القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

في تذكّر السلم لزمن الحرب

المؤلّف: جومنيك دوفلبان

تاريخ النشر: أكتوبر 2016

الناشر: دار قراسي

مكان النشر: فرنسا

عدد الصفحات: 659

إنّ الكتاب موضوع مراجعتنا منشور باللّغة الفرنسية. والسيّد دومنيك دوفلبان هو رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق في عهد الرّئيس جاك شيراك. وقد حاول المؤلّف في مقدّمة كتابه تفسير ما يمكن أن نعتبره انحيازا للعالم الثالث بجوانب من سيرته الذّاتية الّتي تحدّث فيها عن نشأته في الجزائر والمغرب وإقامته في الهند وتأثّره برئيسه جاك شيراك. وتتضمّن هذه المقدّمة بيان العلاقة بين ثنائية الحرب والسلم تلك العلاقة القائمة على التنافي والتعارض وهذا أمر بديهي لكنّ المؤلّف إذ يعتبر الإرهاب حربا شاملة تهدّد مصير الإنسانية يقترح إستراتيجية مشربة بكثير من الحذر لمكافحة آفة العصر فيقول "إنّ مواجهة الإرهاب تقتضي تصوّر إستراتيجية وحيدة كفيلة بتحقيق النصر وهي الّتي تقوم على العزل فالخنق لأنّ كلّ محاولة تروم سحق الظاهرة سحقا كاملا تساهم في تفاقم شرّها وانتشارها على نطاق واسع". (ص11). وينهي المؤلّف مقدّمته هذه بقوله "إنّ هذا الكتاب نتاج عمل متأنّ دؤوب خصّصناه للملاحظة والتّفكير المليّ والتّساؤل وهو أيضا نتاج لقاءات ومحاورات" (ص17).

1. عولمة الأزمات:

عالج المؤلّف هذه الظاهرة بكثير من الحذر لأنّه يدرك أنّ نشوء أيّ ظاهرة مفصليّة في تاريخ الشعوب لا يمكن أن تنطلق من لحظة صفر تحدّد بسنة معيّة صراعات" في القرن الإفريقي  وفي جبال اليمن وأفغانستان حيث تكوّن جيل من المقاتلين الّذي قرّروا بقيادة أسامة بن لادن أن يجعلوا من الغرب عدوّهم الرّئيسي" (ص29). ومعلوم أنّ صلف الغرب منشؤه اعتقاد الجمهوريين والمحافظين الجدد في أمريكا أنّهم يحملون رسالة مهدوّية تتمثّل في نشر الدّيمقراطية في العالم.

وقد عدّد المؤلّف الأخطاء الإستراتيجية الّتي اقترفها الأمريكان نحصرها في ثلاثة كبرى:

- اختيار الأمريكان غزو العراق بصفة منفردة دون استناد إلى الشرعية الدولية.

- استئصال حزب البعث استئصالا دمّر الدّولة والجيش العراقيين

- وجود الأمريكان أنفسهم مضطرين فيها إلى تسليم مقاليد الدّولة لإيران وللفصائل الشيعيّة.

وقد عاش العالم العربي بعد سقوط الخلافة العثمانية أحداثا ووقائع ذكّر بها المؤلّف في إحدى عشرة صفحة (38-49) فذكّر بظهور التيارات القومية بمختلف مدارسها والحركات الإسلامية بمختلف أشكالها وبالدّكتاتوريات بمختلف رموزها وظلّ الإسلام دعويّا وسياسيّا وجهاديا حاضرا في كلّ مرحلة من المراحل الّتي قطعت من يوم سقوط الخلافة حتّى الفترة الرّاهنة.

وإنّ هذه الصحوة الّتي هبّت رياحها في المشرق والمغرب لم تنجب الإسلام السياسي فقط بل أعطت للعالم حركات جهادية اتّخذت لنفسها مسميات عديدة.

وبعد أن يفيض المؤلّف الحديث عن انتشار هذه الحركات الجهادية وأصولها يقرّر أنّ هذه الجهادية "جرثومة انتهازية تتغذّى من إفلاس الدّولة" (75) ويوضّح ذلك بقوله "لقد تحوّلت حركة بوكو حرام تدريجيّا من شبكة مدارس قرآنية إلى شبكة جمعيات تعاونية اجتماعية توفّر للنّاس حاجياتهم وتعوّض الدّولة" (75). وهذه الحركات الجهادية توطّنت داخل الدّول الّتي يسمّيها المؤلّف "الدّول الفاشلة" الّتي يستعرضها دون تمييز حتّى يصل إلى اليمن فيقرّر أنّه نموذج الدّولة الفاشلة ثمّ يستدرك ليشير إلى أنّ قوس الدّول الفاشلة الضعيفة الهشّة يشقّ دول السّاحل الإفريقي ليصل إلى جزء من آسيا الجنوبية الشرقية.

إنّ هذه الأزمات أفضت إلى عملية هدم وبناء: هدم تجسّمه الدّول الّتي آلت إلى السّقوط وأصبحت دولا فاشلة فقدت مقوّمات وطنية الدولة وبناء تجسّده الإمبراطوريات الثلاث القديمة الجديدة. وإنّ هذه التحوّلات خلقت أوهاما يتمثّل الأوّل منها في "الاقتصادوية" الّتي تروم غرس الاعتقاد بأنّ الاقتصاد يتجاوز السياسة. ويتمثّل الثاني في "حرفية القانون". أمّا الثّالث فيتمثّل في العسكرية التي هي تقديس الفضائل والمثل العسكرية. لكن يبدو أنّ المؤلّف لا ينخرط انخراطا كلّيا في مقولة "موت السياسي". وإنّ كلّ الأنظمة السياسيّة مطالبة اليوم بأنّ تواجه هذا المحيط الجديد الّذي تلتقي عنده إشكاليات الأنظمة الاستبدادية والإشكاليات الّتي تطرح على الدّيمقراطيات الّتي يمثّل الإرهاب منخازها.

2) الحروب الجديدة:

إنّ المؤلّف في هذا القسم شأنه في السابق ظلّ وفيّا لمنحاه المؤسّس على التركيب الكميّ وإسناد الوقائع التاريخيّة بمقولات فلسفيّة وشواهد يقتبسها من الأدباء والمفكّرين. فمن ذلك مثلا تذكيره بالمقابلة الشهيرة بين الثقافة والطبيعة أو بين الحضارة والطبيعة ليفضي به الأمر إلى الإقرار بأنّ الدّوافع إلى الحرب منشؤها بدون أيّ شكّ الطبيعة البشرية. وينتهي به النظر إلى القول بأنّ الفرق بين الطبيعة والحضارة (أو الثقافة) ليس هيّنا لذلك تدعونا معرفتنا بأصل العنف أن نتدرّب إمّا على التأقلم (مع العنف) أو إلى أن نغيّر ما بأنفسنا (115).

ومن ها هنا تكون الحرب في الآن نفسه بنت الحضارة وأمّها فهما لا تنفصلان ولا تفترقان فالحرب في نظره "ليست مغامرة بل مرض شأنها شأن الحمّى الصفراء (التّيفوس) (ص125).

وإنّ هذه التطوّرات تكشف النقاب عن حقيقة مزعجة مفادها أنّ الحضارة واستشراء العنف يسيران جنبا إلى جنب. فإذا ألقينا نظرة صوب الدّول الفاشلة فإنّنا نلاحظ أنّ غياب السلطة والفراغ الّذي يحدثه في هذه الدول يمثّلان مصدرا لتوحّش المجتمعات.

وإنّ اللاتكافؤ يتعلّق أوّلا بلا تكافؤ موازين القوى لأنّك تجد من جهة جيشا مهيكلا عصريّا قويّا ومن جهة أخرى تجد تنظيمات عديدة سرّية أو شبكيّة متكوّنة من مجموعات محدودة العدد تستخدم أسلحة يسير الحصول عليها سهل استعمالها. وقد ساعد كلّ ذلك على انتشار ما يمكن أن نسميه "الحرب الصغيرة".

وبما أنّ الحرب تغذّي الحرب فإنّ المسؤولين السياسيين ورؤساء القبائل وقادة الميليشيات يعيشون من صناعة الحرب. ويفيض المؤلّف في عرض الأمثلة والشّواهد على كلّ هذه الظّواهر الّتي يدينها ويعرّض بفاعليها ويعتب على الإعلام الّذي يروّج لها صنيعه ودوره السلبي في إذكاء هذه الآفات الّتي ستؤول إلى حروب لا نهاية لها ولا حدود. (ص 171)

ويقترح المؤلّف بديلا في صيغة ردّ يتمثّل في وجوب "أن تستخدم القوّة لفرض السلم في عالم لا يمكن أن تخدم فيه القوّة إلاّ الحرب وليس شيئا آخر غير الحرب" (177) وهذه أولى المهمّات الّتي يجب أن تنهض بها الأمم "وهذه السلم يجب أن تكون سلما حقيقيّة صافية نقيّة بسيطة قائمة على الحقّ وعلى الإيفاء بالوعود والالتزام بالأقوال" (177) وهذا لا يمكن أن يتسنّى في نظر المؤلّف "إلاّ بتشكّل تحالفات معادية (للحرب الشاملة) تهدف إلى التصدّي لهيمنة الحلف الأطلسي وإلى إحداث جيش ديمقراطي" (192-193-194). وهذا أمر يبدو لنا من قبيل اليوثوبيا وأضغاث أحلام.

3) السلم الجديدة:  أنواعها:

يبدو المؤلّف في عمله هذا حريصا على تماسك نصّه لذلك نراه يجهد نفسه في أن تكون الصلة بين السابق واللاّحق وثيقه. فقبل أن يبدأ خطابه عن السلم يعود إلى الحديث عن الحرب  المتجذّرة تجذّرا عميقا  في الواقع منغرسة فيه انغراسها في العقول وثقافتها تشكّلت وتبلورت بصفة تدريجية بطيئة منذ قرون وبثّت سمومها في الأذهان جاعلة من العنف على أرض المعارك ديدنها ومنحاها الطبيعي في حسم النزاعات (259). وفي المقابل فإنّ السلم لا تتيسّر إلاّ بوجود ثقافة سلم متجذّرة في الأعماق. وفي سياق جدل داخلي يرى المؤلّف "أنّ السلم أصبحت قوّة رمزية ونظام أفكار وذاكرة جمعيّة تمكّن في كلّ حين من تجنّب اختيار الحرب. فالقرن العشرون كان دون أيّ شكّ قرن الثقافات الجديدة الّتي تؤجّج الحرب لكنّه كان إلى جانب ذلك عصر الثقافات الجديدة الّتي تدعو إلى السلم (260). وبعد عرض سريع للحروب المدمّرة الّتي عرفتها أوروبا خلال تاريخها يخلص إلى استنتاج يصوغه في قالب قاعدة عامّة مفادها "أنّه لم يحدث في تاريخ الأمم أن شنّت دولة ديمقراطية حربا على دولة ديمقراطية أخرى" (269) ويقوم المؤلّف بجرد مستفيض لأنواع السلم ويعرّف كلّا منها تعريفا دقيقا بالرّجوع إلى المواطن الّتي احتضنتها وهذه الأنواع كثيرة يتنزّل جميعها صلب نوعين كبيرين هما السلم المتكافئة والسلم غير المتكافئة وقد فصّل المؤلّف كلّ هذه الأنواع فمنها سلم الرعب الّتي تجسّم ضربا من السلم القسرية وسلم الاستنزاف الّتي تمثّل ضربا من سلم  الشجعان وكذلك سلم التوازن الّتي تظل الحلّ الأخير والّتي ظلّ التاريخ يعدّها نموذجا ينبغي اتّباعه. وهذه جميعها تنتمي إلى مجموعة السلم المتكافئة. أمّا أنواع السلم غير المتكافئة فهي سلم السقوط والانهيار والسلم الإمبراطورية والسلم الأمريكية La Pax Americana والسلم المثالية والسلم البطولية. ويختصر المؤلّف خطابه عن السلم بالقول "إنّ السلم عمل وجهد ومهمّة إحلالها منوط بالجميع وليست حكرا على القديسين والأبطال. فهي ذات بعد إنساني لأنّها حاسمة بما أنّها تمكّننا من التعرّف على مواطن العجز" (287) كما تمكّننا من الوقوف عند النجاحات وتثمينها"(287). وتبدو السلم عسيرة المنال فسلوك الغرب يتّسم بالتقاعس في هذا المضمار وكذا الأمر بالنّسبة إلى المجموعة الدّولية التي تعبّر عن تقاعسها بالاكتفاء بإيقاف الصراعات وتجميدها وهي إذ ترفض الحرب لا تستطيع أن تتحمّل مسؤولية السلم. وإنّ المؤلّف " يعتبر قبول الصراعات المجمّدة حلاّ سهلا بل جبنا دبلوماسيّا ازداد قوّة وحدّة خلال الستين سنة الخوالي." (288). وفي سياق إدانته للغرب والمجموعة الدولية نراه يستثني فرنسا من لائحة الدّول المتقاعسة عن القيام بواجب فرض السلم وذلك عندما يتحدّث عن المجهودات الّتي بذلتها فرنسا والّتي بذلها هو شخصيّا من أجل فرض سلم عسيرة في الكوت دي فوار (ساحل العاج).

4) حملة السلم:

استهلّ المؤلّف هذا الباب الأخير من دراسته بالسّؤال التالي: أين المجتمع الدولي؟ والجواب الضمني مفاده أنّ هذا المجتمع حاضر وغائب في آن واحد "ولا يمكن أن يستثنى أحد من ميثاق الانتماء إلى هذا المجتمع وهو يرى أنّه من مصلحة الجميع أن تندمج  الدّولة الفلسطينية صلب هذه المجموعة لاسيّما أمام العزم الّذي تبديه قيادات الشعب الفلسطيني من رغبة في الاندماج صلب المجموعة الدولية رغبة تمثّل اليوم خطوة إلى الأمام وقد تحوّلت هذه الرغبة إلى واقع معيش ففي سنة 2011 أصبحت السلطة الفلسطينية العضو الخامس والتسعين بعد المائة في منظّمة اليونسكو وفي نوفمبر سنة 2012 منحتها الجمعية العامّة للأمم المتّحدة صفة ملاحظ بأغلبية مائة وثمان وثلاثين دولة من جملة مائة وثمان وثمانين.

زد على ذلك اعتراف مائة وخمسة وثلاثين بلدا بدولة فلسطين وقد تعزّز هذا الاعتراف بدعوة مجلس النواب ومجلس الشيوخ الفرنسيين إلى مواصلة مثل هذا الاعتراف.

وقد توسّع مفهوم الأمن ليصبح أكثر شمولية ويتّخذ أبعادا أخرى نذكر منها البعد المتعلّق بالمناخ الناجم عن إحساس المجموعة البشريّة بأنّها تشترك في مصير واحد. وتبعا لذلك ظهرت عبارة "'الأجيال القادمة" الّتي أدرجت في ميثاق الأمم المتّحدة. ففي سنة 1987 ولأوّل مرّة ضبط تقرير برندتلاند Brundtland مفهوم التنمية المستدامة وتبنّي عبارة الأجيال القادمة. ومن ها هنا انطلقت سلسلة المفاوضات الدولية بخلق وعي عالمي بأهمية المحيط والمناخ. وهذه المفاوضات بدأت في ريو Rio سنة 1992 وتواصلت حتّى السنوات الأخيرة بانعقاد مؤتمر باريس سنة 2015. ويرى المؤلّف أنّه يجب إدخال إصلاحات كبرى على مؤسّسات المنظومة الأمميّة وتعديل حقّ النقض: فالهند يعدّ 15% من سكّان المعمورة ليس عضوا دائما في هذه المنظومة وهذا حيف يجب أن تتداركه هذه المنظومة. لذلك فإنّ العالم في حاجة أكيدة إلى عمود فقري صلب تمثّله الصين وروسيا وفرنسا وألمانيا الّتي بوسعها أن تحقّق تعاونا مثمرا لخدمة أمن الجميع وضمانه ورسم خارطة جديدة للعالم. وتبعا لذلك فإنّ العالم يظلّ متعطشا إلى نماذج مضيئة مفرحة تبعث الأمل في النفوس الّتي غرقت في الأزمات وأنهكتها الإخفافات وعاشت مرارة الخيبات وسط لا مبالاة المجموعة الدولية. ويقدّم المؤلّف تونس وثورتها نموذجا لهذا الأمل وهذا فيه الكثير من المبالغة. ويقترح  بالإضافة إلى ذلك إيجاد مساعدين على العبور وهو يرى أنّ قطر يمكن أن يكون هذا المساعد بحكم موقعه الجغرافي وسعيه إلى التّوفيق بين الحداثة والتّقليد وقد وفّق في ذلك. فقد استضاف كأس العالم في كرة اليد وهو يستعدّ لاستضافة كأس العالم لكرة القدم سنة 2022. وقد تمكّن من الحصول على ثقة الغرب بفضل علاقاته السّياسية المتميّزة مع فرنسا واستثماراته العديدة في هذا البلد.

ويذكر صاحبنا في هذا المضمار المغرب الأقصى الّذي "يمثّل قوّة معتدلة ويقوم جسرا رابطا بين أوروبا وإفريقيا وقطب استقرار وتنمية متّجها نحو إفريقيا الغربيّة" (473). ويتوّج المؤلّف حديثه عن المعابر والجسور بنداء يقول فيه: "لقد آن الأوان للانخراط الكامل في العولمة" (476). وإذا كانت القوة مادية وسياسية فإنّ الانترنت تمثّل قوّة لا مادية وأحد الحدود الجديدة للقوّة. وإنّ المؤلّف يرى أنّ الأفكار الّتي تروّج في العالم تمثّل بعدا استراتيجيّا من أبعاد الحوكمة الدولية وأنّ مراقبتها يظلّ امتيازا غربيّا. فمعركة الأفكار قائمة اليوم لكنّها غير معلنة. ويشهد على ذلك تنامي مخابر البحث ومراكزه الّتي بلغ عددها في العالم ستّة آلاف وخمسمائة.

وتنضاف إلى هذه القضايا مسائل أخرى منها مسائل آنية محرقة ورهانات كبرى مثل الفوارق في توزيع الثروات الّتي تمثّل مصدر آلام الجميع وكذلك الأمن الغذائي والصحة والاحتباس الحراري وكذلك الشّأن بالنّسبة إلى موضوع اللاّجئين وأوضاع المهاجرين الّتي تتطلّب أكثر يقظة وأكثر حضورا للدّولة.

وبعد تحليل كلّ هذه القضايا الّتي تشترك فيها المجموعة الدولية كلّها يمرّ المؤلّف إلى واجبات أوروبا ودورها في العالم فيذكّر بأنّ السلم مدرجة في قلب المشروع الأوروبي وأنّ الإتّحاد الأوروبي قد أظهر للجميع أنّه عامل استقرار في العالم. وأنّ ما يزيد الوضع تأزّما في أوروبيا صراع الهويات وتنامي كراهية الأجانب وصعود اليمين المتطرّف الّذي قد يلجأ في يوم من الأيّام إلى التّحالف مع الإسلام السياسي.

خاتمة الكتاب:

تنقسم الخاتمة إلى قسمين: قسم يتضمّن مجموعة من المقترحات البنّاءة وأهمّها إحداث ثوريين ثقافيتين للخروج من الضياع. فالثّورة الأولى تتعلّق بوجوب أن يصبح العسكري تابعا للسّياسي أمّا الثانية فتتعلّق بتشريك السكان المحليين تشريكا يقوم على ميثاق أخلاقي يحمّل كلّ طرف مسؤوليته.

ويتضمّن القسم الثاني نقلا لمداولات اجتماع مجلس الأمن يوم 14 فيفري 2003 للحسم في مسألة التدخّل العسكري في العراق ولتعبئة المجموعة الدّولية ضدّه. وأبرز المؤلّف بكثير من الاعتزاز والنرجسيّة المجهودات الّتي بذلها للتصدّي لموقف الولايات المتّحدة وبريطانيا العظمى عاقدتي العزم على دخول الحرب مهما كانت طبيعة النّتائج الّتي توصّل إليها هانس بليكس ومحمّد البرادعي رئيسا بعثة المفتّشين الأمميين. وأفاض المؤلّف الحديث عن موقف فرنسا المناوئ للحرب ممثّلة في رئيسها جاك شيراك ووزير خارجيته صاحب الكتاب مشدّدا على أنّ كلّ تدخّل عسكري يؤدّي إلى نتائج وخيمة تنعكس سلبا على استقرار المنطقة وتذكي الإحساس بالضيم وهو ما حدث فعلا. وإنّ لهذا العمل مزايا عديدة أهمّها غزارة المعلومات وتنوّعها. وهو مكتوب بلغة فرنسيّة راقية فيها الكثير من التأنّق لكنّ وفرة المعلومات وتداخلها يجعلان النصّ عسير المأخذ. والنصّ في مجمله يترك انطباعا بأنّه مراكمة لتقارير مدبّجة من قبل اختصاصيين يحرصون على تدوين كلّ شاردة وواردة دون فرز. أمّا الاستطرادات المضمّنة في هذه التقارير فهي من تحرير المؤلّف الّذي كان حريصا على الإشادة ببعض التجارب الّتي عاشتها بعض الدّول في مناطق مختلفة من العالم. ورغم عديد الهنات الشكلية والمضمونية ونرجسيّة المؤلّف الّتي تفيض فيضانا جارفا في بعض الأحيان فإنّه يجب الاعتراف بأنّ هذا العمل كامل متكامل في جملته لكنّه قابل لأن يختصر إلى النصف اختصارا لا ينقص من قيمته المعرفيّة ولا يفسد الرسالة المراد تبليغها.

المصدر باللغة الفرنسيّة:

Dominique De Villepin:

Mémoire de paix pour Temps de Guerre.

Essai: Editions Grasset et Fasquelle 2016

الدكتور عبد المجيد البدوي ( أكاديمي وباحث تونسي)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية ، هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك