القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

سقوط قاعدة الوطية ومؤشرات انهيار مشروع الكرامة في غرب ليبيا

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-06-04 13:11:00 | 2032 مشاهدة

المقدمة:
إن سقوط قاعدة الوطية بيد قوات حكومة الوفاق الشرعية  يعد مؤشرا قويا على انهيار مشروع حفتر في غرب ليبيا، لا شك بان استماتة حفتر ودولة الامارات التي تدعمه بقوة للحفاظ على القاعدة، وإرسال منظومات الدفاع الجوي الروسية نوع بانتسير والتي تبلغ تكلفتها عشرات الملايين من الدولارات  يؤكد أهميتها الاستراتيجية. وانه كان يراد لها بان تلعب دور كبير في سير المعارك في غرب ليبيا، وهو دور ازدادت خطورته في ظل التدخل الروسي على الأرض عبر مرتزقة شركة الفاغنر . كما كانت  دولة الامارات تريد أن تضمن السيطرة على قاعدة الوطية، بما يمكنها من الحصول على  موطئ قدم في موقع استراتيجي على مقربة من حدود تونس والجزائر، سقطت القاعدة المحصنة بتضاريس الجغرافيا والإنشاءات العسكرية، وتردد صدى سقوطها مزلزلا على خرائط الجغرافيا الليبية  لتبدأ قوات حفتر في  الانهيار الكبير، وتتراجع مسافة 3 كم بعيدا عن مواقع تمركزها  حول طرابلس.

قاعدة الوطية: الأهمية الاستراتيجية.
ظلت  قاعدة الوطية لفترة طويلة  بمثابة العقدة التي تحول دون توحد كل المنطقة الغربية ، لأنها منحت حلفاء حفتر القدرة على الفعل، والتحصن في موقع استراتيجي هام.  كما كانت  تمثل تهديد خطير لمدينتي  الزاوية وزوارة  وكل مدن غرب ليبيا التي ترفض مشروع حفتر .

الأربعاء 25 مارس 2020م انطلقت عملية عاصفة السلام واستهدفت قاعدة الوطية الاستراتيجية في غرب ليبيا ، رغم أهمية الهجوم  إلا انه كان محدود النتائج ،ولم  يتم تحقيق الهدف ألأهم وهو السيطرة على القاعدة شاسعة المساحة والمحصنة جيدا ، كما أن غياب  التنسيق بين قوات حكومة الوفاق أدى إلى نتائج عكسية أيضا. وفي الثلاثاء  5 مايو عام 2020م كانت هناك عملية هجوم ثانية  لم يكتب لها النجاح، إلا أن  يوم الاثنين 18 مايو عام 2020م كان  تتويج لكل الجهود السابقة  وتم تحرير قاعدة الوطية.

خريطة غرب ليبيا

توضح هذه الخريطة أهمية قاعدة الوطية، فهي ليست على مقربة من حدود تونس والجزائر فقط، بل يمنحها موقعها الاستراتيجي ميزة بأن تكون نقطة هامة لأي عمليات عسكرية في منطقة البحر المتوسط ، ليس بعيد كثيرا  من موقع قاعدة الوطية جزر مالطا وصقلية، ومضيق الرأس الطيب الذي يربط ما بين حوضي  شرق وغرب البحر المتوسط. ولعل الأمريكيين عندما قاموا ببناء قاعدة الوطية  في خضم أحداث الحرب الحرب العالمية الثانية كان يدركون جيدا ما قاله الأميرال الأمريكي والخبير الاستراتيجي  الفريد ماهان:" إن البحر الأبيض المتوسط سيكون لسيد واحد، وسيقع تحت هيمنة قوة عظمى مسيطرة ستدفع بامتيازاتها في كل الاتجاهات، أو انه سيكون مسرحا لصراع دائم ".
لا شك بأن وجود البانتسير الروسية ومرتزقة الفاغنر في قاعدة الوطية لا يروق للأمريكيين. لن يسمح للروس بالاستمتاع بالمياه الدافئة في هذا المكان، لابد بأن الأمريكيين يعلمون جيدا بأطماع الروس في منطقة أبوكماش على البحر المتوسط منذ أيام الدولة القره مانلية.

معلومات  عن قاعدة الوطية الجوية :
الاسم السابق قاعدة عقبة بن نافع  وبناها الأمريكيين عقب الوصاية الدولية الثلاثية بين بريطانيا وفرنسا وأمريكا علي ليبيا المستعمرة الايطالية السابقة في عام 1942م .
تقع القاعدة جنوب العجيلات وتابعة إداريا لمنطقة الجميل ، وتتسم القاعدة بموقع استراتيجي هام حيث أنها تغطي كافة المنطقة الغربية وتستطيع تنفيذ عمليات قتالية جوية ضد أهداف عسكرية إن دعت الحاجة للدول المحيطة بليبيا وهي  تونس والجزائر. وهي ذات  بنية تحتية عسكرية كبيرة حيث تستطيع القاعدة استيعاب وإيواء 7 ألاف عسكري .
تم بناء القاعدة علي أساس التحصينات المحيطة بها من التضاريس الجغرافية،  بالإضافة إلى أن  القاعدة تمتلك اكبر تحصينات خارجية، حيث أن اغلب المطارات العسكرية الأخري في ليبيا بنيت علي أساس وقوعها في مدينة إستراتيجية مثل قواعد معيتيقة وبنغازي ومصراتة والجفرة وسرت وطبرق وسبها والكفرة ووادي الشاطئ ومرتوبة .
كانت القاعدة في عهد القذافي مركز عمليات لأسطول مقاتلات الميراج، وقد اتسمت القاعدة بالغموض منذ الثمانينات من القرن الماضي، وتعرضت  لقصف مكثف من طيران الناتو في عام 2011م ولكنها حافظت علي معظم بنيتها التحتية الأساسية، إلا أن معظم الأضرار لحقت بالطائرات الرابضة ومستودعات الذخيرة بالإضافة لمراكز الرصد والدفاع الجوي. (1)

السؤال المهم هنا هو: ماذا يعني سقوط قاعدة الوطية، وأي مكاسب عسكرية وسياسية تحققت لحكومة الوفاق الشرعية.
بغض النظر عن أهمية قاعدة الوطية في الحرب على طرابلس ، نظرا لقربها الجغرافي حيث تقع على مسافة 140كم جنوب غرب  طرابلس، وحاجة حفتر لها في استخدامها كقاعدة لطائراته التي تستهدف طرابلس، فهي أفضل من القواعد الجوية في  الجفرة والقرضابية بالقرب من  سرت، إلا انه للقاعدة مهام أخرى، وكان يعول عليها حفتر كثيرا في غرب ليبيا، كما كانت القاعدة أشبه بقنبلة موقوتة إن صح التعبير، إذ يمثل الصراع حولها تحدي كبير لقوى الثورة في غرب ليبيا للحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية ، بعيدا عن الصراعات الجهوية وحسابات النفوذ بين القوى السياسية المتصارعة، ناهيك عن خطورة دورها في تعزيز مواقع حفتر في مدن  الساحل الليبي غرب طرابلس.

ولكي نفهم أكثر بعض الحقائق عن دور وأهمية قاعدة الوطية في مشهد الصراع الليبي  يمكن أن نحصرها في النقاط التالية:
أ- إن قاعدة الوطية  بموقعها الاستراتيجي  كانت تمثل  ورقة رابحة في يد أنصار حفتر من الزنتان والرجبان، فهي تمنح لهم القدرة على التحرك في مساحة واسعة في غرب ليبيا، وهي خط الدفاع الاول عن الزنتان والرجبان في الجبل، تواجد قوات  من الزنتان والرجبان  في قاعدة الوطية يجعلهم قادرين على إبعاد المعارك عن مدنهم في الجبل. لا شك بان انقسام الزنتان ما بين مؤيد ومعارض لمشروع حفتر في غرب ليبيا يمثل إشكالية مستعصية على  الحل في الأمد القريب، الزنتان في هذه المعركة الدائرة على أطراف  طرابلس  لم تدخل بكل ثقلها نظرا لان جزء منها موالي لحفتر . وهذا الجزء الموالي لحفتر لديه تحالف مع جزء أخر من مدينة الرجبان المجاورة  موالي لحفتر أيضا. خطورة هذه التحالفات المؤيدة لحفتر في غرب ليبيا   تجعل المنطقة أمام  سيناريو خطير وهو احتمال  تفجر معارك  شبيهة بما جرى في فجر ليبيا عام 2014م  بل اشد منها وأكثر تعقيدا  نظرا للدعم الروسي الذي يتلقاه  حفتر ، وقدرته على جلب مزيد من المرتزقة من سوريا وإيران عبر الخط جوي  دمشق - بنغازي أو اللاذقية - بنغازي . ناهيك عن المرتزقة الأفارقة  الجنجويد وغيرهم من تشاد والنيجر والسودان. بل وصل الأمر إلى حد جلب المرتزقة من اليمن من حلفاء الامارات من مقاتلي الحراك الجنوبي. هذه الأخطار والتحديات المصيرية تكون أكثر قابلية للتحقق وقاعدة الوطية في يد حلفاء حفتر .

ب- بقاء قاعدة الوطية في يد حفتر، واستمرار المعارك حولها فترة طويلة سوف ينتج عنه  تأجيج الصراع بين العرب والامازيغ في غرب ليبيا، وهو صراع له جذور في تاريخ ليبيا، وهو احد أهم المخططات الرهيبة لضرب النسيج الاجتماعي الليبي، وقد حاول معمر القذافي في عام 2011م تأجيج هذا الصراع لضرب مدينة زوارة التي ثارت عليه، ونفس المخطط يقوم بتنفيذه اليوم ضباط الرجمة، ويجتهدون في وضع خطط لدفع الجميل ورقدالين للهجوم على زوارة وعلى خطى معمر القذافي، إلا أن الحرب الحقيقية والمخطط الخفي الذي يخشى منه هو اشتعال نيران حرب عرقية ومذهبية تردنا إلى الوراء مئات السنين، ولن يدرك الضباط الموالين لحفتر، وكل من يشترك في هذا المخطط  حجم تداعياته الخطيرة والكارثية. كما فرنسا حليفة حفتر  الدولة الاستعمارية الماكرة تعرف جيدا حقائق التاريخ والجغرافيا في منطقة المغرب العربي، وتفهم التركيبة الاجتماعية والأديان وكل الحقائق. ولقد حاولت فرنسا في أثناء الحقبة الاستعمارية أن تستخدم سياسة فرق تسد بين العرب والأمازيغ ، والذين إن فرقت بينهم بعض العداوات التاريخية والحسابات العرقية الضيقة إلا أن الإسلام قد وحدهم معا وصهرهم في بوتقة واحدة، وتأبى فرنسا الطامحة للعودة إلى دول المنطقة وإحياء تاريخها الاستعماري بوسائل جديدة إلا أن تنفض الغبار عن بعض أرشيفها القديم لتعيد رسم ووضع سياسات جديدة  تعلم يقينا مدى نجاعتها ونجاحها خاصة عندما  يكون بعض أبناء المغرب العربي خاصة الليبيين الذين تدور الحرب على أرضهم  عاجزين  عن فهم ما يدور وراء الكواليس.

ج- بسقوط قاعدة الوطية  فقد حفتر القدرة على السيطرة على مدينة الزاوية وهي الهدف الاستراتيجي بالنسبة له، وهي طريق مهم إلى طرابلس.  لهذا قام بتطويقها في جوارها الغربي في صرمان وصبراتة، أراد حفتر باستهداف مدينة الزاوية أن يخرجها من مشهد الصراع حول طرابلس نظرا لقوتها  ودورها المؤثر، لكي يستفرد بمدينة مصراتة، ومخطط حفتر لإشعال الحرب في مدن غرب ليبيا من زوارة إلى الزاوية ليس بسبب أهميتها الاستراتيجية فقط، بل هناك هدف أخر وهو أن تدفع هذه المدن ثمنا باهظا من اجل ضمان  حماية أهم حصون حفتر  وقواعده في حربه على  طرابلس ومصراتة وهي ترهونة، لابد أن تظل ترهونة في مأمن، لتستمر في دورها بمثابة قاعدة أمامية، وان يتم إبعاد الحرب عنها  بأي وسيلة، ولا يهم الثمن الذي ستدفعه باقي مدن غرب ليبيا  من دماء وخراب حتى تلك المدن التي تناصر مشروع حفتر وهي الزنتان والرجبان نفسها .
لذا فان سقوط قاعدة الوطية في يد قوات حكومة الوفاق هي بمثابة صمام الامان لمنع انفجارات رهيبة في غرب ليبيا تنعكس أثارها على النسيج الاجتماعي والسلم المجتمعي في منطقة يسكنها أكثر من ثلثي سكان ليبيا، وتمثل الثقل السكاني والاقتصادي للدولة الليبية. منطقة لا تتوقف تاثيرات وتداعيات  ما يجري فيها على ألأرض الليبية  فقط ، بل تتجاوز ذلك إلى دول الجوار تونس والجزائر.

ردود ألأفعال المحلية والإقليمية والدولية:
سقوط قاعدة الوطية لم يكن بالحدث العادي، بل كان حدثا مدويا وله ما بعده. حدث تجاوز خرائط الجغرافيا الليبية ليتردد صداه غربا جهة تونس والجزائر، وكل دول المغرب العربي ، وقد استقبل أشقاؤنا المغاربيون الخبر بالترحاب وارتياح كبير، إلا قلة ممن تحالفوا مع دولة الامارات وتنكروا لحقائق التاريخ والجغرافيا، سقوط قاعدة الوطية كان حدثا تردد  صداه مزلزلا في عواصم المشرق العربي أيضا ، القاهرة وأبوظبي تحديدا، بل هو حدث أيضا مرغ انف روسيا في التراب، فمن المؤكد بأن المؤرخين سوف يكتبون  ذات يوم بان البانتسير الروسية لم يحدث أن تم اصطيادها في أي معارك دارت رحاها في العالم كما  حدث على الأرض الليبية  في قاعدة الوطية وبقية المدن، كان يراد  للبانتسير أن تصطاد طائرات حكومة الوفاق الليبية، وتحمي مرتزقة الفاغنر وقوات حفتر، لكن تم اصطياد البانتسير، ونقلت  أسيرة في مواكب مهيبة إلى  مدينتي الزاوية وطرابلس.
وقد توالت ردود الأفعال  المحلية والإقليمية والدولية، وذاع صيت قاعدة الوطية في كل أرجاء  الدنيا، وأصبحت حديث الساعة. وفي الوقت الذي ظهرت فيه تصريحات المسؤولين في حكومة الوفاق الليبية  الشرعية تبارك الانتصار في معركة قاعدة  الوطية ، وتعلن عن استمرار العمليات العسكرية لاجتثاث  قوات حفتر في غرب ليبيا، وفي كل الأرض الليبية لبسط سلطة الحكومة الشرعية، كانت ردود الأفعال الصادرة عن المسؤولين التابعين لحفتر مرتبكة، وتمارس الكذب بشكل فاضح، وفق تصريحات احمد المسماري وخالد المحجوب أصبحت قاعدة الوطية غير مهمة من الناحية العسكرية، وانه هناك تغيرات في ارض المعركة ، وان الانسحاب من قاعدة الوطية هو انسحاب تكتيكي . 

كما باركت مكونات مدينة الزنتان السياسية والعسكرية والأمنية والاجتماعية  يوم الأربعاء 20 مايو عام 2020م  تحرير قاعدة الوطية، وجاء في بيان صادر عنها : " سقطت رمزية قاعدة الوطية عندما تحولت وكرا لأزلام النظام السابق وحاضنة للمعتدين والقتلة والمتمردين،  نؤيد ما جاء في كلمة آمر غرفة العمليات المشتركة اللواء أسامة جويلي  ونؤكد دعمنا للمقاتلين حتى تحقيق النصر" .(2)
إن موقف مكونات الزنتان مهم جدا لوضع حد لحالة الانقسام في المدينة التي تعتبر من أقطاب ثورة فبراير، وهذا موقف يضيق الخناق أكثر على حلفاء حفتر في مدينتي الزنتان والرجبان.

وتستمر دولة الامارات في لعب دور الوصي على الليبيين ، بل دور العدو الحقيقي الذي يؤجج الصراع ويتنكر لكل روابط العروبة والإسلام . تصريحات أنور قرقاش تؤكد بان سقوط قاعدة الوطية كانت ضربة موجعة ، فقد دفعت  دولة الامارات ثمن منظومات بانتسير  الروسية حيث تقدر المنظومة الواحدة بعشرات الملايين من الدولارات، أصبحت في لحظة ركام بفعل طيران حكومة الوفاق في عمل عسكري منظم بحرفية عالية  مدعوم استخبارتيا، والأقوى من  ذلك هو إرادة المدافعين عن أرضهم .
الثلاثاء 19 مايو عام 2020م  قال وزير الدولة الاماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش : "أنه لا يمكن إحراز أي تقدم حقيقي على الساحة الليبيةدون وقف فوري وشامل لإطلاق النار والعودة إلى مسار العملية السياسية، ولا بد أن يتوقف التصعيد الإقليمي لتحقيق ذلك".(3)
وأضاف أنور قرقاش بقوله: "لن تتاح لليبيين فرصة العيش في بلد آمن ومزدهر طالما أن الأطراف المتقاتلة تهدف إلى تحقيق مكاسب تكتيكية صغيرة وهي تجري وراء سراب النصر المؤقت، لا بديل للعملية السياسية لإحلال الاستقرار الدائم". (4)
لقد مثلت تصريحات أنور قرقاش تحدي لإرادة الليبيين ، وإعلان حرب واضح وان كان بطريقة مبطنة.

وجاء الرد سريعا  على تصريحات أنور قرقاش، الأربعاء 20 مايو عام 2020م فتحي باشاغا وزير الداخلية في حكومة الوفاق الليبية ردا على أنور قرقاش قال : " كفاكم ضحكا على المغفلين وتلاعبا بالألفاظ وقلبا للحقائق ، سخَّرتم إعلامكم المضلل ومالكم الفاسد وخرقتم قرارات الأمم المتحدة بحظر توريد الأسلحة سعياً وراء حلمكم بمشروع ديكتاتوري آخر بالمنطقة".(5)
وأضاف باشاغا بقوله :" الأزمة في ليبيا ما كانت لتكون لولا تدخلاتكم الخبيثة في شؤونها الداخلية ودعمكم للانقلابيين وإرسالكم للأسلحة وشرائكم للذمم بمالكم الفاسد وتحريضكم على العنف بإعلامكم المُضلل،
أسلحتكم التي خلّفها عملاؤكم وراءهم ستظل شاهداً على سوء أعمالكم ودليلا نلاحقكم به ما حيينا". (6)
وفي نفس التوقيت
المتحدث باسم الجيش الليبي  العقيد محمد قنونو في لهجة تصعيدية  قال :" أي هدف يشكل خطراً ثابتاً كان أو متحركاً سيتم استهدافه ولا يوجد أي خط أحمر، حان الوقت ليتدفق النفط مجددا والضرب على الأيدي الآثمة العابثة بقوت الليبيين، ليبيا ستكون مقبرة لمن اختار أن يتمرد عليها ويهدد أمنها وسلامتها".(7)
وأضاف محمد قنونو بقوله : "نوجه إنذارا أخيرا لكل من رفع السلاح إلى جانب الإرهابيين والمرتزقة في الأصابعة ومزدة وترهونة وجنوبي طرابلس ، على كل من تمرد مع مجرم الحرب حفتر لمحاربة الدولة إلقاء أسلحتهم وتسليم أنفسهم ".(8)
هذه التصريحات واللهجة التصعيدية من قبل فتحي باشاغا، ومحمد قنونو  انعكست بشكل كبير على مسرح العمليات العسكرية.  يوم الخميس 21 مايو عام 2020م هو اليوم الذي  سقطت فيه اسطورة منظومة الدفاع الجوي الروسية البانتسير ،حيث وجه طيران حكومة الوفاق ضربات مدمرة لأكثر من  ست منظومات بانتسر في ترهونة ، والوشكة، وجنوب طرابلس .(9)

كان لقوى الثورة التونسية موقف واضح، فقد تلقى رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الليبية السيد  فائز السراج يوم  الثلاثاء 19 مايو عام  2020م  اتصالاً هاتفياً من رئيس مجلس النواب التونسي  السيد راشد الغنوشي  تناول مستجدات الوضع في ليبيا.
وقدم السيد الغنوشي  خلال الاتصال تهانيه للسيد  السراج  باستعادة حكومة الوفاق الوطني لقاعدة الوطية الاستراتيجية، وعبر السيد الغنوشي عن ارتياحه لعودة القاعدة القريبة من حدود تونس إلى الشرعية، مؤكداً على أنه  لا حل عسكري للصراع في ليبيا وعلى ضرورة
 العودة للمسار السياسي، وأشار رئيس مجلس النواب إلى أن تونس تتأثر مباشرة بكل ما يحدث في ليبيا، ويهمها عودة الأمن والاستقرار للبلاد(10)
أما بالنسبة لموقف  الدول الكبرى فهي وان أصبحت تتيقن الان بعد سقوط قاعدة الوطية ، وسيطرة قوات حكومة الوفاق على مدن بدر وتيجي ومحاصرة مدينة  الاصابعة حقيقة فشل مشروع حفتر، وانه يهدد السلم والاستقرار في ليبيا ودول الجوار، وانه يشن حرب إبادة على الشعب الليبي ، إلا أنها مازالت تصر على انه  شريك في العملية السياسية ويجب التفاوض معه.

وفي اجتماع مجلس الأمن يوم الأربعاء 20 مايو عام 2020م قالت المندوبة الأمريكية بمجلس الأمن كيلي كرافت: "نحث حكومة الوفاق وحفتر على العودة إلى المفاوضات السياسية وفقا لمخرجات برلين".(11)
وإذا أخذنا في الاعتبار تصريحات ستيفاني وليامز ، فان الوضع مرشح للتصعيد، فقد حذرت  من أن الحرب في ليبيا ستتسع ويزداد التصعيد دموية، جراء استمرار تدفق الأسلحة والمرتزقة والعتاد العسكري لكلا الجانبين، إلى جانب استمرار التدخل الخارجي، ودعت ستيفاني أعضاء مجلس الأمن إلى ممارسة الضغط على الجهات الدولية والإقليمية التي تغذي هذا الصراع.(12)
السؤال المهم ألان هو ..ما هي تطورات الاحداث القادمة في المشهد الليبي  السياسي والعسكري؟.
كل المؤشرات تؤكد بان سقوط ترهونة أصبح وشيكا ، وأنها لن تصمد طويلا أمام ضربات قوات حكومة الوفاق . كما توجد مؤشرات عن قرب معركة سرت، والتي تقع بقربها قاعدة القرضابية الجوية، وهي قاعدة هامة ، إلا أن مسالة توجه قوات حكومة الوفاق  نحو الجفرة أو الحقول النفطية هو  ليس بالأمر السهل ، وان كانت تملك القدرة العسكرية على ذلك ،والسبب هو  تدخلات الدول الكبرى التي تضغط باتجاه وقف إطلاق النار ، واستئناف العملية السياسية. وهذا واضح في تصريحات كثير من المسؤولين الروس والأمريكيين  والأوروبيين، وقد تكون هناك تفاهمات دولية بهذا الشأن .

قاعدة الوطية: حسابات الجغرافيا السياسية وصراع المحاور:
يمكن القول بأنه إذا كان معبر رأس جدير هو الترمومتر الحساس في العلاقات الليبية التونسية، بما يمثله من أهمية في الحركة بين البلدين ، والتبادل التجاري ،  فان قاعدة الوطية هي البقعة الساخنة التي ما إن يشتعل الصراع حولها ، ويرتفع صوت المدافع مدويا حتى يتردد  صداه غربا ليلقي بظلاله ايجابيا أو سلبيا  على المشهد السياسي والأمني في تونس  والجزائر، وخاصة تونس التي تعتبر حدودها البالغ طولها حوالي 500 كم منطقة اتصال مباشر مع غرب ليبيا حيث الثقل السكاني والسياسي والاقتصادي.
وقد أصاب الشيخ راشد الغنوشي عين الحقيقة عندما قال في أحداث فجر ليبيا في يونيوعام 2015م :" إن قوات فجر ليبيا هي خط الدفاع الأول الذي يفصل داعش عن تونس".
إن موقع القاعدة الاستراتيجي يفرض على كل اللاعبين في المنطقة من قوى دولية وإقليمية أن تسعي للسيطرة عليها ، واستثمار موقعها في فرض حقائق على الأرض وتحقيق مكاسب عسكرية وسياسية وأمنية.
سقوط قاعدة الوطية  هو رسالة لجيران ليبيا  في تونس والجزائر ودول المغرب العربي ، رسالة طمأنة تؤكد بان بسط قوات حكومة الوفاق سيطرتها على هذه القاعدة الاستراتيجية ، سيكون فرصة لعلاقات واتفاقيات وتفاهمات لتعزيز الاستقرار والتعاون والتنسيق العسكريوالأمني المشترك بعيدا عن لغة الشائعات التي يروجها أنصار حفتر وحلفائهم،وسقوط القاعدةأيضا هو رسالة للدول الكبرى التي لم تتخذ مواقف جادة تجاه حفتر، ومازالت تصر على بقائه شريكا في العملية السياسية  ويجب التفاوض معه.
لا شك بان حساسية وأهمية موقع قاعدة الوطية، وقربها من الحدود التونسية قد جعل للصراع حولها تأثيرا وتداعيات على الجارة  تونس ، بحيث أصبحت تونس في قلب صراع المحاور ألإقليمية والدولية في مشهد الصراع الليبي .
منذ انطلاق عملية عاصفة السلام في 25 مارس عام 2020م ، وفشل الهجوم ألأول على قاعدة الوطية، بدا سلاح طيران حكومة الوفاق في شن غاراته باستمرار على القاعدة بغرض تحييدها وإخراجها من الخدمة، ومنع قوات حفتر من الاستفادة منها . لقد أدت الضربات الموجعة على القاعدة إلى خسارة كبرى لقوات حفتر التي راهنت عليها في معارك غرب ليبيا .
تحركت الامارات بسرعة في محاولة للتأثير على موقف تونس ، في 28 ابريل عام  2020م م زار وزير خارجية الامارات الشيخ عبدالله بن زائد تونس ، ثم  اتصل ولي عهد أبوظبي محمد بن زائد بالرئيس قيس سعيد  في 16 ابريل عام 2020م ، وان كان المعلن من وراء هذه الزيارات والاتصالات  هو العلاقات بين البلدين ، فانه من الواضح بان دولة الامارات بدأت تهتم أكثر بتونس على خلفية الصراع الليبي . هذا بالإضافة إلى التقارب بين تونس ومصر الذي بات واضحا منذ اتصال الرئيس قيس سعيد بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في 27 مارس عام 2020م . من حق تونس كدولة ذات سيادة أن تقيم علاقة دبلوماسية  مع من تشاء ، وبما يخدم مصالحها ، ويحقق متطلبات أمنها القومي. إلا أن حقائق التاريخ والجغرافيا تؤكد بان مصالحها الاستراتيجية مع ليبيا والجزائر أكثر من أي دولة  أخرى.
لقد  استشعرت دولة الامارات قرب الهزيمة في قاعدة الوطية ، وأرادت أن تضمن خطوط إمداد للقاعدة المحاصرة عبر الحدود التونسية، سيناريو عام 2011م عندما سمحت تونس بمرور السلاح عبر أراضيها لدعم الثورة الليبية ضد القذافي هو ما كانت تراهن عليه دولة الامارات . لا يمكن لأي قوى  تتصارع في غرب ليبيا أن تتنكر لأهمية الحدود التونسية في الدعم اللوجستي، والأسلحة، وكل أنواع الدعم ، خاصة وان قاعدة الوطية لا تبعد سوى 27 كم عن  الحدود التونسية جهة ولاية تطاوين، وتحركت الآلة الإعلامية المدعومة من دولة الامارات في تونس لتؤجج الرأي العام وتنشر الأكاذيب عن استخدام الاتراك الأراضي التونسية سرا  في نقل الأسلحة ودعم قوات حكومة الوفاق ، وأصبح الحديث كثيرا عن مطار مدينة رمادة  التونسي  القريب من الحدود الليبية ، وأصبح هبوط طائرة تركية في مطارات تونس محل شك ، بل مبرر للبعض لتسويق الأكاذيب والاصطياد في الماء العكر ، والهدف هو شيطنة حركة النهضة.
يحدث ذلك بالتوازي مع حملة في البرلمان التونسي يشنها بعض النواب المعادين للثورة التونسية، والدعوات بحل البرلمان ، ومحاولات تعطيل التصويت على الاتفاقية التجارية مع تركيا، وبعض التصريحات النارية لبعض النخب والسياسيين التي تنذر بحرب أهلية في تونس،وإذا أضفنا إلى ذلك تصريحات وزير الدفاع التونسي  عماد الحزقي   في ابريل عام 2020م التي وصف فيها قوات حكومة الوفاق بأنها مليشيات، فان الصورة تبدو واضحة عن ماذا يحدث في تونس.
وبعيدا عن تصريحات وزير الدفاع عماد الحزقي ، والتي تم احتواء تداعيتها باتصال الرئيس قيس سعيد برئيس حكومة الوفاق فائز السراج في 15 ابريل عام 2020م ، حيث جدد قيس سعيد للسراج موقف تونس الثابت وتمسكها بالشرعية، الا انه هناك  حملة ممنهجة، وكل التصريحات والمواقف التي جعلت المشهد السياسي التونسي في حالة حرب  باردة ، تجعلنا على يقين  بأنه هناك دول تتدخل في الصراع الليبي  تريد أن تزج بتونس في لعبة صراع المحاور ، ولم تكن الحملة الممنهجة في تونس ضد حركة النهضة  وتركيا وحكومة الوفاق الليبية  بمعزل عن أنصار الكرامة وأنصار معمر القذافي ، فقد ظهرت مواقف  لبعض ألإعلاميين والسياسيين الليبيين تدعم وتؤيد النخب التونسية المعادية لحركة النهضة، وبات من المالؤف أن يظهر بعض ألإعلاميين والنشطاء والسياسيين التونسيين في قنوات الكرامة والقنوات التابعة لدولة الامارات وهم يشيدون بالجيش الوطني والمشير حفتر. بل وصل ألأمر بالبعض إلى حد مطالبة قوات حفتر بقصف أهداف في تونس بحجة أن الاتراك  يستخدمونها  للاعتداء على ليبيا حسب وصفهم.
هناك تساؤلات مهمة تفرض نفسها وهي : سقطت قاعدة الوطية في يد قوات حكومة الوفاق ، فهل ستخرج القاعدة  من حسابات حفتر وداعميه  الاقليميين والدوليين ، أم أنها ستظل قاعدة مهمة بالنسبة لهم ؟. وهل انتهت حاجة الامارات إلى الزج بتونس في لعبة صراع المحاور ، أم لم تنتهي وهناك فصل جديد وتطورات جديدة على الساحة التونسية على خلفية الصراع الليبي؟. وهل ستتعرض القاعدة لعمليات انتقامية وغارات جوية لمنع قوات حكومة الوفاق من الاستفادة منها ؟.
لا شك بان قاعدة الوطية لم تخرج من حسابات حفتر وداعميه ، ومن المتوقع أن تتعرض للاستهداف . سقوط قاعدة الوطية كان بمثابة الضربة الموجعة التي أصابت طموحات حفتر وداعميه وعلى رأسهم الامارات في مقتل، لذا فان  المخطط الاماراتي لن يتوقف عن  الزج بتونس في لعبة صراع المحاور . تريد الامارات أن تستغل الصراع بين القوى السياسية  وتزج بتونس في لعبة صراع المحاور لتضمن دعم حليفها حفتر في غرب ليبيا ، أو ضمان حياد تونس في الحد ألأدنى . وتراهن على ضرب قوى الثورة التونسية ممثلة في حركة النهضة وحلفائها لكي تضمن تطويق  الثورة الليبية من جهة الحدود التونسية غربا، كما أن دولة الامارات تريد أن تقطع الطريق على  تركيا وتمنع قيام تحالف تركي مدعوم عربيا من تونس والجزائر وبقية دول المغرب العربي  لخلق توازنات قوى تدعم حكومة الوفاق الشرعية والحل السياسي في ليبيا، ليس خافيا بأن مصر ودولة الامارات والسعودية يسعون إلى تشكيل تحالف عربي ضد الدور التركي في ليبيا ، ولدعم وكيلهم حفتر تحت حجة مواجهة الغزو التركي لدولة عربية، وقد بدأت فعلا بعض ألأقلام ووسائل ألأعلام في نشر ألأكاذيب في محاولة لتنفيذ أجندات ما بعد سقوط قاعدة الوطية، وان القاعدة سوف تصبح قاعدة تركية وتهدد ألأمن القومي لتونس ،وأصبح هناك حديث عن عناصر إرهابية سوف تتواجد في جبال تونس وسوف تتحرك  للقتال في ليبيا إلى جانب قوات حكومة الوفاق بالتنسيق ما بين الاتراك وحركة النهضة ،وغيرها من الاشاعات والأكاذيب التي تحاك في كواليس القاهرة وأبو ظبي،وهيأجندات عنوانها ألأبرز" ضرب قوى الثورة التونسية". والإجهاز على الديمقراطية الوليد.

الخاتمة:
إن الخطوات التالية التي سوف تتخذها حكومة الوفاق بشأن قاعدة الوطية هي من ستحدد وجهة الاحداث مستقبلا ، وبإمكان حكومة الوفاق أن تستثمر الانتصار العسكري إلى مكاسب سياسية وأمنية، وان يكون سقوط قاعدة الوطية بداية لتنسيق امني وتعاون بين ليبيا وتونس والجزائر بما يخدم المصالح الوطنية لكل الدول المتجاورة ، أما إن حدث غير ذلك وأصبحت القوى في غرب ليبيا تتصارع حول من ستؤول إليه إدارة القاعدة ، وتم نبش الماضي من بقايا جراح فجر ليبيا  والحسابات الجهوية الضيقة، ورغبة بعض ألأطراف في أن تكون هي القوة المهيمنة في المنطقة، فإن الانتصار العسكري لن يتم استثماره. كما أن احتمال تعرض القاعدة لهجمات انتقامية يحتم على حكومة الوفاق ، وثوار ليبيا أن لا تأخذهم نشوة الانتصار بعيدا عن قراءة ما هو قادم من تحديات،  وتنسيهم أهمية الحفاظ وبشكل عاجل على هذه  المكاسب الاستراتيجية.

محمد عمران كشادة (وحدة ليبيا بمركز الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية بتونس)

 

هوامش:

  1. موقع المركز ألإعلامي  مصراتة عاصمة الشهداء. 
  2. موقع قناة ليبيا ألأحرار.
  3. موقع قناة ليبيا ألأحرار.
  4. موقع قناة ليبيا ألأحرار.
  5. موقع قناة ليبيا ألأحرار.
  6. موقع قناة ليبيا ألأحرار.
  7. موقع قناة ليبيا ألأحرار.
  8. موقع قناة ليبيا ألأحرار.
  9. موقع قناة بانوراما.
  10. موقع المكتب ألإعلامي لرئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني .
  11. موقع قناة ليبيا ألأحرار.
  12. موقع قناة ليبيا ألأحرار.
  • شارك:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك