القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

فوضى البرلمان بين هيبة الدولة وسؤال المسؤولية الوطنية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-12-10 17:00:00 | 817 مشاهدة

الملخص

       إن تعطيل مؤسسات الدولة والزج بها في أتون الخلافات السياسية أمر مشين ومستهجن خاصة في مجتمعات تمرست بالديموقراطية والحرية، والتونسيون بعد ثمان سنوات من الثورة وإرساء مؤسسات الحكم ينظرون إلى المشهد السياسي الحالي بكثير من الريبة وإلى النخب السياسية بكثير من الاحتراز خاصة وهم يشاهدون جزءا ممن أنصفتهم الثورة وانتخبهم الشعب واستأمنهم على مسار الإصلاح والتغيير يتمادون في خرق القانون وتجاوز الأعراف وصل إلى حد تعطيل أعرق وأكبر مؤسسات السلطة والحكم في البلاد ألا وهو البرلمان في حالةٍ من البلطجة المستنكرة ووسط تنكر فاضح لنضالات التونسيين التي تأسست على المطالبة ببرلمان تونسي تُحفظ من خلاله الحقوق وتُصان من خلاله المكاسب ويكون بوابة للرفاه والاستقرار والرقي وهو ما يجعل الحاجة أكيدة في أن يتحمل عقلاء الوطن مسؤولياتهم التاريخية في إنقاد البلاد بالسعي حثيثا إلى تنقية الفضاء السياسي من الشوائب والمعكرات والمسارعة إلى صياغة ما يلزم من القوانين والتشريعات التي تنظم العمل البرلماني وتحصنه من التردي والعبث فما لا يحققه الصندوق للبعض لا يمكن أن تحققه المخاتلات والمغالطات ولا مناص الآن من صياغة مدونة سلوك تضبط تصرفات النائب داخل وخارج مجلس نواب الشعب حفاظا على هيبة المؤسسة التشريعية وحماية للديموقراطية المستهدفة من طرف الغلاة المتربصين بقيم الثورة ومساراتها والحالمين بالعودة إلى عصور الانحطاط والتخلف والاستبداد.

 

مقدمة

   يشهد مجلس نواب الشعب هذه الأيام حالة من الفوضى العارمة التي لم يعد من الممكن القبول بها أو السكوت عنها لما تمثله من تهديد لكيان الدولة وتعطيل لمؤسساتها سيكون له التأثير المباشر والسلبي على مسارات الإصلاح والتنمية وروافد الاستقرار الاجتماعي والسياسي بالبلاد. ولئن كان التغاضي عن بعض هذه الممارسات والانفلاتات ممكنا في السنوات الأولى من الثورة فإن الاحتكام الى القانون والتراتيب خلال العهدة الثالثة لبرلمان ما بعد الثورة أصبح ضرورة لا محيد عنها فالبرلمان بطبعه يخضع لنواميس وأعراف لا يجب تجاوزها أو الخروج عنها وهو الحاضن لمن انتخبوا أمناء على الدستور والقانون وهو الورشة الأصلية والأساسية المؤهلة لصناعة الوعي والاستقرار وتشريع القوانين المنظمة لمسارات التعايش بين المواطنين.

   إن تحوّل البرلمان من مؤسسة يُفترض أن تكون إطارا للنقاش والتعايش الفكري والسياسي إلى ساحة للصراعات والتوتّرات ستؤثر بشكل واضح على صورة مجلس نواب الشعب وستضرب شعبية هذه المؤسسة في مقتل فنواب الشعب بإمكانهم التعبير عن آرائهم بطريقة محترمة دون القيام بأي تجاوز في حق زملائهم النواب أو الوزراء أو في حق الشعب الذي يتابع الجلسات العامة في البرلمان إذ أن ما لا يُدرك بالانتخاب لا يدرك بالثلب والسباب خاصة وأن التوتر الحاصل في البرلمان قد يخلق نوعا من التوتر في الشارع التونسي ويساعد على بث الفتنة والفوضى ويشرع للاعتداء على الناس في ظل الصورة المترهلة والمهترئة للدولة والتي يسعى أعداء الثورة الى تكريسها يوما بعد يوم.

    لقد أصبح البرلمان الحالي في حاجة أكيدة إلى استرجاع ثقة الشعب إلى صياغة مدونة سلوك تضبط تصرفات النواب داخل المجلس وخارجه تؤسس لاحترام بقية الأعضاء وتحترم وجهات نظرهم وتمنع أي فعل يمثل إهانة لهم أو اعتداء على حرمتهم أو سمعتهم وتصوغ القوانين والعقوبات التأديبية القادرة على الحد من هذه الظواهر والسلوكيات التي تشوه صورة العمل البرلماني وتطمس ما يقوم به البرلمان من جهود مضنية من أجل الإصلاح والسير بالبلاد في طريق الرفاه والازدهار وتقطع الطريق أمام محاولات وأد الثورة من داخلها واستغلال ما يتيحه مناخ الحرية لهؤلاء من غطاء يمكنهم من التسلل إلى فضاءات القرار والفعل السياسي.

1 / مظاهر العنف في الخطاب السياسي في تونس

     إن ما نشاهده ويتابعه معنا العالم عبر الوسائط المفتوحة ينذر بمشهد سياسي قابل للانهيار والتفجر في أي لحظة ولا يعطي إشارات طمأنة في مستقبل الخمس سنوات القادمة وينذر بعدم استكمال المسارات المهمة والأكيدة العاجل منها والآجل ومن أهمها بناء الهيئات الدستورية وتأمين الانتعاشة الاقتصادية وتجاوز الأزمات الاجتماعية المتلاحقة وحيازة ثقة الأطراف الداعمة لمسار الثورة والانتقال الديموقراطي في تونس مع تواصل حالة الاحتقان  في الشارع السياسي التونسي والتي انعكست في خطاب السياسيين الهجومي الحاد والذي ينحدر في الكثير من الأحيان إلى مستويات متدنية ومثيرة للجدل من تبادل الاتهامات والشتائم سواء تحت قبة  البرلمان أو في وسائل الإعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي .

    وقد يشهد أي برلمان في العالم حالة احتقان وتوتر تنتهي أحيانا بتقاذف الشتائم وحتى تبادل العنف في ضل ما يمارسه بعض السياسيين ونخصّ الشعبوييين منهم من أساليب مستفزة ولا أخلاقية في التواصل مع شركائهم في الوطن والمواطنة لكن ذلك لا يبرر التمادي في شتم الناس ونشر الشائعات والأخبار الزائفة والتستر برداء المعارضة والنقد. فتواصل هذه المظاهر من الخطاب يكون له التأثير السلبي على حالة المجتمع بصفة عامة، وتتحول بذلك فضاءات الحوار من مناقشة المشاغل الحقيقية للمواطن الى الغرق في مشاهد رديئة تثير سخرية واشمئزاز التونسيين ولكنها في نفس الوقت تزيد من مشاعر الإحباط لديهم وفقدان الثقة في النخب السياسية والأحزاب ومسارات الديموقراطية وذلك عند انقطاع الخيط الرفيع بين ما يميز حرية التعبير عن غيرها من وسائل الشتم والتشهير وترذيل السياسة والسياسيين.

    لا أحد ينكر أن هذا التوتر المنطلق من مؤسسات السلطة قد بدأ في التسرّب إلى الشارع التونسي فالحروب الكلامية التي جمعت نواب البرلمان والصراعات التي ميزت العلاقات داخل فضاءات السلطة التنفيذية في ظل تمدد مرحلة الترانزيت والانتقال من مرحلة إلى مرحلة بعد الانتخابات الأخيرة نجد لها صدى في الشارع العام وتنعكس في خطاب أنصار المتنازعين عبر وسائط التواصل الاجتماعي والفضاءات العامة وتحولهم إلى أذرع للمواجهات والصراعات والمعارك العنيفة التي لا رادع لها خاصة وأنها تعتمد جميع الأساليب المؤذية للطرف المقابل من خلال إثارة النعرات الجهوية واستجلاب المشاعر العنصرية التي ظننا ولزمن طويل أن الثورة قد بددتها وزلزلت أركانها مع تنامي المد التضامني وانتشار حالات الوعي بضرورة تجاوز الراهن بالعمل والفعل دون حساب او تجاذب.

      ومع تواصل المناوشات تحت قبة مجلس نواب الشعب بسبب اعتصام نواب كتلة الحزب الدستوري الحر مما أدى إلى تعطيل اجتماع مكتب المجلس وأعمال اللجنة المكلفة بمناقشة قانون المالية 2020 في مرحلة حرجة وضمن استحقاقات وطنية غير قابلة للتأجيل في شكل من أشكال البلطجة وتجاوز القانون والتي تذكرنا بحملات الشّحن والتحريض التّي رافقت مساءلة رئيس الحكومة يوسف الشاهد المنتهية مهامه في وقت سابق خلال سنة 2019 بعد خروجه من نداء تونس وتمسكه برئاسة الحكومة ومنعه بالقوة من القاء خطبه بالبرلمان وقرار غلق البرلمان من طرف رئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر إبان الأزمة السياسية سنة 2013 حين طالبت المعارضة بحل الحكومة والمجلس التأسيسي الذي لم يبق له سوى أسابيع وينتهي من وضع مشروع دستور البلاد وقانون الانتخابات الجديد يتزايد الانشغال بمصير البلاد في ظل هذا التمادي في كسر الأعراف والتقاليد السياسية والاحتكام الى منطق القوة والتحدي ذي التكلفة الكبيرة على البلاد والعباد والسعي إلى الزج بالبلاد في أزمات دستورية لا مبرر لها فقد عنونت صحيفة التايمز في حدث مماثل صفحتها الأولى بعبارة "جونسون يختار الكسر" في إشارة إلى  إقدام رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون توقيف البرلمان عن العمل لمدة خمسة أسابيع نتيجة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وقالت إنه يدفع ببريطانيا إلى حافة أزمة دستورية واعتبرت صحيفة الغارديان آنذاك أن ما يحدث انقلابا على الشرعية وجب التصدي له بقوة الشعب وقوة القانون.

2 / برلمانات العالم ومسارات الأخلقة

  خلصت بعض الدراسات المقارنة لعمل برلمانات العالم ومنها دراسة أعدها مكتب المؤسسات الديموقراطية وحقوق الإنسان التابع لمنظمة الأمن والتعاون في أروبا إلى اعتبار أن تنظيم المعايير الأخلاقية ومعايير السلوك البرلماني يعد عنصرا أساسيا في ضمان ثقة الجمهور بكفاءة وشفافية وعدالة الأنظمة الديمقراطية بالإضافة إلى تعزيز ثقافة الخدمة العامة التي تفضل المصلحة العامة على المكاسب الشخصية ويعد هذا الطرح إقرارا بوجود أزمة حقيقية في المفاهيم والمعايير المتعلقة بعمل النواب في الدول ذات الصيت الواسع في مجال الديموقراطية فما بالك بالدول التي ما زالت تتحسس طريقها في مجال التعدد والحرية والانفتاح وما يتهدده من مخاطر في غياب الضوابط وضعف التشريعات والقوانين القادرة على محاصرة الظواهر المهددة لأمن واستقرار الأوطان.

     لقد أصبحت مدونات قواعد السلوك شائعة في المجالس البرلمانية حول العالم خلال العقدين الماضيين ويعود السبب الأكبر في هذا التطور إلى تمادي أزمة الثقة في البرلمانيين وغيرهم من الشخصيات العامة ومع تنامي الشعور لدى عموم الملاحظين بتفشي مظاهر الفساد والتجاوز في الأوساط السياسية حيث كانت هذه المدونات ميزة خاصة تتمتع بها برلمانات الكومنولث والهيئات التشريعّية القائمة على النمط الأمريكي أما المجالس البرلمانية الأخرى وخاصة في أوروبا فقد استغرقت الحاجة فيها الى مثل هذه المدونات وقتا أطول ولم يعتمد البرلمان الأوربي مثلا مدونة في قواعد سلوك إلا سنة 2011 بعد رضوخه لضغوطات المجتمع المدني وهو ما يؤشر إلى عمق الانفصام الحاصل لدى الفاعلين السياسيين في علاقة بمجتمعاتهم من جهة وبمحيطهم السياسي العام من جهة أخرى.

    إن نظرة خاطفة في مسارات السعي الحثيث إلى أخلقة الحياة البرلمانية في العالم يحلينا على مساحات متنوعة من مقتضيات التعامل مع هذه الظاهرة فلجنة أخلاقيات النواب في البرلمان البولندي مثلا تعمل على سّد النقص في القواعد الأخلاقية للنواب وعلى تصحيحها ونشرها كما تدرس قضايا سلوك النواب الخاطئ وبيانات أمالكهم بالإضافة إلى التحقيق في المسائل المتعلقة فوائد النواب وبيانات أمالكهم ولأن سلطة رئيس البرلمان أساسية في تنفيذ القواعد وتفسيرها عند الإخلال بالنظام فقد يضطر الرئيس إلى تعليق مشاركة بعض النواب المتعمدين للخرق والتعطيل والإخلال بقواعد العمل النيابي ففي تظاهرة شارك فيها أعضاء من البرلمانيين الألمان سنة 2008  تعمدوا خلالها ارتداء أقنعة تحمل صورة رئيس مجلس وزراء إحدى الولايات الألمانية وله أنف طويل كأنف "بينوكيو" أجبر رئيس المجلس على دعوة هؤلاء الأعضاء إلى رفع الأقنعة أو مغادرة القاعة.

    أما في برلمان جمهورية لاتفيا فإن عضو البرلمان ملزم بالامتناع عن استعمال الكلمات والإيماءات والأعمال التي قد تشكل إهانة للغير وإلا يستخدم التصريحات العدائية أو غير اللائقة وألا يدعم أو يحرض على الأفعال الخارجة عن القانون وعضو البرلمان ملزم باحترام مبادئ حقوق الإنسان وعدم الإشارة إلى العرق أو النوع الاجتماعي أو لون البشرة أو الجنسية أو اللغة أو المعتقدات الدينية وبالاطلاع مقتطفات من مدونة قواعد السلوك  ببرلمان ايرلندا الشمالّية نتبين قيامها على تعزيز العلاقات الجيدة عبر تقديم مثال يعزز ثقافة احترام القانون والمجتمع والتصرف وفق القواعد التي تعزز احترام الشعب  وإبداء الاحترام للجميع وفي كل الأوقات وفي جميع المواقف وإبداء الاحترام للقوانين الداخلية والأعراف النيابية المتفق عليها في عمل اللجان أو في العلاقة مع الهياكل والإدارات والمصالح.

    إن المتصفح لما سيق يرى إننا في تونس سائرون على نهج مستعاد من الاختلالات وطرق تطويقها ولا مناص من محاربة الفوضى والانفلات الذي لا حدود له ولا ضوابط ففي جلسة حوار مع الحكومة حول الوضع العام في البلاد قام نائب في حركة استفزاز ساخرة برفع مجموعة من المصاصات المطاطية المخصصة للأطفال جلبها معه قائلا لرئيس الحكومة إنّه يتوجب إعطاء كل واحدة منها لكل من اتحاد الشغل واتحاد الصناعة والتجارة واتحاد الفلاحين تعبيرا ضمنيا عن محاولة إسكاتهم وقد دعا نائب آخر النقابات الأمنية إلى العصيان احتجاجا على إقالة وزير كما تعمد غيرهما سب الجلالة على المباشر وها نحن اليوم نعيش عصر البلطجة بامتياز بتعطيل أعمال البرلمان ولجانه إذا لم تتحرك الضمائر الحرة الحريصة على الثورة والمناهضة للفوضى لفرض القانون وحماية الدولة.

3 / المسؤولية الوطنية وتحصين الحياة السياسية

      يبقى سؤال المسؤولية الوطنية قائما معلقا كلما اشتد بالبلاد البلاء وأحاطت بها الخطوب إلى حين اجتماع الوطن على كلمة سواء تكرس علوية القانون وحرمة الدستور وتحدد ضوابط التعايش والانسجام حتى في ظل الخلافات الحادة والمزمنة والتي لم تستطع المبادرات والمسارات المختلفة محو آثارها وردم هوتها من أجل النأي بمؤسسات الدولة عن الحوارات المسمومة التي تلوث المشهد السياسي وتستغل المنصات التواصلية والإعلامية من أجل التحريض والعبث بأمن المواطنين ومصالحهم دون مراعاة لأي ضوابط أو أخلاقيات. وتبقى اليقظة الدائمة هي وحدها الكفيلة بوأد مظاهر الحقد والكراهية في مهدها والحيلولة دون تمددها وانتشارها في صفوف النخب أولا وفي صفوف العامة و تنقية المشهد السياسي من الشوائب وتنزيه قادة البلاد عن الانخراط في مسارات الفوضى والترصد والكيدية أو التصرفات الانتقامية التي لا طائل من ورائها.

    إن النظام السياسي التونسي الناشئ بعد الثورة والذي يرتكز على نظام برلماني معدل بغرفة واحدة حسب مقتضيات دستور جانفي 2014 ، يعتمد بشكل كبير على مؤسسة البرلمان  كسلطة أصلية ومرجعية تسن القوانين وتمنح الحكومة الثقة وتسائلها وتستطيع حتى الإطاحة بها هذا بالإضافة إلى مهام التحقيق والبحث في عدد من الملفات الحارقة وتحديد ملامح ميزانية الدولة والمصادقة عليها مما يجعل هذه المؤسسة نقطة ارتكاز محورية تدور حولها كل العملية السياسية وجب تحصينها والمحافظة عليها من مخاطر التخريب والهرسلة والتعطيل والزج بها في أتون التجاذبات الحزبية الضيقة التي لا مصلحة للشعب فيها  إلا ما سيتحقق من إهدار لإمكانيات البلاد وتفويت لفرص الانطلاق الجدي في مسار الإصلاح والتطوير واستعادة الثقة وأصبح الوقت ملائما  لاتخاذ خطوة جادة وواضحة وهي التحدي الذي يجب الاستجابة له في أسرع الآجال باستكمال الهيئات الدستورية المنصوص عليها في الدستور وخاصة المحكمة الدستورية التي تعتبر صمام أمان النظام الديمقراطي والسلطة المرجعية التي تمنع الجميع من الانحراف بالسلطة أو التعسف في تأويل الدستور.

    ففي كل مرة ومع تجدد المظاهر المخلة بالاستقرار داخل المؤسسات السياسية تعلو الأصوات المنادية بضرورة أخلقة العمل السياسي عموما وخاصة في ما يتعلق بحياة النواب في مجلس يجمع أطيافا مختلفة إيديولوجيا وفكريا وسياسيا وقد سبق لعديد النواب في البرلمان السابق المطالبة بمشروع مدونة سلوك تمت مناقشة بنودها في إطار مبادرة تشريعية تتضمن نقاطا عدة تتعلق بالحصانة والقوانين الانتخابية والبرلمانية وتتنادي بفرض جملة من الأخلاقيات بقوة القانون من بينها التزام النائب بتمثيل الشعب والدفاع عنه وعدم الارتباط بمصالح قطاعية أو متعلقة بمراكز نفوذ وتعزيز قيم الوحدة الوطنية والتسامح والتوافق والامتناع عن التحريض وإثارة الفتن وكل ما من شانه المس بأمن الدولة والمجتمع واستقرارهما، كما تفرض احترام النواب لبقية الأعضاء ووجهات نظرهم والامتناع عن أي فعل يمثل اعتداء عليهم وعلى حرمتهم أو سمعتهم كما دعت إلى فرض الآليات التي تلزم النائب بحضور جميع جلسات البرلمان واجتماعات اللجان في إطار يسعى إلى إرساء تعامل سياسي وبرلماني سليم بين النواب وداخل المجلس بصفة عامة.

   إن نجاح مثل هذه المبادرات يفرض على الجميع فتح مشاورات مع كل الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية لوضع ميثاق للأخلاق السياسية تتبناه كل المكونات من أجل تنقية الأجواء في الساحة السياسية وحماية مكاسب الديمقراطية من التجاوزات والحد من ظاهرة خطابات الكراهية التي وجدت بيئة خصبة لها في الساحة السياسية والإعلامية وتحصين البرلمان من الشوائب بوصفه مركز السلطة والتشريع والصورة المعلنة والمكشوفة الدالة عن واقع البلاد وحقيقة النخب المؤتمنة على الثورة ومسارها والضامنة لنجاح تجربة الديموقراطية والوعي بها كبديل عن تاريخ حالك من مسارات الفساد والاستبداد.

 

الخاتمة

    لقد تحول البرلمان في المدة الأخيرة إلى حلبة للصراع الحاد الفاقد لكل قواعد الانضباط والرشد فالمؤسسة التي يفترض أن تكون إطارا للنقاش الفكري والسياسي المتبصر  والمستنير تحولت إلى فضاء تستعمل فيه الكلمات النابية والمفردات السوقية  والمشاهد المخلة التي أثّرت بشكل واضح على صورة مجلس نواب الشعب وضربت شعبية هذه المؤسسة وأصبح ما يحدث تحت قبة البرلمان مصدرا للاشمئزاز في الشارع التونسي فالصراع بين النواب وتعمّد إهانة بعضهم البعض ونقل ما يحدث بينهم على المباشر يؤسّس لثقافة عدم احترام الغير ويساهم في ظاهرة العنف اللفظي والمعنوي في غياب آليات الإصلاح المرتبطة بحسن اختيار الأحزاب لنوابها في البرلمان والسعي إلى تكوينهم وتأهيلهم لخوض غمار التجربة البرلمانية والمتعلقة في جانب آخر بالقوانين المنظمة للعلاقات داخل هذا الفضاء الذي يؤهل النائب للتفرغ للإنجاز والفعل في إطار الأولويات الاقتصادية والاجتماعية  القادرة على تحسين المعيشة والنهوض بالمقدرة الشرائية المتدهورة ومحاربة البطالة، وتحقيق التنمية وتحسين البنية التحتية وإصلاح المنظومة التعليمية والصحية.

    لقد أصبحت مدونات قواعد السلوك شائعة في المجالس البرلمانية حول العالم خلال العقود الأخيرة ويعود السبب الأكبر في هذا التطور تزايد أزمة الثقة في البرلمانيين وغيرهم من الشخصيات العامة وتنامي الشعور لدى عموم الملاحظين بتفشي مظاهر الفساد والتجاوز في الأوساط السياسية ومن أجل تفادي هدة الصورة السيئة والمشينة يقتضي الحال من الجميع فتح مشاورات جدية بين كل الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية من أجل وضع ميثاق للأخلاق السياسية تتبناه كل المكونات المجتمعية يهدف إلى تنقية الأجواء في الساحة السياسية وحماية مكاسب الديمقراطية من التجاوزات والحد من ظاهرة خطابات الكراهية والعنف بالسعي إلى اجتماع الوطن على كلمة سواء تكرس علوية القانون وحرمة الدستور وتحدد ضوابط التعايش والانسجام حتى في ظل الخلافات الحادة والمزمنة والتي لم تستطع المبادرات والمسارات المختلفة محو آثارها وردم هوتها من أجل النأي بمؤسسات الدولة عن الحوارات المسمومة التي تلوث المشهد السياسي وتستغل المنصات التواصلية والإعلامية من أجل التحريض والعبث بأمن المواطنين ومصالحهم دون مراعاة لأي ضوابط أو أخلاقيات.

عبد الباسط الشايب ( إعلامي وباحث تونس)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك