القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

دور القبيلة في تشكيل المشهد السياسي الليبي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-01-11 15:17:00 | 789 مشاهدة

                                        

يعتبر عبد الله الغذّامي القبيلة أصل الهوية في ما بعد الحداثة ، وإن العودة القوية إلى الهويات القبلية في ليبيا كان في إطار العودة إلى الهويات الأصلية بأقوى صيغها حتّى لتبدو أشدّ حدّة مما كانت عليه في عهد المقبور القذافي ، وهي تكشف عن خروج الكامن إلى المعلن سياسيا وثقافيا وسلوكيا، يقابل ذلك تراجع لقيم الحرية والوحدة وهو ما بات يهدد ليبيا. 

مقدمة:

أقام تجمع ثوار 17 فبراير  منتدى بالزاوية العاصمة الرابعة للثورة الليبية وقد حضره كل المعنيين بالحراك الثوري بليبيا وذلك يوم السبت 29 ديسمبر 2018  رافعين لواء الدولة المدنية كشعار للمرحلة القادمة من أجل بناء الدولة وتجاوز الولاءات القبلية والمليشياوية التي عصفت بكل مقومات الدولة المنظورة في ليبيا ومن ثمة التفرغ لإقامة دستور للبلاد يسمح بالتداول السلمي للحكم وتكوين مؤسسات الدولة بعيدا عن كل طائفة أو قبيلة أو إثنية تغتصب حق المجتمع المدني في إطار الدولة المدنية المنشودة التي تضع نصب عينيها حقوق الإنسان فتوفر  له الصحة والتعليم والعيش الكريم خاصة ونحن أمام دولة غنية بالثروات الباطنية من المحروقات وهو ما جعلها في محط نظر السماسرة والدول الاستعمارية ، هذه الدول التي ولغت في الدم الليبي وهو ما أشار إليه فتحي باش آغة وزير الداخلية في المؤتمر الصحفي الذي أقامه بعد تفجير وزارة الخارجية واتهام المخابرات الأجنبية . مع اتهام مبطّن للسراج كونه أصبح عبءا على الدولة معطلا لدواليبها ، مستجيبا لضغوطات الخارج الطامعة إلى إنهاك الثوار وإعادة الوضع كما كان قبل الثورة ، وقد رصدوا لذلك حفترا يناور آناء الليل وأطراف النهار ، من أجل غايات أصبحت معلومة .

الإثنيات العرقية : إعادة تشكيل المجال 

قسم الملك إدريس السنوسي ليبيا إلى ثلاثة أقاليم ( برقة، فزان، طرابلس) سنة 1963 تاريخ اكتشاف البترول في بلده ليسهل عليه تقسيم الثروة على المواطنين بصيغة أقرب إلى العدل ، خاصة أن ليبيا بلد مترامية أطرافه مساحته تتصدّر المرتبة السابعة عشر في العالم والمرتبة الرابعة على قارة أفريقيا، حيث تبلغ مساحتها الكلية حوالي 1.759.540 كيلومتر مربع، ويبلغ طول الشريط الساحلي فيها حوالي 1.955 كيلومتراً، حيث يعد أطول شريط ساحلي من بين الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط، ويقدر عدد سكانها بحوالي 6.597 مليون نسمة لكنه يعتبر قليلاً نسبيّاً مقارنة بمساحتها الكبيرة. وتمتاز هذه الدولة بموقعها الجغرافيّ والاستراتيجي المهم تحدّها من الجهة الشمالية والغربية  تونس، وتحدها من الجهة الجنوبية تشاد والنيجر، وتحدها من الجهة الغربية الجزائر، ومن الجهة الجنوبية الشرقية مصر والسودان. من أهم ميزاتها كونها تربط بين المشرق العربي والمغرب العربي، ينتصب أغلب سكانها على السواحل في حين تشهد بقية المناطق وخاصة الجنوب والغرب فراغ نسبي رغم تعدد الإثنيات فيها وتمركزهم في مناطق مختلفة من البلاد .

-العرب وهم المكون الإثني الأغلبي ويتمركز على الساحل. من طبرق والبيضاء مرورا ببنغازي وجدابيا شرقا إلى صبراطة وزوارة غربا ، مع بعض القبائل العربية المنتشرة في دواخل البلاد بسبب طبيعتها الرعوية مثل أولاد سليمان في سبهة جنوبا والصيعان في تيجي وبدر غربا .

- والأمازيغ وينتشرون من وازن غربا إلى نالوت والزنتان وجالو وكابو  والجوش ومنها إلى الزاوية العاصمة المفترضة للأمازيغ.     
- التبو : وهي المنطقة الممتدة على طول حدود ليبيا مع دارفور السودانية وتشاد والنيجر ، أي من الكفرة إلى وادي الفراغ إلى سبهة ومنها إلى مرزق عاصمة التبو .

- الطوارق وهم من الأمازيغ في الأصل من بربر زناتة لهم نفس الأصول مع الربايعة والنوايل سكان زوارة ويتمركزون على الحدود الغربية مع الجزائر من جبال أكاكس إلى أوباري عاصمة الطوارق ومنها إلى تناورت إلى درج وغدامس وسيناون وهي المناطق السوداء التي تكونت عبر تجارة العبيد باعتبار أن غدامس هي إحدى نقاط استراحة القوافل القادمة من التنبكتو والبيرنو من مالي والتي كانت إحدى النقاط المهمة في بيع العبيد ، تليها منطقة مارث من ولاية قابس. ولكن هؤلاء الوافدين السود المتحررين من تجار العبيد اندمجوا في المناطق الحدودية (سيناون، درج، غدامس) المكونة للحدود الثلاثية  ( تونس، ليبيا، الجزائر) وأصبحوا إحدى المكونات الأساسية لتلك المناطق ولكنهم يؤكدون انتماءهم إلى العرب ولا يعترفون بانتمائهم إلى التبو ، وعلى هذا الأساس عوملوا خلال فترة حكم القذافي معاملة القبائل العربية كما اعتمد عليهم في مراقبة منطقة أقصى الجنوب التونسي وأقصى الغرب الليبي المتمثل في الحدود مع الجزائر.

وقد عمل معمّر القذافي على نفي الأقاليم وإقامة حكمه على أساس قبلي فكانت دولته دولة عربية أعرابية تماما كما وصف الجاحظ دولة بني أمية زمن معاوية بن أبي سفيان. ولم تبنى الدولة في ليبيا على أساس مؤسسيّ وإنما كانت تحكم بالمليشيات وتصان بالمحابات القبلية والاسطفاف وراء شخص الزعيم الذي بذل فيه القذافي أموالا عريضة لتكوين صورة هلامية نحتت من الفراغ وأفسدت الدولة وألهت المجتمع بالمؤتمرات الشعبية بتعلّة مشاركته في الحكم تحت شعارات واهية مثل" السلطة والثروة والسلاح بيد الشعب"  ولكن الشعب عنده رهين عروبته فظلت القبيلة العربية الليبية هي الفاعل الأساسي في ضخّ "السياسيين"  في دولة القذافي دون غيرهم من الاثنيات وباعتبار أن القبائل العربية هي التي تتمركز على شاطئ يمتدّ على 2000 كلم تقريبا وهي التي تملك الجزء الأكبر من الأراضي الخصبة وتعامل بقية الإثنيات من التبو والأمازيغ والتوارق معاملة التابع ، وقد سعى القذافي إلى تحريك قبيلة أولاد سليمان في الجنوب لتكون شوكة الدولة نحو التبو ، تماما كما كانت قبيلة الصيعان في الغرب نحو الأمازيغ

جغرافية القبيلة في ليبيا :

 ظلت القبيلة خلال أربعين سنة من حكم القذافي المطبخ الداخلي للسياسات الداخلية في إطار عملية فرّق تسد وهي التي أتقنها المقبور وأسس لها سياسة من سياساته بعد أن أوهمهم بممارسة حقهم السياسي من خلال المؤتمرات الشعبية وهي الوريث لمهرجانات الصوت التي كان يعقدها إدريس السنوسي في إطار قبلي ليضمن أصوات القبائل، ولكن الدولة في عهد الملك كانت أقرب إلى التحقق منها في عهد القذافي الذي تصاعدت فيه الهويات القبلية في إطار عودة إلى الهويات الأصولية بأقوى صيغها حتى لتبدو  أشدّ حدّة مما كانت عليه في التاريخ القديم  ومن المعلوم أن المجتمع الليبي مجتمع قبلي بطبيعته، تلعب القبيلة فيه الدور الرئيسي في تشكيل خارطة الولاءات والانتماءات. وبالرغم من الآراء التي تذهب إلى أن سيطرة التحالفات القبلية على العقل المجتمعي الليبي بدأت مع ثورة العقيد معمر القذافي 1969، حين ألغيت الأحزاب السياسية المدنية فاتحةً المجال للفكر القبلي للتمدد والانتشار، وثمّة من يرى أن معاداة الليبيين للفكر الحزبي بدأت عقب الاستقلال بعام واحد فقط، تحديداً في 1951 في عهد الملك إدريس السنوسي، ثم جاءت أحداث ما بعد 2011 لترسخ مبدأ القبلية وسيطرتها بصورة كبيرة.

اعتمدت كافة الأنظمة السياسية التي حكمت ليبيا، بدءاً بالملكية وصولاً إلى مرحلة الثورة مروراً بالجمهورية، على القبلية وما لديها من ميليشيات مسلحة في بناء تحالفاتها. وفي السنوات الست الماضية، استغلت القبائل الغياب شبه الكامل لدور الجيش والشرطة والمنظومة المؤسسية لصالحها من خلال الحصول على النفوذ والمكاسب المادية. البرلماني حسن صالح، عضو مجلس النواب الليبي، أشار إلى أن القبيلة في البداية كانت تقوم بدور مجتمعي ثقافي في المقام الأول، في ظل إحكام الأنظمة الحاكمة سيطرتها على البلاد بصورة كاملة، إلا أنه مع سقوط نظام القذافي عام 2011، وما تبعه من انهيار لمؤسسات الجيش والشرطة، لم تجد القبائل بداً من القيام بدور المؤسسة الأمنية في الدفاع عن نفسها والمناطق التي تحتضنها.

إن المسؤولية الأمنية الملقاة على كاهل القبائل بعد ثورة 2011 قادت إلى تشكيل ما يسمى بـ"الميليشيات القبلية" سواء من أفراد الجيش السابقين، أو من منتسبي القبيلة المدنيين، خاصة في ظل تفتت الدولة وتباعد أطرافها، إضافة إلى بنية المجتمع الليبي غير المتماسكة والتي لا يمكن التعويل عليها كوحدة مترابطة، ومن ثم بات للقبائل دور كبير في رسم الخارطة السياسية الليبية طوال السنوات الست الماضية. وأنّ قوات الجيش رغم كونها مازالت في طور التشكّل إلا أنها بدأت في اتخاذ بعض الخطوات لتحجيم دور الميليشيات القبلية من خلال الاتفاق مع القبائل الكبرى لتشكيل تحالف إقليمي لمواجهة الميليشات القبلية والمليشيات المتطرفة.  ويرى المتابعون للشأن الليبي أن القبيلة قويت شوكتها على حساب العمل السياسي منذ الفترة الملكية حينما أنشأ الملك السنوسي مهرجانات الصوت التي تقام لعرض المرشحين السياسيين على أفراد القبيلة من أجل تزكيتهم سياسيا وهو ذات العمل الذي استفاد منه معمر القذافي في المؤتمرات الشعبية مع قصف العمل الحزبي ووصفه بالخيانة وهو ما أربك مؤسسات الدولة ومنعها من البروز  والقيام بدورها في المقابل فإن أربعين ومائة قبيلة في التراب الليبي بمختلف أحجامها وإثنياتها العرقية حاولت جميعها أن تلعب دورا في ظل غياب مؤسسات الدولة ولكن ثلاثين من القبائل العربية هي التي تصدّرت المشهد الليبي في حين كانت خمسة منها تقود العملية السياسية من وراء حجاب وتفرض الأمر الواقع عن طريق مليشيات مسلحة تسليحا جيدا وهو ما عطّل بناء الدولة في محاولات متكررت يائسة، ولعل أوّل هذه القبائل:

1/ قبيلة ورفلّة: وهي قبيلة كبرى يصل تعداد أفرادها إلى مليون نسمة ( سدس السكان) وتتمركز في الوسط الليبي من وادي  الشاطئ إلى الجفرة وعاصمتها مدينة بني وليد .

2/ قبيلة  المقارحة : وهم أصهار القذافي يتمركزون في الوسط أيضا في منطقة وادي الشاطئ، ومنهم من استقرّ في الشرق في مدينة البيضاء وهم الذين يحتضنون سيف الإسلام القذافي بعد هروبه من الزنتان، وهي من القبائل الفاعلة سواء في عهد القذافي أو بعد الثورة.  

3/ قبيلة القذاذفة : وقد انعكس اهتمام النظام بالقبيلة في سعي عديدين من شيوخها إلى كسب ود قبيلة القذاذفة التي ينتمي إليها القذافي، محاولين البحث في أغوار التاريخ، علهم يجدون أي نوع من التضامن أو التقارب، أو ما يعرف باللهجة الليبية “الصف” أو “الخوايا” بين قبيلتهم وهذه القبيلة، ما سيضمن لهم امتيازات ومناصب عديدة، كانت توزع حسب أهميتها، بناء على الولاء والقرب من قبيلة القذاذفة أو غيرها من القبائل المحسوبة على النظام.

تتمركز في خليج سرت نحو المناطق الجنوبية، وهي من القبائل الكبرى والفاعلة في السياسة الليبية خاصة في عهد القذافي استسلمت للثورة ولم تبدي مقاومة تذكر مثلما هو الحال لورفلة والمقارحة مثلا ، بل إنها توسطت بين مصراطة وورفلة من أجل حقن دماء الليبيين ولأنها تحمل عبء أفعال القذافي غابت بعد الثورة عن أي فعل سياسي إلا لبعض الأفراد المحسوبين عليها مثل قذاف الدم .

4/  تاورغاء: وهم من التبو المخلصين في خدمة القذافي وفيها انتصبت الفرقة 32 معزز التي كانت تدكّ مصراطة وهم من اختطف أحد شباب مصراطة من الذين قبضوا على القذافي ليسلموه بعد ذلك جثة هامدة الأمر الذي أغضب المصراطيين فدكوا تاورغاء لثلاثة أيام متتالية وقتلوا من أهلها ما يربو عن  ثلاثة آلاف تاورغي ، وقد شدّ البقية منهم الرحال إلى بني غازي مشيا على الأقدام بعد تجميعهم في جميلن وهؤلاء الغاضبون مثلوا العمود الفقري لجيش حفتر

4/ قبيلة ترهونة: تتمركز في جنوب غرب طرابلس في منطقة تسمى باسمها وهم يمثلون ثلث سكان العاصمة

5/ مصراطة : من القبائل العريقة ذات أصل أمازيغي وعرّبت تعريبا كاملا ، اشتهرت في التاريخ بصلابتها وتمرّسها بالقتال، تهابها كل القبائل الليبية شرقا وغربا وقد أثبتت فاعلية كبرى في اسقاط نظام القذافي وتكوين دروع ليبيا كما فزعت لنجدة الثورة كلما دعتها الحاجة إلى ذلك مثل إخراج ثوار الزنتان المعتصمين بالمطار ، ودحر داعش عن مدينة برقة ، وإخراج المليشيات الست المسلحة من العاصمة طرابلس.

  • قبائل الشرق:

1/ قبيلة العبيدات

 2/ قبيلة البراعصة

3/ قبيلة العواقير

4/ قبيلة المسامرة 

  • قبائل الجنوب والغرب

الجنوب:

1/ قبيلة أولاد سليمان : وهي قبيلة عربية تتمركز في سبهة وهي على خلاف دائم مع القذاذفة الذين يشاركونهم نفس المجال الجغرافي

2/ قبيلة زوية:

3/ قبائل التبو: وهم من القادمين من الدول المتاخمة لليبيا مثل السودان عبر دارفور وتشاد والنيجر ويتخذ هؤلاء مجموعات منفصلة عن بعضها وتعدّ مدينة مرزق عاصمة لهم

  • الغرب :

1/ قبيلة الصيعان: وهي من القبائل العربية تتمركز في تيجي وبدر إلى أم الفار وقد استعملها القذافي شوكة ضد الأمازيغ الرافضين لحكمه وحاجزا يحول دون اتصالهم بالبحر

2/ الأمازيغ: وهم على ضربين :

برير زناتة : ينتشرون على جبال نفوسة من وازن إلى نالوت إلى جالو والقلعات ومنها إلى الزنتان وكاباو إلى الزاوية .

بربر كتامة : وهم النوايل من زوارة والطوارق

3/ الطوارق: ويتمركزون على الحدود مع الجزائر على سلسلة جبال أوباري وتعدّ مدينتا أوباري وغاط مركزا للطوارق وعلى الحدود التونسية غدامس ودرج وسيناون ويلحق أهلها بالطوارق .

     

دور القبيلة في تشكيل الحياة السياسية في ليبيا:

كانت القبيلة، ولا تزال، تلعب دورا مهما في تشكيل المشهد الليبي، سياسيا وديمغرافيا، فالانتماء إلى القبيلة والارتباط الوثيق بها لا يزال عميقا وغائرا في هذا المجتمع، ولا يزال ليبيون كثيرون يشعرون بالفخر بانتمائهم للقبيلة، بل ويرون أن أي حل للمشكل الليبي لن يكتب له النجاح، ما لم يكن مبنيا على تفاهم قبلي، يفرض تطبيقه على أرض الواقع.

وقد استغل نظام القذافي هذا العنصر، وأتقن العزف عليه، وجعله عاملا مهما في تقوية حكمه وتثبيت أركانه، وكلف من أجل ذلك بعض رموز حكمه الذين لهم دراية بتاريخ القبائل الليبية لتولي هذه المهمة. وقد نجحوا في استقطاب القبائل التي لها ثقل داخل المجتمع، وتقريبها منه، وتعيين أفراد منها بتعيينهم في صلب الدولة وقد أغدق عليهم العطايا بما يضمن ولاءهم وولاء قبائلهم له.ومساندته في تسليط العقاب على معارضيه، من خلال إرغام القبائل على التبرؤ ممن عارضوه، وجعلهم منبوذين داخل قبائلهم، بل وطردهم، هم وعائلاتهم، ورفض دفن أمواتهم داخل مقابر القبيلة، وجعل هذه القبائل تتسابق إلى تقديم وثائق العهد والمبايعة التي كان النظام يحرض عليها، ويوليها أهمية بالغة.

وقد أدت تلك الجهود إلى تشكيل خريطة الولاءات والانتماءات، وتم بناء عليها رسم الاستراتيجيات التي تضمن بقاء هذا النظام من خلال هذه القبائل.

وفي السياق نفسه، بما يخدم هذه المصلحة أيضا، تولى كتّاب ظهروا فجأة في تلك الفترة، وبإيعاز من اللجان الثورية، وبدعم مالي وقبلي، تم تأليف كتبٍ تمجّد دور القبائل الليبية المساندة للنظام في جهادها ضد المستعمر الإيطالي، مدحا أو قدحا، حسب موقف تلك القبيلة من النظام، وحسب التعليمات الصادرة إلى هؤلاء الكتاب، مزوّرين حقائق كثيرة، ومسيئين إلى قبائل كثيرة، حاولوا طمس تاريخها الجهادي الذي يعرفه كل المتابعين لحركة الجهاد الليبي عبر التاريخ وتصدّرت مصراطة وأولاد سليمان هذه القبائل المناوئة عقابا لها على موقفٍ معيّن، فسّره النظام بأنه خارج عمّا يريد ويهوى. وقد أدى ذلك إلى تكريس الفرقة القبلية، وتوزيع المناصب والامتيازات والنفود بناء على الثقل القبلي، والولاء العشائري، تحت مبدأ "فرّق تسد" ومن ثمة كان الحقد والكراهية سمةً مميزةً، تحكم علاقات قبائل كثيرة.

سقط القذافي وانهار نظامه سنة 2011، ودخلت ليبيا في فراغ سياسي شامل، فلا دستور يمكن الاحتكام إليه، ولا مؤسسات سياسية أو خدمية أو أمنية معتبرة، ويمكن الاعتماد عليها في تسيير البلاد سواء من الناحية الأمنية أو السياسية، ما أدى إلى ظهور دور القبيلة، وبقوة من جديد، للقيام بالدور السياسي والخدمي والأمني، بما يمكّنها من الدفاع عن نفسها، وعن أراضيها التي تعيش عليها من خلال تشكيل مليشيات قبلية تحت مسمى “المجالس العسكرية”، ضمت في أغلبها من اشتركوا في إطاحة نظام القذافي، والذين استطاعوا الحصول على الأسلحة النوعية غنائم من كتائب القذافي ومعسكراته الأمنية، أو مساعدات من دول أجنبية كان لها دور رئيس في إطاحة النظام.

وظلت القبيلة بعد “فبراير 2011، تلعب الدور المهم نفسه الذي كانت تلعبه، حيث تخندقت وراء مليشياتها ومجالسها العسكرية، واستغلت من بعض أفرادها لتحقيق مصالح ومنافع شخصية وعائلية. ونتيجة للفراغ الأمني الذي تلا الثورة، دخلت قبائل ليبية عدة في مواجهات وحروب مع قبائل تشاركها نفس المجال الجغرافي، خصوصا التي كان بينها عداء تاريخي، إما بسبب الأرض أو بسط النفوذ وكان هذا الصراع، في غالبه، امتدادا لحروب قبلية قديمة. ولعل اقتحام مدينة بني وليد في سنة 2011، وتزعّم مصراتة ذلك الاقتحام، وطرد تاورغاء إلى الشرق والحرب بين قبيلتي أولاد سليمان والقذاذفة في الجنوب، ما يدل دلالة واضحة على العمق التاريخي لهذه الحروب، مع ملاحظة أن الاصطفافات السياسية والأيديولوجية لعبت دورا مهما أيضا في كثير منها، فعلى سبيل المثال اصطفاف كل من ورشفانة والزاوية إلى ثوار 17 فبراير  في حين انتكست الزنتان بعد إخراجها بالقوة من المطار  والتحقت بما سمي بالجيش الليبي بقيادة حفتر.

ولعل ما حصل من تفاهم بين قبيلتي الزنتان والمشاشية يأتي محصلة للاتفاق حيث وافقت الزنتان على رجوع المشاشية إلى أراضيها، موقعين اتفاقيات عدم الاعتداء وحسن الجوار، وتكليف لجنة مشتركة بينهما، تتولى النظر في كل المشكلات العالقة أو اللاحقة.

وقد سعى الجنرال خليفة حفتر  في المنطقة الشرقية، أن ينتهج طريقة القذافي نفسها في شراء الولاءات القبلية، خصوصا ذات الثقل الاجتماعي، جعل لهذه المنطقة خصوصيةً تختلف عن باقي المناطق الليببية، فعندما فشل حفتر، في انقلابه الذي أعلنه في 14 فبراير/ شباط 2014، والذي أعلن فيه سيطرته على مقرّات حكومية داخل العاصمة طرابلس، وتجميد عمل “المؤتمر الوطني العام”، ذلك الانقلاب الذي لم يتجاوز الشاشات التي أعلن من خلالها، ولم يرتق حتى إلى مجرد محاولة الانقلاب، الأمر الذي جعله يغادر إلى المنطقة الشرقية، محاولا شراء ود شيوخ قبائلها، وإظهار نفسه شخصية توافقية تحارب الإرهاب في المنطقة، مستغلا الفوضى الأمنية هناك، واننتشار الاغتيالات والقتل والتفجيرات التي أرهقت الناس. هذه الظروف جعلت معظم قبائل الشرق الليبي على كثرتها وأهميتها في تحديد سياسات الدولة، مثل قبائل العواقير والمغاربة والعبيدات،والمسامرة تدعم الجنرال المتقاعد حفتر، خصوصا في بداية حربه التي سمّاها عملية الكرامة، إلا أنه، ومن الملاحظ الآن، أن كثيرا من هذه الولاءات أصبحت أكثر هشاشة، بعد أن اكتشفت أغلب القبائل أن الهدف الخفي من كل هذه الحروب هو الوصول إلى السلطة، وبناء مجد شخصي يمهّد للحكم الكلياني المتسلط، وقد دفعت هذه القبائل فواتيره الباهظة من أبنائها الذين شاركوا في هذه الحروب القاسية، وأن الصراع الذي خالته حربا ضد الإرهاب تحول من صراع إيديولوجي إلى صراع ونزاع قبلي لتولي المناصب والسلطات.

أما الجنوب الليبي، فإن انتشار آبار النفط وحقوله فيها جعل منها منطقةً ذات  مطامع جمة، في اقتناء مبالغ طائلة من الحكومات المتعاقبة التي كانت في صرفها سخية دون الخوف من رقابة الشعب الثائر  على فساد ظل ينخر ليبيا أربعة عقود متتالية، وقد أوكلت إلى هذه القبائل النائية حراسة المنشآت النفطية. وقد كانت معظم هذه القبائل تعي خطورة المهمة التي أسندت إليها لذلك مارست ضغوطا سياسية وابتزت القائمين على سياسة البلاد ما بعد الثورة بعدما خبرت ضعف سندها السياسي ، ولم تستنكف عن الفعل من خلال قفل صمامات النفط أو التلويح به، لكسب مزايا أو مكاسب تراها ضرورية، وقد أدت هذه المزايا إلى صراع مسلح بين التبو والطوارق في الجنوب الغربي سنة 2014، ولا يزال الوضع، على الرغم من الهدوء الحذر، معرّضا للاشتعال في أي لحظة، وهو لا يقل خطورةً، ولا دمويةً، عما يحصل من مواجهات مسلحة بين قبيلتي الزوية والتبو في الجنوب الشرقي، وكذلك الصراع المسلح في الغرب الليبي بين نالوت والزنتان على قيادة المعبر في وازن /ذهيبة والصراع الدموي بين المشاشية والزنتان وبين الزاوية وزوارة على معبر راس جدير .

 

خاتمة:

على الرغم من كل السلبيات التي أظهرتها بعض القبائل الليبية نتيجة الفراغ السياسي الذي وجدته أمامها وهو ما حرّضها على تكوين مليشيات مسلحة في بلد غنيّ بالنفط والغاز  يحوي 20 مليون قطعة سلاح  وهو يكفي لتحرّك القبائل محاولة منها لرأب الصدع الذي تركته الثورة بين الفريقين المتصارعين من جهة ومن أجل التمكن من تأمين نصيبها من الثروة ويؤكد المتابعون أن مصراطة هي التي تتصدّر القبائل في الاستحواذ على أكبر قدر من الغنائم ( تمثل ذلك في مرفأ بحري يعدّ الأكبر في شمال إفريقيا) وكذلك من وظائف قيادية أو عادية أو عوائد مالية على شكل أموال أو مشروعات، باعتبار قوتها الضاربة التي أبانها شباب مصراطة في مواجهة اللجان الثورية زمن الثورة، وتمكنهم من الاستحواذ على مخازن السلاح وهو ما قوّى شوكتهم مقارنة مع القبائل الأخرى، ما يعني استحواذها على ما تستحقه، وما لا تستحق، وهو أمر ينطبق على بقية القبائل الفاعلة في زمن الثورة  وهو ما أدى إلى عرقلة النظام السياسي وبعثرة جهود الصادقين من أبناء ليبيا الذين يطمحون إلى بناء دولة مدنية حديثة تكون المواطنة هي الرابط بين أفرادها وفق ما يقتضيه الدستور الذي ما يزال في طور الإخصاب وإلى أن يتم هذا الحلم ستظل القبيلة أهم معرقل للعمل السياسي الذي لم يستطع أن يحل مرتبة التقليد في ليبيا نتيجة تخوين التحزّب وضعف أداء الساسة وانهيار كل النظم التي بنى عليها القذافي دولته المافيوزية ، وقد أدى كل ذلك إلى فرض نظام المحاصصة خارج نطاق القدرة والإمكانات، مثلما فعلت الزنتان مثلا حينما دخلت مليشياتها إلى المطار مطالبة حقها في إدارة الدولة وقد أدت عملية إخراجهم إلى تدمير إحدى وعشرين طائرة) . لقد شكلت القبيلة عبر التاريخ  الحاضنة الاجتماعية التي تحمل في تاريخها إرثا ثقافيا، وقدرة على معالجة المشكلات القائمة، يمكن أن تلعب دورا أساسيا، في إحلال السلم، والتصالح بين مكونات المجتمع الليبي، خصوصا أنه مجتمع قبلي يعطي الأفراد في ليبيا الولاء والطاعة للقبيلة ولا يستطيعون التمرّد عليها بيسر. وقد أدّى التدخل القبلي، في الأحداث الليبية ما بعد الثورة إلى نتائج جيدة تحسب لها وعجزت عنها الحكومات المتعاقبة منذ 2011 حيث نجحت المجالس القبلية في إبرام ثمانية وستين صلحا من أصل أربعة وسبعين، ونجحت في تبادل الأسرى في ثمان وثلاثين واقعة وحادثة من أصل سبع وخمسين بين المليشيات المتقاتلة، وهو ما يشفع لها تدخلها في مجال الدولة ويجعلها أكثر فاعلية في إيجاد الحلول التي يرضاها الجميع، وتفرض نفسها أخلاقيا واجتماعيا، حينما تغيب أجهزة الدولة.

 

الدكتور محمد التومي ( باحث في السيراس)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك