القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

في جبر الضرر والعدالة الانتقاليّة: تأثيم النضالات وتخطئة الثورة وتبييض التسلّط والاستبداد

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-12-25 11:11:00 | 292 مشاهدة

                                         

الملخص:

يبحث هذا المقال في المخفي والمسكوت عنه في الجدل حول مبدأ جبر الضرر لضحايا الانتهاكات، أحد مبادئ العدالة الانتقالية، ويطرح مخاطر التلاعب والتشكيك في حاجة البلاد لاستكمال مسار هذه العدالة بجميع أركانه، من كشف للحقيقة واعتذار الدولة للضحايا وجبر الضرر عن الانتهاكات، وينتهي إلى أنّ الجمهورية الثانية الديمقراطية العادلة ستبقى عرضة للضغوطات والإكراهات وإضاعة الفرص لتحقيق استحقاقات البلاد التنمويّة والثقافية والمعرفيّة.

مقدمة:

مع اقتراب نهاية أشغال هيئة الحقيقة والكرامة عاد الجدل الطاحن المؤدلج حول أحد أهم استحقاقات العدالة الانتقاليّة، ألا وهو اعتذار الدولة وجبر الضرر للضحايا أحد أبرز شروط المُصالحة الشاملة المنشودة. ربّما كان عامل التوقيت مدعاة لكلّ هذا الهرج والانفتاح الواسع للإشاعات وترويج المعطيات والمعلومات الخاطئة، فالبلاد تعيشُ على وقع مخلَّفات أزمة تشكيل حكومي امتدّت لأكثر من نصف سنة وما تزال تُلقي بالكثير من الغموض على المشهد السياسي، كما أنّ البلاد أيضا مُقدمة على موعد انتخابي حاسم نهاية العام القادم.

الجدل حول جبر الضرر...جدل فوضوي

أوشكت مسألة العدالة الانتقاليّة أن تكون محورا رئيسيا في أجندات الصراع المختلفة، برلمانيا وحزبيا وسياسيا، على نحو بدت وكأنّها ستكون عمادا رئيسيا في الحملات الانتخابية والدعائيّة ومشبكا لتصفية الحسابات وأجندات إعادة ترتيب صورة المشهد السياسي، بل ربّما إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.

لم يكن إذن غريبا أن تنكص كتل برلمانيّة وأحزاب سياسيّة عن الموقف الداعم والمساند لخيار العدالة الانتقاليّة وأن تدفع بنقاط خلافيّة الى السطح وأن تعمل جاهدة على إعادة توظيف لحظة استكمال أشغال هيئة الحقيقيّة والكرامة لاستنبات استقطاب حاد جديد، مستخدمة في ذلك القاعدة الشهيرة أنّ الغاية تُبرّر الوسيلة، والغاية هنا هي خلط الأوراق وتعطيل مسارات التهدئة والاستقرار ومحاولة التشويش على المناخ الانتخابي المنتظر، أمّا الوسيلة فهي فعل كلّ ما هو مُتاح وممكن بلا حدود ودون أدنى قيود أو ضوابط.

تعويلا على استثمار واقع اجتماعي صعب ودقيق، ارتفعت فيه الأسعار بشكل خيالي وتدهورت فيه القدرة الشرائيّة للمواطنين الى أبعد الدرجات وتعيش فيه العديد من القطاعات والجهات على وقع حالة من الضغط والتوتّر والاحتقان، تمّ استنفار حزمة من الأرقام والموازنات المالية الخاطئة، والتي لا أثر لها لا في ميزانيّة الدولة ولا في أي مصدر أو مرجع آخر، فباستثناء المبلغ الذي ستكون الدولة ملزمة بتنزيله بحساب صندوق الكرامة حسب قانون المالية لسنة 2018 والمقدّر بـ 10 مليون دينار، فإنّ ما تمّ الترويج له من تضمين ميزانية الدولة للسنة القادمة من مبالغ مالية طائلة للصندوق لا يعدو أن يكون سوى من باب الإشاعة والتوظيف السياسوي في محاولة بائسة لإسقاط حق الضحايا في جبر الضرر والتعويض عمّا لحقهم من انتهاكات على مدى عقود وتحديدا من سنة 1955 إلى سنة 2013.

تصفية حسابات وتوظيف سياسوي:

لقد كان واضحا وجليّا أنّ جزءا من النخبة قد دفع بمسألة صندوق الكرامة الى بوتقة تصفية الحسابات الحزبيّة والتوظيف السياسوي والنفخ في الاستقطاب الإيديولوجي بما فيه من أحقاد وفتن، ومحاولة استثمار ذلك في المناكفات الجارية وكسب النقاط في معارك التموقع في المشهد السياسي والاستعداد للاستحقاقات الانتخابية القادمة، وإن كان لذلك الشحن ارتباط أيضا براهن الحياة الوطنيّة، والتي ما تزال تعيش على وقع التجاذبات العنيفة التي يعيشها حزب نداء تونس، بين شق حافظ قائد السبسي وشق يوسف الشاهد، من جهة وملامح القطيعة بين الشيخين السبسي والغنوشي والنهضة والنداء.

لهذا لم يكن غريبا أن تعمل كتلة نداء تونس على محاولة الضغط لإنهاء مهام صندوق الكرامة مرّة واحدة والادعاء بضرورة تحويل الاعتمادات المرصودة إليه إلى الجهات والفئات الضعيفة، وهو ادعاء لم يلق قبولا من الجلسة العامة التي أسقطت ذلك المقترح، فغاية كتلة النداء هي المزايدة ومحاولة التشويش على ائتلاف الحكم الجديد بين النهضة والمشروع والمبادرة والائتلاف الوطني والضغط من أجل محاولة إحداث إرباك يضرب وحدته.

كان صندوق الكرامة المعني بجبر ضرر الضحايا وإسناد التعويضات للمتضررين من الانتهاكات موطن خلاف عميق، بين رافض ومستهجن للأمر مطالب بإلغاء هذا الصندوق وإيقاف أعماله وبين متمسّك به من باب قطع خطوة في مسار العدالة الانتقالية.
فقد رفضت لجنة المالية بمجلس النواب مقترحين يقضي الأول بحذف صندوق الكرامة ورد الاعتبار لضحايا الاستبداد (مقترح نداء تونس) وينص الثاني على إيقاف مساهمات الدولة للصندوق لسنوات 2019 و2020 و2021 (مقترح كتلة الائتلاف الوطني).
يذكر أنّ رئاسة الحكومة كانت نشرت بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية الأمر الحكومي عدد 211 لسنة 2018 المؤرخ في 28 فيفري 2018 والمتعلق بضبط طرق تنظيم صندوق الكرامة وردّ الاعتبار لضحايا الاستبداد وتسييره وتمويله، وذلك تطبيقا لأحكام الفصل 41 من القانون الأساسي للعدالة الانتقالية، وينص الأمر في فصله الثالث “ترصد اعتمادات من ميزانية الدولة عند فتح الصندوق في حدود 10 مليون دينار”، على أن تتكون موارده من نسبة من الأموال الراجعة لميزانية الدولة والمتأتية من تنفيذ القرارات التحكيمية الصادرة عن لجنة التحكيم والمصالحة وتضبط ھذه النسبة بقرار من رئيس الحكومة ومن الھبات والتبرعات والعطايا غير المشروطة وكل المصادر الأخرى التي يمكن رصدھا لفائدة الصندوق طبقا للتشاريع الجاري بھا العمل.

إنّ أخطر ما في الحملة ضدّ صندوق الكرامة هو محالات تلبيس ما هو بيّن مشروع (حق) بما هو كذب وتلفيق ودس (باطل)، فالانتهاكات حقيقة ماثلة مدونّة في الكتب والصحف والشهادات التاريخية الموثّقة وفي سجلات الدولة نفسها، سواء في وزارة الداخلية او المحاكم ومختلف مراكز السيادة، كما أنّ اعتراف الدولة بانتهاكاتها واعتذارها عنها مطلب من مطالب القيم الإنسانية ومسارات العدالة الانتقالية في العالم مثلما ضبطت ذلك المنظمات الأممية والحقوقيّة وأكّدت العديد من تجارب الانتقال الديمقراطي على غرار المغرب وجنوب إفريقيا، وما من شكّ في أنّ تلك القيم وتلك الروح تمنحُ كامل المشرعيّة لحق المتضررين من الانتهاكات من جبر خواطرهم وتعويضهم عمّا لحقهم من دولة التسلّط والظلم والاستبداد.

تأثيم النضال وتخطئة الثورة :

الأجندات المعادية للعدالة الانتقالية معلومة وهي قائمة منذ حدث الثورة، فالتشكيك في جوهر ما حصل في تونس وعظمته واعتباره - من منطلق القراءة التآمريّة- منطلق لربيع عبري عملت فيه الأيادي الخارجية فعلها، والوقائع تُثبت أنّ هذه الأيادي الآثمة تدخلّت لاحقا دعما لقوى الثورة المضادة وتبرئة للأنظمة التسلطيّة المنهارة ومحاولة وأد توجّه شعبي عربي لدخول العالم الديمقراطي والحكم العادل والانتصار للإرادة الشعبيّة وقيم الحريّة والعيش المشترك والتداول السلمي على السلطة. فلا غرابة في استمرار مثل هذه الخطابات المعادية لصندوق الكرامة باعتباره أحد أهم آليات تنفيذ مطلب العدالة الانتقاليّة وتحقيق المصالحة بين الدولة وشعبها وتأمين تواصل المشهد الديمقراطي والتعددي.

إنّ الوقائع تؤكّد أنّ أجندات تخريب الانتقال الديمقراطي لم تتوقّف عن الاشتغال طيلة السنوات السبع الماضية، فهي تتلوّن وتتبدّل وتغيّر لبوسها وتعدّل من مناهجها وخطط عمل ومصطلحات خطابها، ولكنّ هدفها واحد هو تجريم الثورة وإدانتها ومن ثمّ فتح المجال لتبييض الاستبداد والتسلّط عبر الرفض المستميت لحقيقة الانتهاكات، تعويلا على الركوب على مشكلات المجتمع المتلاحقة ومحاولة توظيف صراعات السلطة والصعوبات التي يعرفها المسار الانتقالي لتوجيه أنظار الناس ومحاولة التلاعب بعقولهم واستغلال الجوانب العاطفية والنفسيّة فيهم وما يعيشونه من ضغوطات يوميّة صعبة وقاهرة في مسعى مفضوح لطمس معالم الحقيقة أمامهم.

تُخْفِي دعوات إيقاف مسار العدالة الانتقاليّة، ومنها دعوات شطب صندوق الكرامة والإطاحة بمبدأ جبر الضرر والتعويضات، موقفا بغيضا ناكرا لنضالات أجيال من التونسيّين والتونسيّات، من مختلف التيارات السياسية والعائلات الفكريّة ومن النقابيين وعموم النخبة، قدموا تضحيات جسيمة، من قتل متعمّد وتعذيب رهيب ونفي وتهجير وسجون وقطع للأرزاق وتشريد للأسر والعائلات.

وساهم تراكم هذه النضالات في الإبقاء على جذوة الرفض للحكم التسلطي والاستبدادي على مدار عقود دولة الاستقلال والحلم بالانعتاق والحريّة والحصول على فرص العيش الكريم، إذ لم يمر عقد واحد منذ خمسينيات القرن الماضي دون تسجيل محاكمات سياسية وفكريّة ومظاهر قمع وسقوط ضحايا من مختلف الفئات والقطاعات والجهات، هل كلّ ما قدّمه هؤلاء، من دماء ودموع وآلام، لا يستحق التثمين والمباركة والإشادة والاستحضار الدائم والمستمر؟

إنّ شعارات التهجّم على العدالة الانتقاليّة، هي فعل عبثي، يُراكم الأحقاد ويُبقي على ملفات الماضي مفتوحة دون غلق أو تجاوز، وهو أيضا فعل لم يخرج إلى حدّ اليوم، وبرغم مرور سبع سنوات على الثورة، من دائرة الاستقطاب الإيديولوجي والتجاذب السياسوي وسياسة تصفية الحسابات الضيّقة، وهذا ما يمنعُ البلاد من الانعتاق من مكبّلات الخوف من عودة الاستبداد والتسلّط وهضم الحقوق بمختلف أنواعها وأصنافها وتواصل الانزعاج من فرضيات عودة أجهزة الدولة الى ممارسة الانتهاكات دون رادع.

ضرورة تاريخية وحضارية وطريق للتنمية والازدهار:

إنّ الأهم في الانتهاء من مسار العدالة الانتقالية هو كشف حقائق الماضي المؤلمة بغاية وضع ما يلزم من آليات وقوانين لمنع تكرار نفس ما جرى على مدار عقود طويلة عجزت فيها البلاد عن تحقيق التنمية والازدهار والتطوّر، نتيجة الإقصاء والتهميش المتعمّد الذي مارسته الدولة وغياب سياسات تنمويّة وثقافية ومعرفيّة تُشارك في صياغتها كلّ مكوّنات المجموعة الوطنية على اختلاف انتماءاتها ومشاربها الفكريّة والإيديولوجيّة والسياسيّة.

خاتمة

سيبقى مسار العدالة الانتقاليّة، في حاجة إلى المزيد من الجهد والعمل للبناء على ما توصّلت إليه هيئة الحقيقة والكرامة من استخلاصات وتوصيات، بل من المهم أن تكون تلك الأعمال نقطة انطلاق جديدة تفتحُ الأمل في وعي حقيقي براهنيّة، بل ومصيريّة، التحلّي بالجرأة والشجاعة اللازمتين لتنفيذ مبادرات وطنيّة توافقيّة واسعة تُنهي هذا الاستحقاق التاريخي والحضاري الباهر الذي سيُصالح المجتمع مع دولته، وسيوحّد بين مختلف العائلات السياسيّة في مشروع وطني جامع، وسيضمنُ التناغم المطلوب بين الجمهورية الأولى، جمهورية الاستقلال وبناء الدولة، والجمهورية الثانية، الجمهوريّة الديمقراطية والعادلة، الضامنة للحريّة والتعدديّة وقيم التعايش والمانعة لانتهاكات حقوق الإنسان.

إنّه طريق صعب شائك لم تُكتمل كلّ حلقاته ولم يتخطّى جميع محطاته، ولكنّه لازم لتثبيت قيم الثورة وإنجاح تجربة الانتقال الديمقراطي.

 

الدكتور خالد الحدّاد، صحفي وباحث

  • شارك:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك