القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

شروط  صندوق النقد الدّولي لتونس و إشكاليّة الانتعاش الاقتصادي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2017-08-12 14:01:20 | 115 مشاهدة

ملخص :

 قبل حلول سنة 2020 ، حدّد صندوق النقد الدولي ثلاثة اهداف كبرى لانعاش الاقتصاد التونسي حتى لا يتجاوز الدين العام  حاجز 70 بالمائة من مجموع الدخل العام المحلي. ولكن الشّروط المطروحة كانت لها اثارها على الاقتصاد والناس،إذ انخفضت قيمة الدينار  وتاثرت المقدرة الشرائية للمواطن. و تاثرت  التوازنات الداخلية والخارجية حيث تفاقم عجز ميزانية الدولة   (6.1% من الناتج المحلي الاجمالي سنة 2016)،  وانحدر العجز الجاري الى مستويات خطرة  (8.8% من الناتج المحلي الاجمالي سنة 2016).    وإثر زيارة وفد  منه  الى تونس، أصدر صندوق النقد الدولي، تقريرا بتاريخ 3 أوت 2017 قيّم فيه الوضع الاقتصادي الحالي، موضحا بطء تحسن الاقتصاد التونسي  و ثبات تحدياته  الهيكلية،  رغم النموّ الاقتصادي ينحو الى بلوغ نسبة   2,3% في 2017، بفضل ازدهار  بعض القطاعات على غرار الفسفاط  والفلاحة والسياحة..


مقدّمة

أصدر صندوق النقد الدولي المراجعة الأولى لاتفاق "تسهيل الصندوق الممّدد"[1] لتونس لمدة أربع سنوات بقيمة قدرها 2.045625 مليار وحدة حقوق سحب خاصة (حوالي 2.83 مليار دولار أمريكي، أو 375% من حصة عضويتها) أكد فيها على ثلاثة أهداف رئيسية لانتعاش الاقتصاد التونسي. فإلى حدود 2020، تهدف الإصلاحات الموقعة بين الحكومة التونسية وصندوق النقد الدولي أوّلا، تخفيض عجز الموازنة العامة ليستقر الدين العمومي الخارجي عند مستوى أقل من 70% من إجمالي الناتج المحلي. أماّ الهدف الثاني فيتعلق بالتخفيض من كتلة الأجور من الناتج المحلي الإجمالي لتستقر في حدود 12.5% وهو هدف يساعد كذلك على بلوغ الهدف الأول. ويتعلق الهدف الثالث باحتواء التضخم المالي في حدود 4% .

شروط التمويل  والآثار الاقتصادية

ولبلوغ هذه الأهداف يقترح صندوق النقد الدولي ثلاث سياسات محورية. أول هذه السياسات الرفع التدريجي للدعم على المحروقات والنقل والمواد الغذائية لتعكس الأسعار المستوى الحقيقي للسوق. السياسة الثانية تتعلق بنسبة الفائدة وتتمثل في تطبيق سياسة نقدية انكماشية ترفّع من تكلفة القروض الموجهة للاستهلاك حتى لا تكون نسبة الفائدة الحقيقية سالبة.  والسياسة الثالثة للصندوق هي السياسة المرنة لسعر الصرف والتي تقلّص من تدخل البنك المركزي في سوق الصرف حتى يكون قادرا على الحفاظ على احتياطي من العملة الصعبة قادر على توريد ما يلزم الاقتصاد التونسي من مواد تجهيز ومواد أولية ونصف مصنعة حتى تدار عملية الانتاج في أحسن الظروف وحتى تتمكن الدولة من استخلاص ديونها في الآجال. لكن السياسة المرنة لسعر الصرف، السياسة الثالثة لصندوق النقد الدولي،  أسهمت في تراجع مستمر للدينار التونسي تحت تأثير العجز التجاري المتواصل مما جعل واردات المؤسسات الاقتصادية أغلى ثمنا من ذي قبل وهو ما انعكس سلبا على أسعار  منتجاتها وسرّع في وتيرة التضخم المالي من ناحية وفي فقدان تنافسية هذه المؤسسات في السوق العالمية من ناحية أخرى. وبالتالي فإن السياسة المرنة لسعر الصرف لا يمكنها بأي حال من الأحوال بلوغ الهدف الثاني للصندوق وهو الحد من التضخم المالي. كما أن السياسة الأولى المتمثلة في رفع الدعم على المحروقات أو على المواد الغذائية (مادة السكر عند الانتاج مثلا)  أسهمت في النهاية في ارتفاع التضخم المالي الذي نشهده حاليا.

كان لهذه السياسات التضخمية لصندوق النقد الدولي  الأثر السيئ على المقدرة الشرائية للمواطن التونسي مما قد يدفع المنظمة الشغّيلة الى المطالبة مجددا بالزيادة في الأجور وبالتالي فإن الهدف الثالث للصندوق، تقليص كتلة الأجور من الناتج المحلي الاجمالي، لا يمكن له أن يتحقق حتى وإن لجأت الحكومة الى تقليص عدد موظفيها، فما يمكن أن تربحه من ناحية سوف تخسره بالتأكيد من ناحية أخرى.  وحتى وإن حمّلنا موظفي الدولة نتيجة ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية وطالبناهم بالصبر الجميل على سياسات صندوق النقد الدولي، فإن تدهور المقدرة الشرائية لديهم قد تدفعهم رويدا رويدا الى الفقر وتحرم الاقتصاد التونسي من قوة دفع للنمو الاقتصادي لطالما تمنيناها في فترات الانكماش الاقتصادي لشركائنا الاقتصاديين.  كما أن السياسة النقدية الانكماشية والتي تهدف الى الترفيع من نسبة الفائدة للحد من الاستهلاك الخاص لا يمكنها أن تكون دافعا للنمو الاقتصادي لسببين. أولا، الاستهلاك الخاص يعتبر منذ الستينات المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي والتقليص منه يضرّ بالاقتصاد أكثر مما ينفعه، فالضرر الوحيد من ارتفاع الاستهلاك الخاص توجّهه نحو المواد الموردة من الخارج عوضا عن المواد المحلية. السبب الثاني يتعلق بتكلفة الاستثمار الباهظة بما أن الترفيع من نسبة الفائدة لا يحفز المستثمرين على الإقبال على القروض لتمويل الاستثمار ويعيق النمو الاقتصادي حيث يخنق أهمّ محرك من محركاته وهو الاستثمار الخاص حتى وإن كان هذا الأخير لا يتأثر كثيرا بنسبة الفائدة في هذه الفترة الاستثنائية من الانتقال الديمقراطي.

واستنادا الى هذه المقاربة الأنفة الذكر، أصدر صندوق النقد الدولي، إثر زيارة الوفد أخيرا الى تونس، تقريرا بتاريخ 3 أوت 2017 قيّم فيه الوضع الاقتصادي الراهن. يشير التقرير الى أن آفاق الاقتصاد التونسي تتحسن ببطء، لكن التحديات ما تزال موجودة. فالنموّ الاقتصادي في طريقه ليصل إلى 2,3% في 2017، بفضل انتعاشة بعض القطاعات على غرار الفسفاط  والفلاحة والسياحة لكن تحويل هذا النمو إلى تصدير لا زال يمثّل عائقا هاما. ويستند هذا التقرير الى النتائج الاقتصادية للثلاثي الأول لسنة 2017 والتي تشير إلى أن نسبة النمو الاقتصادي في هذه الفترة في حدود 2.1% وهي في الحقيقة نفس النسبة التي تحققت في الثلاثي الأول من سنة 2015 بدون أن تؤدي إلى نسبة النمو المنتظرة من طرف صندوق النقد الدولي والمقدرة ب2.3% هذا العام بل أن هذا النمو  قد انحصر في حدود 1.1%.  وبالدخول في التفاصيل، يتبين لنا هشاشة النمو الاقتصادي الذي تحقق في الثلاثي الأول من هذا العام والذي سمّي عند البعض بالانتعاشة الاقتصادية، فقطاع الصناعات المعملية، والذي يمثل أكثر من غيره مساهمة القطاع الخاص ويبرز مدى انخراط المستثمرين في عملية الإنتاج، قد سجّل نسبة نمو سالبة خاصة في قطاع صناعة مواد البناء والخزف والبلور ب7.9- %  وقطاع الصناعات الفلاحية والغذائية ب4.2- % بالرغم من النتائج الايجابية لقطاع الفلاحة والصيد البحري (4.9%) والمرتبط أساسا بالمناخ.  ويمكن القول أن قطاعي المناجم والسياحة أسهما الى جانب الفلاحة والصيد البحري في تحقيق هذه النسبة من النمو الاقتصادي للثلاثي الأول لسنة 2017 بتسجيل نسبة نمو معتبرة ب21.3% و8.6% تباعا. وبالرغم من هذا التقدم في قطاعات الفلاحة والصيد البحري والمناجم، إلا أن السياسات المعتمدة لم تكن قادرة على تحويل وفرة الانتاج الى تصدير وكان العجز الغذائي والعجز الطاقي المتسبب الأول في تفاقم العجز التجاري  فصادرات زيت الزيتون والحبوب سجلت نسب نمو سالبة خلال نفس الفترة كما أن التحسن في المحاصيل الزراعية لم يترجم الىى دفع لقطاع الصناعات الغذائية.أما في قطاع المناجم، فصادرات الحامض الفسفوري، والتي تستخرج من الفسفاط، تراجعت  الى مستوى أقل من 20%. أما في القطاع السياحي، فلا بد من الحذر في قراءة الأرقام المتعلقة بتحسن واردات السياحة حتى لا يكون هذا التحسن نتيجة لتأثير تراجع قيمة الدينار التونسي. والملفت للانتباه أن تونس بعد مضي ست سنوات على الثورة لا تزال تعيش نفس الصعوبات الاقتصادية مما أثر بصفة جلية على التوازنات الداخلية والخارجية حيث تفاقم عجز موازنة الدولة (6.1% من الناتج المحلي الاجمالي سنة 2016) من ناحية وانحدر العجز الجاري الى مستويات خطيرة (8.8% من الناتج المحلي الاجمالي سنة 2016)  كانت لها الأثر السيئ على قيمة الدينار. ولعل أهم ما يمكن الاشارة اليه حالة الترقب المتواصل للقطاع الخاص والذي تجلى في توقف المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي المنتج والمتمثل في الاستثمار الخاص والانتاجية ومن ثمّ التصدير مما أدى الى تراجع أهم القطاعات المرتبطة به في الصناعات المعملية وخاصة قطاع صناعة مواد البناء والخزف والبلور، والذي سجل كما ذكرنا ذلك، نسبة نمو جدّ سالبة ولم يبقى من محركات النمو الفاعلة غير الاستهلاك والذي تسبب بالضرورة في خلل بين طلب متزايد من سنة الى أخرى وعرض مستقر مرتبط بمدى تحرك الاستثمار الخاص وهو ما أدى الى تصاعد الضغوط التضخمية وإرهاق القدرة الشرائية للمواطن التونسي.

ومن هذا المنطلق لا يمكن معالجة هذا الوضع إلا بتوفير المناخ المناسب لخلق ديناميكية جديدة لعودة الاستثمار الخاص حتى يؤدي دوره في استحثاث نسق النمو الاقتصادي ودفع الصادرات وخلق موارد الشغل وبذلك تقلّ الضغوط التضخمية وكذلك الضغوطات على التوازنات الداخلية والخارجية. وبالتالي لا بد من توفير العوامل المساهمة في إعادة الثقة للقطاع الخاص من وضوح في مسألة العدالة الانتقالية ومؤسسة للتوافق السياسي يتبعه توافق اقتصادي يشمل المنظمتين العريقتين، منظمة الأعراف والمنظمة الشغّيلة. وحتى تسهم الحملة على الفساد التي تقودها الحكومة حاليا في تنقية مناخ الأعمال، لا بد أن تندرج في إطار ورؤية شاملة متناسقة مع توجهات المخطط الخماسي 2016 – 2020 وتتعدى مجرد توقيف بعض رموز الفساد والتحقيق معهم. ويعتبر التقرير 30 لدائرة المحاسبات الإطار الجيّد الذي يمكن أن تعتمده الحكومة في مكافحة الفساد. وتعتبر الإدارة العائق الأهم للاستثمار الخاص حسب جل التقارير الوطنية والعالمية من منتدى دافوس الى تقرير أنشطة الأعمال للبنك الدولي ونأمل أن يكون القانون الجديد للمصالحة الاقتصادية والمالية المتعلق بموظفي الدولة الأداة التي يمكنها أن تسرع في آجال الانتظار للإجراءات الإدارية المتعقلة بالأعمال وترفّع من جودة الخدمات الإدارية وخاصة في تقوية المؤسسات الجبائية حتى تتمكن من استخلاص ما تخلد في ذمة الأشخاص والشركات.

خاتمة

تجدر  الإشارة الى أن أن قطاع الفلاحة، يعتبر رغم مشاكله العديدة، قد أنقذ تونس بعد الثورة حيث سجل في جل الفترات نموا ايجابيا تعدى حتى التوقعات  ولولا هذا القطاع لكانت نسب النمو الاقتصادي المسجلة لأغلب الفترات سلبية وحتى النمو الاقتصادي المسجل أخيرا في الثلاثي الأول لهذه السنة مرده أساسا قطاع الفلاحة. هذا القطاع الذي يمكن أن يحقق للبلد الاستقلالية الذاتية المنشودة إذا ما توفّق في تحقيق فائض في الميزان التجاري يمكّن من تجنب التداين الخارجي إذ يمكن أن يدرّ على البلاد العملة الصعبة المتأتية من تصدير المواد الغذائية ويسهم في المحافظة على قيمة الدينار . ويمكنه أن يسهم كذلك في امتصاص بطالة أصحاب الشهائد العليا بما أن نسبة التأطير فيه هي الأضعف وبالتالي طاقة استيعاب هذا النوع من البطالة في هذا القطاع.

 .د. رضا الشكندالي

أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك