القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

صفقة القرن أو "أوسلو جديدة" من أجل ترحيل الصراع

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-03-30 17:16:00 | 407 مشاهدة

ملخّص

عندما يحاول "س" أن يقنعنا بأن حلَّ الدولة الواحدة التي تجمع الإسرائيليين والفلسطينيين معا فوق ما يطلق عليه اسم الجغرافيا التاريخية لفلسطين، هو الحل الأنسب للقضية الفلسطينية بعد فشل حلِّ الدولتين(1)، الذي كان هو بدوره حلاًّ عَمِلَ "ع" قبل "س" على إقناعنا به، عقب فشل ما عرفه الناس بـ "المقاومة والكفاح المسلح"، فإنه إنما يكون قد أسقط "الحامل" للوصول إلى "محمولٍ" لم ينتبه إلى واقعة أنَّ إسقاط ذلك الحامل يُسْقِطُه هو أيضا ولا يُبقي عليه سليما، كما أنه يكون قد بدأ بالحديث عن آليات تنظيم التعايش بين فئات بشرية مُفْتَرِضا حسمَها وإنهاءَها لصراعٍ ما تزال لم تحسمه بعد.

إن عدم التفريق بين فكرتين أو مفهومين هما: "تنظيم علاقة المتواجدين في الأرض الفلسطينية بعد حل الصراع" من جهة، و"حل الصراع في ذاته" من جهة أخرى، والانزلاق من ثمَّ وراء "المُمْكِنات التنظيمية" باعتبارها هي المساحة المتاحة لحسم الصراع وحل القضية، وباعتبار أن حلَّ الصراع إنما هو ذاته أن نُوَفَّق في اختيار المُمْكِن التنظيمي الأنسب بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتفعيله والترويج له من ثم محليا وإقليميا وعالميا.. إلخ، وباعتبار أن الفشل في إيجاد حلٍّ للقضية والصراع حتى الآن، إنما هو بسبب عدم الاتفاق على آلية من آليات التنظيم الممكنة والمحتملة تلك، وليس بسبب عدم القدرة على التعاطي مع الصراع ومع القضية بالأدوات الحقيقية القادرة وحدها على حسمه..

نقول: إن هذا الانزلاق وراء تلك المُمكنات التنظيمية باعتبارها هي موطن الخلاف ومناط الحل والحسم، هو أكبر عملية تضليل يمكن لأحد أن يمارسَها لجرِّ العقل الجمعي للمعنيين بالقضية وبالصراع باتجاه "الوهم"، بصرف النظر عما إذا كان هذا "الجر" يحدث بحسن نيةٍ وبإخلاصٍ ناتجين عن حرصٍ على الحل مع عدم قدرة على ممارسته وفق نظام معرفي قادر على توصيفه، أو بسوء نية وقصد عبر التحرك في قلب مخططات وأجنداتٍ تهدف إلى إدخالنا في أنفاق جديدة من التيه والضياع والترقُّب والانتظار.

هذا ما سوف نحلِّله ونشرحه في هذه الدراسة، كاشفين النقاب عن أنَّ أيَّ حديث عما يُعرَف بحلِّ الدولتين، أو بحلِّ الدولة الواحدة، أو بأيِّ حلٍّ آخر، في سياق مناقشة صفقة القرن لجهة أنها تتعارض مع واحد من تلك الحلول، هو تجسيد لأقصى درجات عدم الوعي بالسياقات الإستراتيجية التي جاءت عبرها هذه الصفقة، كما سبق وأن جاءت عبرها – أي عبر تلك السياقات الإستراتيجية ذاتها بصفتها ثوابت حاكمة للصراع – كلُّ العروض السابقة على صفقة القرن، والتي ما يزال آخرها قيد الاحتضار، ألا وهي "أوسلو".

 

مقدمة :

إن جرَّ النقاش والجدل حول القضية والصراع الناتج عنها إلى مساحة ذات طبيعة تنظيمية بين مجموعات بشرية متنافرة وغير متجانسة ويستفحل بينها صراعٌ دامٍ ومُعَقَّد ومتشابك، كما هو حال الصراع العربي الإسرائيلي، الذي يتمُّ اختزاله دوما في هذا المفهوم المُبتَسَر "القضية الفلسطينية"، هو أشبه بنقاش بين "معتزلي" و"داعشي" حول "عذاب القبر"، و"ظهور المسيح الدجال"، و"ملاحم آخر الزمان".. إلخ، بعد القفز على الأسس والأصول والقواعد التي تجعل كلَّ واحد منهما يتخذ من تلك التفصيلات هذا الموقف أو ذاك.

فكما أن "المعتزلي" و"الداعشي" لن يكون لنقاشهما حول تلك القضايا أيُّ معنى مادام كلُّ واحد منهما يقيم رؤيته على قواعد وأسس وأصول غير تلك التي يستخدمها الآخر ويقيم عليها مواقفه من كل التفاصيل العَقَدِيَّة، إذا لم يحسما خلافاتهما الأصولية الأساس تلك، فكذلك أصحاب الحلول التنظيمية المشار إليها بخصوص "القضية الفلسطينية"، بدءا بأصحاب "حل التحرير الشامل وفق قاعدة من البحر إلى النهر"،مرورا بأصحاب "حل الدولتين الذين ظهروا بعد هزيمة حزيران"، فآل بهم مطاف الترحال والتجوال إلى "صندوق أوسلو البائس"،وانتهاء بمن بدأوا يروِّجون لـ "حل الدولة الواحدة"، محاولين إقناعنا بأن إسرائيل لم تعد ذلك المشروع الاستعماري والكيان الصهيوني الاستيطاني العنصري المُجَسِّد لرأس الحربة الإمبريالية في الهجمة المعاصرة على أمتنا..

نقول: كما هو حال المعتزلي والداعشي، فإن أصحاب تلك الحلول لن يكون لنقاشهم أيُّ معنى ما لم يحسموا خلافاتهم حول القواعد المرجعية للصراع ذاته.

إن حل الدولة الواحدة، وقبله حل الدولتين، أو أي حلٍّ آخر ذي طبيعة تنظيمية للتعايش بين الفلسطينيين والإسرائيليين، هي مجرد آلياتِ تعاطٍ مع صراعٍ يُفترض أنه قد تمَّ حسمه وحل تناقضاته الكبرى المؤسِّسَة له من خارج حدود وفضاءات مثل هذه الطروحات التنظيمية، التي ليست في ذاتها حلولا لذلك الصراع في ذاته، بل هي مجرد نتائج لسيرورته ولتفاعلاته المواجهاتية ذاتها، ومن هنا فإن طرحَها باعتبارها حلولا، هو تسويق للوهم ونوع صارخ من التضليل، مادام يقوم على افتراض أنَّ آليات تنظيم التعايش اللاحق لحسم الصراع هي ذاتها أداة حسم الصراع.

 

1/ حسم الصراع يسبق الحديث عن آليات التعايش:

دعونا نفترض السيناريو التالي:

تَمَكَّن دعاة التحرير الكامل للأرض المحتلة، من خوض حربٍ كبرى حرَّروا بموجبها الأراضي العربية المحتلة بما فيها فلسطين، وهزموا الجيش الإسرائيلي، ورفعوا أعلام العرب على القدس وتل أبيب وحيفا ويافا وعكا.. إلخ.

ماذا بعد ذلك؟. هناك بكل تأكيد ما لن يقلَّ عن خمسة ملايين يهودي هم بقايا ما كان يُعرف بدولة إسرائيل، موجودون على قيد الحياة ويقيمون في الأرض المحرَّرة، ينقسمون إلى ثلاث فئات:

الأولى: وتمثل الأغلبية وهي عربية – يهود من أصل عربي – بكل ما لكلمة عربي من معنى.

والثانية: وتمثل من ولدوا وكبروا وشبوا في تلك الأراضي المحرَّرة من غير الأصول العربية.

والثالثة: ربما تكون هي أقل الفئات تعدادا، وتمثل اليهود غير العرب ممن هاجروا إلى فلسطين ولم يولدوا أو يشبوا أو يكبروا فيها.

هل سيتم طردهم جميعا أم سيطرد بعضهم فقط؟ أم سيتم قبول بقائهم جميعا أو بعضهم فقط؟ ولماذا هذا الخيار أو ذاك؟ وإلى أين سيطرد من سيطرد منهم إذا تمَّ اتخاذ قرار الطرد؟ وبناء على أيِّ مرتكزات قِيَمِيَّة؟ ومَنْ الذي سيُطْرد ومن الذي سيبقى.. إلخ؟

هذه مجموعة أسئلة تفرض نفسها حتما، وهي بحاجة إلى تصورات واضحة للإجابة عليها، لأن الواقع بعد التحرير سيكون كذلك قطعا وبالضرورة، ولسنا بصدد شطحات، ولا بصدد حديث صالونات، ولابد من ثمَّ من أساس فلسفي يحدِّد مبرراتِ أيِّ موقف من المواقف المترتبة على الإجابة على تلك الأسئلة.

نحن لم نطرح هذه الأسئلة للإجابة عليها، فالإجابة عليها هي الصراع ذاته بأكمله، وهي القضية ذاتها برُمَّتِها.. إلخ، ولكننا طرحناها لنوضِّح من خلال طرحها حجم التضليل الذي يوقعنا فيه من ينادون بحل الدولتين أو بحل الدولة الواحدة، عندما نكتشف بكل سهولة أنهم لم يخترعوا الذرة ولا الكيمياء ولا علم الجبر، عندما اختزلوا القضية كلها إلى آليات تنظيمية بين مجموعات سكانية متنافرة حاليا، مادامت هذه الآليات ذاتها ستفرض نفسها على دعاة التحرير الشامل من أنصار "فلسطين من النهر إلى البحر" بعد التحرير، ليجدوا أنفسهم أمام واقعة تفرض عليهم الاختيار من بين "حل الدولتين"، أو "حل الدولة الواحدة"، أو "حل الربع دولة"، أو "حل ثلاثة أرباع الدولة"، أو "حل المملكة العربية المتحدة"، أو "حل الدولة الاندماجية مع الأردن في مسمى جديد"، أو "حل الكونفدرالية"، أو أي حل آخر ممكن ومتاح قد تتفتَّق عنه المخيِّلَة السياسية في حينه، لتنظيم العلاقة بين هذه الفئات البشرية من جهة، وبينها وبين محيطها العربي من جهة أخرى، وأنهم من ثم سيجدون أنفسَهم مضطرين للاختيار من بين تلك الممكنات للتعاطي مع نتائج التحرير الذي أنجزوه، مُجبرين على أن يكون اختيارهم حضاريا وإنسانيا وقيميا يتناسب مع الثقافة والحقوق والتاريخ.. إلخ.

إن هذا الذي أوضحناه لا يمكنه أن يعني إلا أمرا واحدا ووحيدا هو أن حل الدولتين، أو حل الدولة الواحدة، أو غيرهما من الحلول التنظيمية ليس أيا منها هو ما يمكنه أن يحل الصراع أو يحسمه، لأنه ليس بمثابة أداة للحسم أو للحل، بل هو ليس أداة أصلا، وإنما هو توافق تنظيمي لاحق لحسم الصراع ولحل القضية باستخدام أدوات الحسم والحل الممكنة والمتاحة.

ومن هنا فإن كل من يروِّج لهذه الآليات التنظيمية باعتبارها حلولا للقضية، يضلِّلنا لأنه يقحمَنا في متاهة اعتبار أن أشكالها التنظيمية المتاحة والممكنة بعد حل الصراع، هي ذاتها أدوات حل الصراع، وهذا خطأ منهجي قائم على تفريغ هذا الصراع من أيِّ نظام معرفي متماسك يوجهه ويقوده إلى نهاياته.فالصراع يُحَلُّ بعيدا عن هذه الأوهام، وبأدواتِ حلِّ الصراعات، وعلينا من ثم مناقشة الأدوات في ضوء توصيفنا الفلسفي للصراع، وليس في ضوء الهروب من التوصيفات الفلسفية، ولا عبر القفز على التأصيل الحقيقي للصراع.

أما أن نقوم باختراع تلفيقات فسيفسائية نجمعها من يأسٍ هنا ومن هروبٍ هناك، ومن تعبٍ من هذا الأسلوب، ومن عدم رغبة في استخدام ذاك الأسلوب، ومن انصياع لعلاقات معرقلة في هذه البيئة، ومن خضوع لمعادلات مفروضة في بيئة أخرى، مُصَوِّرين للعالم أننا نخلق حلا ونطرح رؤية لحسم هذا الصراع، فهذا منتهى التضليل والانحراف بالعقل الجمعي عن مسار الحقيقة.

إن من يطرح حلَّ الدولة الواحدة، أو حلَّ الدولتين بالعمل الثقافي والممارسة الدبلوماسية والضخ الإعلامي.. إلخ، على أنقاض مشروع حسم الصراع بالمقاومة والمواجهة بكل أشكالها، والتي تُعتبر تلك المظاهر الثلاثة الثقافية والسياسية والإعلامية منها وعلى رأسها بكل تأكيد..

نقول: إن من يطرح ذلك، عليه أن يقنعنا بالأمور التالية أولا، مادام يتحرك داخل مساحة ممكنات وآليات هي نفسها المساحة التي سيتحرك داخلها حامل مشروع التحرير الكامل بعد إنجاز مشروعه:

1 – هل إسرائيل مشروع استعماري إمبريالي أم أنها ليست كذلك، أو على الأقل إن كان يعترف بأنها نشأت كمشروع استعماري وإمبريالي، هل ما تزال ذلك المشروع أم أنها لم تعد كذلك؟

2 – هل إسرائيل هي كيان صهيوني عنصري استيطاني يمثل رأس حربة الإمبريالية العالمية في هجمتها المعاصرة على الأمة العربية، أم أنها ليست كذلك، أو على الأقل هل هي كذلك ما تزال، أم أنها لم تعد كذلك؟

3 – هل إسرائيل هي القاعدة المتقدمة للرأسمالية العالمية ولمركز رأس المال الاحتكاري وللإمبريالية النيوليبرالية التي تستهدف البشرية كلها عبر منطقتنا العربية، أم أنها ليست كذلك، أو على الأقل هل هي كذلك أم أنها لم تعد كذلك بعد أن كانت كذلك من قبل؟

4 – هل أن مشكلتنا مع إسرائيل هي في يهودية مادتها البشرية، أم في صهيونيتها وتبعيتها الكاملة للمعسكر الإمبريالي العالمي على حساب مصالحنا وحقوقنا؟

5 – هل تُعتبر القضية الناتجة عن وجود إسرائيل على نحو كونها مشروعا استعماريا ورأس حربة إمبريالية وكيانا صهيونيا عنصريا استيطانيا، هي قضية تخص تلك المجموعة البشرية التي أطلق عليها "الشعب الفلسطيني" وحدها، أم أنها تخص كافة العرب أو على الأقل عرب المنطقة المتفاعلين بشكل مباشر مع هذه الحالة الإسرائيلية الصهيونية والمتأثرين بها؟ أم أن هذه القضية كانت تخص هؤلاء العرب لكنها عادت إلى مسارها الصحيح عندما تمكن الفلسطينيون من انتزاع حق تمثيل هويتهم وقضيتهم وأرضهم.. إلخ؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة هي التي ستحدِّد إن كنا فعلا في مرحلة لا تحتاج إلى أكثر من البحث عن آلية تنظيمية لترتيب شكل العلاقة الأنسب بين الإسرائيليين والفلسطينيين من مثل "حل الدولتين" أو "حل الدولة الواحدة" أو أي حل آخر ممكن، أم أننا ما نزال في مرحلة خوض الصراع وتوجيهه نحو ما يمكنه أن يفرزَ حالة تجعل تلك الآليات التنظيمية ممكنة ومحتملة ولا خيار إلا من داخلها بوصفها آليات تنظيمية.

فإلى دعاة حل الدولة الواحدة وقبلهم إلى دعاة حل الدولتين نقول:

لنكُفَّ عن تسويق الوهم، فقضية فلسطين، والصراع الناتج عنها، ما يزالان في مرحلة التحرُّر الوطني، وبالتالي فإن أيَّ حديث عن حلولٍ كتلك التي تطرحونها وتروِّجون لها هي مجرد آليات تنظيمية لعلاقات فئات بشرية حَسمت خلافاتها وصراعاتها وقَرَّرت أن تتعايش، وهي من ثم – أي تلك الحلول التنظيمية – لا مكان لها في قائمة ما يمكنه أن يكون حلا في هذه المرحلة، وهي كلُّها مُؤَجَّلَة بحكم طبيعتها وطبيعة الصراع إلى ما بعد حسم الصراع، ما لم تتمكنوا من أن تثبتوا لنا بالحجة والبرهان أن هذا الصراع قد حسم وأننا نعيش مرحلة جَنْيِ الثمرات.

2/  "صفقة القرن الأميركية" :

وقد بدأت بنقل واشنطن من "خندق الوسيط" إلى "خندق الطَّرَف"، فهل من "صفقة قرن عربية" تنقلنا من خندق "التسوية" إلى خندق "المقاومة"؟

إن هناك سقفا للتسويف والتنازل والمماطلة في مُجريات التسوية العربية الإسرائيلية الراهنة، لم يكن بإمكان الولايات المتحدة أن تتجاوزه إذا استمرت في موقع الوسيط، ولا كان بإمكان الطرف العربي المقابل الاستمرار فيه، إذا لم يتم تحريكه– أي ذلك السقف –على نحوٍ يؤسِّس لفضاء جديد للتسوية من حيث المبدأ، لذلك – وبعد أن انتهت كلُّ سقوف التنازل والتسويف والمماطلة الممكنة التي أتاحتها فضاءات التسوية الراهنة لطرفيها في حاضنة "أوسلو" – كان يجب أن تصبحَ واشنطن طرفا في الصراع، بدل أن تكونَ وسيطا، وأن يُفرَضَ على العرب فضاءٌ تَسْوَوِيٌّ جديد غير فضاء "أوسلو" الراهن.

فمن كان طرفا في التسوية يستطيع أن يتخِذّ مواقف مُعْلَنَة وصريحة مع هذا الطرف وضدَّ ذاك، وهو ما لا يستطيع أن يقومَ به الوسيط بلا حدود وبشكل دائم، كما أن تخليق مشروع تسوية جديد، من شأنه أن يتيحَ الفرصة لفتح مزاد المناقشات والصراخ والجعجعة والتأويل والتنازل.. إلخ، وهو ما يجب أن يُلْقى في طريق الطرف الآخر صاحب القضية. لذلك قامت الدنيا ولم تقعد على إعلان ترامب أن القدس عاصمة لإسرائيل، لتعود وتقعد ولا تقوم، بعد أن استكمل ترامب توضيح رؤيته في التسوية فيما عُرف بمشروع "صفقة القرن"، وما كانت الدنيا لا لتقوم بذاك القدر دون أن تقعد، ولا أن تعود لتقعد بهذا القدر دون أن تقوم، لو أنها صدرت عن واشنطن بصفتها طرفا لا وسيطا، الأمر الذي تمَّ بسببه التركيز على ضرورة سحب صفة الوسيط من الولايات المتحدة، ولقد تمَّ تكرار هذه المسألة أكثر من غيرها من قِبَل العرب والفلسطينيين، منذ أن ظهرت ملامح صفقة القرن أواخر العام 2016ـ وبدايات العام 2017، تمهيدا إما بوعي وإما بغير وعي لمَوْضَعَة مشروعِ التسوية الجديد في سوق المزادات الإقليمية.

ولذلك فكل من يظن أن رفض العرب والفلسطينيين لأن تكون واشنطن وسيطا في التسوية وفي التعاطي مع الصراع هو إنجاز للعرب والفلسطينيين بعد إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، هو مجرد واهم ومُضَلَّل. فالولايات المتحدة هي من قرَّرت أن تتحول من وسيط إلى طرف، فتحركت بما يساعدها على ذلك، تاركة لنا المجال مفتوحا لنختار إما الغرق في تفاصيل "مشروعها الجديد"، عبر تركيزنا وإصرارنا وحرصنا على البحث عن "وسيط جديد" لمشروع التسوية، وانشغالنا به إلى حدِّ الاستماتة، وإما الخروج من "مشروع التسوية" برمَّتِه، والانتقال إلى "مشروع المقاومة"، والاستغناء من ثم عن مبدأ الوساطة من قِبَلِ أيٍّ كان.

إن كلَّ ما حصل من لحظة إعلان ترامب القدس عاصمةً لإسرائيل بما في ذلك ما كان يَرْشَحُ من وقت لآخر من إشارات لملامح تسوية "صفقة القرن"، على مدى الفترة الممتدة من لحظة إعلان القدس عاصمة لإسرائيل – وهي الإشارات التي ليس منها فقط، ألاَّ حلَّ ولا تسوية إلا باعتبار "حائط البراق" مُلْكا لإسرائيل في أيِّ تسوية قادمة(2)– وإلى أن ذاب الثلج وبان المرج بعرض الرئيس ترامب كامل بضاعته مطلع العام 2020، محدِّدا تفاصيلَ مشروعه للتسوية..

 وإن كل ما حصل على مدى تلك الفترة، كان يصب في اتجاه دفع الطرف العربي والفلسطيني إلى تغيير خطابه السياسي إزاء التسوية، ليصبحَ خطابا يصرُّ على تحييد أميركا وإخراجها من دور الوساطة، فتتحرَّر الأخيرة من التبعات المرهقة لهذا الدور، وتنتقل بحكم طبائع الأمور إلى دور الطرف المباشر، بسبب استحالة ألا تكون وسيطا ولا طرفا، وإلا لعنى ذلك أنها ترفع الغطاء السياسي الإستراتيجي الكامل عن إسرائيل، في الوقت الذي تقدم لها كلَّ الدعم في ترسيخ عدوانها الصارخ على الحقوق الثابتة دوليا للفلسطينيين في الأرض المحتلة، وهو ما ينطوي على تناقض لا يستقيم،والولايات المتحدة إذ تفعل ذلك، فإنها تكون قد ضربت عصفورين بحجر واحد، الأول هو أنها حققت رغبتها في أن تصبح طرفا لا أن تبقى وسيطا،والثاني وهو اقتناع الطرف المقابل بأنه هو من قرَّر إخراجها وإبعادها عن دائرة "الوساطة".

ولقد تَحَقَّقَ للولايات المتحدة بذلك ما أرادته من الانتقال من "موقع الوسيط" المقيَّد نسبيا بالحدود الراهنة لمشروع تسوية استنزفت كلَّ إمكانات التسويف والمماطلة والتنازل، إلى "موقع الطرف" المتحرِّر كليا من ذلك، والقادر من ثمَّ على طرح مشاريع جديدة ورؤى مختلفة لا تلزمه بأيِّ ضَرْبٍ من ضروب الحياد المطلوبة من الوسطاء عادة.

إن كشف أميركا عن رغبتها في أن تصبحَ طرفا لا وسيطا بما فعله ترامب عندما أعلن القدس عاصمة لإسرائيل، يؤكد لنا بما لا يترك مجالا لأيِّ شك، أن مشروع التسوية الجديد المعروف بـ "صفقة القرن" هو من الخطورة والحساسية والانقلابية في السقوف بمكانٍ جعلَ من الضروري أن يُسْنَدَ بكامل القوة الأميركية العسكرية والسياسية والإعلامية والاقتصادية، وهو ما لن يتمَّ – أي هذا الإسناد – إلا بأميركا "الطرف"، وليس بأميركا "الوسيط".

ومع أن ما فعله ترامب وما حقَّقَته سياسته، قَوَّى الطرف الإسرائيلي بشكل علني وصارخ، وبفضاء واسع – ما دامت واشنطن قد أصبحت طرفا تصُبُّ كلَّ ثقلها الحالي والافتراضي لصالحها، ولم تعد وسيطا عليها أن تبدي بعض التلجيم لمواقفها المساندة لإسرائيل من وقتٍ لآخر – فإن كلَّ شيء يغدو بلا قيمة لإسرائيل إذا تغير المشروع العربي، من "مشروع تسوية" إلى "مشروع مقاومة"، وخلاف ذلك فإن الخسارة العربية والفلسطينية ستتفاقم، والمكاسب ستتقلَّص لصالح إسرائيل والمشروع الأميركي الجديد، القائم على انتقال واشنطن إلى طرف، والدفع باتجاه جعل "الاتحاد الروسي" أو "الاتحاد الأوربي" أو غيرهما – إن وجد – هو من يتولى مهمة الوسيط القادم في مشروع التسوية، أو ربما باتجاه الدفع باتجاه جعل "الأمم المتحدة" هي التي تتولى المهمة. أي أننا أمام فرصة تاريخية منحها ترامب للطرفين الإسرائيلي والعربي بتكافؤ منقطع النظير، تتمثل في أنه قَوَّى الطرف الأول إلى حدٍّ كبير في أيِّ مشروع تسوية قادمة، وحرَّرَ الطرف الثاني من كلِّ قيود التسوية ومدريد وأوسلو ووادي عربة.. إلخ(3)، إلى حدٍّ كبير أيضا إن هو شاء – رغم يقينه بأنه لن يشاء وهو بالفعل لم يشأ – ودون أي شعور بالحرج، باعتبار أن هذا التحرير للطرفين هو ما أُطْلِقَ عليه وصف "صفقة القرن".

إسرائيل ستعرف كيف تستفيد من القوة التي منحها إياها ترامب، وهي قد عودتنا على ذلك دائما، بينما الطرف العربي الرسمي لم يتمكن ولن يتمكن من الاستفادة من هذه الفرصة في ضوء تركيبته البُنْيَوية الراهنة، عبر إعادة بناء القضية في قلب "مشروع مقاومة جديد" بعد أن سقطت كلُّ مشاريع المقاومة السابقة، إما بسبب انكشاف ضعفها الإستراتيجي "حماس"، وإما بسبب انكشاف عُربها الأخلاقي "حزب الله"، لذلك فنحن لم نلحظ من الطرف العربي – نقصد الطرف العربي الرسمي – سوى الجعجعة والصراخ والعويل تجاوبا مع غضب الشارع الفلسطيني المؤقت، ثم لم يلبث كل ذلك أن تراجع في الخندق العربي الرسمي بالترافق المتدرج مع التراجع في زخم غضب الشارع الفلسطيني، ليغرقَ الجميع في تفاصيل الوضع الجديد عبر البحث عن وسيطٍ جديد يُرَجَّح أن يكون واحدا من الثلاثة المذكورين أعلاه، فوجدنا أنفسنا وقد بدأنا نتعاطى مع سقف تَسْوَوي جديد مفروضٍ علينا في مشروع "صفقة القرن" دون أن نمتلك القوة بل ولا حتى الرغبة والإرادة في تغييره بالمشروع الوحيد القادر على ذلك، ألا وهو "مشروع المقاومة العربية المستقلة القائمة على مقوماتٍ إستراتيجية".

لقد أَنْبَأَنا ميلانُ الكفة العربية والفلسطينية باتجاه البحث عن وسيط بديل للولايات المتحدة في عملية السلام، وفي مشروع التسوية، واقتصار التركيز بعد تراخي الغضبة التي رافقت قرار ترامب – فضلا عن التحرك الإعلامي والقانوني.. إلخ، المساند للحقوق الفلسطينية – عن حقيقة أن الولايات المتحدة نجحت نجاحا باهرا وإلى أبعد الحدود، في جعلنا نتقهقر إلى الوراء، بأن بدأت الجهات العربية والفلسطينية المعنية بالتسوية، بتمهيد نفسها وبتهيئة الرأي العام العربي لتَقَبُّل هذه المعركة التسوَوِيَّة الجديدة، من داخل حدود المشروع الأميركي الجديد "صفقة القرن"، وهو ما بدا ويبدو أن الأمور تسير نحوه بهدوء وتؤدة.

قبل أن يعلن الرئيس "ترامب" عن تفاصيل صفقته، وبعّيْد إعلانه القدس عاصمة لإسرائيل، كانت قد رَشَحَت تسريبات تداولتها عديد الأطراف بخصوص مُكونات مشروع "صفقة القرن" التي كان يكتنفها الغموض، وقد دارت تلك التسريبات الراشِحَة حول: "اقتطاع مساحة من شرق سيناء وتوطين ملايين اللاجئين الفلسطينيين فيها، وتعويض مصر بمساحة مساوية لها من جنوب غرب النقب، وحفر نفق ضخم تحت الماء يصل مصر جنوب طابا بالأردن جنوب العقبة وتزويده بخط سكة حديدية لتنشيط الحركة التجارية وحركة التنقل بين الخليج ومصر بإدارة مصرية، وتخفيض المساحة الكلية الممنوحة للفلسطينيين في الضفة الغربية بنسبة 12%، بعد اقتطاع مساحة المستوطنات الحالية أصلا.. إلخ"(4).

ومع أن هناك فروقا تبدو جوهرية بين تلك التسريبات وتفاصيل الصفقة التي أعلنها ترامب، فإن ذلك لا يغير من الأمر شيئا، فنحن في المحصلة بإزاء مشروع تسوية بسقوف جديدة متدَنِّيَة، وهي وإن لم تكن سقوفا متدنية في ضوء ما تمَّ تسريبه، فإنها في ضوء شيء آخر هو أيضا سقفٌ عرض متدنٍ.وإنها ستكون كافية لفتح باب السجال التفاوضي بين العرب والإسرائيليين لربع قرن قادم من الزمان، أو أقل من ذلك أو أكثر.

وهذا السجال العَصِيِّ على الحل بموجب الثقافة العربية والفلسطينية الحالية السائدة والمتعلقة بالصراع ككل من جهة أولى،وبسقوف العروض الإسرائيلية وبسقوف المطالب العربية من جهة ثانية، هو المطلوب صهيونيا وإمبرياليا، استجابةً لمنطق السقوف والعروض في الصراع العربي الإسرائيلي كما فَرَضَ هذا المنطق نفسَه منذ نشأ هذا الصراع، كاشفا عن أنه نشأ ليبقى مستمرا ومُعلَّقا بدون أيِّ حلول، عبر الإبقاء على مسافةٍ كبيرةٍ، وعلى هُوَّةٍ واسعةٍ بين المعروض صهيونيا وإمبريالبيا، والمطلوب عربيا، في كل مرحلة من مراحل الصراع، على قاعدة العجز العربي، أو على الأقل على قاعدة انعدام الإرادة العربية لخوض الصراع باتجاه تفكيك المشروع الصهيوني برمته، عبر تفكيك رأس حربته إسرائيل.

وبما أن الصراع العربي الإسرائيلي نشأ إذن كي لا يُحسَم بأيِّ مشروع سياسي من أيِّ نوع – حتى لو كان ظالما – ما لم يأتِ هذا المشروع نتيجة لحرب تحرير حقيقية، فإن "صفقة القرن" الترامبية، ما هي إلا مشروعُ تسويةٍ جديد يلعب على أوتار المعزوفة التاريخية التي طالما لعبَ بها دهاقنة المشروع الصهيوني ومن خلفهم دهاقنة المشروع الإمبريالي، والمتمثلة في رقصة "العروض الإسرائيلية" الأقل من سقوف "المطالب العربية"، كي يتمَّ قضمُ ربعِ قرن آخر من عمر أمتنا في تجاذبات التناقض بين عرضٍ ومطلبٍ جديدين، نشأ الأول في ضوء الوقائع الجديدة، بعد أن تُرك قديمُه ليصبحَ هو ذاته المطلب الجديد، إلى أن تُسْتَنْزَف كلُّ إمكانات هذا المشروع، فيخرج علينا مشروعٌ جديد آنذاك بسقف عروض جديدة أقل من سقف مطالبنا الجديدة التي سنكون قد قبلناها ووافقنا عليها في مُقْبِلَ السنين والعقود – والتي هي العرض الإمبريالي الصهيوني الراهن المرفوض من قِبَلِنا حتما وبالضرورة – ولكن في وقتٍ تكون الحقائق والوقائع الجديدة المفروضة على الأرض قد جعلت موافقتنا تلك بلا قيمة، لأنها سوف تكون قد جاءت بعد أن تخلى أصحاب العرض – الصهاينة والإمبرياليون – عن عرضهم متقدمين بعرض جديد لن نقبله آنذاك بكلِّ تأكيد، متمسكين بما سنعتبره مطلبنا الجديد الذي كان عرضا إمبرياليا صهيونيا سابقا، رفضناه وحاربناه وعاديناه ردحا من الزمن، قبل أن نستسلمَ له راضخين بعد أن يكون أوانُه قد فات لدى صانعيه أصلا.

لقد تمسكوا بقرار التقسيم الذي مثَّلَ "سقف عروضهم" آنذاك، ورفضناه متمسكين بفلسطين التاريخية "سقفا لمطالبنا". واستمر السجال داخل هذه المساحة من سقوف المطالب والعروض حوالي 21 عاما امتدت من 1947 وحتى مطلع 1968 عقب معركة "الكرامة".

وعندما أصبح سقف مطالب العرب هو "قرار التقسيم"، كانت الإمبريالية والصهيونية قد خلقتا وقائع على الأرض تتيح لهما طرح سقف عروض جديد هو "الأرض المحتلة عام 67"، دون اعتبار للفلسطينيين في أيِّ حل مرتقب لإعادتها، فرفضه الفلسطينيون لأنهم كانوا غير مهيئين لقبوله لا ثقافيا ولا سياسيا بعد أن أصبحت "الهوية الفلسطينية" هاجسا هَوَسِيا أصاب المقاومين في الساحة الأردنية.

وكان مؤدى السقف الجديد للعروض المطروحة، أن يكون الحل بين إسرائيل من جهة وحالة توافقية تجمع الفلسطينيين والأردنيين في كيان واحد تحت قيادة أردنية من جهة أخرى، بدءا بمشروع المملكة العربية المتحدة عام 1972، وانتهاء بمشروع الكونفدرالية عام 1984، فرفض الفلسطينيون ذلك، لأن ثقافتهم ما بعد "أحداث أيلول" عام 1970 لم تكن مهيأة على الإطلاق لأيِّ تحالف مع النظام الأردني في أيِّ سياق للحل، وهو السجال الذي امتد على مسافة زمنية قاربت العشرين عاما، من 1968 وحتى عام 1988 تاريخ صدور قرار "فك الارتباط".

عندئذ وبسبب الانتفاضة الأولى عام 1987، وبعد فشل كل محاولات تجسيد الخيار الأردني للحل في الضفة الغربية، مهدوا لعرضٍ مؤداه جرجرة منظمة التحرير إلى الداخل المحتل، مراهنين على ما سينطوي عليه هذا العرض الكارثي من إغراء لقادة منظمة التحرير، جسَّده وهم "العودة" إلى "الأرض"، والنضال من "فوقها"، بعيدا عن ضغوطات العرب وعلى رأسهم النظام الأردني، مُمَهِّدين لذلك بدفع الملك حسين إلى اتخاذ قرار فك الارتباط، تمهيدا لخلق حالة فراغ قانوني وإداري في الضفة الغربية، تبرِّر البدء بتخليق أجنة مشروع فلسطيني إسرائيلي جسَّدته اتفاقية "أوسلو".

وعندما قبل الفلسطينيون ذلك وبلعوا الطعم وألقوا بأنفسهم إلى حتفهم بين أنياب ومخالب المحتل، راحوا يعرضون عليهم سقوفا جديدة متتابعة جسَّدتها اتفاقيات "واي ريفر"، و"كامب ديفيد.. إلخ، من باطن "أوسلو"، لم تكن أكثر من تجسيد لـ "سياسة القضم الجغرافي والسياسي على مدى عمر أوسلو" لأوسلو ذاتها، عبر المستوطنات والجدار العازل.. إلخ. وها هو سجال أوسلو يصل إلى منتهاه بعد أن امتد على مساحة زمنية تجاوزت 27 عاما، من عام 1993 وحتى الآن.

وعندما رأوا أن الفلسطينيين ومن ورائهم العرب قد أصبحوا قريبين جدا من قبول عرضهم للحل بالواقع الذي يريدونه بحسب ما أفرزته آخر شهقات أوسلو، تحلَّلوا من الأمر وبدأوا يعرضون عليهم شيئا جديدا هو "صفقة القرن"، التي مَهَّدَت لها مبادرة ترامب التي أخرجت القدس وجزءاً من الأقصى من اللعبة.

وسوف يرفض الفلسطينيون أو قسم كبير منهم، والعرب أو قسم كبير منهم، هذا العرض، بسبب عدم استجابته لمُخرجات الثقافة العربية الراهنة لأنساق الحلول المتصورة، وسوف يقبل الجميع بالسقف السابق لعروض الإسرائيليين والأميركيين، والذي اعتبره هؤلاء منتهيا ومَلْغِياًّ وعديم الصلاحية. وسيستمر السجال داخل فضاءات "صفقة القرن" مدة زمنية عودتنا السجالات السابقة على أنها لا تقل عن عشرين عاما وقد تزيد.

وهكذا دواليك، إلى أن يتمكن العرب من انتزاع حقوقهم بالقوة وبمشروع جديد ينشأ في قلب جماهير الأمة ونُخَبِها الجديدة.

هذه هي مُكونات وعناصر وطبيعة سيكولوجيا التلاعب بالمفاهيم وإعادة تشكيل اللاوعي الجمعي للعرب في لعبة الصراع العربي الإسرائيلي.وما صفقة القرن الترامبية الجديدة إلا تطبيق أمين لتلك السيكولوجيا التي ما فتئوا يطبقونها علينا باعتبارنا فئران تجارب على مدى السبعين عاما الماضية، وما فتئنا ننساق وراءها ونخضع لها كما فئران التجارب تلك.

من باب المماحكة التي تجسِّد الطبيعة الهزلية لما يحدث في قلب هذه الملهاة السيكولوجية، لا نستبعد أنه وفي ضوء عَرْض ترامب الحالي الذي هو"جزء من الضفة الغربية ناقص السيادة، بدون القدس الشرقية"، وإذا استمر الوضع الفلسطيني والعربي الرافض لهذا العرض والمتذمر منه على ما هو عليه، فإن الوضعَ سيتغير باتجاه عرضٍ آخر مختلف قد يكون هو"القدس الشرقية معدومة السيادة، بدون الجزء من الضفة الغربية ناقص السيادة".

أما العرب والفلسطينيون فقد يقبلون بذلك لو أنه حصل،لأن القدس "المقدس الديني" أهم في اللاوعي العربي من"فلسطين" كـ "مقدس سياسي". أما وقد هدأت الغضبة والفزعة التي شهدناها على مدى الأسابيع الأولى من الصفقة الترامبية،فإن القدس تكون قد شُطِبَت من اللعبة، كما شُطِبَت قبلها فلسطين التي احتلت عام 1948.

فقد أصبحنا نسمع منذ أن هدأت غضبة "صفقة القرن" عبارة: "القدس والضفة الغربية"،  

سيُسَجِّل التاريخ أن "القضية الفلسطينية" التي نعتبرها الاختزال القاتل لـ " الصراع العربي الإسرائيلي" إلى "صراع فلسطيني إسرائيلي"، قد مرت بالمراحل التالية:

أولا: من بدء الانتداب البريطاني وحتى حرب 1948، الذي تم الاصطلاح عليه بعام النكبة، وهي الفترة التمهيدية لاحتضان المشروع الصهيوني على ضفتي النهر، بشكلي الاحتضان المطلوبين وهما بناء الكيان، واحتواء تداعيات بناء الكيان.

ثانيا: من حرب 1948، وحتى انطلاق الثورة الأردنية عام 1965، وهي المرحلة التي فشل فيها مشروع التغيير في الأردن بمعزل عن مشروع تحرير الأرض المحتلة، عندما تصور الأردنيون أن هذا ممكن، ولم ينتبهوا إلى امتناعه واستحالته، إلا بعد انقلاب نظام الملك حسين على حكومة سليمان النابلسي عام 1957،مؤكدا بهذا الانقلاب سهولة القضاء على مشروع التغيير عندما لا يكون هو الذراع الآخر لمشروع تحرير قائم ومتجسِّد على الأرض فعليا.

ثالثا: من انطلاق ثورة الأردنيين عام 1965 باعتبارها تجسيدا لحالةٍ ثورية كان يفترض أن تجمع بين التغيير والتحرير في مشروع ثوري واحد اضطلع به الشعب الأردني بكل فئاته وأطيافه ومنابته.. إلخ، وحتى قيام نظام "الملك حسين" بالتواطؤ مع كلٍّ من نظام "عبد الناصر" في مصر، و"نظام الملك فيصل" في السعودية، والأميركيين والإسرائيليين، وقيادات الثورة نفسها، من على قاعدة أن الجاهل متواطئ بجهله، هذا إذا افترضنا فيه الجهل وليس العمل والاشتراك الفعلي في التواطؤ، لسرقة هذه الثورة والسَّطو عليها من الشعب الأردني، وإهدائها إلى منظمة التحرير الفلسطينية عام 1969 (5).

 

3/ من تاريخ سرقة الثورة الأردنية والسطو عليها عام 1969،وحتى عام 1971:

عندما تم حسم ازدواجية السلطة حسما نهائيا بمعارك جرش وعجلون، بتحويل الثورة الأردنية التي كانت منصبة ضد احتلال استيطاني ونظام رجعي وظيفي يدافع عنه ويحرسه، إلى ثورة فلسطينية تنشط من على أرض أردنية، خالقة حالةَ ازدواجيةِ سلطةٍ مرفوضةٍ بكل المعايير، حتى من قبل المتعاطفين مع الثورة نفسها، وهو ما كان يهدف إليه ذلك الحلف الذي تحدثنا عنه ووصفنا فعله بأنه سطوٌ على الثورة الأردنية وإهدائها إلى منظمة التحرير الفلسطينية. ولقد نجحت المؤامرة التي نفذها الأردن بالتنسيق مع مصر والسعودية في نهاية المطاف، رغم الاختلافات والتناقضات العميقة التي كانت قائمة بين عمان والرياض من جهة والقاهرة منجهة أخرى في سياقات أخرى بعيدة عن الصراع العربي الإسرائيلي الذي جمع في مفارقة عجيبة في جبهة واحدة، هي "جبهة الحل السلمي"، خصماء الدهر ممثلين في كلّ  من مصر والأردن وسوريا والسعودية.

إذا كان من المؤكد أن "قرار فك الارتباط" بين الأردن والضفة الغربية هو الذي أحدث الفراغ القانوني الذي مهَّد لكل الاتفاقيات التي تلته كما يبدو في الظاهر، فإن ما لا شك فيه أن بدء التسوية العربية الإسرائيلية بمرجعية مدريد التي أعقبت انتهاء حرب الخليج الثانية "حرب الكويت" هو الذي مهَّد سياسيا لقيام منظمة التحرير الفلسطينية باستغلال الفراغ القانوني الذي أحدثه قرار فك الارتباط، لتُقْدِمَ على عقد "اتفاقية أوسلو" مع إسرائيل، لتصبح هذه الاتفاقية هي المبرِّر الشرعي الذي جعل الأردن يقدم على توقيع اتفاقية "وادي عربة" مع إسرائيل.

إذ رغم أن الملك حسين قد أصبح في حِلٍّ من أيٍّ التزام تجاه الضفة الغربية بعد اتخاذه قرار فك الارتباط القانوني والإداري في 31/7/1988، إلا أنه ما كان يقدر على أن يكون البادئ بأيِّ اتفاق مع الإسرائيليين قبل أن يفعل الفلسطينيون ذلك، أو بتعبير أدق "ما كان يجرؤ" على ذلك، لأن القدرة تنطوي عليها واقعة أن كل شيء في التسوية قد حدث بالمقلوب، انطلاقا من بدعة ما أطلق عليه "حدود عام 1967"، في حين أنه لا وجود إطلاقا لا قانونيا ولا سياسيا لمثل هذه الحدود، وكل ما في الأمر أن هناك "خط هدنة عسكري" بين الأردن وإسرائيل، لم يتحول إلى حد سياسي حتى يومنا هذا، وبالتالي فلا يجوز أصلا لا سياسيا ولا قانونيا الحديث عن دولة على خط هدنة لم يتحول بعد إلى حد سياسي، وهذا السياق المقلوب للأحداث هو ما حص بالفعل، فأوسلو تُوَقَّع عام 1993، لتليها مباشرة وعلى وجه السرعة وبدون إبطاء اتفاقية "وادي عربة" في عام 1994.  إنه التتابع المُضَلِّل المرسوم بمنتهى الدقة في ظل واقعة القفز على مقتضيات "خط الهدنة العسكري":

أولا: يجب إحداث الفراغ القانوني في الضفة الغربية، في تجاهلٍ كاملٍ لواقعة أن خطَّ الهدنة كان وما يزالُ خطَّ هدنة ولم يتحول بعد إلى حدٍّ سياسي، لأن تحوُّلَه إلى حدٍّ سياسي كان يقتضي تفاوض الأردن مع إسرائيل حول واقعة احتلالها للضفة الغربية – الأردنية قانونيا وسياسيا – وهو ما لم يكن الملك حسين مستعدا لخوضه، لأنه كان سيظهره عاجزا عن استرجاع أرضه المحتلة، لذلك كان لابد من حلٍّ هروبي – وإن خالف كل منطق وعرف عسكري وسياسي عرفه تاريخ البشر – فكان فك الارتباط عام 1988.

ثانيا: يجب أن يعقد الفلسطينيون اتفاقا مع إسرائيل فكانت "أوسلو" عام 1993، بتمهيد من "مدريد" كمرجعية عام 1991.

ثالثا: ليلي ذلك كله اتفاق الأردن مع إسرائيل، فتَوَّجَت ذلك كلَّه "وادي عربة" عام 1994، لتبدأ مسيرة الانحدار الكبرى في الشأنين الأردني والفلسطيني على كل الصعد منذ ذلك التاريخ.

أما لجهة الدلالة الموضوعية لكل ما يجري حاليا من مسارات سياسية تسووية بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، فهو أنها مسارات تفاوضية باطلة من جميع الأوجه القانونية والسياسية، رغم كل "شعوذة الهوية الفلسطينية" التي ترافقها وتقوم عليها وتحاول التأسيس لشرعيتها بكل الخرافات والأساطير التي يسوقها الواهمون والمُضَلَّلون، ولن نقول المتواطئون، لأنها في واقع الأمر عبارة عن مسارات تفاوضية تتعلق بالسيادة على أرضٍ تقع ضمن "خطِّ هدنة عسكري" لم يُحْسَم أمره حتى الآن، بين الأردن وإسرائيل بصفتهما الدولتين اللتين تحاربتا عام 1948 وتوقفت جيوشهما عنده، وأنه لا يجوز من ثمَّ لطرف ثالث هو "الطرف الفلسطيني الذي تمثله منظمة التحرير" أن يكون له شأنٌ في المسألة قبل أن تُحْسَم مسألة الهدنة العسكرية بين الأردنيين والإسرائيليين ابتداءً.

وسنوضِّح تاليا واحدة من أكبر الخدع في العالم، أَوْقَعَنا فيها وضَلَّلَنا بها كلٌّ من "الملك حسين" و"ياسر عرفات"!!

فبالمعنى القانوني والسياسي لا وجود لشيء اسمه "حدود عام 1967"، حتى يتم التفاوض حولها أصلا.

أي أن المناداة بإقامة "دولة فلسطينية على حدود عام 1967"، هي كلام لا معنى له من الناحيتين القانونية والسياسية، وهي مجرد تلاعب وتزييف وتضليل، نظرا لعدم وجود مثل هذه الحدود أصلا ومن حيث المبدأ.وإنما هناك "خط هدنة عسكري" تم تثبيته بين الجيش الأردني والجيش الإسرائيلي بعد حرب 1948، ثم تم تعديله عام 1949.وهو خط هدنة لم يتحول إلى حد سياسي قانوني حتى يومنا هذا، وما يزال خط هدنة عسكري.وبالتالي فإن ما يُرَوَّجُ له عند التشدُّق بدولة فلسطينية على حدود عام 1967، إنما هو دولة فلسطينية حدودها هي خط هدنة "أردني – إسرائيلي" ثُبِّتَ ورُسِمَ عام 1949، وهذا غير جائز قانونيا، ولا بأيِّ شكل من الأشكال، بل لم يتم شيء شبيه له عبر التاريخ.

فالدول بمعانيها السياسية والقانونية لا تقام على خطوط هُدَن عسكرية لم يتم تحويلها بعد عبر الاتفاقات السياسية إلى حدود سياسية.وهذه حقيقة تعارف عليها البشر على مدى آلاف السنين من الحروب والصراعات والممارسات السياسية.

فإما أن تنتهي الحرب بالإبقاء على وضع الأراضي كما كان عليه قبل الحرب، وإما أن يحتل أيُّ طرف أرضا للطرف الآخر.وفي هذه الحالة، فإما أن تبقى الحالة كما هي بعد الاحتلال إلى أن يتغير الأمر بحرب جديدة، وهذه هي حالة "خط الهدنة العسكري"، بصرف النظر عن تَغَيُّر المسميات والحقوق المترتبة على ذلك عبر التاريخ من زمن لآخر، أو باتفاق سياسي يُنهي حالة الحرب أو يؤجلها، مُحَوِّلا "خط الهدنة العسكري" إلى "حد سياسي"، إما دائم وإما مؤقت، تاركا الأمر للتاريخ وللمستقبل.

وهكذا فإن ما كان يجب أن يحصل أولا هو تحويل خط الهدنة العسكري "الأردني – الإسرائيلي"، إلى "حد سياسي" باتفاق الأطراف السياسية التي يفصل بين جيوشها خط الهدنة ذاك، بصرف النظر عن الحالة السياسية التي سيتم التوصل إليها والاتفاق عليها، إما اعترافا بالاحتلال وحقوقه، وإما استرجاعا للأرض أو لأيِّ جزء منها.. إلخ.

ماذا يعني هذا؟!

إنه يعني أن الملك حسين بقرار فك الارتباط القانوني والإداري بالضفة الغربية الذي أصدره بتاريخ 31/تموز/1988، تنازل عن أرض أردنية لم تُحسَم بعد حالتها ووضعيتها العسكرية التي ترتَّبَت على حرب عام 1948.وهذا يعني بكل وضوح أنه قدَّم هدية كبرى لإسرائيل، لأن خط الهدنة كان معها وليس مع غيرها من جهة أولى، ولأنها هي التي احتلت الضفة الغربية بعد ذلك من جهة ثانية، وليس أيُّ طرف آخر، ما يجعلها هي صاحبة السيادة الفعلية عليها بمقتضى حالة الاحتلال القائمة، ليغدو كلُّ تصرُّف يقوم به الأردن فيها وحولها – أي في الضفة الغربية وحولها – منصبا نحو قوة الاحتلال "إسرائيل"، فكما أنه لو قاوم فإنه سيكون قد قاوم إسرائيل، وليس أي طرفٍ آخر، فكذلك لو أنه تنازل فإنه يكون قد تنازل لصالح إسرائيل، وليس لصالح أي طرف آخر.

لكنه فعل ذلك وفك الارتباط القانوني والإداري بها – أي بالضفة الغربية –مدعيا وموهما الشعبين الأردني والفلسطيني أنه قدم الهدية للفلسطينيين ولمنظمة التحرير، وبناء على طلب هذه الأخيرة وضغوطها، أو بناء على طلب العرب وضغوطهم.. إلخ!!

وكأنه يقول لنا بمعنى من المعاني: لو أن سوريا ضغطت عليه ليسلمها مدينة الرمثة مدعية أنها امتدادا إقليميا لدرعا مثلا، أو لو أن أهالي الرمثا طالبوا بالانضمام لسوريا، لفك ارتباط الأردن بهذه المدينة الأردنية!!

أو لو أن السعودية طالبت الأردن بالتنازل لها عن معان أو عن العقبة مدعية أنها تعتبر امتدادا إقليميا للسعودية، أو لو أن أهل هاتين المدينتين طالبوا بالاستقلال عن الأردن وبالانضمام إلى السعودية، فإنه سوف يفك ارتباط الأردن بهما ليسلمهما إلى السعودية!! مع أنه لو فعل ذلك، وتنازل لسوريا عن الرمثا، أو للسعودية عن العقبة ومعان، لكان لهذا التنازل معنى قانوني وسياسي مُنتِج، لأن كلا من السعودية وسوريا دولٌ ذات سيادة من جهة أولى، ولأن كلا من الرمثا والعقبة ومعان، مدنٌ تقع فعليا تحت سيادة الأردن، ومن ثم فهي قابلة للحديث القانوني السياسي عنها، خلافا للضفة الغربية التي تقع تحت سلطة وسيادة الاحتلال الإسرائيلي، ولا توجد لمنظمة التحرير أي سلطة أو سيادة عليها، لا بل أنه هو ذاته – أي الملك حسين – فقدها بالاحتلال العسكري، ولم يخض بشأن ترسيم حدودها السياسية، والتخلُّص من خط الهدنة العسكري الذي يَلُفُّ وضعها القانوني أيُّ مفاوضات مع محتليها!!  وهو الأمر الذي يثير التساؤل التالي: كيف يكون فِعْلُ"فك الارتباط" هدية لمنظمة التحرير، وهي لا تملك سيادة من أيِّ نوع على أيِّ شبر منها؟! مع العلم بأن الملك حسين لا يملك حتى حق إهدائها ومنحها لمنظمة التحرير تحت أيِّ ذريعة بحكم أنها أرض أردنية أصلا. لا بل إن جامعة الدول العربية نفسها، ولأنها لم تعترف بوحدة الصفتين عام 1948، اكتفت باعتبار أن الضفة الغربية – وذلك قبل أن تتعرض للاحتلال عام 1967 – وديعة لدى الأردن حتى يتم تحرير كامل الأرض المحتلة عام 1948، وبعدها يُنْظَر في أمرها بناء على قرار أهلها، بينما الملك حسين تنازل عنها للإسرائيليين وهي محتلة.  ودعكم من خرافة أنه تنازل عنها للفلسطينيين ولمنظمة التحرير، فهذا كلام مخادع لا معنى له ولا قيمة له منتجة قانونيا وسياسيا كما أوضحنا، ومن ثم لا يترتب على هذا الفك أي دلالة تشير إلى أنه أهداها للفلسطينيين، وكل ما في الأمر أنه أهداها فعليا للإسرائيليين، وخدع هو ومعه ياسر عرفات، الجميعَ بإيهامهم بأنها أهديت للفلسطينيين، لاستكمال المشروع الوهم الذي عشِّش في أدمغة القيادات الفلسطينية آنذاك، ألا وهو مشروع "الهوية الفلسطينية"!!

 

خاتمة:

إنّ ما ابتدعه الملك حسين يعدُّ ظاهرة لم تحدث في التاريخ، لأن عدم حسم الوضع السياسي لخط الهدنة العسكري لعام 1949 يعني أن الدولتين الأردنية والإسرائيلية ما تزالان في حالة حرب.وبالتالي فليس من حق الملك حسين ولا غير الملك حسين وتحت أيِّ ظرف، أن يتصرف سياسيا بقطعة أرض أردنية ما تزال حدودها تحت الحالة العسكرية بتوصيف "خط هدنة عسكري"، حتى قبل أن يتم احتلالها، فكيف وقد تم احتلالها!!!!

وكان عليه أولا أن يحسمَ الأمر بتحويل خط الهدنة العسكري إلى حدٍّ سياسي بالاتفاق مع إسرائيل – هذا إذا افترضنا أنه يريد إنهاء حالة الحرب معها – وهو ما يعني أن ما يُعرف باتفاقية "وادي عربة" – هذا إذا تجاوزنا مسألة الحقوق التاريخية – كان يجب أن تتم قبل قرار فك الارتباط، لإنهاء حالة الحرب بين الأردن وإسرائيل أولا.ثم بعد ذلك تبدأ المفاوضات بين منظمة التحرير وإسرائيل، من جهة، وبين الأردن ومنظمة التحرير، من جهة أخرى، فإن تم الاتفاق بين الأطراف المتفاوضة على أن الضفة الغربية المحتلة يجب أن تكون فلسطينية، ولم تعد أردنية، فإنه يُصار عندئذٍ إلى توقيع اتفاقيتي تسوية: إحداهما بين الأردن ومنظمة التحرير تتضمن معنى أن الأردن تنازل عن الضفة الغربية لمنظمة التحرير وهو ما يمكنه أن يكون مجسِّدا لقرار "فك الارتباط"،والثانية بين منظمة التحرير وإسرائيل تتضمن معنى حل الدولة أو الدولتين أو أي شيء آخر، كأن تكون هي "أوسلو" مثلا. وهكذا فإننا نلاحظ بمنتهى الوضوح وبالحجة القانونية والسياسية،أن حالة من الفوضى القانونية والسياسية والعسكرية، هي التي قادت وما تزال تقود التسوية الراهنة بكل فصولها وتفاصيلها. فالملك حسين يتنازل قانونيا عن أرض ما تزال في حالة عسكرية، وهذه جريمة وطنية، فضلا عن أنها بدعة غير مسبوقة لم تحدث من قبل، ولا بين أيٍّ من المتحاربين عبر التاريخ.

ومنظمة التحرير تتفاوض مع إسرائيل حول أرض ليست أرضا لأيٍّ من الطرفين لا المنظمة ولا إسرائيل، فإسرائيل مجرد احتلال بشهادة كل العالم، ومنظمة التحرير ليست لها صفة من أيِّ نوع تخوِّلُها التحدث باسم الضفة الغربية. ثم تُوَقِّعُ معها اتفاقية حول تلك الأرض هي "أوسلو". ليأتي الملك حسين بعد ذلك ويوقع اتفاقية مع إسرائيل هي اتفاقية "وادي عربة".

مجموعة من المتلاعبين بحقوق الشعبين الأردني والفلسطيني، كلٌّ بحسب رؤيته للصراع ومصالحه ومكتسباته، مستخدمين كل أساليب الخداع والتضليل وأبشع أنواع البدع، لإضاعة حقين لشعبين، أولهما حق الشعب الأردني في الضفة الغربية، وثانيهما حق الشعب الفلسطيني في أرضه المحتلة عام 1948. فهذه هي الصفقة الحقيقية في جوهرها، فلنكف عن أكاذيب الهويات والحقوق وضغوطات الفلسطينيين ومنظمة التحرير والعرب.

أسامة عكنان (باحث أردني)

 

هوامش الدراسة

(1) – "التدخل الأميركي في سوريا لماذا؟" – ملف من إعداد مركز الشرق العربي – بتاريخ 11/3/2017 – موقع "مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والإستراتيجية/لندن" – على الرابط التالي:

http://www.asharqalarabi.org.uk/التدخل-الأمريكي-ي-سوريا-لماذا-_ad-id!410424.ks#.WxOPWH34lSk

(2) – "الدولة الفلسطينية بين الدولتين والدولة الواحدة" – ندوة حوارية – موقع "الجزيرة" – بتاريخ 12/9/2007 – على الرابط التالي:

http://www.aljazeera.net/programs/more-than-one-opinion/2007/9/12/القضية-الفلسطينية-بين-الدولتين-والدولة-الواحدة

(3) – "واشنطن: حائط البراق جزء من إسرائيل" – موقع "جريدة الاتحاد الإماراتية" – بتاريخ 17/12/2017 – على الرابط التالي:

http://www.alittihad.ae/details.php?id=76438&y=2017

 

(5) انظر:

أ – " تسريبات ابن سلمان، هل بدأ الفصل الأخير من صفقة القرن؟" - مرتضى الشاذلي – بتاريخ 30/4/2018 – موقع "نون بوست" – على الرابط التالي:

https://www.noonpost.org/content/23122

ب – "تسريبات جديدة حول صفقة القرن، هل سيقبل بها الفلسطينيون" – متابعة كيو بوست – بتاريخ 5/3/2018 – موقع "كيو بوست" – على الرابط التالي:

https://www.qposts.com/تسريبات-جديدة-حول-صفقة-القرن-هل-سيقبل-ب/

ج – "تفريغ سيناء وتهجير أهلها، هل اقتربت صفقة القرن؟" - موقع "عربي 21" – 4/1/2018 – على الرابط التالي:

https://arabi21.com/story/1061533/تفريغ-سيناء-وتهجير-أهلها-هل-اقتربت-صفقة-القرن

(6) – انظر: الفصول ذات الصلة من أطروحة الدكتوراه في العلوم السياسية بعنوان: "الدور الوظيفي للنظام الأردني منذ نشأة الدولة القطرية عام 1921 وحتى قرار فك الارتباط عام 1988" – لـ "أسامة عكنان".

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك