القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

في العلاقات الروسية الليبية (ج 3)

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-05-09 14:22:00 | 204 مشاهدة

  ملخص:

ثمة الكثير من المواقف السياسية التي نستدل بها على رغبة روسيا في التدخل في ليبيا، وقد اتبعت روسيا إستراتيجية الاقتراب الحذر من ليبيا ، دون إن ترمي بثقلها بشكل كامل ،أو تتدخل عسكريا بشكل مباشر ، والسبب في ذلك يمكن في حساسية الاقتراب الروسي من ليبيا بالنسبة للغرب ، تاريخيا كانت الدول الغربية تتوحد في مواجهة أطماع روسيا في ليبيا كما حدث في أثناء الأربعينات من القرن العشرين  ،  إن واقع الصراع الدولي على ليبيا ، ومصالح الدول الكبرى ومن ضمنها روسيا تؤكد بان الروس لن يديروا ظهرهم لليبيا ، ولن يفرطوا في مصالحهم في دولة غنية بالنفط والغاز وقادرة على أن تشتري السلاح الروسي ،  دولة ليست فقط  ذات موقع استراتيجي في منطقة البحر المتوسط ، بل دولة بها ثروة ضخمة من الغاز إذا استحوذت عليه أوروبا فهو يمثل تهديد لأمن روسيا القومي .

 

على سبيل المقدمة:

لا شك بان ليبيا تشهد صراع دولي محتدم بين الدول الكبرى على النفوذ والمصالح ، وهو صراع تاريخي يتجدد كلما سنحت الفرص بذلك ، خاصة عندما تكون   الدولة الليبية في حالة ضعف ، وتعاني من صراعات داخلية بين أبنائها كما حدث في الفترة التي تلت  نجاح الثورة في عام 2011م إلى وقتنا الحاضر ، غياب الحل السياسي وعدم قدرة الليبيين على التوافق وإعادة بناء الدولة المنهارة ، والفشل في إقامة نظام سياسي جديد لحكم البلاد. كل ذلك يفتح الأبواب أمام التدخلات الأجنبية.

الصراع الدولي على النفوذ والمصالح في ليبيا عاد بنا إلى نفس الفترة التاريخية في عقد الأربعينات التي سبقت استقلال ليبيا في عام 1951م ، في تلك الفترة كان هناك صراع دولي على ليبيا ، وروسيا لم تكن غائبة عن ذلك الصراع ، فهي وريثة الاتحاد السوفييتي السابق بكل سياساته في المنطقة ، وروسيا أيضا لها تواجد اليوم في حلبة الصراع الدولي على ليبيا وان كانت تتحرك ببطء وحذر في تعاطيها مع الأحداث في المشهد الليبي المتأزم ، لكن روسيا اليوم كما بالأمس تتحرك باتجاه ليبيا في ظل منافسة شديدة وصراع قوي مع خصومها الأوروبيين وحليفتهم الولايات المتحدة الأمريكية ، بل إن الحلفاء الأوروبيين هم أنفسهم منقسمين ، حيث تتنافس فرنسا بقوة مع ايطاليا على النفوذ في ليبيا ، ووصل الصراع والتنافس بينهما الى حدود غير مسبوقة، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية لديها مصالح في ليبيا ، وهي ليست غائبة عن مشهد الصراع ، لذا فان الدور الروسي في ليبيا سوف يتأثر كثيرا بمواقف وسياسات الدول الأخرى المتصارعة على النفوذ في ليبيا  ، بل سوف يصطدم بالدول الغربية ، السؤال هنا..  إلى أي  حد سيكون الصراع الدولي على ليبيا اليوم والاقتراب الروسي منها شبيها بالأمس البعيد في حقبة الأربعينات من القرن العشرين ؟. وهل ستنجح روسيا في الحصول على موطئ قدم لها في ليبيا رغما عن انف خصومها التاريخيين أوروبا والأمريكيين ؟. أم أنها سوف تفشل ولن تستطيع إن تمرر أجندتها في ليبيا أمام إصرار ورفض خصومها الأوروبيين والأمريكيين ؟. وسؤال أخر يطرح نفسه وبقوة.. الى أي  حد تستطيع روسيا أن تستغل وتستثمر الصراع والتنافس بين فرنسا وايطاليا على النفوذ في ليبيا لضمان تواجدها في ليبيا كلاعب مهم وفاعل  وضمان مصالحها؟. ولكي نفهم أكثر دوافع الرغبة الروسية في تواجدها في ليبيا وتنامي دورها في المشهد السياسي الليبي ، وأيضا لكي نفهم المهددات التي تمثل عقبات أمام دور روسي فاعل في ليبيا ، علينا بان نلقي نظرة كثير من القضايا الهامة. ذلك يساعدنا على وضع تصور منطقي لمالأت الدور الروسي في ليبيا مستقبلا. وإن ما يحدث على الساحة الدولية من حروب وصراعات وأزمات بين القوى الكبرى المتصارعة على النفوذ والمصالح ، وطموحات قوى أخرى صاعدة تريد أن يكون لها موقع بارز بين  القوى الكبرى المهيمنة على العالم .  كل ذلك مهم في فهم دوافع السياسة الخارجية لروسيا ، وأين ستتحرك في أي دولة أو أي  مكان في العالم لحماية مصالحها،  أو بهدف إزعاج القوى الدولية الأخرى في أماكن نفوذها للتفاوض والمساومة على قضايا أخرى ، ودول أخرى للروس فيها مصالح إستراتيجية؟.  ما حدث في أوكرانيا ، وما يحدث ألان في سوريا  وفنزويلا ، كل ذلك يؤكد وجود صراعات في هيكل النظام الدولي ، وتلك الصراعات  قد تؤدي الى اشتعال الحروب ، ولن  تقتصر الحروب  فقط على دول  جوار روسيا ومجالها الحيوي في الفضاء السوفييتي السابق فقط ، بل هي صراعات تنتشر في أماكن كثيرة حول العالم ، خاصة منطقة شمال إفريقيا والمغرب العربي .

 

أولا : نظرية تحول القوة.

 

 - الصعود الروسي والصيني  وهيكل النظام الدولي .

لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية هي القطب المهيمن على النظام العالمي الجديد الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991م  ، وقد ذهبت بعض الأدبيات السياسية التي تناولت السيناريوهات المحتملة لمستقبل النظام الدولي إلي أن العالم سوف يستمر يعيش آفاق "العصر الأمريكي " إلي مدى يقدر بنحو خمسة عقود على الأقل ، بينما ذهبت أدبيات أخرى إلي أن  الفترة الحالية هي فترة انتقالية ، وأن  الفترات الانتقالية كما تشير خبرة التاريخ تكون شديدة الخطورة على الأمن الإقليمي والدولي معا ، حيث تحاول القوى المسيطرة الحفاظ على مكانتها في قمة النظام ، بينما تسعى القوى الجديدة إلي تغيير شكل نسق علاقات القوة ، وعلى سبيل المثال فقد توقع تقرير " اتجاهات كونية " الصادر عن مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي أن يكون النظام الدولي بحلول عام 2025م  نظاما متعدد القطبية ، بسبب صعود قوى بازغة جديدة ، والاقتصاد المعولم  والانتقال التاريخي للثروة النسبية والقوة الاقتصادية من الغرب إلي الشرق . (1)

 

من المهم أن نتطرق إلى فهم نظرية تحول القوة ،  وهو أمر مهم لتفسير التغيرات التي سوف تحدث في النظام الدولي . ويشير مفهوم تحول القوة " Power Transition" إلي فقدان الدولة المهيمنة موقعها القيادي لمصلحة قادم جديد سريع التنامي ، الأمر الذي جعل من الأخير كأنه ظل لهذه الدولة المهيمنة ، ولكي يحدث تحول للقوة ، يتعين على القادم الجديد أن يحصل على مصادر للقوة أكبر مما لدى الدولة المهيمنة ، أو على الأقل يحدث تعادلا مع المقدرات القومية للدولة القائد ، بالشكل الذي يجعل من المقدرات القومية لكل منهما تقترب  من حد التساوي . (2)إن مقولات نظرية تحول القوة التي قدمها أورغانسكي لا تزال صالحة للاختبار ، كما أنه  لديها قدرة تنبيه عالية ، وقد قسم أورغانسكي من خلال نظريته الدول ، حسب درجة القوة ، ودرجة الرضا ، إلي أربع فئات رئيسية هي (3)  :

  1. الدول القوية والراضية.
  2. الدول القوية وغير الراضية.
  3. الدول الضعيفة وغير والراضية.
  4. الدول الضعيفة والراضية.

ووفقا لهذه النظرية فان المجموعة  الثانية  التي تتمثل بالدول القوية وغير الراضية هي التي تتسبب في حالات عدم الاستقرار ، لان الفئة الأولى ليست لها مصلحة في تغيير هيكل التطام الدولي الذي يخضع لهيمنتها ، في حين أن الفئة الثالثة  رغم أنها غير راضية ، فإنها تفتقد القدرة على التغيير ، بينما الفئة الرابعة ضعيفة وراضية بالوضع الدولي ، أما الفئة الثانية فتتصور أنها تمتلك من القوة ما يؤهلها لممارسة دور على الساحة الدولية أكثر أهمية من ألمكانه المتاحة لها ، وفقا للقواعد التي يفرضها هيكل القوة الموجود ، والذي تمليه حسابات خاصة بدول الفئة الأولى . (4)

وفقا لأورغانسكي ، فمن هذه الفئة يظهر المنافسون الذين يسعون إلي تغيير الوضع القائم وتأسيس نظام دولي آخر ، وهي القوي التي تراجعت ووافقت على القيام بدور ثانوي في النظام الدولي الذي حاولت التغلب عليه ، وإذا كان أورغانسكي قد طبق هذه المقولات على  ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية ، فإنها ربما تصبح أكثر انطباقا على وضع كل من روسيا والصين في الوقت الحالي .(5)

 

ثانيا : مؤشرات تحول القوة إلى روسيا. 

توجد مؤشرات عديدة يمكن على أساسها معرفة ما إذا كان ثمة تحول للقوة يحدث لمصلحة دولة ما على حساب دولة أخرى ، غالبا ما تكون هي المهيمنة على النظام الدولي ، ويمكن تقسيمها إلي قسمين (6):-

  1. مؤشرات تقليدية:-  ويقصد بها المؤشرات التي يمكن قياسها بشكل كمي ، والمقارنة بين الدول على أساسها ، مثل عدد السكان الكلي ، حجم القوات المسلحة ، الناتج القومي الإجمالي . وإذا طبقنا المؤشرات التقليدية على حالة  روسيا  ، فنجد أن روسيا أصبحت قوة عظمى ناشئة في مجال الطاقة ، كما أنها تحتفظ بالعديد من مظاهر القوة الصلبة ، بما في ذلك الأسلحة النووية وجيش تقليدي هائل . كما استعاد الاقتصاد الروسي عافيته ، وارتفع الإنتاج النفطي الروسي مما أدى إلي ارتفاع الميزانية الفدرالية ، وحددت روسيا أولويات سياستها الخارجية في حماية المصالح الاقتصادية وتعزيز جاذبية روسيا للاستثمارات ، ومقاومة التمييز داخل الأسواق الأجنبية كما أن لدى روسيا الإمكانات لأن تصبح أكتر ثراء وقوة إذا قامت بالاستثمار في رأس المال البشري ، وتنوع قاعدة اقتصادها ، والتكامل مع الاقتصاديات الدولية .

 

  1. مؤشرات غير تقليدية:-   ويشير هذا المفهوم إلي القوة الناعمة ، والتي تعني القدرة على تحقيق ما تصبو إليه الدولة من هدف معين من طريق جعل الهدف جذابا بالنسبة إلي الأطراف الأخرى بشكل أكبر من ممارسة العنف أو الإكراه ضدها ،وينبع مكمن هذه القوة في الجاذبية التي تتمتع بها ثقافة تلك الدولة وأفكارها السياسية وسياساتها عند الدول الأخرى .

أما إذا طبقنا المؤشرات غير التقليدية على حالة  روسيا. فهي تستخدم القوة الناعمة في علاقاتها بالدول المجاورة لها ، حيث تقوم بتصدير الغاز الطبيعي لأوكرانيا ودول منطقة القوقاز وآسيا الوسطي ، واستيعاب الملايين من العمالة الفائضة بهذه الدول في مختلف المدن الروسية ، وتوفير الأسواق لسلعها ، ونقل الأموال إليها ، كما تعد الثقافة الروسية مصدر قوة لروسيا ، حيث عادت جاذبية النموذج الروسي ، وبخاصة مع استغلالها ثقافتها الشعبية واللغة الروسية ، باعتبارها اللغة الإقليمية للتجارة والتوظيف والتعليم داخل دول الاتحاد السوفياتي السابق ، وفي حال استمرار تدفق المهاجرين من الدول المجاورة إلي روسيا ، واستمرار الأنشطة الاستثمارية للشركات التجارية الروسية في هذه الدول، فإن روسيا سوف تحقق بذلك هيمنة اقتصادية بالمنطقة الأوروآسيوية تضاهي هيمنة الولايات المتحدة على  الأمريكتين .

 

ثالثا : مؤشرات الرضا أو عدم الرضا.

هناك  تساؤل رئيسي ومهم .. هل  وروسيا دولة راضية أم لا ، أم أنها   تسعى  إلي تغيير هيكل النظام الدولي ؟. حالة الرضا تعني الوفاق بين القوى الكبرى واستقرار النظام الدولي وان كان بشكل مؤقت ، أو استقرار بشكل نسبي ، كما يعني الرضا أيضا تعامل القوى الكبرى بحذر في سياساتها الخارجية، بينما تعني حالة عدم الرضا تفجر الصراعات والأزمات والحرب بين القوى الكبرى ، وأيضا سباق تسلح ، بل وحرب باردة ،  ومن سيدفع الثمن هي بلا شك الدول الصغيرة ، والدول التي تفتقد للاستقرار ، وتعيش حالة من الصراعات والحروب الأهلية معرضة أكثر من غيرها لان تكون الكعكة التي يتصارع حولها الأقوياء .

 

  1. الدخول في أنشطة صراعية لها أبعاد إقليمية .

كانت أزمة أوستيا الجنوبية التي اندلعت إثر القصف الذي قامت به جورجيا لأوستيا الجنوبية في الثامن من آب  أغسطس عام 2008م  ، وتسبب في مواجهة روسية –جورجية بداية لتخلي روسيا عن الصمت إزاء التدخل الأمريكي في المجال الحيوي لها ، والتشديد على كون روسيا لاعبا دوليا لا يمكن تجاوزه أو اختراق دائرة أمنه القومي ، والعمل على إنهاء الانفراد الأمريكي بإدارة الشأن الدولي .(7) البرلمان الروسي وافق على طلب الرئيس بوتين إرسال قوات إلي شبه جزيرة القرم بهدف حماية المواطنين من أصول روسية ، وفي النهاية أعلنت موسكو ضم القرم في 18 مارس  2014م ،  وأكدت على لسان الرئيس بوتين أن القرم جزء لا يتجزأ من روسيا ، رغم أنها جازفت في تلك اللحظة بتدهور علاقاتها مع الغرب إلى مستوى غير مسبوق .(8) وقد أكدت تفاعلات الأزمة الأوكرانية أن روسيا ماضية في استعادة دورها ونفوذها في النظام الدولي ، كدولة كبرى لها مصالحها الخاصة التي لا يمكن تجاهلها من جانب الدول الأخرى ، ومن بين تلك المصالح تعامل روسيا مع دول الاتحاد السوفياتي السابق على أنها امتداد طبيعي لها لا يمكن السماح لأي أطراف أخرى بالوجود فيه ، وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي .(9) كما أن التدخل الروسي في سوريا يؤكد رغبتها في استعادة مكانتها على الساحة الدولية، فقد فرضت روسيا وجودها بقوة في سوريا ، وسفكت دم الشعب السوري بلا رحمة  ، وأقامت قاعدتين عسكريتين في حميميم ، وطرطوس .  معطيات ومؤشرات كثيرة عن التحركات الروسية على الساحة الدولية  تجعلنا نحن في ليبيا نشعر بالقلق من تنامي  أي دور روسي في المنطقة العربية  ، لأن ذلك قد يكون إعادة للسيناريو السوري في ليبيا.

 

  1. قيام كل طرف ببناء ترسانة أسلحة موجهة إلى الطرف الآخر.

 نجد أن روسيا تتجه على مستوى السياسة الدفاعية إلي الحفاظ على قدرتها المتكافئة مع الولايات المتحدة وبخاصة لجهة الأسلحة النووية ، كما تعمل روسيا على تطوير وتحديث كل منظومات التسلح التقليدية وغير التقليدية من حيث المدى والفعالية والحجم والدقة.(10)

 وقد أعلنت روسيا  عن نشر صواريخ إسكندر ذات القدرات النووية في المنطقة العسكرية الغربية الكائنة بمقاطعة كالينغراد الروسية الواقعة بين بولندا التي هي إحدى الدولتين اللتين أعلن عن نية الناتو أو واشنطن زرع صواريخ نووية فيهما وليتوانيا .(11)

  1. الرضا عن القواعد الدولية .

 روسيا نجحت في التعامل مع كثير من الأزمات الدولية ، بالتزامن مع تراجع الدور الأمريكي على الساحة الدولية ولاسيما بعد الأزمات العديدة التي تسببت فيها السياسات اليمينية المتشددة التي تبنتها إدارة جورج بوش ، فقد بدأ الحديث من جديد عن عودة روسيا كفاعل رئيسي على الساحة الدولية ، لم يعد يقبل بالقواعد التي تفرضها معطيات تلك الساحة ، ويسعي في مقابل ذلك إلي تأسيس قواعد جديدة تتعاطى مع المكانة الدولية التي بات يحتلها. (12)

وقد واصلت روسيا جهودها للحصول على عضوية المنظمة العالمية للتجارة في مواجهة استخدام الولايات المتحدة وحلفائها هذه الورقة كوسيلة ضغظ على روسيا بغرض الحصول على تنازلات منها في ملفات أخرى ، حتى  حصلت عليها في كانون الأول ديسمبر 2011م ،  وتتمتع روسيا بعضوية مجموعة العشرين التي اكتسبت منذ الأزمة المالية العالمية في 2008م  وزنا متزايدا على حساب مجموعة الثماني وبخاصة في القضايا الاقتصادية الدولية. (13)

وكانت روسيا إحدى الدول المؤسسة لتجمع بريكس مع كل من الصين والهند والبرازيل والذي انضمت إليه جنوب أفريقيا ، ويعد التعاون بين دول بريكس أحد أهم المسارات المحورية في مساعي السياسة الخارجية لدول بريكس  ، وبخاصة روسيا والصين لكسر الهيمنة الغربية على المشهد الدولي وإيجاد توازن في النظام الدولي ، والتأثير المباشر في المنظومة الاقتصادية والسياسية العالمية.(14)

 

4-الاقتراب الروسي الحذر من ليبيا.

روسيا ومنذ تفجر الثورة في عام  2011م تنتهج إستراتيجية الاقتراب الحذر  من الأزمة الليبية، وفي الوقت الذي تعلن فيها دعمها لحكومة الوفاق في ليبيا ، تستمر في دعم حفتر ، وقد استخدمت روسيا وسائل القوة الناعمة لكي تضمن تواجدها في ليبيا ، إن التواجد الروسي في ليبيا ركز على الدعم اللوجستي  لقوات حفتر ، ودعم بالمرتزقة وشركات أمنية ، ودعم بالأسلحة . بعد وصول الرئيس بوتين إلى سدة الحكم ثانية في عام 2012م ، والتدخل الروسي في سوريا بدت ملامح السياسة الروسية تجاه ليبيا تتضح ، فان دخول روسيا عبر البحر الأسود جعل إمكانية التواجد في المياه الدافئة في البحر المتوسط مسالة ممكنة في ظل التراجع الأمريكي وسياسة القيادة من الخلف التي أتبعها الرئيس الأمريكي باراك أوباما . فروسيا في سياساتها العامة ترى أن تنامي التنظيمات الإرهابية وفشل الدولة الوطنية هو السبب في تنامي الإرهاب الذي لم تعش روسيا في معزل منه ، كما أن روسيا بوتين تحاول أن تبين أن النموذج الغربي والتدخلات التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي كانت بغياب التوازن في المجتمع الدولي ، وهذا ما عبر عنه الرئيس بوتين حين قال : " إن سقوط الاتحاد السوفييتي اكبر كارثة أصابت العالم بعد الحرب العالمية الثانية " . (15) يرى البعض بأن  روسيا في تعاملها مع الشأن الليبي كانت تتخذ سياسة واقعية ، فهي تدرك أن ليبيا بلد منقسم على نفسه ، وان الاحتراب الداخلي لم يهدا ، وان كان بمستويات تأخذ شكلا متعرجا، من الارتفاع والانخفاض " شكل سيني " وان غياب السلطة المركزية ومؤسسات الدولة معضلة حقيقية في ليبيا ، لذا حاولت روسيا التعامل مع الأطراف كافة في ليبيا، فهي تقدم الدعم العسكري والسياسي إلى المنطقة الشرقية حيث يوجد معسكر الجيش الوطني الليبي الذي  يقوده  خليفة حفتر ، بينما تقوم بالتعامل مع المجلس الرئاسي في المنطقة الغربية ، حيث تناقش عقودا لاستكشاف النفط ، وتبحث عن فرص اقتصادية لها في العاصمة الليبية ، حيث مقر المجلس الرئاسي ، لكنها لم تفتح سفارتها في طرابلس ، وفي ذلك إشارة لهذه السياسة، أنها بلا شك ازدواجية في المعايير . (16) ضمن إستراتيجية الاقتراب الروسي  الحذر من ليبيا ، كثيرة هي الأدلة والشواهد على ذلك . وفي مايو عام  2016م طبع المصرف المركزي في الشرق الليبي الذي يرأسه السيد علي حبري ما يعادل 4 مليار دينار ليبي ( 2.8 مليار دولار ) عبر شركة روسية. (17).

كما زار خليفة حفتر روسيا مرتين في النصف الثاني من عام 2016م ، كما أن عقيلة صالح رئيس مجلس النواب هو الأخر قد زار روسيا في ديسمبر عام 2018م  ، هذا يؤكد رهان العسكر في شرق ليبيا ومجلس النواب واجهتهم  السياسية على  الاستقواء  بروسيا في مواجهة خصومهم من قوى الثورة في طرابلس ، وهو رهان خطير جدا إذا ما أخذنا في الاعتبار ماسي وكوارث التدخل الروسي في الأزمات الدولية والعربية كما حدث في سوريا . كما نشرت صور في مواقع التواصل الاجتماعي نقلتها بعض المواقع المتخصصة في القضايا العسكرية في فبراير عام 2017م عن وجود طائرة روسية نوع ميغ 23 وعليها العلم الروسي في قاعدة الابرق الجوية.(18) ونشرت رويترز في مارس عام 2017م خبرا عن عزم روسيا بناء قاعدة عسكرية في غرب مصر بمسافة 60 ميلا من الحدود الليبية، ووردت معلومات نقلتها وكالة رويترز عن وجود 22 عضوا من القوات الخاصة الروسية في مصر . (19) وعلينا بان ننظر إلى  ما يجري عند حدودنا الشرقية ، يوم الخميس 30 نوفمبر عام 2017م نشرت الحكومة الروسية  مسودة اتفاق بين روسيا ومصر يسمح للطائرات العسكرية للدولتين بتبادل استخدام المجال الجوي والقواعد الجوية. بمعنى أخر تسهيلات مصرية لروسيا باستخدام المطارات والموانئ وقت الحاجة. إن  موقف روسيا مؤخرا  في مجلس الأمن الداعم لحفتر ، وقيام روسيا بعرقلة صدور قرار بريطاني  في مجلس الأمن لإدانة  هجوم حفتر  على طرابلس  يؤكد بأنها قد تخلت عن إستراتيجية الاقتراب الحذر من ليبيا ، وأنها قد رمت بثقلها في مجلس الأمن وبالتعاون مع الصين ، هذه مؤشرات خطيرة تجعلنا أمام واقع جديد في المشهد الليبي ، واقع إذا ما أردنا أن نختار له عنوان بارز سنقول : " إرهاصات  لعبة الأمم الكبرى على الأرض الليبية "، يحدث ذلك في ظل تراجع أمريكي وامتناع الولايات المتحدة الأمريكية عن دعم القرار البريطاني ،  كما أن الإعلان عن زيارة مرتقبة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى بكين للقاء بوتين يطرح تساؤلات مهمة عن توقيت الزيارة ، وعن مكان اللقاء بين الرئيس المصري والروسي ، وعن علاقة هذه الزيارة  بتطورات الأحداث في ليبيا . هنا ليس خافيا معالم تشكل محور روسي صيني داعم لمحور مصر الإمارات السعودية ، وهو تحدي كبير ووجودي للثورة الليبية ، بل لوجود وبقاء الدولة الليبية ككيان سياسي على خرائط الجغرافيا السياسية في المنطقة.

 

محمد عمران كشادة (باحث ليبي)

 

 

 

 

 

 

 

 

هوامش.

  1. علاء عبد الحفيظ محمد ، تأثيرات الصعود الروسي والصيني في هيكل النظام الدولي في إطار نظرية تحول القوة ، مركز دراسات الوحدة العربية. ص1
  2. علاء عبد الحفيظ محمد ، تأثيرات الصعود الروسي والصيني في هيكل النظام الدولي في إطار نظرية تحول القوة ، مركز دراسات الوحدة العربية. ص1
  3. علاء عبد الحفيظ محمد ، تأثيرات الصعود الروسي والصيني في هيكل النظام الدولي في إطار نظرية تحول القوة ، مركز دراسات الوحدة العربية. ص1
  4. علاء عبد الحفيظ محمد ، تأثيرات الصعود الروسي والصيني في هيكل النظام الدولي في إطار نظرية تحول القوة ، مركز دراسات الوحدة العربية. ص1
  5. علاء عبد الحفيظ محمد ، تأثيرات الصعود الروسي والصيني في هيكل النظام الدولي في إطار نظرية تحول القوة ، مركز دراسات الوحدة العربية. ص1
  6. علاء عبد الحفيظ محمد ، تأثيرات الصعود الروسي والصيني في هيكل النظام الدولي في إطار نظرية تحول القوة ، مركز دراسات الوحدة العربية. ص1
  7. علاء عبد الحفيظ محمد ، تأثيرات الصعود الروسي والصيني في هيكل النظام الدولي في إطار نظرية تحول القوة ، مركز دراسات الوحدة العربية. ص1
  8. علاء عبد الحفيظ محمد ، تأثيرات الصعود الروسي والصيني في هيكل النظام الدولي في إطار نظرية تحول القوة ، مركز دراسات الوحدة العربية. ص 1.
  9. علاء عبد الحفيظ محمد ، تأثيرات الصعود الروسي والصيني في هيكل النظام الدولي في إطار نظرية تحول القوة ، مركز دراسات الوحدة العربية. ص1
  10. علاء عبد الحفيظ محمد ، تأثيرات الصعود الروسي والصيني في هيكل النظام الدولي في إطار نظرية تحول القوة ، مركز دراسات الوحدة العربية. ص2
  11. علاء عبد الحفيظ محمد ، تأثيرات الصعود الروسي والصيني في هيكل النظام الدولي في إطار نظرية تحول القوة ، مركز دراسات الوحدة العربية. ص2
  12. علاء عبد الحفيظ محمد ، تأثيرات الصعود الروسي والصيني في هيكل النظام الدولي في إطار نظرية تحول القوة ، مركز دراسات الوحدة العربية. ص2
  13. علاء عبد الحفيظ محمد ، تأثيرات الصعود الروسي والصيني في هيكل النظام الدولي في إطار نظرية تحول القوة ، مركز دراسات الوحدة العربية. ص2
  14. علاء عبد الحفيظ محمد ، تأثيرات الصعود الروسي والصيني في هيكل النظام الدولي في إطار نظرية تحول القوة ، مركز دراسات الوحدة العربية. ص2
  15. نزار ميلاد الفورتاس ، السياسة الروسية تجاه ليبيا بعد الربيع العربي ، مجلة رؤية تركية ، ص 131/ ص 132.
  16. نزار ميلاد الفورتاس ، السياسة الروسية تجاه ليبيا بعد الربيع العربي ، مجلة رؤية تركية ،  ص 132.
  17. نزار ميلاد الفورتاس ، السياسة الروسية تجاه ليبيا بعد الربيع العربي ، مجلة رؤية تركية ، ص 133.
  18. نزار ميلاد الفورتاس ، السياسة الروسية تجاه ليبيا بعد الربيع العربي ، مجلة رؤية تركية ، ص 133.
  19. نزار ميلاد الفورتاس ، السياسة الروسية تجاه ليبيا بعد الربيع العربي ، مجلة رؤية تركية ، ص 133.
  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك