القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

روسيا والحراك الشعبي في الجزائر مخاوف وتفضيلات

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-05-03 16:46:00 | 640 مشاهدة

 

ملخّص:

 

نحاول في هذه الورقة البحثية إضاءة بعض الجوانب، وإن بإيجاز، في العلاقة بين روسيا والحراك في الجزائر. وسنقتصر على محورين يتعلق أولهما بالمخاوف الروسية بشأن الحراك الشعبي في الجزائر. ويرتبط الثاني بالتفضيلات الروسية أي مآلات الحراك التي تقدر روسيا أن تحققها يعزز مصالحها الكبرى. 

مقدمة

تميزت مواقف روسيا الاتحادية تقليديا بدعم ما تعتبره " استقرارا" سلطويا وبالدفاع عن حلفائها المستبدين للحفاظ على مصالحها الإستراتيجية والاقتصادية والأمنية في المنطقة العربية. و قد تجسد هذا السلوك على المستويين الدبلوماسي والسياسي في اصطفاف هذه القوة الكبرى إلى جانب أنظمة الدول العربية التي شهدت بلدانها ثورات وانتفاضات شعبية منذ نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة (وبعدها). وبالنظر للطبيعة السلطوية للنظام الروسي ذاته و للرهانات الجيوسياسية للتغلغل الروسي في المغرب العربي الكبير (وحوله)، لم يشذ الموقف الروسي عن بوصلته بشأن الحراك الشعبي في الجزائر وإن جاء هذه المرة أكثر حذرا و توجسا. فما هي مصادر القلق الروسي بخصوص الحراك الشعبي في الجزائر؟ وما هي التفضيلات الروسية آو السيناريوهات التي يمكنها تبديد ذلك القلق؟ 

الباب الأول - المخاوف الروسية من الحراك الشعبي في الجزائر:

يرتبط القلق الروسي من الحراك الشعبي المتواصل منذ أسابيع في الجزائر بحجم المصالح وبطبيعة العلاقات التي تربط بين البلدين منذ الحقبة السوفييتية. وترجع المخاوف الروسية إلى مصادر مختلفة يمكن إجمالها اختصارا في فئتين:

الفئة الأولى- الدوافع السياسية والجيو- سياسية

الفئة الثانية- الدوافع العسكرية والاقتصادية

 

 1 – الدوافع السياسية والجيو- سياسية:

يمكن الاقتصار في هذا الإطار على العنوانين التاليين: الدافع الجيو – سياسي، السياسات الخارجية علما و أننا نعرض في ختام الباب الثاني لاعتبارات سياسية تتعلق بالخوف من البديل في الجزائر او بالخطوط الحمر التي تضعها روسيا لأي حراك شعبي في دولة حليفة تقدر انه سيهدد مصالحها.

أ – الدوافع الجيو- سياسية:

تقدر "موسكو" أن حالة الاضطراب والفوضى في منطقة الشرق الأوسط تشكل فرصة لاستعادة مناطق نفوذها التي فقدتها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. و هو الهدف الذي عملت على تحقيقه منذ منتصف التسعينات وخاصة مع وصول "بوتين" إلى السلطة العام 1999. وقد تأسست العلاقات مع بلدان المغرب العربي خلال الحقبة السوفييتية وفق اعتبارات الفرز الإيديولوجي و كانت بالتالي أكثر عمقا وانتظاما مع كل من ليبيا والجزائر. ولكن الروس، ورثة العملاق السوفييتي، عملوا في السنوات الأخيرة خاصة على تنويع و تطوير علاقاتهم مع أنظمة الدول المغاربية كافة فيما يتعلق بالتجارة و الاستثمار والتنسيق في مجالات الغاز والطاقة النووية السلمية و مكافحة الإرهاب. كما عملت "موسكو" على استقطاب الدول المغاربية إلى تبني رؤيتها في السياسة الدولية رغم اشتداد المنافسة بوجود لاعبين تقليديين كبار مثل فرنسا (المستعمر السابق) والولايات المتحدة الأمريكية و وافدين جدد مثل الصين. ويعود الاهتمام الخاص بالجزائر إلى ما تملكه من مزايا الجغرافيا والاقتصاد.. لا تبعد الجزائر سوى نحو 130 كم عن جنوب أوروبا (إسبانيا). وتعتبر أكبر بلد عربي وإفريقي مساحة وقلب المغرب العربي. وتشكل الكتلة الأضخم مغاربيا على المستويين الاقتصادي (ثروات النفط والغاز) والبشري ( أكثر من أربعين مليون جزائري). كما تعود أهميتها إلى العامل الأمني باعتبار امتدادها الشاسع في منطقة الساحل الإفريقي التي تتسم بالاضطراب والقلاقل. وقد عرفت العلاقات الجزائرية الروسية نوعا من الفتور في فترة سقوط الاتحاد السوفييتي التي تزامنت مع ما عرف إعلاميا و رسميا بالعشرية السوداء التي أعقبت انقلاب العسكر على أول انتخابات ديمقراطية مفتوحة شهدتها الجزائر. وقد خيمت على تلك المرحلة بعض القضايا التي تمت تسويتها لاحقا كديون الاتحاد السوفييتي على الجزائر و فشل صفقة طائرات "الميغ" 29. وباستثناء هذا القوس الصغير، تتميز العلاقات الجزائرية الروسية مقارنة بغيرها من بلدان المنطقة المغاربية بكونها الأكثر عمقا واستقرارا منذ 1991.

لقد تطورت العلاقات الجزائرية الروسية إلى مرحلة الشراكة الإستراتيجية التي تم الإعلان عنها في افريل 2001 بمناسبة زيارة الرئيس "بوتفليقة" إلى موسكو بوصفها أول اتفاقية تبرمها روسيا مع دولة عربية و الثانية بعد تلك الموقعة مع الهند. ويشكل التراجع الأمريكي في المنطقة وانشغال فرنسا بنفسها فرصة جيدة لموسكو لتثمين أدوات قوتها في الجزائر (و حولها) والمحافظة على مزاياها السياسية و الجيو سياسية رغم الحراك الشعبي المستمر في البلاد. ويمكن الإشارة في العنوان التالي إلى بعض ملامح الشراكة والتعاون بين البلدين التي تحاول روسيا المحافظة عليها وتخشى تهديدها أو فقدانها في صورة حصول تغير جذري في المشهد السياسي الجزائري.

ب – السياسات الخارجية:

شكل اجتماع " رمطان لعمامرة" مع "سيرغي لافروف" بتاريخ 19/3/2019 بموسكو فرصة متجددة ذكرت من خلالها الخارجية الروسية بالتقاء مواقف البلدين بخصوص قضايا السياسة الخارجية ذات الاهتمام المشترك و بتمسك كل من روسيا و الجزائر بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. ويمكن الإشارة إلى بعض الملفات التي دعمت فيها الجزائر الرؤية الروسية بخصوص قضايا المنطقة والإقليم و تباعدت فيها عن المواقف الغربية و منها: 

* الأزمة السورية: انضمت الجزائر مبكرا للموقف الروسي الداعم لنظام "الأسد" حتى قبل عسكرة الثورة و لم تبد أي تفاعل و لو كان رمزيا مع تطلعات الشعب السوري للانعتاق من الاستبداد و الفساد. كما ساهمت في فك الحصار المضروب على حكم "الأسد" من خلال معارضة تجميد مقعده في الجامعة العربية وكذا من خلال تبادل الزيارات على مستوى وزراء الخارجية..

* ليبيا: مثلت جولة "لافروف" المغاربية ( 23-26 جانفي 2019) فرصة لتأكيد الحاجة للوصول إلى تسوية شاملة و سلمية للملف الليبي وإرساء آليات وأطر تسمح بإدماج مناصري القذافي ( و من بينهم نجله "سيف الإسلام") في العملية السياسية. وتراهن روسيا في ذلك على ما يملكه النظام الجزائري من علاقات مع الميليشيات القبلية في ليبيا ومع " خليفة حفتر". وتخشى موسكو بالتالي أن يحول عدم الاستقرار في الجزائر إلى عدم قدرة حليفها على إتمام دور الوساطة بين الإطراف الليبية المتصارعة وأن يشكل ذلك عائقا أمام تحقيق تطلعات موسكو لبسط نفوذها في شمال إفريقيا. كما تعارض الجزائر التدخل العسكري للتحالف العربي في اليمن و تتمسك بالحوار سبيلا للخروج من الأزمة. و يحافظ الحليف المغاربي من جهة أخرى على علاقات جيدة مع حلفاء روسيا مثل النظام الإيراني (الملف النووي نموذجا) و نظام كوريا الشمالية...وتعتبر روسيا – "بوتين" أن الحراك الشعبي في الجزائر بما قد يفضي إليه من فوضى و اضطرابات و عنف أو ما قد يترتب عنه من تغيير جذري في الأفكار و السياسات، قد يهدد مصالحها المستقرة في المغرب العربي الكبير و قد يحد بالتالي من تطلعاته لبسط نفوذه في هذه المنطقة الحيوية من العالم.

وتتابع موسكو بقلق الحراك الشعبي الجزائري و تحاول ، بما تملكه من أوراق قوة و ضغط في داخل الجزائر وحولها (الساحة الليبية نموذجا)، التأثير، ما أمكن - في مآلاته والحد من أي مفاعيل سياسية قد تهدد مصالحها.

2 – الدوافع الاقتصادية و العسكرية:

يمكن تفسير القلق الروسي من الحراك الشعبي في الجزائر من زاوية أخرى بحجم المصالح العسكرية و الاقتصادية الضخمة التي تربط بين البلدين منذ الحقبة السوفييتية. وعليه نشير بإيجاز لدوافع المخاوف الروسية الاقتصادية والعسكرية.

أ - التدريب و التسليح:

تقدر روسيا بحكم علاقاتها التاريخية الممتدة بالنخب السياسية الحاكمة و خاصة بقيادات المؤسسة العسكرية و بكواليس صناعة القرار في الجزائر أن  الجيش الوطني الشعبي هو المؤسسة الأقوى في الجزائر لجهة مكانتها و ترتيبها في هرم  المشهد الرسمي و باعتبار دورها السياسي غير المباشر في تحديد طبيعة الصراع على السلطة و مداه. وتمثل روسيا الاتحادية الممول الرئيسي للجزائر بالسلاح بما يفوق ما نسبته 80 بالمائة من حاجياتها العسكرية.  كما تعتبر الجزائر من اكبر مستوردي العتاد العسكري الروسي إضافة إلى الصين و الهند. وقد بلغت صفقات الأسلحة بين البلدين منذ مرحلة "بومدين" إلى مرحلة "بوتفليقة" حوالي 11 مليار دولار بين 1962 و 1989 . كما تعززت تلك العلاقات في مرحلة "بوتفليقة" رغم تفسخ الاتحاد السوفييتي السابق و ما اصطلح على تسميته رسميا بالعشرية السوداء (1991 – 2002 ) في الجزائر التي أعقبت انقلاب المؤسسة العسكرية على نتائج أول انتخابات ديمقراطية نزيهة عرفتها البلاد منذ استقلالها وذلك بمباركة المستعمر السابق والدول الكبرى خاصة. وقد بلغت نسبة تزويد موسكو للجزائر بالأسلحة المملوكة لها 66 بالمائة بين 2014 و 2018 . كما مثلت حصة الجزائر ما يفوق نصف مبيعات الأسلحة الروسية إلى الدول الإفريقية (2018جويلية ). كما أشارت تقارير إعلامية إلى أن الجزائر ربما تكون قد تسلمت منظومة الدفاع الجوي "اس 400 " التي طلبت التزود بها من روسيا. وهذا ما يؤكد الهيمنة الروسية شبه المطلقة على أسلحة الجيش الجزائري. كما يتم تنفيذ دورات تدريبية مشتركة بين الجيشين و تنظيم زيارات دبلوماسية و عسكرية بين مسؤولي البلدين ذات صلة بالأبعاد العسكرية للعلاقات بين موسكو و الجزائر.  

 ب – الاقتصاد و الفرص الاستثمارية:

تحاول روسيا تنويع مبادلاتها و تطويرها في غير المجالات العسكرية لتجسيد مزايا الحلف الاستراتيجي التي تقدر انه يربطها بالجزائر مستفيدة من ضعف الاقتصاد الجزائري. ونعرض لماما لبعض جوانب هذه العلاقات والفرص الاستثمارية:

* التبادل التجاري:على عكس مجالات أخرى كالأسلحة و العتاد العسكري، توصف المبادلات التجارية بين الجزائر و روسيا بالضعف. و تختلف التقديرات بخصوص قيمتها التي تتراوح بين مليار و أربعة مليار دولار سنويا.و قد بلغت 835 مليون دولار سنة 2015

* التنسيق في مجال الغاز: توفر الجزائر (12 بالمائة) وروسيا (30 بالمائة) مجتمعتين حوالي نصف حاجيات الاتحاد الأوروبي من الغاز، ويتحكمان جزئيا في الأمن الطاقي لدول شمال المتوسط لما لهذا القطاع من أثر اقتصادي وسياسي خصوصا في حالات الاضطراب أو الأزمات. ويعمل البلدان على استثمار هذه الميزة من خلال إحداث منظمة للبلدان المصدرة للغاز وهذا ما لاقى، ولازال، معارضة غربية شرسة. 

* الفرص الاستثمارية:

* مجال الطاقة: تعاونت أهم شركتين للطاقة في روسيا (" روزنفت" و " ترانسنفت") منذ 2007 مع شركة "سوناطراك" الجزائرية للمواد الهيدروكربونية المملوكة للدولة في مجموعة من المشاريع لإنشاء خطوط أنابيب.

* مشروع إنتاج سيارات "لادا":  قامت وزارة الطاقة الروسية بدراسة معمقة تتعلق بتركيز وحدة لإنتاج سيارات "لادا" الروسية في الجزائر.

و تهدف الإستراتيجية التي تعتمدها روسيا إلى الحفاظ على موقعها التسليحي المهيمن في الساحة العسكرية الجزائرية و العمل على الحصول على فرص و عقود مربحة غير عسكرية للاستفادة بأقصى طاقة من موقعها كشريك و حليف متميز للجزائر، بغض النظر عن الجهة التي ستتسلّم السلطة في الجزائر. وإذا كانت هذه بإيجاز بعض مصادر القلق الروسي من الحراك الشعبي في الجزائر، فالي أي مدى يمكن تحقيق التفضيلات الروسية بخصوص مآلات هذا الحراك؟

الباب الثاني – الحراك الشعبي الجزائري و حدود التفضيلات الروسية

تحرص موسكو على ألا يقود الحراك الشعبي العارم في الجزائر إلى تغيير في الفلسفة آو السياسات التي اعتمدها النظام الجزائري منذ عقود حتى تحافظ على مصالحها الضخمة في شمال إفريقيا. وعليه وجب الإشارة أولا إلى مخرجات الحراك التي تقدر موسكو أنها لن تحول دون تحقيق أهدافها قبل التعريج على البدائل التي تعتبرها روسيا الاتحادية (وغيرها من الدول الغربية) خطوطا حمرا لا يمكن اختراقها دون حساب أو عقاب أو انقلاب.

فقرة أولى – التفضيلات الروسية:

إذا كان الخبراء والمسؤولون الروس يعتبرون الجزائر وبالأحرى النظام الجزائري "قلعة محصنة من الأزمات"، فان الحراك الشعبي المتواصل في الجزائر فاجأ موسكو وأربك الحسابات الروسية. كما أن ما نسب لمتظاهرين جزائريين من "نهب" للمتحف الوطني للآثار القديمة و الفنون الإسلامية يوم الثامن من مارس 2019 وغيرها من المقارنات مع ثورات الألفية في الوطن العربي استعاد الربط مع حدث مشابه حصل إبان الثورة المصرية، و دعا إلى نعت المعارضين والمتظاهرين بالعدوانيين والفوضويين. ويكشف التناقض في توصيف الساحة الجزائرية من "قلعة حصينة" (نسبة لنظامها الحليف) إلى بيئة "عدوانية و فوضوية" (نسبة إلى المعارضة والمتظاهرين) حقيقة الموقف المستقر في السياسية الخارجية الروسية على الأقل منذ الثورة البرتقالية (2004) المعادي للاحتجاجات الشعبية والداعم بقوة لأنظمة الاستبداد والفساد. إن هكذا موقف يتأسس على نزع الشرعية على كل احتجاجات أو حراك أو ثورة لا تحمل إلى السلطة زمرة عسكرية أو واجهة مدنية تابعة أو لا تعيد إنتاج النظام القديم.

وتتشارك موسكو نفس الموقف من الثورة أو الحراك الشعبي أو الاحتجاجات مع الاستبداديات العربية الملكية (الإمارات، السعودية..) والعسكرية (مصر، سوريا..) التي قمعت بكل قوة تطلعات شعوبها للتحرر من الاستبداد والفساد (في الداخل) باعتباره شرطا ضروريا للانعتاق من التبعية ( للخارج ) والهيمنة الأجنبية.

وقد أكد المسؤول الأول للخارجية الروسية عند استقباله للمبعوث الجزائري السابق إلى موسكو "رمطان لعمامرة" على أن موسكو تعارض أي تدخل خارجي في الشؤون الجزائرية. كما أيد خطة الحكومة الجزائرية الجديدة لتحقيق الاستقرار. ويعكس هذا الخطاب الرد الدبلوماسي لموسكو بخصوص أي تهديد تتعرض له مصالحها أو وضع أحد حلفائها خاصة إذا كان بحجم الجزائر. لذلك يمكن القول إن روسيا الاتحادية، المعادية للثورات الشعبية ولآي حراك مناهض للاستبداد والفساد في منطقتنا (وفي كل مجال حيوي تمتد إليه مصالحها)، تفضل ألا ينجح الحراك الشعبي في تحقيق أهدافه و أن يتمكن النظام من البقاء أو من إعادة إنتاج نفسه. وبذلك يمكن التمييز، بين التفضيلات الروسية بشأن الحراك الشعبي في الجزائر، بين مستويين:

أولا - المستوى النظري: يميز الروس بين احتمالين:

1 – فشل الحراك الشعبي واستعادة النظام الجزائري بواجهتيه المدنية و العسكرية لزمام الأمور: هذا الاحتمال قد تجاوزته الأحداث نسبيا خصوصا ما تعلق منه بالرئاسة وحلفائها (المدنيين).

2 – نجاح الحراك الشعبي نسبيا في إسقاط رأس النظام و بالتحديد واجهته المدنية (رئيس الدولة): تفضل موسكو أن يكون أي انتقال (سياسي) يمكن تصوره مراقبا من زاويتين:

أ – من حيث الفاعلين القائمين على الانتقال: يتشكل هؤلاء من الفاعلين المتداخلين (أي ممثلي السلطة الجدد) أو الفاعلين المعنيين (روسيا و غيرها من الفاعلين في المجتمع الدولي).

ب –  من حيث المواثيق التي تحدد مدى و مفاعيل التغيير المستهدف.ولذلك يفضل الروس أن يكون التغيير عند الاقتضاء صوريا أي تغييرا في الأشخاص لا في الفلسفة والسياسات، تغييرا في الواجهات المدنية لا تغييرا شاملا للنظام. 

2 – المستوى العملي: يقدر الروس أن انتقالا سياسيا من داخل النظام يسمح لرئيس الوزراء ذي الخلفية الأمنية "نور الدين بدوي" بمحافظة النظام على السلطة من خلال عملية تفاوضية تقود إلى تسوية مع المعارضة (و ممثلين عن الحراك)..

كما يعمل الروس على استثمار صعود "نجم" "قايد صالح" نائب وزير الدفاع و رئيس أركان الجيش الجزائري الذي تعتبره موسكو، بحكم خلفيته العسكرية، مرشحا مفضلا للحليف الروسي باعتبار المركز "السياسي" القوي الذي أصبح يتمتع به بعد تغير موقف الجيش من الحراك الشعبي وتكثيف حضوره الإعلامي. وتسعى موسكو لتوظيف علاقاتها التاريخية و الاقتصادية بالمؤسسة العسكرية في تحديد وجهة أي انتقال سياسي ممكن في البلاد و مداه انطلاقا من القناعة الروسية بالدور الحاسم للعسكر في تحديد رؤساء الجزائر و في التحكم بمفاعيل أي انتقال سياسي كانقلابه على نتائج أول انتخابات ديمقراطية عرفتها الجزائر وإجهاض أول تجربة كان يمكن أن تخلص النظام السياسي من طابعه الاستبدادي الشمولي.

فما هي البدائل التي تخشاها موسكو وستعمل على عرقلتها؟

فقرة ثانية - التوجس من البديل:

مهما كانت مصداقية السيناريوهات التي اشرنا إليها وموقف الحراك الشعبي منها في ضوء تجربة الحكم المحلية ودروس الثورات العربية المختلفة (خاصة تلك المتعلقة بالعلاقات المدنية العسكرية)، فان موسكو ترحب بأي تسوية وأي انتقال يعيد إنتاج النظام القديم، مهما كانت واجهته المدنية، إذا كان خاضعا - كما كان دائما- لسيطرة المؤسسة العسكرية ذات التوجه العلماني. ويمكن القول إن روسيا كما الغرب (شرقيه وغربيه)، ورغم شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان ودولة القانون، يستعدي أي بديل يحمل تغييرا شاملا للنظام إذا كان وطنيا، مواطنيا تحرريا أو ذا مرجعية إسلاميه. 

1 – من حيث فلسفة النظام: ونعني بذلك أن يكون البديل وطنيا، مواطنيا وتحرريا.

أولا - أن يكون البديل وطنيا: أي أن يكون متجذرا في هويته و تاريخه و أن يتأسس أولا وأخيرا على مصلحة الوطن و أن تكون غايته تحقيق سيادة الشعب على مقدراته وعلى ثرواته وأن يؤسس لصياغة نموذج مستقل للتنمية الاقتصادية،

ثانيا – أن يكون البديل مواطنيا : أي أن يضمن البديل انتقال الأفراد في إطاره من وضعية الخضوع و العبودية إلى وضعية المواطنة الفاعلة في المجتمع أي أن يتمتع الأفراد ضمنه بحقوق يضمنها الدستور و يساهمون بنشاط في الحياة العامة و يشاركون في صنع السياسات من خلال الآليات المتعارف عليها (ومن بينها الانتخاب والاستفتاء) ويملكون القدرة على مسائلة الحاكم (أو المسؤول) ومحاسبته،

ثالثا – أن يكون البديل تحرريا: أي أن يستهدف الانعتاق من الاستبداد (و الفساد) في الداخل بوصفه مدخلا رئيسيا للتخلص من التبعية للخارج و/أو  التحرر من الاحتلال الأجنبي. ولا يتحقق مثل هذا البديل إلا في إطار نظام سياسي مدني لا عسكري. فإن توفرت هكذا مواصفات، يستوي أن يكون النظام القائم علمانيا أو إسلاميا. وإن ثورة شعبية جارفة وانتقالا ديمقراطيا حقيقيا لا يمكن أن تأمن معه موسكو على مصالحها وامتيازاتها في الجزائر. فهي تخشى أن يحمل الحراك بديلا إيديولوجيا آو سياسيا قد يخرج البلاد من الفلك الروسي المديد و يعزز علاقات الجزائر بدول غربية ليبرالية أكدت بعضها (كما الولايات المتحدة الأمريكية) على ضرورة احترام حق الشعب الجزائري في التظاهر السلمي.

2 – من حيث الايدولوجيا: كثيرا ما كان يؤرق موسكو نجاح " الإسلاميين" في الوصول إلى السلطة بطريقة ديمقراطية في الجزائر (كما حدث سابقا) و هو البديل – الكابوس الذي تعاديه موسكو. لقد سبق للغرب (شرقيه و غربيه) أن ساهم أو دعم أوبارك انقلاب العسكر على أول انتخابات ديمقراطية حرة في تاريخ الجزائر. كما تعتبر روسيا – "بوتين" أن تحالف "بوتفليقة" مع الجنرالات ساهم في تقليم أظافر الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية وتحجيم تأثيرها وانتشارها بعد ذلك.

و يشكل ما يسمى تجاوزا ب"الإسلام السياسي"[1] هاجسا كبيرا لروسيا التي ترى في شيوع مثل هذه التصورات المتجاوزة للحدود و القوميات خطرا على أمنها القومي و تستدعي تورط الروس بقوة في الشرق الأوسط و شمال إفريقيا لمواجهة هذا العدو. فالمسلمون يمثلون ثلث سكان روسيا. كما يحيطون بها في دول تكن لها عداوات تاريخية (أكثر من 115 مليون). وإن أي نجاح للأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية في قلب العالم الإسلامي يمثل خطرا على روسيا و على أمنها القومي. لذا تصنف موسكو كل حزب سياسي ذي مرجعية إسلامية باعتباره جماعة إرهابية (كما "الإخوان المسلمون") مثلها مثل جماعات العنف الأعمى ( "القاعدة ، "داعش"..) بينما تشارك مصر و الإمارات مثلا في الترويج للتصوف العميل و غيره من القراءات التي تهادن الاستبداد و تبرر الفساد وتستكين للاستعمار.وانطلاقا من التفضيلات الروسية ومن البدائل التي تخشاها موسكو، هل يمكن لروسيا المساهمة بصفة غير مباشرة في إرباك المشهد السياسي الجزائري و خلط أوراق الحراك الشعبي  حماية لمصالحها من قبيل دعم تحركات ميليشيات "حفتر" باتجاه الغرب الليبي في وقت ينشغل فيه الجيش الجزائري  بالوضع في الداخل؟ وهل يمكن أن تؤدي حماية المصالح العسكرية و الاقتصادية و الجيو- سياسية الروسية في الجزائر و حولها إلى قيام موسكو بالتدخل في الانتخابات الجزائرية (مثل فرنسا و أمريكا) لدعم أي بديل عسكري أو واجهة مدنية تابعة (للعسكر) أو أي بديل آخر يؤدي إلى إعادة إنتاج النظام القديم؟

 

خاتمة:

لم يكن الروس ينتظرون حراكا شعبيا مزلزلا في قلعة طالما اعتبروها محصنة ضد القلاقل و الأزمات في وقت كانوا يعتقدون أنهم تمكنوا رفقة الأنظمة الاستبدادية الوظيفية في الوطن العربي (و قوى أخرى) من الإجهاز على قوس الحرية الذي أضاء ذات شتاء من العام 2010 . لذلك لن تدخر روسيا الاتحادية جهدا في حماية مصالحها العسكرية و الاقتصادية و الجيو – سياسية في الجزائر و حولها. و ستفعل ما بوسعها لتثبيت بديل عسكري أو ذي خلفية عسكرية يتم بواسطته إعادة إنتاج النظام. و ستتصدى بما تملك من أوراق لظهور بديل تخشى معه على مصالحها. فهل يكون للحراك الشعبي كلمته العليا؟

 

علي العبيدي (باحث تونسي)

 

 
  • حول هذه التصنيفات: علي العبيدي، في الحرب على الإرهاب: من إرهاب المفهوم إلى إرهاب المقاربة، دار المنتدى للنشر، 2018 ، صص 256 – 272 .[1]
  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك