القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

ظاهرة المستقلين لإثراء الحياة الديمقراطية أم للالتفاف عليها

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-06-11 13:13:00 | 332 مشاهدة

               

المقدمة:

تعد ظاهرة المستقلين من الظواهر اللافتة في الحياة السياسية التونسية. لقد بلغ الأمر بالبعض إلى تصنيف المستقلين كطرف قائم بذاته في الحياة السياسية الوطنية... ثم ها أن الموضوع قد تطور إلى تكوين تشكيلات تنظيمية بالمستقلين من نوع ائتلاف وطني أو تجمع أو تكتل أو ما شابه ذلك من الأشكال. إن مجرد تنظيم أشخاص في كيان واحد يضفي على ذلك نوعا من التنظيم "الحزبي"، فالأحزاب نفسها تتكون من مجموعة أفراد كل واحد منهم مستقل ذاتيا ولكنه منظّم ومنضمّ جماعيا في بوتقة واحدة هي الحزب أو التنظيم أو الائتلاف أو التجمع أو التكتل أو التحالف أو أي اسم أو عنوان يتكون من أولئك الأفراد.

  1. الأحزاب أساس الحياة الديمقراطية:

يتفق جل الباحثين في العلوم السياسية والمتابعين للأوضاع السياسية في العالم بأن الأحزاب هي أساس الحياة الديمقراطية وأن التنافس الحزبي هو جوهر العملية الديمقراطية ومحرار التداول السلمي على السلطة. وإن الأحزاب هي المؤطر الجماعي للجماهير والمهذّب التّنظيمي للاندفاع الفردي. هل يعقل أن يكون التنافس السياسي وغيره من أشكال التنافس مؤسسا على النزعات الذاتية والرغبات الفردية والحسابات الشخصية؟ كيف سيتنافس الملايين من البشر وكيف ستنظم الانتخابات وعلى أي أساس سوف تسند المسؤوليات؟!

إن المنافسات الانتخابية التشريعية والرئاسية والبلدية في العالم بأسره مبنية على أسس التنافس الحزبي، وهذا لا يمنع مشاركة بعض الأفراد المستقلين خاصة إذا كانت لهؤلاء الأفراد موضوعيّا علامات مميّزة ونقاط إشعاع وطني ومجتمعي لافتة.. غير أن ذلك يبقى ظاهرة محدودة وفي أغلب الحالات دون عناصر قوة مؤثرة في الاختيار الشعبي. وحتى المستقلين المنتخبين وأصحاب العلامات المميزة يحظون بدعم حزبي لافت وبمساندة قوى اجتماعية مؤثرة، وفي غياب ذلك الدعم وتلك المساندة لا تكون لهم حظوظ تذكر في أي تنافس ديمقراطي.. إن جلّ إن لم نقل كل المتنافسين في العالم رئاسيا وبرلمانيا ينتمون إلى أحزاب أو يعتمدون على أحزاب، ولا داعي لذكر الأمثلة فهي لا تعّد ولا تحصى.

  1. خلفيات النزعة الاستقلالية في تونس:

عند قيام دولة الاستقلال كان الانتماء الحزبي "الشعبي" لافتا وشمل على العموم الكثير من المواطنين حتى أولئك البعيدين جدا عن السياسة، حيث كانت بطاقات "الشعبة" الخاصة بالحزب الدستوري "الحاكم" توزع على المواطنين حسب اجتهادات رؤساء وأعضاء هيئات الشعب وبالطبع حسب التوصيات والأوامر الموجّة إليهم "من فوق". لذلك كان أغلب "الشعب" أعضاء في "الشعب". ومن لم يكن دستوريا كان يعتبر كأنه غير وطني خاصة إذا كانت عليه شبهة المعارضة.

لذلك كان هناك تداخل رهيب بين الحزب والدولة وبين الدستوري والوطني خاصة بعد إقرار حكم الحزب الواحد سنة 1964. وشيئا فشيئا أصبح الانتماء إلى الحزب الدستوري هو علامة الوطنية، والمعارضة تتراوح في عرف السلطة بين التشويش والخيانة.. وأمام تصاعد الحركة الطلابية "المعارضة" والحركة النقابية "المستقلة" تفاقمت ظاهرة المستقلين والشخصيات الوطنية في مواجهة الانتماء إلى الحزب الدستوري أو إلى المعارضة السرية المغضوب عليها والمهددة دائما بشتى أنواع العقوبات ومن أبرزها السجن والطرد من العمل وما يستتبع ذلك من تعذيب وتشويه وعقوبات جماعية تطال الأصحاب والأقارب.. وتطورت المسألة لتصبح ظاهرة الاستقلالية أيضا عنوانا للوجاهة الشخصية وشهادة براءة من "المعارضة" الرسمية والسرّيةّ والتحامل على الانتماء التنظيمي والتحزّب ورسالة خفية "معلنة" نحو السلطة التي تقبل التعاون مع المستقلين حتى لو كانوا في جوهر توجهاتهم الفكرية أقرب إلى المعارضة لكن يكفيهم "فخرا" عدم الانخراط في أحزاب وهو ما يسهل عليهم إمكانيات تأطيرهم وتحزيبهم في تنظيم السلطة بفضل سياسة "الترغيب" و "التكليف" و "الترويض" .. وحتى في غياب كل ذلك يكون المستقل قد كفل لنفسه ولعائلته الأمن والأمان، و "اللي في القلب في القلب".. وازداد الأمر استفحالا وتنامت ظاهرة المستقلين والشخصيات الوطنية عبر الانضمام إلى الجمعيات والتنظيمات النقابية والحقوقية والأنشطة الثقافية والرياضية والنوادي الفكريّة وغيرها من الحلقات الجماعية الآمنة.. طبعا هذا لا يمنع وجود بعض "المستقلين" فعلا عن أي انتماء حزبي دون أن تكون لهم معاداة للحزبيين بل وتراهم مقتنعون بأن الانخراط الحزبي هو أساس الحياة الديمقراطية وأن المنتمين إلى الأحزاب هم "طليعة المجتمع"، لكنهم يصرّحون بأنهم لا يجدون في أنفسهم استعدادات للتحزّب ولا ميولات حزبية خاصة لكنهم يجدون لديهم طاقات كامنة لخدمة شعبهم ووطنهم في ميادين معينةوعندهم من المؤهلات ما يمكنهم من المساهمة فيها والعطاء من خلالها.

  1. حقائق ومغالطات في ظاهرة المستقلين:

في الانتخابات الأخيرة الخاصة بالحكم المحلي، تحصلت قائمات المترشحين المستقلين على نسبة عامة تقارب الثلاثين بالمائة من أصوات الناخبين في حين تحصلت القائمات الحزبية على حوالي السبعين بالمائة، وبالطبع فإن مجموع الأصوات التي تحصلت عليها القائمات المستقلة يوزع على مختلف تلك القائمات، ونفس الشيء بالنسبة إلى القائمات الحزبية، لكن "جهابذةّ الإحصاءات وجوقة المتحاملين على الأحزاب اعتبروا كل القائمات المستقلة كيانا واحدا ووضعوها في صدارة الفائزين ثم وضعوا الحزب الفائز الأول وهو حركة النهضة، في المرتبة الثانية !.

إنها أكبر مغالطة عن سابق إضمار وترصد! إن تجميع كل أصوات المستقلين (30%)يستدعي أيضا تجميع كل أصوات الأحزاب (70%) فتكون الأحزاب قد فازت ب 70% والمستقلين ب 30% . أما القول بأن المستقلين فازوا ب (30%) ثم النهضة ب (28%) ثم النداء ثم ثم .. فيه ضحك على الذقون والتفاف على أصوات الناخبين واستهتار بالأحزاب وتحامل عليها لتقزيم العمل الحزبي. إن القائمات المستقلة كالقائمات الحزبية متنافسة فيما بينها وكم من دائرة تقدمت فيها عديد القائمات المستقلة المتنافسة وعديد القائمات الحزبية المتنافسة وكل قائمة تعمل لحسابها .. ولئن كانت القائمات الحزبية مشاركة في كل الدوائر أو في جزء منها فإن القائمات المستقلة مشاركة كل واحدة منها في دائرة واحدة باستثناء قائمات محدودة جدا جدا مشاركة بنفس الاسم والشعار في بعض الدوائر، وهذه بالطبع من حقها تجميع أصواتها واعتمادها لتحديد النسبة التي تحصلت عليها .. ونفس الأمر بالنسبة إلى القائمات الحزبية حيث يحسب لكل حزب عدد الأصوات التي تحصّل عليها في الدوائر التي شارك فيها.

هذه حقيقة آن الأوان للإصداع بها، وهذه مغالطة آن الأوان للكف عنها.

كذلك من المهم طرح التساؤل عن حقيقة استقلالية الكثير من "المستقلين" خاصة فكريا والإقرار بوجود الكثيرين من المتحزبين الذين يتقدمون بشكل مستقل لأسباب متعددة ومتنوعة لعل من أبرزها عدم تمكنهم من الترشح في قائمات أحزابهم أو التستر بالاستقلالية لإخفاء انتماءاتهم الحزبيّة. إن جلّ المتابعين للحياة الحزبية التونسية والمواكبين لأغلب الناشطين المدنيين والنقابيين والثقافيين يعرفون عن كثب وعن معايشة التوجهات الفكرية والسياسية لعدد مهم منهم لا يفرقهم عن المتحزبين إلا البطاقة، وهذا طبعا من حقهم .. ولكن التظاهر بالاستقلالية "المشطة" لا يخفى عن البعض كل الدعم والمدد الحزبي الذي تلقاه قائماتهم المستقلة .. والأمثلة كثيرة خاصة في الانتخابات البلدية الأخيرة.

طبعا هناك الكثير من المستقلين فعليا، أي غير المنتمين إلى أحزاب، لكنهم بعيدون تماما عن التوظيفات المشبوهة وعن معاداة الأحزاب، بل إن الكثير منهم يترشحون ضمن قائمات  حزبية يلتقون مع توجهاتها الوطنية العامّة ويقبلون مشاركتها الاستعداد لخدمة الوطن مع احتفاظهم بحقهم في عدم الانخراط العضوي حزبيا. ومن المعلوم أن بعض المستقلين يحظون بدعم خفي ولكنه قوي من العديد من اللوبياتومراكز القوى وأن هناك جمعيات تدعمهم علنا وسرّا .. وبعضها يلقى دعما أجنبيا لا يمنعه القانون باعتباره موجها للجمعيات وليس للأحزاب !.

وأخيرا وصل الأمر إلى تأسيس جمعيات "آنية" في علاقة بالمناسبات الانتخابية وتكوين مجموعات ضغط وتأثير في الفضاء الإعلامي واحتكار الإشهار للتأثير على المواطنين خارج زمان الحملات الانتخابية وتوظيف الأموال والشعارات البراقة والحملات الإعلامية للتحامل على الأحزاب .. وصارت الشّعبوية ومنطق معاداة المنظومة السياسية حافزا لسحر القلوب العطشى والتأثير على العقول الحائرة واستعراض المشاكل والصّعوبات واقتراح حلول فوضوية وبدائل يعلم الجميع أنها مجرد كلام ومجرد شعارات ومجرد خطابات انتخابية لا توجد إمكانية حقيقية وواقعية واحدة لتنفيذها فعليا.

  1. أجندا مفضوحة .. والشعب سيد العارفين !:

إن الإعلان عن تشكيل ائتلافات أو تحالفات وطنية باسم المستقلين يخلع عن المستقلين الأفراد المنضوين فيها جبّة الاستقلالية ويجعلهم عبارة عن تنظيمات لا تختلف في شيء عن التشكيلات الحزبية، مع "حرصهم" المعلوم على الحفاظ على هذه "الوصفة" السحريّة المسمّاة "الاستقلالية"!

إن هذه الائتلافات والتحالفات و "الكيانات الموحَدة" للمستقلين تستهدف الاستفادة من موضة شيطنة الأحزاب والتحامل عليها .. وجلّها تستهدف في المقام الأول ما عجزت الأحزاب "الصغرى" و "الضعيفة" عن تحقيقه منفردة أو مجتمعة .. في سياق أجندة مكشوفة الدوافع والخلفيات ومعلوم من وراءها ومن أمامها ومن حولها يمنة ويسرة!إنها أجندة الضدّية ولا يعنيها شيء من توازن المجتمع ونموّ الاقتصاد واستقرار الحكم وقوّة الدّولة.

ونظرا لجاذبية هذه الأجندة المغطاة بجبة الاستقلالية لم تتورع بعض الأحزاب عن مغالطة الناخبين بتقديم قائمات باسم "المستقلة"، في حين أن أفرادها معلومو الانتماء وأن الأحزاب التي كونت هذه القائمات المستقلة معلومة العنوان.. وما على المهتمين سوى العودة للانتخابات البلدية الأخيرة وحتى الانتخابات الجزئية في بلدية سوق الجديد بولاية سيدي بوزيد لمعرفة الحقيقة بكل صفاء وبقليل من "الدهاء". وقد كان لعقبات التناصف الأفقي والعتبة دور مهم في اللجوء إلى القائمات المستقلة بديلا عن الحزبّية للاستعفاء من التناصف الأفقي "الصعب جدا" تحقيقه وعن العتبة إذا ما أمكن استجلاب أصوات إضافية عن المدد العائلي والجهوي يعسر تحقيقه لو تم التقدم بالصفة الحزبية وذلك من خلال معرفة حقيقية لمدى وزن وإشعاع ذلك الحزب .. وعاش من عرف قدره.

  1. ومن يضمن الوفاء بالعهود والالتزام بالعقود؟!:

لقد بينت بعض التجارب، وما أكثرها لدينا، أن العديد من المستقلين من وزراء ونواب وأعضاء مجالس بلدية، سرعان ما تنكشف انتماءاتهم بعد انتخابهم أو تعيينهم أو انتهاء مهمّة استقلاليتهم، فينخرطون في تنظيمات "أوليائهم" أو "مستوريهم" ويضحك الكثيرون ممّا توهموه استقلالية أو ربما صدقوه!

وأكثر من ذلك ما معنى ترشح بعض قادة الأحزاب بصفة مستقلين في الانتخابات الرئاسية؟ أليس السبب هو التماهي مع هذا التحامل على الأحزاب والتبرؤ من الانتماء الحزبي عندما "تقف الزنقة بالهارب؟!" أم هل هي محاولة للتماهي مع تجارب خارجية، تعتبر استثناء وشاذا مما يحفظ ولا يقاس عليه .. كتجربة "ماكرون" في فرنسا بالرغم من أنه تقدّم مستقلا ولكن سرعان ما كوّن حزبا ليكون له دعما وغطاء.. فهل أصبحت هناك خطة "ماكرونية" تونسية شبيهة، بالرغم من اختلاف الإطار والمكان والمحيط والتجارب والأوضاع؟

وقد وصل الأمر بالكثير من الذين يغادرون أحزابهم الأمّ أو ممن انشطرت أحزابهم إلى "شظايا" إلى تكوين قائمات مستقلة، فنجد من العائلة السياسية الواحدة مجموعة قائمات وراء كل واحدة منها شظية من تلك الشظايا.. فتزداد الحالة السياسية تشظيا ويزداد العداء للأحزاب تصاعدا .. وتكون قد جنت على نفسها براقش.

الخاتمة:

بالرغم من هذا "الوهج" الذي يحاول البعض إضفاؤه على ظاهرة المستقلين، يبقى الشعب "سيد العارفين" وملمّا بالخلفيات الحقيقية لهذه الظاهرة، وتبقى الأحزاب هي قوام الحياة الديمقراطية وأساس التنافس الانتخابي والتداول السّلمي على السلطة. وإن المستقلين الحقيقيين يستحقون كل الاحترام والتقدير وهم لا يعادون الأحزاب بل والكثير منهم يتعامل معها ويتعاون معها ويتفهم رسالتها ويعرف حقيقة دورها .. وأما من يوظفون الاستقلالية لمآرب شخصية ولحسابات ضدّية ولاعتبارات "حزبية خفية" فمآلها دون أدنى شك الانطفاء أمام أول موجة تهبّ عليها من موجات الحسابات الشعبية والحياة الديمقراطية والمصالح الوطنية والمتطلبات الواقعية والانتظارات المجتمعية.

تقدير موقف (مركز الدراسات الإستراتيجية والدبلوماسية)

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك