القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

سبر الآراء في تونس بين الحقيقة والتوظيف السياسي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-06-21 10:43:00 | 394 مشاهدة

 

الملخص

      مع اقتراب المواعيد والاستحقاقات الانتخابية سواء التشريعية منها أو الرئاسية تستعر حمى التنافس بين الأطراف السياسية الفاعلة في البلاد ويشتد معها وطيس التكهنات وتزدهر سوق الرهانات مع ظهور نتائج عمليات سبر الآراء التي تلقي بنتائجها المحملة بالرسائل المبطنة لتعلن صعود قوى سياسية ونزول أخرى في قراءة محينه "للبارومتر السياسي" بوصفه المحرار الذي يضطلع بمهمة استشراف توقعات ما ستبوح به الصناديق الانتخابية في واقع يتسم بسير بطيء باتجاه تكريس الديمقراطية المنشودة وحماية المسار الانتقالي الهش. لئن مثلت عمليات سبر الآراء ظاهرة ضرورية ومفيدة للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بعد الثورة من أجل إنارة الرأي العام وفهم وضبط التوجهات العامة للخيارات المستقبلية على شاكلة ما يتم اعتماده في معظم البلدان الديمقراطية إلا أن تعاظم موجة الانتقادات الموجهة لهذه التجربة من عديد الأطراف التي ترى فيها وفي شكلها الحالي وما تعتمده من آليات وما تفرزه من نتائج شكلا من أشكال توجيه الرأي العام ونوعا من أنواع التوظيف السياسي الذي يخدم أجندات سياسية بعينها خاصة وأن هذه الاستطلاعات محتكرة من طرف شركات بعينها لها مصالحها المتناقضة مع تحتاجه البلاد من لزوم الحياد والشفافية. وأمام غياب الإطار القانوني الذي ينظم قطاع سبر الآراء في تونس والذي لم تحظ الشركات العاملة به بالمصداقية المطلوبة وظلت محل تشكيك واتهام بعدم الالتزام بالموضوعية والانصراف عن اعتماد التقنيات العلمية من جهة والسعي إلى توظيف استطلاعات الرأي التي تقوم بها لخدمة أطراف سياسية دون غيرها من جهة أخرى مما حولها إلى إحدى أدوات الصراع السياسي ومما وسع دائرة التشكيك والامتعاض من هذه الممارسات لتشمل كامل الطيف السياسي بكل مشاربه وأطيافه.

      وقد تعاظمت في الفترة الأخيرة الدعوات المؤكدة على أهمية تحلي مختلف مؤسسات سبر الآراء بمقتضيات المهنية حماية لهذا القطاع المستجد من كل توظيف حزبي أو سياسي وأن تترفع هذه المؤسسات عن الانخراط في أجندات تتلاعب بالرأي العام دون إغفال ما لهذه المؤسسات من دور مهم في دعم الممارسة الديمقراطية وتطوير الأداء الحزبي  ومساعدة الناخب على حسن الاختيار من خلال القراءة الواقعيّة للمشهد الانتخابي ومن خلال تحديد قواعد سلوكية ومبادئ عامة تنظم القطاع وتركيز الهياكل القانونية التي تعنى بتنظيمه ومراقبته والسهر على تأمين مصداقية استطلاعات والتصدي للجهات الساعية إلى الانحراف بمسار الثورة أو التي تتعمد التلاعب بالأرقام والمعطيات خدمة لأجندات وخيارات مشبوهة وما يمثّل ذلك من خطورة على الديمقراطية الناشئة والسعي إلى وضع إطار تشريعي ينظم شروط وآليات نشاط مؤسسات سبر الآراء طبقا للمواصفات الدولية واستئناسا بالتجارب العالمية من أجل إنهاء حالة الجدل المرتبطة بمؤسسات الإعلام ومكاتب استطلاع بصفة نهائية ودائمة.

مقدمة

      عادت شركات سبر الآراء إلى واجهة الجدل في تونس بما تصدره من تقارير وإحصائيات ونتائج مع اقتراب مواعيد الانتخابات التشريعية والرئاسية المقررة لهذا العام. وفي هذا الإطار هناك من يعتبر عمليات سبر الآراء المنجزة إلى حد الآن مجرد عمليات إشهارية لبضاعة سياسية كاسدة تُدفع من أجلها أموال ضخمة لجلب المستهلكين لها في ما يمكن أن نعتبره نوعا من الإشهار المقنع…وهناك في المقابل من يؤكد على أهمية عمليات سبر الآراء في بناء التعددية السياسية والحياة الديمقراطية من خلال تعزيز مبادرات مؤسسات المجتمع المدني الهادفة إلى تكريس مشروعية هذه العمليات باعتبارها وسيلة لفهم الرأي العام وتقصّي نوايا التصويت خلال المحطات السياسية الكبرى على غرار الانتخابات وغيرها مع ضرورة السعي إلى وضع الشروط القانونية والتشريعية المنظمة لها ولعمليات بثها واستغلالها. ويوجد في تونس وفق إحصائيات غير رسمية ما بين عشرين وخمسة وعشرين مؤسسة لسبر الآراء أغلبها يواجه اتهامات بالقيام بالدعاية المضادة وعدم المصداقية وغياب الكفاءة كرسه من ناحية فقدان الإطار التشريعي وظهور حالة من الانتصاب الفوضوي لهذه المؤسسات التي تعتمد في أغلبها مناهج غير علمية من خلال إخفاء العينات التي تتناولها بالدرس بالإضافة إلي ما بات يتداول في الكواليس السياسية والإعلامية بشكل متواتر عن عمليات ابتزاز وبيع وشراء تقوم به بعض هذه الشركات التي تطلب من حرفائها من السياسيين والإعلاميين دفع مبالغ بطريقة مباشرة أو غير مباشرة مقابل مجرد الظهور في ترتيب نوايا التصويت من ناحية أخرى. ويتخوف البعض كذلك من مخاطر استطلاعات الرأي في توجيه الناخبين في وجود إمكانية لتلاعب هذه الشركات بالمعلومات وبطرق تقديمها في ظل غياب الإطار التشريعي المنظم للعملية مطالبين بالتوازي مع ذلك بالوقف الفوري لعمليات سبر الآراء في المجال السياسي في انتظار سن قانون ينظم عملها من أجل تنقية المناخات السياسية وحرصاً على ضمان حيادية الإدارة ووسائل الإعلام ومراقبة المال السياسي وحتى لا تتحول عمليات سبر الآراء إلى فضاءات للتحيل والتوظيف يمكن أن تؤدي إلى استبدال الشرعية الديمقراطية القائمة على الانتخابات بشرعية مزيفة ومصطنعة تتحول معها الممارسة السياسية من إدارة الشأن العام بما يخدم المصلحة العامة إلى إدارة أهواء الجمهور قياسا على نسب رضا مفتعلة. وتحيل التجارب المقارنة إلى خضوع كل عمليات استطلاعات الرأي في العالم إلى تنظيم هيكلي محكم حيث يشرف المجلس الوطني لاستطلاع الرأي على العملية في الولايات المتحدة الأمريكية ويقوم بدور التنظيم الذاتي للقطاع والمهنة، فيما يشرف المجلس البريطاني للتصويت على وضع المعايير المهنية وعلى التعاون مع الصحفيين في التعاطي مع نتائج سبر الآراء، وتتكفل الهيئة الوطنية للاستطلاعات الفرنسية بمراقبة الخطوط الفاصلة بين نتائج سبر الآراء والقرار الانتخابي علما وأن هذه الهيئات تتركب من قضاة وشخصيات مستقلة لها الكفاءة بينما لا يزال قطاع سبر الآراء في تونس مرتعا للمقايضات السياسية مع عدم انتساب أي مؤسسة سبر أراء تونسية لمنظمة "إيسومار" مثلا بوصفها أهم منتظم عالمي واضع للمعايير المهنية والأخلاقية التي تتقيد بها كل مكاتب سبر الآراء في العالم.

وبالرجوع إلى المفهوم التقليدي لمونتسكيو في توزيع السلطات بين تنفيذية وتشريعية وقضائية وإلى النموذج المتطور الحديث المتمثل في اعتبارا لإعلام سلطة رابعة بالإضافة إلى من يعتبرا لمدونات الإلكترونية السلطة الخامسة في العالم لما لها تأثير كامن وحقيقي على صناعة السياسات المعاصرة وخاصة في سياق الانتخابات،فإن مؤسسات سبر الآراء باتت تتطلع إلى تبوإ هذا الموقع المتقدم في صنع القرار عبر السيطرة على العقول ومسارات الرأي بوصفها السلطة الخامسة ذات الشرعية المطلقة.

1 / استطلاعات الرأي والنهوض الديمقراطي

     يحتدم النقاش مع اقتراب المواعيد الانتخابية حول مدى الحاجة إلى مؤسسات استطلاعات الرأي وعن مدى صدقية تقنيات البحث الميداني ونجاعته وتأثيره في سبر أغوار توجهات الرأي العام تجاه الأبعاد الثلاثة المشكلة للمشهد السياسي من جهة تقييم أداء الحكومات المتعاقبة وتفكيك مواقع الخلل في مسار أدائها وكذلك من خلال رصد تفاعل الأحزاب مع برامجها المعلنة وأيديولوجيتها وأفكارها واختياراتها من ناحية التصور والتطبيق والتنزيل واستطلاع درجة الوعي بمدى تشكل مستوى الإدراك العام لدى السواد الأعظم من المواطنين لاستحقاقات المرحلة وتحدياتها.

ونظرا للأهمية التي أصبحت تمثلها عمليات استطلاع الرأي من خلال  قدرتها على التأثير على توجهات الرأي العام ومعرفة ميولاته واختياراته السياسية والثقافية والاجتماعية من ناحية وتوفيرها لمعطيات مهمة جداً للسلطة والمعارضة على حد سواء من ناحية أخرى بما يساهم في تحديد اتجاهات بوصلة الإصلاح والتطوير، فإن استطلاعات الرأي قد تحولت بذلك  إلى آلية أساسية لضبط مؤشرات واتجاهات السياسات العامة داخل البلدان الديمقراطية  وغيرها كما أصبحت تمثل نوعا من التفاعل الجدي بين السلطة والقوى الفاعلة في البلاد في خلال إيجاد فرص لمناقشة القضايا المصيرية ووضع السياسات في مختلف مجالات الحياة السياسة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في إطار من الشفافية والديمقراطية.

لا أحد ينكر ما تعانيه المجتمعات العربية  في عمومها من ضعف في البنية المؤسساتية والعملية القادرة على صناعة القرار ومأسسته الأمر الذي فوت عليها الكثير من الفرص القادرة على تحقيق التنمية والازدهار ووفر هامشا كبيرا من الأخطاء الفادحة في القرارات والخيارات السياسية والاقتصادية والإستراتيجية دامت لسنوات طويلة وهو ما جعل الكثير من البلدان العربية تشهد هزات عنيفة خلال العشر سنوات الماضية توجت بما شهدته المنطقة العربية من انتفاضات وثورات كانت ولا تزال معبرا حقيقيا عن الفجوة الكبيرة بين الشعوب وحكامها  وعن غربة النخب الحاكمة عن المشاغل الحقيقية للمواطن الباحث عن حلول حقيقية لمشاكل الفقر والبطالة وانسداد الأفق. تعتبر توجهات الناس وخياراتهم أساس بناء الديمقراطيات و ركيزة القيام بعمليات الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي ولذلك فإن حجبها وتغيبها بفرض القيود على الاستطلاعات والدراسات وعمليات الإحصاء والرصد والتشكيك فيها والتغافل عن مخرجاتها يحرم العملية الديمقراطية من الزخم الذي يحتضنها ويوفر لها فرصاً واسعة للقضاء على شبح عزوف الناس عن ممارسة حقوقهم في المواطنة الرشيدة  والمشاركة في اختيار من يحكمهم من خلال الوعي بضرورة المشاركة الفاعلة والدائمة في صياغة القرار والتصدي لمحاولات إخضاع الفعل السياسي للضبط والتوجيه عبر الاقتناع بأن أي نظام سياسي لا يستمد سلطته وشرعيته إلا من الشعب الذي بجب أن يكون له الدور الأكبر في اتخاذ القرارات وصناعة السياسات المختلفة. تحتاج استطلاعات الرأي لكي تحافظ على مصداقيتها وقربها من مشاغل الناس إلى بيئة قانونية واجتماعية متينة وذلك من خلال إنجاز بحوث أكاديمية قادرة على رسم استراتيجيات بعيدة المدى للفعل والممارسة السياسية والسعي إلى توفير الإمكانيات الموضوعية واللوجيستية لإجراء استطلاعات رأي محايدة ومستقلة استقلالية كاملة تحترم الشروط المهنية والاحترافية التي تجعلها قادرة على الإفلات من الضغوطات مهما كان مأتاها ومهما كان موقع القائمين بها في الداخل أو الخارج بما يؤهلها أن تكون على درجة عالية من الموضوعية والتجرد من المواقف الذاتية وعدم التحيز لهذا الطرف أو ذاك خاصة وأن السنوات الأخيرة عرفت طفرة نوعية في محاولات العديد من الأطراف تطوير برامج استطلاعات الرأي رغم غياب القوانين الكفيلة بجعل نتائجها نزيهة وذات مصداقية.

2 / مؤسسات سبر الآراء والأدوار الخفية

     يتواصل الجدل ويحتد حول نشر مؤسسات سبر الآراء لنتائج استطلاعاتها خاصة في الفترة التي تسبق الانتخابات في ما يتعلق بترتيب الشخصيات والأحزاب وأكثرها تأثيرا وفاعلية وقربا من مشاغل الناس والمواطنين وتتزايد معه حملات التشكيك في مصداقية هذه النتائج وتتوسع لتشمل وسائل إعلام تونسية مرئية ومسموعة مع انطلاق البرمجة الرمضانية للتحذير من وجود عمليات ممنهجة لتوجيه للرأي العام والتلاعب بالنسب والمعطيات خاصة مع وجود سوابق في نشر نتائج مزيفة وغير مطابقة للواقع حول المشهد السياسي وانسب المشاهدة الرمضانية مما دعا عديد المؤسسات والفاعلين إلى إطلاق صيحة فزع لوضع حد لهذا الغول الذي قد يعجل بإفساد المناخات المساعدة على استكمال المسار الانتقالي والوصول به إلى بر الأمان. وتتزايد مطالبة طيف واسع من الفاعلين السياسيين في تونس بتنظيم قطاع سبر الآراء للحيلولة دون انحرافه وانجرافه إلى الفساد وعدم المصداقية ويصل الأمر في عديد الأحيان إلى الدعوة إلى منع نشر نتائج استطلاعات الرأي في الفترات الانتخابية وما قبلها على اعتبار أن هذه النتائج التي لا تخضع للقانون أو للرقابة من شأنها أن تؤثر في نوايا التصويت وتغير نتائج الانتخابات وترسخ نظرية المؤامرة الخفية في ذهن عموم التونسيين التي يمكن أن تحاك للتلاعب بالرأي العام وتوجيهه خاصة في غياب الرقابة العمومية والذاتية وانعدام الأطر التشريعية المنظمة لها دون الغفلة عن الأدوار المشبوهة لبعض مؤسسات سبر الآراء المتذبذبة بين المشهدين السياسي والإعلامي وانسياقها في انحرافات عديدة ومتعددة قد تكون لها تأثيرات سلبية على الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية على حد سواء.

    وقد توسعت دائرة التشكيك والامتعاض من هذه الممارسات لتشمل كامل الطيف السياسي في تونس بكل مشاربه وأطيافه فقد شكك رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي في خطاب بمناسبة حلول شهر رمضان المعظم في نتائج سبر الآراء معتبرا أن مؤسسات العاملة في المجال قد زادت الطين بله وأججت الحمى الانتخابية واعتبر النتائج المعلن عنها غير حقيقية. ولم يكن موقف رئيس الجمهورية الوحيد في هذا الشأن فقد عبرت عدة أحزاب وعلى رأسها حركة النهضة عن استيائها الشديد مما ينشر مؤكدة في الوقت نفسه على أهمية تحلي مختلف مؤسسات سبر الآراء بمقتضيات المهنية حماية لهذا القطاع المستجد من كل توظيف حزبي أو سياسي وقالت حركة النهضة في بيان لها نشرته يوم غرة ماي 2019 أن لمؤسسات سبر الآراء دورا مهما في دعم الممارسة الديمقراطية وتطوير الأداء ومساعدة الناخب على حسن الاختيار من خلال القراءة الواقعيّة للمشهد الانتخابي وعليها أن تترفع عن الانخراط في أجندات تتلاعب بالرأي العام. وفي نفس السياق فإن طيفا واسعا من الفاعلين السياسيين في تونس يتّهمون مؤسسات سبر الآراء بتزييف الحقائق وتوجيه الرأي العام مقابل الحصول على المال الفاسد في حين تتجه بقية الآراء والمواقف إلى اعتبار مؤسسات سبر الآراء ظاهرة سياسية تهدف إلى فبركة الرأي العام ومغالطته وأنها تحولت إلى نوع من مؤسسات الدعاية السياسية المحتكرة فيما يعتبر البعض الأخر أن قطاع سبر الآراء قطاع مارق عن رقابة الدولة ويشهد انتصابًا فوضويًا تتحكّم فيه لوبيات هدفها توجيه الرأي العام والسيطرة عليه.

     وقد تجد موجة التشكيك هذه مشروعيتها من الغموض الذي يكتنف عمل مؤسسات سبر الآراء في تونس من حيث التقنيات المعتمدة  وطرق التمويل  وطبيعة الأهداف والاستراتيجيات بما يستوجب من الجميع تكثيف السعي الجاد لوضع قانون ينظم هذا القطاع وينظفه من الدخلاء الذين يبحثون عن الإثراء من المال الفاسد وتزييف الوقائع وبغير ذلك لا يمكن أن تكون لبلادنا تجارب رائدة في مجالات استطلاعات الرأي وسبر الآراء.

 3 / مؤسسات سبر الآراء وخارطة الخروج من المأزق

إن العودة إلى استطلاعات رأي عالمية وتجارب مقارنة تثبت أن مؤسسات عريقة في المجال قد أثبتت فشلها في إعطاء نتائج واقعية ومطابقة لتصويت الناخبين الحقيقية في دول عريقة في ممارسة الديمقراطية مثل الولايات المتحدة بما يعني أن المسألة تثير جدلا في كل الدول وليس في تونس فقط. فقد كانت نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة التي فاز فيها "دونالد ترامب" صادمة لوسائل الإعلام التي نشرت نتائج مخالفة و بفارق كبير وذلك استنادا إلى استطلاعات قامت بها كبرى الشركات العاملة في المجال وقبل ساعات فقط من توجه الناخبين الأميركيين والتي أكدت بأن فرص المرشحة الديمقراطية "هيلاري كلينتون" في الفوز بالسباق الرئاسي تصل إلى نحو تسعين بالمائة فيما أظهر استطلاع آخر لـ"فوكس نيوز" مثلا  تقدم كلينتون بنقطتين مئويتين على المرشح الجمهوري .وبالرغم من أن نشر نتائج سبر الآراء في المجتمعات الديمقراطية يتم وفق قانون ينظم هذا القطاع على عكس ما يجري في تونس حيث لا تخضع عمليات سبر الآراء لأي قانون نظرا لغياب الإطار التشريعي الذي يسهر على تنظيم عمليات نشر نتائج استطلاعات الرأي وفق إجراءات تحترم فيها جملة من الضوابط كما هو الحال في  فرنسا مثلا حيث تم تركيز لجنة خاصة تشرف على إنجاز سبر الآراء وتقوم بالإطلاع  والإشراف على المنهجية التي يتم اعتمادها والأسئلة التي يتم طرحها والتعرف على الجهات الممولة وهو ما جعل متابعين للشأن الإعلامي والانتخابي في تونس يتساءلون إن  كان الخبراء الممارسون لعمليات الاستطلاع  قد أخذوا بالاعتبار التجارب العالمية للاستفادة منها وتجنب نقاط الضعف والأخطاء المتكررة في هذا المجال لاسيما مع حالة الجدل المرفوقة بانعدام الثقة بمؤسسات الإعلام ومكاتب استطلاع الرأي واتهامها بالانحياز لصالح أطراف معينة. ومع وجود أصوات تعتبر أن وجود قانون يتعلّق بتنظيم سبر الآراء واستطلاعات الرأي وإنجازها ونشرها لا يمثل حلا ناجعا لمنع حدوث انتهاكات في القطاع فإن طيفا كبيرا من السياسيين يؤكد على أهمية ذلك إذ تتالت المبادرات التشريعية من هنا وهناك الداعية إلى وضع آليات عملية لمراقبة عمليات سبر الآراء ومنع العبث بنتائجها للحدّ من الانتهاكات التي تقوم بها مكاتب استطلاع الرأي. وتجدر الإشارة هنا إلى مقترح مشروع قانون قامت بإعداده الغرفة الوطنية لمكاتب استطلاعات الرأي يهدف إلى وضع إطار تشريعي ينظم المهنة ويؤكد صائغوه أنه منبثق من ميثاق شرف الجمعية العالمية لمكاتب استطلاعات الرأي وهو ينص في أحد بنوده على تشكيل لجنة لاستطلاعات الرأي تتكون من ممثلين على الغرفة الوطنية لمكاتب استطلاعات الرأي وأطراف مستقلين وممثلين عن المعهد الوطني للإحصاء والجمعية التونسية للإحصاء.ومع وجود إجماع على أهمية آلية التعديل الذاتي لتنظيم قطاع استطلاع الرأي فإن الحاجة أصبحت أكيدة لسن قانون يهتم ويحدد قواعد سلوكية ومبادئ عامة تنظم القطاع في شكل كراس شروط تعتني بتنظيم ومراقبة القطاع والسهر على تأمين مصداقية استطلاعات الرأي وتسليط العقوبات المترتبة عن الاخلالات المرتكبة من أجل أن تنأى استطلاعات بنفسها عن الصراعات السياسية وتعمل على توفير المعلومات والأرقام في نطاق الشفافية اللازمة و تنظيم عملية نشر نتائج سبر الآراء وفق إطار تشريعي على غرار ما هو معمول به في البلدان المتقدمة حتى نضمن ألا يجيد هذا القطاع في تونس عن دوره الأساسي المتمثل في إنارة الرأي وأن يساهم بما يقدمه من إحصاءات في اصطفاف المجتمع حول قضاياه الحقيقية المختلفة المرتبطة بمجالات الحياة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية وبها يتم قطع الطريق أمام عديد التجاوزات التي جعلت من استطلاعات الرأي محل توظيف سياسي لتحيد بذلك عن دورها الأصلي.

      الخاتمة

      لا أحد ينكر ما لمؤسسات سبر الآراء من دور مهم في دعم المسار الديمقراطي وتطوير الحياة السياسية ومساعدة الناخب على حسن الاختيار وصياغة المؤشر السياسي المساعد على القراءة الواقعيّة للمشهد الانتخابي وهي بذلك تعد علامة ديمقراطية صحية حيث أن الديكتاتوريات لا وجود فيها لنوايا تصويت عدا التهليل والتطبيل للزعيم الواحد والحزب الواحد. وقد برزت بعد ثورة 14 جانفي عديد المؤسسات العاملة في مجال استطلاعات الرأي في تونس والتي تلجأ عادة إلى نشر نتائج أعمالها بشكل دوري في عدد من وسائل الإعلام لتثير الكثير من الجدل وهو ما دفع عدد من جهات إعلامية وأحزاب ومنظمات مدنية إلى المطالبة بتنظيم عمل هذه المؤسسات والكشف عن أهدافها ومصادر تمويلها داعية إياها إلى العمل  بمقتضيات المهنية حماية لهذا القطاع المستجد من كل توظيف حزبي أو سياسي بعد أن توسعت دائرة التشكيك لتشمل كامل الطيف السياسي في تونس بكل مشاربه وأطيافه متهمة إياها بالضلوع في عمليات ممنهجة لتوجيه للرأي العام والتلاعب بالنسب والمعطيات خاصة مع وجود سوابق في نشر نتائج مزيفة وغير مطابقة للواقع حول المشهد السياسي وإطلاق صيحة فزع لوضع حد لهذا الغول الذي قد يعجل بإفساد المناخات المساعدة على استكمال المسار الانتقالي والوصول به إلى بر الأمان.

   وتحتاج مؤسسات سبر الآراء لكي تحافظ على مصداقيتها وقربها من مشاغل الناس إلى بيئة قانونية واجتماعية متينة وذلك من خلال إنجاز بحوث أكاديمية قادرة على رسم استراتيجيات بعيدة المدى للفعل والممارسة السياسية والسعي إلى توفير الإمكانيات الموضوعية واللوجيستية لإجراء استطلاعات رأي محايدة ومستقلة استقلالية كاملة تحترم الشروط المهنية والاحترافية التي تجعلها قادرة على الإفلات من الضغوطات مهما كان مأتاها ومهما كان موقع القائمين بها في الداخل أو الخارج بما يؤهلها أن تكون على درجة عالية من الموضوعية والتجرد من المواقف الذاتية وعدم التحيز لهذا الطرف أو ذاك.ومع وجود إجماع على أهمية آلية التعديل الذاتي لتنظيم قطاع استطلاع الرأي فان الحاجة أصبحت أكيدة لسن قانون يهتم ويحدد قواعد سلوكية ومبادئ عامة تنظم القطاع في شكل كراس شروط تعتني بتنظيم ومراقبة القطاع والسهر على تأمين مصداقية استطلاعات الرأي وتسليط العقوبات المترتبة عن الإخلالات المرتكبة من أجل أن تنأى بنفسها عن الصراعات السياسية وتعمل على توفير المعلومات والأرقام في نطاق الشفافية اللازمة و تنظيم عملية نشر نتائج سبر الآراء وفق إطار تشريعي على غرار ما هو معمول به في البلدان المتقدمة حتى نضمن ألا يحيد قطاع سبر الآراء في تونس عن دوره الأساسي في إنجاح مسار الثورة والمساعدة على بناء مجتمع ديمقراطي محصن من الهزات والارتدادات المؤذنة بخراب العمران.

عبد الباسط الشايب (باحث وإعلامي)

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك