القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

عَودة مَهاتير محمّد  والاستثناء المالِيزي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-05-18 12:11:00 | 7195 مشاهدة

ملخّص

عاد مهاتير محمد  الى صدارة الحكم بعد استقالته الطوعية سنة 2003. واستطاع "تحالف أمل" الرباعي  ان يطيح بائتلاف حكومي صَلب  مكث في السلطة 61 عاما. ساءت سمعة الحكم، فتحالف "مهاتير محمد" مع خصوم الأمس لا من اجل عودة الى الحكم أو  إرجاع   شخوص الى السلطة، بقدر ما هي حاجة سياسية  فرضها التاريخ وضرورة الاصلاح ،  رام  من خلالها  الناخبون  يوم 10 ماي2018،  اسئصال شأفة فساد استشرى، وائتلاف حاكم قلَّ شاكروه وكثر شاكوُه حتى  وصل حجم النهب منه للمال العام  19 مليار دولار.

مقدّمة

في حدث وصفته الصّحافة الغربية ب"التسونامي الماليزي" كسب "تحالف الامل " الرّهان في مواجهة "ائتلاف الجبهة الوطنية" الحاكم الذي يضم 14 حزبا سياسيا ، وعاد الرجل القديم "مهاتير محمد " الى السياسة بعد غيبة طالت عن اروقتها إثر  استقالته سنة 2016  من "حزب أمنو "العريق، لينضمّ الى المعارضة لما اشتدت سِيّةُ القوس في مواجهة حكومة فاحت رائحة الفساد فيها. ومن بين  220، هي جملة مقاعد البرلمان، حصد ائتلافه 115 واكتفى غريمه ب76 مقعدا مُنهيا حكم حزب حكم لمدة 61 عاما، بعد ان تعلّقت برئيس الوزراء نجيب عبد  الرزاق تهم فساد مالي تصل مبلغ 5 مليار دولار، بل  تشير مصادر الى بلوغ  مجمل ثرورته 19مليار دولار كاملة، وهو ما اكّدته صحيفة "وول ستريت جورنل" الأمريكية بحصوله على مبلغ 876 مليون دولار في مارس 2013 ، لتنطلق اثر نشر الخبر أبحاث استقصائية ومالية في بنوك سويسرا وسنغافورة والولايات المتحدة الامريكية. ظل رئيس الوزراء نافيا للتهمة، ولكن الجو العام كان مهيئا للبحث عن بديل للفساد، فاقتنص رئيس وزراء ماليزيا الاسبق  اللحظة، وأطلق رصاصة الرحمة على ائتلاف حاكم فقد مبررات الوجود، وهو ما أكدته منظمات مجتمع مدني حول ضلوع التحالف الحكومي في التزوير واحياء الموتى في الانتخابات. وبفضل وعي ناخبين ضجّوا بالشَّكاة واستدقّت عندهم حاسة المقارنة بين عهود الاصلاح الفساد، واثر بروز سياسيين عادوا الى إثارة نقْع  الفتنة بين أبناء الوطن الواحد وتسببت خياراتهم في استعار المعيشة التي تذكيها قصص الفساد المالي المدوية بالمليارات منذ سنة 2015، كانت النتيجة الانتخابية بعد ان  تحالف مهاتير محمد في سن 92 عاما، مع من كانوا ضده طيلة فترة حكمه التي امتدت من سنة 1981 الى غاية 2003.

قيمة الكاريزما في منعطفات  التاريخ

في المراحل الانتقالية و الدول المتخلفة التي ترنو الى النمو والانعتاق من ربقة المفاسد ، تبدو "الكاريزما" ضرورة للعبور من ضفة الى اخرى. وكما صرّح "أحمد مرتضى"، رئيس تحرير مجلة التنمية بماليزيا  "الدول المستقرة لا تحتاج  قائدا كاريزميا لان النظام فيها يكون مستقرا و الاقتصاد فاعلا والمجتمع الرأسمالي حيويا والمجتمع المدني نشيطا. ولكن الدول النامية تحتاج  وزعيما له شخصية قيادية قوية  يقود بلده نحو التقدم و محو الفقر". يعد المهاتير محمد الاب الروحي لنهضة ماليزيا ذات نظام الحكم  الملَكي.  طرح سؤال النهضة في كتابه الشهير "المعضلة المالاوية" الذي حمّل فيه شعب المالاوي مسؤولية واقعه بسبب خموله وعقلية الاتكال فيه متسائلا: لماذا نحن فقراء؟. وهو سؤال النهضة الذي طرحه  شكيب ارسلان في كتابه " لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم؟ ". بيد ان استفهام  السُّوسيولوجيا يكتفي بسبر الظاهرة وتفكيك اسبابها، ولكن لابد ان يعقبه سؤال يتجاوز الفلسفي من الأسئلة متتناغما مع منظّر الماركسية "كارل ماركس ":  قام الفلاسفة حتى هذه اللحظة بتفسير العالم ، و ينبغي علينا الآن العمل على تغييره". لينطلق مشروع  التغيير وينتهي بالنهضة الصناعية الماليزية، و مُنهيا حقبة انسان مهترئ ويرفع اصرا جاثما معلنا صياغة  كائن جديد بابعاد، مغايرة. ماليزيا التي ظلت مستعمرة الى غاية سنة 1957، كانت كايّة دولة عملت فيها يد الاستعمار ، وخلّفت عقلية تجمع بين تسلط الجيش على الحياة السياسية وتحديد وجهة البلد و تعكير تفكير صفوة سياسية ظلت متعلقة باهداب الديكتاتورية لاستدامة مكانتها. استغنت ماليزيا بعد فقر، بعد ان  كانت بلدا زراعيا،اصطرعت فيه 18 ديانة، وتردّى شعبها في الغابات الى مهاوي الحرمان  والخصاصة  وشمل  الفقر  52 % من سكانه لتنزل الى 5  % وتنخفض  نسبة البطالة الى 3% في عقدين من الزمن فقط ، وانتقل  دخل الفرد من 1200 دولار الى 9 الاف دولار. وخلف مهاتير  للبلاد احتياطيا هاما من العملة الصعبة وبلدا تبلغ منتجاته   الصناعية 85% من صادراته. وصل الرجل سنة 1964 البرلمان، ثم صار سنة 1975 وزيرا للتربية، ليتقلد  منصب رئيس وزراء ماليزيا بين سنة 1981-2003 انهاها باستقالة رضائية، رسم خلالها  خطة عملية استراتيجية  لبلده مدتها عشرون عاما تم فيها فتح 50 الف مصنع جديد، وحول بلدا ريعيا متخلفا الى صناعي مهيب الجانب حسن الصّيت ومهيب السَّمت، محتلا المكانة التاسعة بين 30 دولة الاولى في العالم المُصدرة للتقنية العالية وفق دراسات علمية. فقد أدرك مضغة التقدم وتمَرة الغُراب على حدّ قول العرب، وراى ان السلطة السياسية لا تعني شيئا دون قوة اقتصادية وتكنولوجية فارقة. ففي علم الاقتصاد  لايوجد بلد متخلف بل يوجد بلد غير مُهيكل، تضيع طاقاته البشرية والطبيعية هدرا.  فضخَّ اغلب ميزانية الدولة للتعليم ومحو الامية والجهل وتعلّم الانقليزية وتاهيل الحرفيين والصناعيين والتقنيين وأرسل عشرات الآلاف للدراسة في افضل الجامعات الغربية. وحدد اولويات المرحلة الاقتصادية واحتياجات البلد، وشرع بالفلاحة فغرس مليون شتلة نخيل زيت لتصير ماليزيا اول بلد يصدر زيت النخيل في العالم. وحوّل البلد سياحيا الى مركز لمسابقات الخيول والالعاب المائية و السيارات، ليرتفع الدخل من عائدات السياحة من 900 مليون دولار سنة 1981 الى 33 مليار دولار سنة 2003، وتكون التجربة من التجارب التنموية المشرقة والقائدة عمل فيها الموقع الجغرافي عاملا حاسما في تجنب التدمير ،إذ لم  تكن  في قلب الصراع الجيوستراتيجي الدولي منطقة الشرق العربي الملتهبة. أحسن الاب الروحي للنهضة  تشخيص الواقع، وهي تقنية تستدقّ عندالاطباء لتحديد العلّة والدواء. راى ان بلده مرتهن للغرب وخاضع لبريطانيا بالاساس، وهو ما حجب صورة ماليزيا عن نفسها وقدراتها ، وحجب السلطان فيها عن الانسان. وارتأى ان تُولىّ البلاد قبلتها نحو الشرق موئل الأصل وتقترب من حضنها الطبيعي، المُكوّن من الثقافة الصينية والهندية واليابانية وتعود لنسج وشائج تاريخية اراد الاستعمار قطع شِجْنَتها. كل افكارا الرجل مستوحاة من فكر "مالك بن نبي" الجزائري، وتجربة  النهضة المصرية الموؤدة غربيا في عهد "محمد علي باشا" 1805-1884، وهو ما صرح به في محاضرة  بمكتبة الاسكندرية.

 الانظمة العقائدية في لحظات التاريخ هي التي تفصل بين التخلف والتقدم والانبتات عن الجذور والعودة الى الحضن الحضاري، بمعنى عَقدي  لايعني بالضرورة الايديولوجي، جوهر العقدي منه  فرض اللون و الشخصية و الهوية الشعبية والرمزية والوجود الحضاري ولاعتلاء  منصة التاريخ ،  ونحت احداثيات وجود بين خطوط الطول الدولية والعرض الاقليمية. .مقابل تجارب عربية منكوبة بالاستبداد والدكتاتوريات، فسنة تولي مهاتير السلطة في البلاد 1981، هي نفسها سنة تولي حسني مبارك السلطة في مصر. انتهى حكم الاول بنهضة ونجاح ،بينما انتهى الثاني بثورة شعب على اخفاق شامل  ، مما يبين أن التجارب الاصلاحية ايسر مسارا في بيئات شرقية اسيوية من العربية شرط توفر الارادة السياسية. واذا اردت ان تبني دولة جيدة لابد ان تتوفر لديك قيادة جيدة ايضا. فنجحت ماليزيا في تعويض الولاء للطائفة والقبيلة والعرق واللون بالولاء لمؤسسات الدولة الشرعية ببرلمانها المنتخب والحكومة المنبثقة عنه وجيشها الوطني. ومن هنا، صارت نقاط الضعف مواطن قوة بتغيير وظائف المكونات وتعديل نظرتها للاجتماع الانساني في البلاد واقامة الدولة على مفهومها الاصلي : أرض وشعب وقانون متعاقد عليه بين الجميع يسوّي بين الجميع كالموت بعبارة "جون جاك روسو".

مساحات  الدّين و مجالات السّياسة

لم يدخل الاسلام ماليزيا باسلحة الفاتحين بل باخلاق التجارة والتجار، ليستقر دينا شافعي المذهب وجزءا من ثقافة تحل التناقضات داخل المجتمع بدل تعميقها. في بلد 30 مليون ساكن والتعدد الإثني، يمثل الاسلام دين الدولة الرسمي. يشكل المسلمون اكثر من نصف السكان اي حوالي 60 بالمائة . و من اشرفوا على تجربة النهضة الماليزية، وكانوا  يفهمون الاسلام منهج حياة وليس مجرد دين يعلمّ الناس كيف يشعرون بل كيف يعيشون ايضا، لم يمنعهم ادراكهم من معرفة الحدود  بين المعتقد وطرق تسيير المجتمع. فقد تمت اقامة تمييز حقيقي بين أسس الدين واحكام الشريعة، وفصل بين الاعتقاد وسبل ادارة المجتمع دون نفي الاسلام مرجعا للقيم واخلاق الناس. بل ظل قاعدة فلسفية وقيَمية حكمت البلد وحددت الزاوية الاكثر انفراجا من رسمه الهندسي. لم يوجد الاسلام على نقيض الحداثة، ولم تكن  حداثة بنفي الاسلام واعتباره حاشية على متن الحكم والدولة والسلوك الاجتماعي. بل تشكّل نوع من الحداثة كان العالِم فيه سلطانا والسلطان عالمِا. ففي عالم  تغزوه التكنولوجيا لابد من الاعتناء ببناء الانسان بابعاده  الشاملة و ليس انشاء مسخ منه يقيم علاقة زبونية مع الدولة ، وكائنا  مبتورا ذا بعد واحد،ولذا لم ترتفع  كلمة التعليم بمعارفه وعلومه  المتنوعة على كلمة التربية، ونشات في ماليزيا فكرة التعليم الشامل. فكان للدين مكانة مرموقة مهما تنوع الاختصاص، بل يمكن للمادة الدينية في الشعب العلمية كالطب والهندسة والزراعة والمحاسبة والتجارة.. ان تحدد النجاح او الاخفاق في نهاية السنة الدراسية، لترفع وزارة التعليم العالي قواعد البيت من " الجامعة الاسلامية الماليزية" التي تعد من بين أفضل 500 مائة جامعة في العالم يؤمها  100 الف طالب اجنبي. وباسلام صلب و غير جهادي  ومنفتح في الوقت نفسه ، كما يصفه الباحثون، كانت حصة داعش والجماعات التكفيرية من الشباب الماليزي الأضعف عالميا. إذ منذ سنة 2013 لم يلتحق بداعش في سوريا والعراق سوى 100 جهادي قضى اغلبهم نحبه في سوريا. وقبل ظهور "تنظيم الدولة" بكثير، استبقت الحكومة  تنقية الخطاب الديني، وبلغت الحملة النضج والأَوج  وفي عهد رئيس الوزراء  نجيب عبد الرزاق ، و قامت بترشيد المنهج في صرامة ضد الفكر التكفيري، مما مكَّن الوزارة  من هيمنة عمودية على الخطاب في المساجد من اكبر جامع حَضري  الى آخر مسجد في قرية ماليزية نائية الموضع والمربَض. وهو ما تؤكده شهادة الباحث "ناصر الدين جعفر" من المغرب: " كل مناطق الإسلام الذي تحيى به ماليزيا دين معتدل، وقد كانت قياداته دائما في أوج التأهب لمواجهة أي فكر تكفيري على أراضيها، عندما كنا طلابا في ماليزيا، ومن داخل الحرم الجامعي للجامعة الإسلامية العالمية في كوالمبور، لا يتم تجديد بطاقة الإقامة للطلبة المتطرفين في عقيدتهم وفكرهم". ورغم احداث التنازع العرقي سنة 1969 التي اذبلت صورة التناغم الداخلي ظل بلدا فيه مُركَّز من الثقافة والاثنيات والاعراق التي تمثل تشكيلة البلد والتي استطاعت صهر التنوع الديني والثقافي على ارض واحدة. وهيمنت فيه  الاثنيات الثلاثة القوية: الصينيون بنسبة 25 % والهندوس بنسبة 9 % والمالايويين بنسبة 62 %.  صهرت منذ القديم المسيحي والبوذي والتايونتي على  عقد " التفاهم الودّي". و تعلمت فيه الاجيال  كابرا عن كابر ووارثا عن ناقل، مفاهيم الاعتراف بحدود الاخرين وكيفية التعامل مع نقاط التماس فيها. لتكون العلاقات الاثنية متنوعة  واداة  نبذ كل اشكال العنف في البلاد في دولة ربت الناس ان الاختلاف في الديانة ليست نقيضا للإسلام او  وتقويضا له في شيئ، بل هو من صميم الطبيعة البشرية. فتلتقي في شوراع كوالمبور الكوفية لمسلمين  بالقبّعة الصفراء  لبوذيين.

خاتمة

 خطر الشخصيات القيادية السياسية حين لا تقدم أنموذجا لتراكم  النضّج في  الحكم، تعنيها القيادة وليس القدوة.  فحينئذ تكون وزنا معطّلا في التاريخ ، ومربكا لمساراته ومعيقا للنمو الطبيعي للدولة، وهو ما استدعى رجوع مهاتير  في زمن ما بعد السياسة بحكم فجئية العودة، محلِّقا فوق كراهية عالم السياسة التقليدي.  لم يفكر في التشبث بالسلطة ، أو توريث ابنائه الحكم رغم كل المناشدات  لاثنائه عن رغبته حين استقال ، معلنا ان ماليزيا تحتاج قيادة جديدة. اخيرا قال الشعب الماليزي  كلمته في 10 ماي ، معتبرا  رجوعه  سببا في انتصار "تحالف الامل" ليصرح مهاتير امام الحشود في خطاب النصر : " اعرف الى اية درجة بلغت بكم الرغبة في طرد حكومة السّراق وسَوْقِها الى الباب". وانهزمت دول خليجية راهنت على ابقاء رئيس الوزراء  نجيب عبد الرزّاق  في منصبه لزجر اسلاميين من جنسيات عربية مقيمين في البلاد.  وغادر انور ابراهيم السجن، ومن المنتظر ان يتولى منصب رئيس الوزراء بعد تخلى مهاتير الذي صرح نه سيغادر الحكم بعد سنة او سنتين في اقصى تقدير.  ف"تحالف الامل" من الاحزاب الاربعة القادة كان منصّة لاطلاق دورة اصلاح جديدة وليست غايته اعادة اشخاص الى الحكم. و سن 92 حوْلا، لا تسمح لاي رئيس بالقيادة العمليّة للدولة. ستكون الحكومة القادمة شبابية متنوعة من الرجال والنساء، في مواجهة  تحديات اهمها استرجاع الاموال المنهوبة ومحاربة سرطان الفساد في مفاصل الدولة.

سليم حكيمي

 

  • شارك:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك