القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

رسائل قيس سعيد السياسية: قراءة في حيثيات الخطاب

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-11-06 15:21:00 | 165 مشاهدة

تلخيص:

 

تقبل الاعلام التونسي باعتباره وسيطا بين المترشحين والرأي العام نتائج الدور الأول لرئاسية تونس 2019 في دورتها الاستثنائية بغير الرضا عامة فهو ''مستغرب '' "متفاجئ" "مصدوم" وهذه المواقف الثلاثة وقع التعبير عنها ليلة الاعلان عن النتائج بل أوغل بعضهم في الاستغراب وتملكه الذعر حينما كان قيس سعيّد المترشح الاول واعتبرت احدى المقدمات على قناة الحوار داعية الرئيس" العتيد والذي هو مترشح بالقوة دون الفعل الى حد الآن الى ضرورة توضيح أفكاره لأنه شخصية غامضة "لازم يجي" بلغة صلفة واستبدادية.وإن القول بأن شخصية الرئيس ''العتيد" غامضة قول مناف للحقيقة اولا وقول منخرط في نطاق عمل تشهيري ودعائي مضاد لصالح منافسه وهو الرئيس ''العتيد" الاخر المشبوه فيه قضائيا.

مقدمة:

إن دور الاعلام النبيل هو توضيح ما غمض فعلا ولكن دوره الأصلي تقديم الحقيقة للناس رغم أن شقا من الاعلام تخلى عن هذه الوظيفة بالكامل وباتت آراؤه هي الحقائق المطلقة ونرى في مثل هذا الاختيار الإعلامي خروجا سافرا عن الوظيفة النبيلة واستبدادا يجري على المتقبلين وخرقا صارخا لمبدإ الحياد وانحيازا للمشبوه فيه قضائيا بصورة فجّة فيكون الإعلام في الزمن الثوري نصيرا للمشبوه فيهم في جرائم خطيرة تكفي الشبهة فيها أن يكون الإعلامي ملتزما بالقطيعة معها .

إن تعلة الغموض والرمادية التي عبّر عنها شق من الإعلاميين غير المحايدين يمكن كشف زيفها فالإعلاميون يعرفون قبل غيرهم أن الرئيس "العتيد" كان محل إجماع  دوائر سبر الآراء لمدة تتجاوز السنة وأبرز المختصين فيها هو محلل قار في التلفزة تلفزة الحوار التونسي وفي نفس برنامج الذين "هلعوا" و "صدموا'' و"تفاجؤوا" مما حصل وهم في الحقيقة يقومون بعملية مغالطة بل بجناية في حق الرأي العام اذ لم يستدعوا هذه الشخصية ولم يهتموا بها لأنها لا تتماشى ومواصفاتهم الخاصة للرئيس وماذا يعنيهم من أمر الناس فهم واقعون في خلل مهني لا محالة ويحاولون قلب الاشياء المخلة عندهم ليلصقوها بغيرهم قد يكون الرئيس ''العتيد'' وقد يكون المتقبل.

فهم لا يقومون بالتسوية وهي تسوية غير سويّة وإن حصلت بل يقومون بعملية تمييز لا سند له ولا عيار سوى وجوده في دائرة تقبلهم حتى وان كان من "متهربي الضرائب" ومن "مبيضي الاموال" حسب احالة القضاء ولا نعتقد أن القضاء يحيل اعتباطا أو بلا أدلة أقرب أن تكون قطعية.

وهو قول - غموض الشخصية - مناف للحقيقة اذ للرجل افكار واضحة بقطع النظر عن موقفنا منها ولنا منها موقف سنأتي إليه ولكنه اخذ منهم التشيّع مأخذه بحيث لم يقووا عليه حتى يصلوا إلى الأفكار ويقدمونها إلى الناس

إن شخصية قيس سعيد الرئيس" العتيد" ليست شخصية جاهزة وأفكاره ليست متداولة لقلة ظهوره و لكنها موجودة و في حاجة إلى تركيب وهو ما لم يعنّوا نفوسهم للقيام به وهذا ما سنقوم به بغية التسيير على الرأي العام ضدّ التضليل الإعلامي المتكاسل بصدق نية او بسوئها.

1 / أفكار الرئيس'' العتيد'':

تتوزع أفكار الرئيس ''العتيد'' على ثلاثة محاور : تركيب المشهد والبدائل وآليات التشغيل وهو مجموع الآراء التي جاءت في المناظرة وفي الحوارات التلفزية والصحافية منها حوار الجزيرة وحوارOBIS

وكذلك ما جاء على لسان عرّابيه أثناء الحملة الانتخابية وبعض المقالات الممهورة بإمضاءاتهم وخاصة في المجلة الالكترونية" الحوار المتمدن" وبالتحديد مقالات رضا شهاب المكي.

* تركيب المشهد:

تقوم مقومات البدائل على تشخيص وتركيب المشهد التونسي منذ 2011 الى الآن.

والحاصل أن المشهد يخفي مأزقا كبيرا، لأن الوضع يتسم بعطالة شاملة، عطالة في مستويات ثلاثة : المستوى المفاهيمي، ومستوى الفواعل أو القائمين على الفعل السياسي ومستوى المردودية والنتائج.

وقد أوقع المشهد الجميع في ورطة تأزيم الوضع حتى أولئك الذين يرون أنفسهم قائمين على الاصلاح ولذلك انقلب المشهد إلى أكبر عملية صراع طاحنة: صراع الكل ضد الكل، والكل يتهم ، الكل. فالكل متهم بما آلت إليه الأمور فعملية التدافع بين الجميع لم توصل إلى فرز حقيقي وبقي الكل في وضع التباسحتى لم يبق مجال للحديث عن البنى والثنائيات التقليدية يسار / يمين،ثورة/ ثور مضادة حداثة / رجعية.

 لأننا لم نصل إلى الحسم  في أي مسألة من المسائل المطروحة في الصراع القائم مما يعني أن الجميع موّرطون "لقد أصبحت ثورة تونس حسابا بنكيا مفتوحا مسجلا بأسماء لصوص ينتحلون صفة المالك ويتصرفون في الحساب دونما رقيب ولا حسيب" ''واعتقدأن الوقت قد حان لفك الارتباط بصفة كاملة ونهائية مع قوى لا صفة لها إلا انتحال الصفة''.وإنّ مشهدا بهذه السمات كفيل بوضعنا أمام انفصال حادّ بين مطلبين استراتيجيين مطلب الاستحقاق الشعبي ومطلب استحقاق لاعبي المشهد. فلاعبوالمشهد في تقارب مع الشعب ومطالبه لأن الشعب له مطالب موضوعية واللاعبون لهم مطالب خاصة. وبالتالي يكون إطالة أمد هؤلاء اللاعبين هو مزيد أوإطالة في أمد الأزمة. ولهذا نسي شعار'' الشعب يريد" وغاب من قائمة شعارات المترشحين ولم يبق شعارإلا  شعار الرئيس "العتيد ".

ولعل تغييب هذا الشعار من مرجعيات المترشحين ليس سوى ترجمة حقيقية وصادقة عن عملية الانفصال القائمة بين مطالب الشعب ومطالبهم الخاصة.

* البدائل: 

يقتضي الوضع كما هو في عقل الرئيس "العتيد" القيام بعمليتين متلازمتين عملية إعادة إنتاج مفاهيم جديدة وعملية صياغة فواعل جدد لأن العلاقة بينهما علاقة تلازمية فالمفاهيم الجديدة لا يمكن صياغتها إلا مع فاعلين جدد.

فالمفهوم الأول الجديد هو مفهوم الشأن العام أو الشأن السياسي الذي يقابل الشأن الخاص والدولة ''شأن عام'' ولهذا يكون الوعي بضرورة إنتاج مثل هذه المفاهيم أمرا أساسيا لابدّ إذن من انشاء داخل المجتمع وعي بضرورة تحول افراده من كائنات مادية متطاحنة يشن فيها كل واحد حرب الكل على الكل الى مواطنين متحدين يشنون حرب تحرير الدولة من مركزيتها.

إن مفهوم الشأن العام يمثل قطيعة مع كل المفاهيم السابقة وإن تلحّفت بمفهوم الشأن العام ويستوجب هذا المفهوم وجود عناصر تقوم عليه وتسعى الى تحققه وذلك لأن المفهوم الجديد لا يقوم عليه إلا فاعلون جدد وهؤلاء الفاعلون يكونون قد تجردوا من رغباتهم الشخصية ومطالبهم الذاتية إلا إذا كانت داخلة ومتقاطعة مع المطالب العامة وبالتالي تقوم الشخصية القاعدية لهذا الفاعل الجديد على البعد المواطني والشغور الجمعي والمصالح الموضوعية.

يقوم المواطن بملء الفراغات الناشئة عن الإنسان السابق الانتهازي واللص والسارق وإحداث قطائع معها وهو إذ يفعل ذلك يكون كائنا متجاوزا لما هو صادر عن الشخصية الحزبية وعن أي نوع من أنواع الشخصيات الأخرى التي لم ترتق إلى مستوى المواطنية باعتبارها قيمة موضوعية تحمل في إطار الشأن العام الموضوعي.

إن المواطن باعتباره كائنا جديدا له محتوى ووعي جديدان يتخذ من الطبقات الأكثر تضررا قاعدة وهدفا ذلك أن هذه الطبقات نجدها في الأحزاب وفي الائتلافات وفي الهامش وبالتالي تكون هي الاوسع عدديا ويكون في الاهتمام بها اهتماما بأكثر كتلة تحرق الانتماء الحزبي يسار يمين والانتماء الاجتماعي والانتماء الجهوي والانتماء الحداثي والانتماء المحافظ.

إن هذه القاعدة العريضة تخرق كل الجداول وتسع الجميع ولا يستثنى منها إلا أولئك الصانعون أو المتسببون في ايقاع الضرر بهذه الغالبية الساحقة من حيث مواقفهم في إنتاج الثروة وتوزيعها ومن حيث نفاذهم المطلق في القرار السياسي والإعلامي. إن هذه القاعدة العريضة بمثابة الكتلة التاريخية التي يندمج فيها كل العناصر لا على اساس حزبي ولا على أساس سياسي ولا على أي أساس عدا الأساس الاجتماعي.

*الآلية:
 

إن هذه القاعدة المتضررة هي التي تنهض لتغيير الاوضاع المتأزمة والسائرة نحو التأزم الأقوى ويكون التغيير عبر إحداث آلية غير الآليات الكلاسيكية القائمة على أقوى عملية مركزة فلابدّ من الذهاب في الخط المعاكس من الهامش الى المركز وقلب هذا المسار هو الكفيل باستيعاب القاعدة العريضة المتضررة وإدخاله في ديناميكية الفعل والإطار المنجز ويكون الشعب قد عاد الى تحقيق ارادته بعد ان سلبت منه في مرحلة الانتقال الديمقراطي.

 إن هذا البناء التصعيدي المقابل للبناء المركز ينطلق من المحلي الى الجهوي الى المركزي ويكون المجلس مركبا من تمثيل المحليات بحسب عدد المعتمديات والجهات بحسب عدد الولايات وهو مخالف للبنية التمثيلية القائمة والتي تراعي الأحوال الخاصة أكثر مما هي مراعاة لأحوال الشأن العام وهي تراعي مطالب الشعب لا مطالب أي تكتل اخر ولذلك كان شعار "الشعب يريد" هو بالتحديد اقصاء لإرادة الذات من أجل إرادة العام ولذلك يكون الترشح لمنصب الرئاسة عن الرئيس ''العتيد'' ليس بحثا عن الكرسي أو عن اعتلاء الكرسي وانما هو بحث عن شيء آخر للشعب التونسي. وبالتالي كانت مجموع هذه الافكار هي مدار ''الحملة التفسيرية'' وليست الحملة الانتخابية التي قام بها الرئيس ''العتيد'' ''من أجل تفسير الأدوات القانونية التي تمكّن الشعب التونسي من الارتقاء الى السلطة''.

خاتمة:

إن الادّعاء بكون الرئيس "العتيد" ليس له أفكار أو أن أفكاره غامضة هو ادّعاء غير صحيح وغير موضوعي مع التسليم بأن هذه الأفكار ليست مرتبة ولا جاهزة وإنما هي ممتدة في حاجة الى صياغة وبناء حتى تكون منسجمة ويسهل على الناخب فهمها.

ولكن السؤال الذي يبقى قائما هو مدى جدارة هذه الأفكار أو كفاءتها الاجرائية أي كيف سيتم اجراؤها ووفق أي آلية قانونية ذلك أن الرئيس العتيد وهو الضامن للدستور.  والدستور يقيم نظاما آخر لم يكتمل بعد فهل سيعطل العمل بالدستور ويستبدل خطته بالخطة الجديدة وهو أمر ليس مضمونا اذ أنه في حاجة الى تكتل نيابي وليس للرئيس حزب مما يجعل من الافكار أمرا افتراضيا لا غير وبالتالي يكون العقد الذي أقامه مع الناخب قابلا للاختلال في أي وقت ويكون الرئيس ''العتيد'' ويخشى بذلك أن تنطبق عليه المقولة التي قالها عن المجلس التأسيسي وهو يصوغ الدستور ''إن الدستور قد أكله الحمار '' والتي بقيت محل تنّدر لدى طيف واسع من المجتمع ولكن يبقى السؤال المحيّر هو كيف استطاع الرئيس ''العتيد''أن يحوزعلى رضاء أكبر عدد من الناخبين وهو يعرض برنامجا أو أفكارا  غير قابلة للتنفيذ ضرورة؟

لا يمكن أن يفهم هذا إلا بالإقرار بأن قاعدة الاختيار لم تتم بالضرورة على أساس التطبيق أو عدم التطبيق ولا على أساس جدارة هذه الأفكار ومحتواها التجديدي ولا على الطابع المناوري للمترشح ولا على البعد الساذج للمخاطب أو الناخب وإنما لابد من البحث عن الجواب في مستويات أخرى وهي مستويات "الفوارق الصغرى" لهذا المترشح.

إن الذي نعنيه بالفوارق الصغرى حسب المصطلح الفرويدي هو كون الناخب وجد في مرشحه'' العتيد'' أشياء افتقدها في غيره والتي وجد فيها مركب إنقاذ من مأزقه فوجد فيه المنقذ الصادق رغم ما تتسم به لغته الموغلة في الفصاحة والتي لم تفهم على انها تكلّفا أو نطقا بما لا يفهمه السامع أوإيغالا في القدامة وإنما كانت خطابا صادقا وإن كان في غير لغة شعبه المجراة. وفهم تقشف الرئيس ''العتيد'' في الظهور ليس استعلاء وإنما هو قطع مع الظهور المكثف و المملّ للطبقة السياسية في بلاتوهات المنابر التلفزية وهو حضور بات عنصر قرف واشمئزاز لدى المشاهدين ويصبح التنصل من ربطة العنق والتفسخ منها ضربا من الاقتراب من أزياء عامة الناس في شغلهم العادي وفي المقهى وفي المنزل وهو قطع مع الطقوسية والبدلات الأنيقة المزيفة للصورة الحقيقية. فالناس ميّالون لما هو قريب منهم سلوكا وحركة وتمثلا وخاصة احساسا باطنيا فتصبح تلك اللغة الخشبية التي يلوم فيها البعض المترشح لغة آسرة للمهج والأرواح قبل ان تكون صدّاعة في الآذان،فالناخب المتأزم له كيفيات خاصة في التعالق مع منشوده المنتخب لا تخضع فيها لإجراءات صارمة وحسابات دقيقة بالضرورة وإنما تقوم على ضرب من العزاء النفسي لحالة ذات مأزومة فالناخب ليست ذاتا جاهزة ولا قالبا مخروطا أو مصقولا إنها ذات متحركة متوترة لا نعرف كيف تبني تشابكاتها مع غيرها ولا نعرف هوية و مواصفات محبيها أو مريديها. وهو ما لم يفقهه أصحاب البرامج الجاهزة التي تعتبر نفسها صانعة لذوات على مقاسها وتصطدم حين يكون اختيارات هذه الذوات على غير انتظاراتها، فليس غريبا ان يحوز المترشح ''العتيد'' برضا أطياف واسعة مختلفة الهويات السياسية لأنه ذات لم تقصي أحد من خطابها سوى تلك الفئات التي لاسعي لها الا إحداث الضرر بغيرها وهذا هو سر التعالق الخفي والذي قد يكون في صورة أشياء صغيرة بين الرئيس "العتيد" وناخبيه وإن كان برنامجه حاملا لبذور تعطله قبل بداية العمل به أو تقبله.  

عماري السلامي (باحث تونسي) 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك