القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

غزّة : مسيرات العودة و مأزق صَفقة القرن

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-05-30 13:34:00 | 155 مشاهدة

 

ملخّص

لم يتوقف الحديث في وسائل الاعلام المختلفة منذ فترة طويلة، عن خطة جديدة وشاملة تعدها الادارة الامريكية لانهاء "النزاع الفلسطيني الصهيوني", ورغم التكرار المتواصل لهذه الخطة  باسم "صفقة القرن" تنعدم الى الان اي صورة متكاملة ورسمية عن عناصرها الدقيقة، ولعل هذه الضبابية هي من باب الغموض الفعال الذي يتم الإعداد لتمريره لفلسطين وكل المنطقة. وعلى الرغم من التقدم الكبير في التنفيذ العملي لعدد من عناصر الخطة، فإن ما شهدته غزة من مسيرات للعودة وكسر الحصار ومن تضحيات اكدت تمسك الشعب الفلسطيني بحقوقه التاريخية والمشروعة، وستساهم بلا شك في دفع أصحاب الصفقة الى اعادة النظر في قابلية الشعب الفلسطيني للقهر والخضوع.

مقدمة

تعيش القضية الفلسطينية اليوم مرحلة مصيرية في علاقتها بالمحتل من جهة وبـ"المجتمع الدولي" من جهة ثانية. حيث مرت الادارة الامريكية ، من خلال نقل سفارتها الى القدس من مرحلة دور الوسيط غير المحايد عمليا الى دور الفاعل المنحاز كلية للاحتلال. وعلى الرغم من استفادة الادارة الامريكية والكيان المحتل انشغال الشعوب العربية في اكثر من دولة باوضاعها الداخلية نتيجة المواجهة بين القوى الراغبة في التغيير في اطار الربيع العربي وبين القوى المحافظة والمساندة للاستبداد، ورغم استفادة الصهاينة وانصارهم من تحول قسم كبير من قادة العرب الى جانبهم، رغم كل ذلك مكنت تحركات الشعب الفلسطيني بغزة من اعادة توزيع القوى والمواقف واعادت الاعتبار الى القوى الشعبية المقاومة والمتسلحة بارادتها وايمانها بحقها في الحياة على الارض التي لم يعرفوا هم ولا اجدادهم ارضا غيرها.ومن المؤكد انه مما شجع على الصهاينة والادارة الامريكية على التقدم الحثيث باتجاه تنفيذ صفقة تصفية القضية الفلسطينية، هو ضعف الموقف العربي او انحيازه الواضح للرؤية الصهيونية الامريكية. ويكفي للتدليل على ذلك ان الجامعة العربية التي اجتمعت لرد الفعل على القرار الامريكي بنقل السفارة الامريكية الى القدس، قد اكتفت بتعليق التعاون مع غواتيمالا لنقلها سفارتها الى القدس، ولم تقم باي إجراء عملي تجاه الادارة الامريكية غير رفض القرار.

محتوى الصفقة  وإجراءاتها العملية

على الرغم من التعمية والغموض المنهجيين اللذين يتم بهما تمرير المعطيات حول "صفقة القرن" فإن محتواها لم يكن في الحقيقة مجهولا لدى اكثر من جهة. حيث اطلعت عليه الجهات المعنية به أوالمرغوب منها قبوله وتمريره تدريجيا. كما دعا الوسطاء والمنفذون العرب، مختلف الاطراف الفلسطينية، المفاوض منها والمقاوم، للاطلاع على المشروع الكبير ولمساته الاخيرة  التي ستعطيه الشكل النهائي لبلورة تصورات "المجتمع الدولي" وأحلامه. وتتمثل الخطوط الاساسية في صفقة القرن في جعل غزة منطقة تابعة جغرافيا لسيناء "المصرية" واستحواذ الصهاينة على اقسام مهمة من الضفة الغربية، مع تمكين مصر من الحصول على ربط مع منطقة الخليج من خلال طريق سيارة ونفق وخطوط لنقل النفط اما الاردن فإنها تقبل التخلي، بطريقة او بأخرى عن دورها في مدينة القدس. ووفق تسريبات جديدة نشرتها عدة وسائل اعلام او رشحت من تسريبات كثيرة، فإنه من المنتظر الاعلان عن  محتواها بكل وضوح بعد شهر رمضان. ومن بين الوقائع التي يتم من خلالها تاكيد الصفقة بصورة عملية، فإنه من المنتظر نقل 10 % من اراضي الضفة بما فيها الخليل تحت السلطة الصهيونية وذلك حتى دون مبادلة للاراضي رغم ان فكرة المبادلة كانت ترفعها معظم الحكومات الصهيونية لتثبيت مستوطناتها بالضفة الغربية. كما تنص الخطة على جعل العاصمة المفترضة للفلسطينيين في أحياء بمنطقة القدس والتي لم تكن جزء من المدينة قبل 1967 وهي اصلا ليست متصلة بالقدس، بما يجعل السيطرة على القدس كعاصمة صهيونية ممكن حتى ولو تم قبول فكرة الدولتين او فرضها تطبيق القرارات الدولية. ويقوم  تنفيذ الصفقة اعتمادا على الاسس العامة التالية:

  • تغيير الوضع الديمغرافي لعدد من مناطق فلسطين وما حولها كإجراء ضروري لتغيير الوقائع على الارض. ويتم ذلك عبر التهجير القسري والنقل الجماعي باتفاق مع دول عربية مجاورة، تؤدي الأدوار القذرة من الخطة.
  • توفير الدّعم الاقليمي للصفقة عن طريق اختلاق صفات ومهام جديدة لمختلف الاطراف. وفي هذا الاطار يتم تصنيف الدول الوظيفية على اساس طائفي مصطنع يتمثل في مجموع "الدول السنية المعتدلة". وهو تصنيف يستبطن تعظيم الخطر الطائفي المقابل والمتمثل اساسا في دولة إيران واتباعها في عدد من العواصم العربية. غير ان هذه الكتل الملتئمة حول محور خليجي ليست في الحقيقة إلا فيالق عسكرية او خياما بدوية تتشبه بالدول ولن يتجاوز دورها غير تنفيذ الخطط الصهيونية لتدفع لاحقا ثمن انخراطها من خلال تحويلها الى محطات تجارية للشركات الكبرى وقوى الاستعمار اللين، إن لم يكن ان تدفع ذلك من وجودها نفسه مثلما تشير خبايا الصفقة الى تحويرات كبرى للحدود والكيانات التقليدية.
  •  إقامة نسيج اقتصادي يربط بين دول المنطقة دون اعتبار للفلسطينيين، بما يعني أن اصحاب القضية هم المعرقل الاساسي لتطور المنطقة وتكاملها لان الفكرة المحورية للصفقة هو ادماج كيان الاحتلال ضمن تركيبة جيو-استراتيجية جديدة تزيل الصراعات القديمة وتنتصر للتصور الصهيوني باعتبار دولة الاحتلال واقعا تاريخيا فرض نفسه.
  • جعل غزة خارج المسؤولية المباشرة للكيان الصهيوني وذلك عبر إلحاقها اقتصاديا بمحيطها العربي وخاصة مصر. وسيتم ذلك من خلال اقامة منطقة حرة تكون اول خطواتها فصل مدينة رفح المصرية عن مجالها الطبيعي ببقية مناطق شمال سيناء. ولقد قام على توضيب هذا المخطط الامريكي المبعوث الامريكي "جيسين غرنبليت" تحت شعار "تخفيف" المعاناة على اهل غزة. ومن المرجح ان "العمل على تخفيف المعاناة في غزة" قد شكل محور عمل  اللجنة التي ترأسها غرانبليت في البيت الابيض نفسه والتي شارك فيها ممثلون عن الكيان وعدد من الدول العربية. والحقيقة أن الهدف الاساسي لهذا المسار هو تمكين الكيان من غلق كل المعابر التجارية التي تربطه بغزة لتصبح مصر هي المنفذ الاقتصادي الوحيد لسكان القطاع.  ومن الواضح هنا ان هذا المقترح هو اقل بكثير مما قدمه سابقا وزير المخابرات والمواصلات الصهيوني والذي اقترح إنشاء مطار وميناء عائمين على شاطئ غزة لمنح القطاع منفذا على العالم. وفي كل الاحوال من المؤكد أن جعل غزة مرتبطة بمصر يضعها تحت رحمة حكم العسكر الذي لم ولن يتوانى عن اغلاق الحدود متى اراد ان يخوض الحرب على الفلسطيين وكالة عن الصهاينة. فيكون حصار غزة آنذاك عربيا عربيا وبعيدا عن اتهام الكيان بخنق الفلسطينيين، لاسيما وأن النظام المصري قد بين انه مرتبط بتحالف وثيق مع حكومة اليمين الصهيوني ويتحمل تبعات ذلك دون اي حرج. ومن عجائب السياسة المصرية في هذا السياق، تحملها لكل إذايات الصهاينة دون اي رد فعل. ففضلا عن إخلال الصهاينة بتعهداتهم اكثر من مرة تجاه النظام المصري وقد كانت ابرزها إفشال ما اطلق عليه "المبادرة المصرية" التي اعلن عنها  السيسي لحل الخلاف الفلسطيني منذ ماي 2016 والتي كان نتنياهو قد التزم بها في الاجتماع السري الذي جمعه به في نفس السنة(تقرير الصهيوني بن كاسبيت في النسخة العبرية من "المونيتور" عن ديبلوماسي غربي). والتفسير الوحيد لموقف المصري، ان ما قدمه نتنياهو لحكم العسكر من خلال توفير "شرعية" دولية، يجعل حكام مصر على استعداد ان يلعبوا دور الصمام للازمات الصهيونية وان يغفروا كل إساءات الحكومات الصهيونية. وفي هذا السياقدون غيره يمكننا فهم الاجراءات التخفيفية التي لم نعهدها في نظام القاهرة فيما يخص معبر رفح والتسهيلات الكبيرة في العبور التي امتدت لتشمل كامل شهر رمضان.
  • التغيير السياسي كارضية لبرامج الحل النهائي لقضية فلسطين: يتم التاسيس لهذه التغييرات الاقتصادية والهيكلية من خلال التخلص من ادارة حماس لقطاع غزة خلافا للمساعي الظاهرة في تحقيق المصالحة الفلسطينية. فعلى الرغم من الحرص المعلن من عدة جهات على تحقيق المصالحة الفلسطينية ولاسيما من قبل حكام مصر فإن ذلك لم يكن أكثر من ملف أملته ظروف محدودة دون أن يثق احد في امكانية تحقيق اختراق ملموس في ذلك الاتجاه. أما من الناحية العملية فتقضي خطة استبعاد حماس من تسيير القطاع، بتشكيل لجنة لتسيير حكم قطاع غزة تشرف عليها ما تبقى من حكومة الحمد الله، إن بقي منها شيء بعد تنفيذ كل هذه الترتيبات.

الشعب الفلسطيني  والإجابة على المؤامرة

تعتبر المقاومة الشعبية وسيلة منطقية وناجعة بيد الشعوب التي تعاني من الاستعمار لاسيما مع انسداد اي افق اخر يمكن اعتماده. ولعل ما ساهم في تاخير ردة الفعل الشعبية من قبل الفلسطينيين هو انهم  كانوا ينتظرون تحقيق بعض المكاسب من مسارات التفاوض، إما بين السلطة الفلسطينية وبين الصهاينة من جهة او بين السلطة وحماس من جهة ثانية. ولكن إقدام الادارة الامريكية على تنفيذ الخطوة الفارقة التي ظلت تنتظر التطبيق العملي منذ سنوات طويلة والمتمثلة في نقل السفارة الامريكية الى القدس، واعلان الصهاينة عن ضم كل القدس الى سلطتهم المباشرة، لم يبق للفسطيني الأعزل اي خيار غير المواجهة بجسده وتأكيده على انه صاحب الحق في الارض وتقرير المصير وعلى استعداد لمواجهة شعبية شاملة. وسيذكر التاريخ طويلا ان هذه المقاومة ضد دولة من اكبر القوى العسكرية في العالم قد اربكت الصهاينة ومن ورائهم الحالمون بالتلاعب بشعوب و تاريخها وما أجبر الجميع على إعادة النظر في الموضوع برمته.

لقد كان الهدف الاساسي من مسيرة العودة هو رفع الحصار المقروض على غزة منذ اكثر من 11سنة، غير ان الروح النضالية العالية التي تحلى بها الفلسطينيون جعلت الصهاينة انفسهم يحسون بالحاجة الى التواصل مع الفلسطينيين بسبب الموقف الاجرامي الذي وضعتهم فيه مسيرة العودة. ولقد لجأ الكيان المحتل لتحقيق ذلك الى عدة وسطاء بما فيهم النظام العسكري في مصر الذي قبل بدور الصندوق البريدي، غير ان التواصل المصري مع القادة في غزة لم يحمل اي جديد في موقف القيادة الفلسطينية المقاومة. وفي الوقت الذي راهنت فيه دول عربية وقوى اقليمية متعددة على اضعاف المقاومة من الداخل عن طريق تعكير الاوضاع المعيشية حتى ينفجر الغضب الشعبي على السلطة القائمة بغزة، فإن مسيرات العودة وجهت هذا الزخم الغاضب نحو العدو الاصلي والاساسي للشعب الفلسطيني وهو الاحتلال اولا واخيرا. و في مستوى آخر، لا يمكننا ان نهمل درجة الوعي الذي يسود سكان غزة اليوم ودوره في جعل مسيرات العودة ورطة صهيونية عربية، حيث ظلت بوصلتهم تشير دائما الى حيث العدو المشترك وهو الاحتلال الصهيوني. لقد بينت مسيرات العودة أن جسامة الخطر الذي تمثله الاوضاع  المتردية في القطاع ليس على السلطة المقاومة هناك،  بل إنها خطر محدق بكل الاجوار من حولها، ومما له دلالته ان الاحتلال وحكومة اليمين التي تمثله اليوم قد اصبحت حريصة اكثر من اي وقت مضى على ان لا تتجاوز الاوضاع السيئة مستوى معينا يهدد بالانفجار بعد ان ثبت لديها ان حجارة شباب غزة وطائراتهم الورقية افسدت على الصهاينة دعاواهم الكثيرة بانهم يواجهون ارهابا فلسطينيا، ليتضح للعالم ان الارهاب يقف على الجهة الاخرى من المتاريس. ومن بين النتائج المباشرة لمسيرات العودة وكسر الحصار، تسهيل فرض رفع الحصار او تخفيفه قدر الامكان بالحصول على منفذ بحري على العالم: (انطلاق ":سفن الحرية" من غزة حاملة مرضى وطلبة فلسطينيين وذلك بعد عرقلة العملية سابقا وقصف السفن مرتين ومنعها من مغادرة غزة) ومن المنتظر ان يتم تقديم مقترحات حقيقية لتخفيف اوضاع غزة وإن كان معظمها ما يزال محل دراسة في الكواليس. كما أن هذه المسيرات قد اعادت قضية اللاجئين الى الواجهة واكدت ان الفلسطينيين لن يقبلو ابدا بغير حق العودة وانهم على استعداد لفعل اي شيء من اجل ذلك. ولم يبق للفلسطينيين اليوم الا الاستفادة من موجة التعاطف الدولي ومن تجريم معظم دول العالم للسلوك الصهيوني. ولقد تجسم هذا التجريم بصفة خاصة من خلال قرار مجلس حقوق الانسان التابع للمنتظم الاممي بتاريخ 18 ماي 2018 والقاضي بإرسال فريق من المحققين الدوليين للتحقيق في جرائم الحرب المرتكبة ضد المتظاهرين العزل على الخط الفاصل بين القطاع وبين بقية الاراضي الفلسطينية، ولقد وافقت عدد من الدول الاوروبية، راضية او مرغمة، امام هول الجرائم على هذه اللجنة، كما أن معظمها قد تبنى خطاب المفوض السامي للامم المتحدة لحقوق الانسان زيد بن رعد الحسين الذي وجه انتقادات لاذعة وغير مسبوقة للعنف الصهيوني.

خاتمة

 وجد الكيان المحتل نفسه في مواجهة مفضوحة مع القانون الدولي،  ومتعارضا مع قسم مهم من الدول ذات التاثير الكبير على القرارات الاممية بما فيها تلك التي كانت تميل تقليديا الى تجنب توجيه اللوم للاحتلال الصهيوني. لقد نجع شعب غزة الاعزل الذي لم يطلق هذه المرة رصاصة واحدة ولا طعن مستوطنا او دهسه، تحولا مهما في طرق مواجهته للاحتلال واختراقا ثمينا "للمجتمع الدولي" يؤكد امكانية  اسقاط الصفقات ومخططات الهيمنة. كما أثبت انه يستطيع بقواه الذاتية وايمانه بقضيته، ان يتخلى عن دعم عربي لم يأته منذ سنين.

الدّكتور مراد اليعقوبي

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك