الذين لبوا نداء القيادة إلى التضحية يوم 8 أفريل وفدوه حين ألم به الخطر كما يوم 9 أفريل حين دعي البلهوان للمحكمة.والجمهور شريك باعتباره هدف نضالية القائد حتى وإن كان جزء من ذاك الجمهور صامتا حين كان المناضل يواجه الخطر ضمن أقلية من رفاقه. من المهم جدا أن يتذكر المناضل أنه إنما خرج من أجل ذلك الجمهور لا من أجل نفسه.
إن هذا الوعي بدور الجمهور في بناء الشرعية النضالية للقائد باعتباره مساهما وهدفا في نفس الوقت، مدخل ضروري لئلا يحتكر المناضل شرعيته وألا يوظفها لإقصاء الآخرين سواء من رفاقه أو الأطراف الأخرى من خارجه، كما بعد 1955. وهي مدعاة له ليحول تلك الشرعية بشيء من الإيثار إلى عنصر تجميع مستغلا ما يحظى به من الاحترام والتفويض ليبني مشروعا جامعا من أجل أن يبقى مناضلا بطلا في عيون الآخرين حتى لا يقتل شرعيته بيده.
إن هذا الوعي بشراكة الآخرين في صنع نضاليته هو الكفيل بأن يجنبه السقوط في وهم وحدانية النضال.

2/ في ضرورة التخلص من الوهم المزدوج بوحدانية النضال / نفيه عن الآخرين:

لقد عانت بلادنا بعد 1955 من التفرد في السلطة المبني على التفرد بالذاكرة الوطنية النضالية ضد الاستعمار. وعلى أساس ذلك تحولت مرحلة الثلاثينات في السردية الرسمية إلى مرحلة البداية الحقيقية للتحرير وهمش دور بقية الأجيال من المناضلين السابقين. أما المعاصرين فقد دفعوا إلى زوايا النسيان داخل تلك الذاكرة. وباسم شرعية أفريل 38 وقع الاستئثار بشرعية التفويض بعد الاستقلال من دون كل أولئك المناضلين.
ومن المؤلم اليوم أن القوى التي استطاعت بجهد أن تبني مساحات التقاء على مقاومة الاستبداد وتكسب شرعية نضالية ضده تفترق اليوم على شرعية التفويض وتتنافي بل وتنزع عن بعضها صبغة النضالية والثورية. ويقدم بعض أطراف تلك القوى نفسه على أنه ضحية "نشل ثوري"، مؤسسا بذلك لمرحلة جديدة من تناحر القوى التي ناضلت ضد الاستبداد بدل تنسيق جهودها من أجل الحفاظ على منجز الثورة وبناء قاعدته الاقتصادية والاجتماعية (التنمية).وفي اعتقادنا أن أفضل مدخل للتخلص من هذه المعركة الوهمية هو الوعي بتعاقب الشرعيات النضالية وضرورة تعايشها.

3/ في تعاقب الشرعيات النضالية وضرورة تعايشها:

لقد شهدت الفترة المعاصرة من تاريخ تونس تعاقبا لجملة من الشرعيات النضالية. فبعد الحرب العالمية الأولى بنت النخبة الوطنية على شرعية نضالاتها السابقة للحرب شرعية وطنية جديدة مستمدة من الارتقاء بالحركة الوطنية إلى مرحلة جديدة من النضال المهيكل خاصة في إطار الحزب الحر الدستوري بعد مرحلة العفوية قبل ذلك.
في الثلاثينات تأسست شرعية نضالية جديدة مستمدة من الاندفاع في مواجهة سياسات الاستعمار الفرنسي والالتحام بالحالة الشعبية الغاضبة. وتعمَّدت تلك الشرعية بجملة من التضحيات في السجون والمنافي، وجملة من النضالات الميدانية في الداخل والخارج من أجل القضية الوطنية.
وبعد 1955 تعاقبت جملة من الشرعيات النضالية ضد جور المتشرعنين بشرعية أفريل 38 ذاتها، فانتقلنا من شرعية النضال ضد المحتل إلى شرعية النضال ضد المستبد بالبلاد والتاريخ، بدءا من التيار اليوسفي ومناضلي اللجنة التنفيذية والقوميين إلى اليسار إلى الإسلاميين. ولكل كانت تضحياته التي أكسبته الشرعية النضالية.
ولم يخل تاريخنا الوطني من صراع مؤلم بين تلك الشرعيات التي بنت نفسها أحيانا على حساب النضال ضد بعضها. كذا كان حال كل الشرعيات الناشئة بعد 1956 في مواجهة شرعية 38 التي تكلست تحت إغراءات السلطة فلم تع تحولات الواقع. كما لم يخل تاريخنا من تنافس مؤلم بين تلك الشرعيات رغم وحدة الضد. كذا كان حال العلاقة بين اللجنة التنفيذية والديوان السياسي إلى حدود 1964 حين أقدم الحزب الحاكم على حل حزب اللجنة التنفيذية. وكذا كان حال العلاقة بين الديوان السياسي والأمانة العامة في السنوات الأولى للاستقلال، وكذا لا تزال سمة العلاقة بين التيارات المناضلة من العلمانيين والإسلاميين.
وبقدر ما خلفت تلك العلاقة المتوترة من آلام بين أبناء الوطن الواحد فقد كانت وراء إهدار كثير من الفرص، وأضاعت كثيرا من الطاقات المناضلة في التناحر الداخلي. وكان يمكن ربح كل ذلك الوقت والطاقات لو آمنت بإمكانية التعايش فيما بينها. وللأسف لم يختلف الوضع بعد الثورة عما قبلها في نظرة القوى المتنافسة على شرعية التفويض لبعضها رغم أنها مدعوة إلى التوافق على التعايش فيما بينها من منطلق أن شرعية التفويض ليست أبدية لأي طرف مهما علا في نضاليته.

4/ شرعية التفويض: بين ثبات المصدر وتحول الوجهة:

منذ أفريل 38 كانت كل هذه الشرعيات النضالية تتصارع من أجل الفوز بشرعية التفويض سواء من أجل قيادة التحرر الوطني في المرحلة الاستعمارية، أو إدارة الشأن الوطني بعد التحرر. لكن شرعية التفويض لم تثبت على عقد اجتماعي مع شرعية نضالية بعينها. لقد غيرت تعاقدها في كل مرة إلى الشرعية النضالية التي تراها أكثر استجابة للمرحلة وتوافقا مع هويتها. كذا كان الحال في الثلاثينات عندما عجزت اللجنة التنفيذية عن مجاراة نسق تطور الحالة الشعبية التي نقلت تعاقدها إلى الديوان السياسي في أفريل 38. وكذا كان الحال يوم 23 أكتوبر 2011 حين نقلت تعاقدها إلى فئة جديدة من المناضلين بعد أن تآكلت شرعية 38.
إن نجاح أول مناسبة لتعاقد انتخابي طوعي بين شرعية نضالية وشرعية التفويض بعد الثورة (أكتوبر 2011) فتح أملا في تعاقب سلمي على السلطة بدل المواجهات المؤلمة التي شابت تاريخنا الوطني. وهكذا تبدو الديمقراطية الناشئة في بلادنا خير مدخل لهذا التعاقب إلى حد فتح الباب لاستيعاب القوى القديمة وترويضها للانخراط في التداول السلمي على السلطة والقبول بالعمل مع القوى الجديدة التي طالما قمعتها وتحت إمرتها إن اقتضت شرعة التفويض ذلك كما أفضت إليه انتخابات 2014 ثم 2019.

5/ في ضرورة تجديد الشرعية: من شرعية النضال إلى شرعية الوفاء لأهداف النضال:

إن من عوامل سقوط شرعية أفريل 38 وموتها هو تنكر النخبة التي نالت شرعية التفويض بعدها للأهداف التي باسمها اكتسبت تلك الشرعية النضالية. أدت عقلية الاستئثار بالتاريخ والسياسة إلى التخلي عن الحرية باعتبارها الهدف المحوري للنضال الوطني. وباسم المصلحة الوطنية صيغ الدستور والنظام على مقاس الزعيم وحزبه، وتحول الجمهور إلى غبار من الأفراد (poussière d’individus) على حد تعبير الزعيم، وباسم وحدانية النضال دفع الرفاق في الحزب والنضال والشركاء في الحركة الوطنية والوطن، دفعوا كلهم إلى غياهب النسيان والسجون... تحنطت شرعية أفريل 38 ولم تستطع أن تجدد نفسها وتحولت إلى حجة لإسكات الأصوات المتنامية داخل الأجيال الجديدة طالبة الحرية.
سمحت الشرعية النضالية للقوى المناهضة للاستبداد أن تأخذ مكانا في واجهة المرحلة الجديدة (بدرجات متباينة)، سواء في السلطة أو خارجها. واكتشفت بعد مسيرة تسع سنوات من العلاقة بالسلطة، وثلاث تجارب انتخابية كبرى أن تلك الشرعية لا تكفي وحدها لتحافظ على موقعها في أفئدة الجماهير.لذلك فإن من شروط صونها لشرعية نضالها ضد الاستبداد هو أن تجدد أساس تعاقدها مع شرعية التفويض نحو شرعية النضال من أجل أهداف الثورة، وهي الكرامة التي من مقوماتها - وليست وحدها – الحرية والتنمية.

د. عبد الرحمان الهذلي (باحث تونسي)

 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك