القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

ذكرى بن قردان :داعش و معاني الهزيمة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-03-26 09:49:00 | 753 مشاهدة

ملخّص

ظلّت ذكرى 7 مارس 2018 في مدينة بن قردان الحدودية  باقصى الجنوب التونسي،  مظهرا من مظاهر تماهي السلطة والمجتمع في مواجهة خطر خارجي، و لحظة اندحار تنظيم داعش الارهابي الذي بلغ قتلاه ( 55قتيلا) وعدد الأسرى (11 أسيرا).. لحظة فصلت بين الوطن والوثن، وخاطئ المعتقد، والتدين المغشوش الذي خرج في إهاب قسري على الناس يطرح اسلاما بالحديد والنار. بين المواجهة والملحمة، تقاربت الحدود في لحظة اعتصر فيها التنظيم قوته وبلغت الذروة والسقوط في آن، بفضل وقفة امنية وعسكرية  واهلية متّحدة.

 

مقدمة

 قد تمرّ الشعوب والأمم في تاريخها بمحطات فارقة وانعطافات استراتيجية فاصلة بين ما فات من حياتها وبين ما هو آت من مستقبلها. وقد شهدت تونس فجر السابع من مارس 2016  يوما من أيامها مشهودا، وعاشت مدينة بنقردان في ذلك اليوم حدثا في تاريخها حاسما في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب وفي رسمه الفصل بين الوطن والوثن. فقد صنع عسكريوها وأمنيوها  ورجالها المدنيون  قصّة معركة غير مسبوقة محلّيا وإقليميا فدوليا جرت على غير منوال سابق في إجهاض أكبر مخطّط لتنظيم داعش الإرهابي وإحباط أخطر هجوم على البلاد التونسية بعد الاعتداء على متحف "باردو" و"منتجع سوسة" السياحي لم تعرف له البلاد مثيلا من حيث الخطّة والأهداف ومن حيث التّوقيت والأمكنة المستهدفة. ارتقت إلى فعل بطولي ذهب مثلا أعلى ونموذجا أوفى في الذبّ عن الأوطان والذود عن حماها حتى جرت عبارة "ملحمة بنقردان" ومقولة "بنقردان  مقبرة الدواعش"على كلّ لسان.

1-   معنى الملحمة واطوار الانتصار:

 الملحمة ينصرف معناها الأصلي إلى الحرب، يُنتصر فيها انتصارا عجيبا، مما يفضي إلى إنشاء واقع جديد مغاير تماما لما كان سائدا قبل تلك الملحمة. وإن وقع الاكتفاء  بالوظيفة الإجرائية لهذا المفهوم، فإنّ الملحمة إنّما هي أعمال حربية جبّارة واستثنائية ينجزها  بطل أو أبطال اسثنائيون في حيّز زمني قياسي وفي مكان استثنائي تكلّل بانتصارات استثنائية(غير عادية) وغير مسبوقة على عدوّ استثنائي فتجبره على تجرّع مرارة الهزيمة على نحو استثنائي أيضا فينشأ عن ذلك واقع جديد. وبهذا الفهم الإجرائي للملحمة يمكن اعتبار ما جرى في  بنقردان  معركة استثنائية على عدوّ استثنائي أنجزها رجال الجيش والأمن في لحمة عجيبة مع فرسان المدينة من المدنيين فلقّنوه درسا وجرّعوه هزيمة نكراء عصفت بخططه في زمن قياسي  في بلد  يشّق طريقه في الانتقال الديموقراطي، على غير طريق بقية القوافل العربيةبعد أن  أنجز ثورة استثنائية. ولاستجلاء علامات الملحمة فيما جرى فجر السابع من مارس2016  يمكن الاكتفاء  بالخطوط العامّة للمظاهر الملحمية والخيوط الناظمة. وتنقسم ملحمية الأحداث والمواجهة إلى لحظتين زمنيتين حاسمتين:

 * لحظة البداية

تزامنا مع آذان الفجر نفّذت مجموعات داعشية هجوما مباغتا متزامنا على المراكز الأمنية وسط المدينة والثكنة العسكرية بجلاّل معتمدين السرعة الخاطفة والمفاجأة لبثّ الهلع  والرّعب في نفوس المواطنين وإحداث الصدمة في القوات الأمنية والعسكرية وإرباكها  وذلك: ب(الهجوم المباغت على المراكز الأمنية والثكنة من كلّ النواحي + الانتشار في بعض مداخل المدينة + اختطاف سيارة الإسعاف من داخل المستشفى + قتل بعض المستهدفين من المدنيين والأمنيين قرب منازلهم ..)يدفعهم الوهم بأنّهم سيستولون على المدينة بشكل خاطف وبأنّهم سيلقون الدّعم والمناصرة بعد محاصرتها وبأنّهم سيستنسخون تجربتهم في الاستيلاء على مدن أخرى على غرار سرت الليبية والرّقّة السورية والموصل العراقية التي فرّت منها جحافل جرّارة من الجيش تاركة عتادها وعدّتها لبضع مئات من الإرهابيين .لقد كانت لحظة البداية عصيبة للغاية بلغت فيها القلوب الحناجر  فراجت الإشاعات والأراجيف وعمّ الهلع والخوف من المجهول غير أنّ الحقيقة سرعات ما بدأت تسطع مع شروق الشمس، إذ سرعان ما ارتدّت المحاصرة والصّدمة عليهم.

* لحظة الحسم 

 لئن كانت لحظة الهجوم لحظة اضطراب واختلال توازن فإنّ القوّات العسكرية والأمنية  ردّت الصّدمة بصدمة أشدّ  والسرعة بسرعة قصوى والمباغتة بمباغتة من نوع آخر فخيّبت أفق انتظارهم وبدّدت ما خطّطوا له طيلة شهور أو سنوات في أقلّ من ساعتين وأخذت من الوهلة الأولى للهجوم بزمام المبادرة –رغم قلّة العدد بالمراكز الأمنية -  فانتقلت من ردّ الفعل  إلى الفعل  ومن الدفاع  إلى الهجوم ومن التمركز داخل الأبنية إلى النزول إلى خارجها في الشوارع والساحات العامّة ومن المواجهة المباشرة إلى المطاردة  داخل المدينة فخارجها ثمّ الملاحقة والمحاصرة.  ولعلّ الضربة التي قصمت ظهر داعش تمّت في اللحظة التي خرجت فيها سيارة عسكرية مدرّعة فدكّت العديد منهم دفعة واحدة أمام باب الثكنة. وقد تزامن ذلك مع تمكّن القوات الأمنية من الإجهاز على قائدهم  وعقلهم المدبّر والاستيلاء على هاتفه وسلاحة في مشهد بطولي يفيض بالقيم الملحمية قلّ أن تجد له نظيرا في البلدان التي اكتوت "بغزوات" داعش. وهكذا انفرط عقدهم ترصدهم أعين المواطنين  وتلاحقهم أجهزة الدولة ولم يجدوا لا مساندة من احد. و في ملحمية الأبطال لم يصنع البطولة والملحمة زعيم مفدّى كما في أنظمة الحكم الفردية المستبدّة  وإنّما هي هبّة شعبية جماعية  التحمت بالقوات الأمنية والعسكرية فآزرتها وساندتها وقاسمتها التضحية بالأرواح فداء ومهرا لوطن حرّ يبحث عن  مستقرّ له للإقامة في هذا العصر. وقد برهنت  الأحداث تلك أنّ هذا البطل الملحمي الجماعي متشبّع بالقيم الوطنية مؤمن بالرسالة المقدّسة في  الذّود عن الوطن  والذّب عن الحمى يحتمي بالدّولة رغم تهميش الدولة له. ولأوّل مرّة تعجّ وسائل الإعلام بالإشادة بالقيم الملحمية للناس  في بنقردان وهم يقدّمون الدّعم والمساندة للقوات الأمنية والعسكرية فلم يختبئوا في منازلهم ولم يفرّوا منها، وإنّما نزلوا إلى الميادين والساحات يقاسمونهم المواجهة كما قاسموهم الدماء والأرواح في مشهد ملحمي لقي من الإعجاب والاستحسان ما لم يلقه مشهد آخر في مختلف وسائل الاتصال.

*  انكسار داعش  

لأوّل مرة يُمنى تنظيم داعش الإرهابي  بهزيمة على هذا النّحو من حيث الفشل الذريع في تنفيد خطّته و في إيجاد المناصرة والتّعاطف ومن حيث عدد القتلى( 55قتيلا) وعدد الأسرى (11 أسيرا).  ولأوّل مرّة تنقل شاشات العالم ومواقع التواصل مشاهد المعركة حيّة ومباشرة تجمع بين حشود من المواطنين غفيرة وبين القوات المسلّحة وهي تواجه الارهابين بهمّة وبحرفية وروح وطنية عالية أثارت إعجابا وتعاطفا داخليا وخارجيا، جعلت كلّ خبير أو محلّل يبحث في ظاهرة الإرهاب  إلاّ ويقف مليّا على ملحمة بنقردان ويطرح السؤال الملازم : لماذا فشلت داعش ودحرت في بنقردان بينما نجحت في سواها من الحواضر العربية الأخرى؟ وقد دحضت  هذه المعركة وأبطلت كثيرا من الأوهام نذكر منها:

- وهم القول بأنّ مدينة بنقردان جاذبة للإرهاب حاضنة له فإذا هي داحرة له وطاردة.

- وهم القول بأن المركز هو مصدر الإشعاع وصنع الحدث فإذا الهامش المفقّر المشبع بالقيم الوطنية هو مبعث الإشعاع ومركز صنع الحدث

- وهم القول بأنّ الزعيم العربي هو صاحب الفضل والبطولة وهو حامي الحمى والدين وهو المقاوم الأول والأوحد للإرهاب فإذا ملحمة مقاومة الإرهاب تصنعها الشعوب التي انتزعت حريتها وإرادتها

ولعلّ مشهد نقل جثامين الشهداء إلى مثواهم الأخير يوم 09/03/2016 كانت من الآيات الحافلة بعظمة الانتصار الملحمي فقد كان حدثا جللا خاشعا مهيبا.

ملحمية الخطاب

: لقد صاغ والد سارّة الموثّق  أيقونة شهداء الملحمة قولا شعريا وجيزا بسيطا في تركيبه سهلا في عباراته خاليا من التّعقيد والتّزاويق البديعية والبلاغية ولكنّه عميق المعنى بليغ الدّلالة: بلادي قبل أولادي ***  وطني قبل بطني: عبّر فيه بعفوية وبصدق أب مكلوم عن روح الملحمة وعن المعدن الأصيل  لشخصيتنا الجمعية وما جبلت عليه من حسّ وطني  عال لا تختبر حقيقته الناصعة وفاعليته الناجعة إلا عند الشدائد والمحن وقوام هذه الروح الوطنية إيثار الوطن على ما سواه والاستنصار به والانتصار له مهما غلت التّضحيات ولو كان الأبناء والبنات  قربانا ومهرا له  والدفاع عنه بهمّة عالية لا تضعفها الإغراءات و المساومات ومهما ارتفعت بضاعتها فإنّ بضاعة الدفاع عن الوطن أغلى وأبقى وأشرف. ولقد لقي هذا القول الشعري من الاستحسان والاستجادة ما لم يلقه قول آخر في تلك  الملحمة فلهجت به الألسن وحفظته وذهب مثلا سيّارا ردّده كل من تحدّث عن ملحمة بنقردان،  وغدا قولا عابرا للمكان والزمان تخطّى أسوار الذات المنشئة له وحدود التجربة الفردية – وإن صاغه بضمير المتكلّم المفرد – ليعانق التجربة الجماعية وينعتق من أسر المحلّي  لينفتح على رحابة الوطني بل الكوني .

2  في الدّلالات والأبعاد

لقد مثّلت ملحمة 7مارس بعد حدث الثورة ومنجز الدّستور قيمة نوعية مضافة لتونس وهي تشقّ مسارّا في الانتقال الديموقراطي محفوفا بالمكاره والمرهقات وإنجازا رمزيا ومعنويا مهمّا لبنقردان قد يساعدنا على تحقيق العديد من المكتسبات في التّنمية الازدهار ولعلّ أسباب هذا الانتصار الملحمي تعود إلى :

*تماسك أجهزة الدّولة وما اكتسبته من خبرة  وكفاءة وجاهزية في إدارة المعركة بروح وطنية عالية

*الهبّة الشعبية العارمة في مناصرة القوات الأمنية والعسكرية والتفاف الجموع الغفيرة حولها  دفاعا عن راية الوطن

*المخيال الجمعي أو الشخصية الجمعية العميقة لأهلنا في بنقردان التي تأبى الرضوخ والولاء للوافد الغريب لا سيما إذا كان دخيلا غازيا ( مقاومة الأجداد للمستعمر الفرنسي الذي جعل من الجهة منطقة عسكرية لإخضاعهم ومراقبتهم) ولئن تمكّن الإرهابيون من اختراق الساتر التّرابي فأنّهم لم يقدروا على اختراق الساتر البشري المتين الحصين وقد عبّر أحد  الشعراء الأجداد عن ذلك في هذا البيت المعبّر عن معنى الفخر الجماعي : إحنا السوط ما يوصلنا**** إحنا ستار للّمخضّبة بالحنّاء. وليس غريبا أن تذهب بعض القراءات إلى أنّ أصل التّسمية لبنقردان إنّما تحيل على حارس القصر أو البرج)  le gardien  ) وتذهب الحكاية الشعبية  إلى أنّ هذا الحارس كان قويّا لا يفتحه إلاّ بكلمة السرّ ولمّا استرق الأجداد تلك الكلمة استولى على قصر بنقردان  12فارسا بطريقة خاطفة وحافظوا على كلمة السرّ تلك وتربّوا عليها وهي الولاء للوطن والذود عنه فلم يقو الإرهابيون وغيرهم  على استراقها مجدّدا وقد أقرّ الضابط الفرنسي الذي تولّى الإشراف على مكتب فرع الشؤون الأهلية ببنقردان بأنّ" هؤلاء الأهالي لهم رجال شجعان هم في نفس الوقت فرسان متمرّسون ومحاربون أشدّاء لا يعرفون التّعب ورماة مهرة اضطرّوا دوما للدفاع  عن أنفسهم لحماية أرضهم  وصون عرضهم....هؤلاء الأهالي يختصّون بسمات استقلالية تتجلّى حتّى في المجال الديني."     "cette population avait des hommes très braves, a la fois des bons  cavaliers et fantassins infatigables ,excellents tireurs.  Constamment obliges de se défendre pour conserver leur prépondérance morale et leur terre reconquise….(cette population) acquière un caractère très indépendant .cette           indépendance s’affirmait même dans le domaine religieux»,

Historique de l’annexe des affaires indigènes de Bengardenne  P11                                                  

خاتمة

 لقد برهنت ملحمة بنقردان على أنّ المجتمعات المدنية الحرّة وأنّ الدولة الديمقراطية الناشئة لهي أقدر وأقوى على محاربة الإرهاب من الدول الاستبدادية القائمة على الحكم الفردي والانتماء القبلي أو الجهوي أو الطائفي. وبيّنت كذلك أنّ عامة الناس قد حسمت موقفها من هؤلاء الإرهابيين  الذين لم يتّخذوا من سطح الدين والقشور التراثية إلا وسيلة لاستقطاب الشباب  والأطفال الذين يعانون من أزمات التواصل الأسري والاجتماعي وهم في  أغلبهم ضحايا التّسرّب المدرسي، وأنّهم حيث ما حلّوا أحدثوا  فتنا في المساجد وتصدّعا في الأسر وفي مناسبات الأفراح والمآتم وأنّ معظمهم ليسوا سوى دمى مخترقة من قبل أخطبوط مالي/مخابراتي دولي وإقليمي. فضلا عن ذلك فقد فوّتت ملحمة بنقردان على بعض القوى الكبرى محاولاتها إقامة قواعد عسكرية بالجنوب التونسي وأبطلت حججها وذرائعها في ذلك .لقد أقلق هذا الانتصار المظفّر بعض القوى الإقليمية التي لا تزال تزعجها تجربة التأسيس للانتقال الديمقراطي المدني بما يقدّمه من نموذج في الحرّية والعيش المشترك.

عمر طاهر

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك