القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

خلفيات المواقف التركية تجاه المنطقة العربية. محاولة لتصحيح الفهم

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2016-09-16 14:26:47 | 398 مشاهدة

 


ملخّص:

تعيد تركيا  صياغة علاقاتها الاقليميّة والدوليّة، وتراجع موقفها بمحيطها  العربي و الدولي  مع  روسيا و سوريا ومصر وامريكا في جوار اقليمي متوتر ملتهب وعنيف ونظام دولي بمعاييره القديمة. مثّل ذلك لدى المراقبين صدمة، ولدى العارفين عينَ المعرفة  بالسياسة وبمنطق التوازنات الدولية وموازين القوى. لتبقى الرؤية القومية لدى الاتراك هي الابعد غوْرا في سياستها الخارجية  كغيرها من القوميات العريقة في التّاريخ. بهوية اسلامية تعيد تنشيطها وتجديدها، تقف تركيا في مفترق طرق سياسة دولية صعبة وتربص داخلي كاد يودي باركان نظام الحكم و "حزب العدالة والتنمية"  ليلة 15 يوليو 2016 في  محاولة انقلاب عسكري فاشلة لمجموعة من ضباط القوات المسلحة التركية. تلتبس الرؤى حول حقيقة الدور التركي في علاقته بالمنطقة العربية بين الشراكة والهيمنة،ووشائج العودة  الى التاريخ العثماني وتصفيته من شوائب العلاقة مع العرب. بين رؤيتين تقف نخب مناصرة للتجربة وأخرى متوجسة. وهنا وجب فصل القمح عن زؤانه في محاولة للفهم.
 

مقدّمة:

 عبّر الكثير من المحللين السياسيين عن شكهم في صحة التقارير القائلة أن تركيا بصدد مراجعة موقفها من الأزمة السورية.غير أن رئيس وزرائها "بن علي  يلدريم" قطع الشك باليقين يوم الجمعة 2 سبتمبر  2016  حين صرح أن حكومته  بدأت العمل على تطبيع  علاقاتها مع سورية و مصر بصورة  جدية. يعني هذا  بوضوح أن تركيا بصدد اعادة النظر في السياسية الإقليمية و الدولية التي تنتهجها منذ 2011 تاريخ اندلاع انتفاضات  شعبية في العديد من الدول العربية.  بالفعل لقد فاجأت  رغبة  الحكومة التركية في اعادة النظر في علاقتها مع مصر وسوريا و اسرائيل و روسيا و حتى الولايات المتحدة الأمريكية  الكثيرين، بل و كانت  بمثابة الصدمة للعديد من المحللين العرب الذين اعتقدوا أن تركيا لن تغير سياستها بهذه السهولة . غير أن حرص تركيا على تعديل مواقفها  السياسية و اعادة النظر في علاقاتها مع  جيرانها لم يكن أمرا مستبعدا فمركز الدراسات الاستراتيجية و الدبلوماسية استشرف هذا الاحتمال إذ نشر يوم  4 ديسمبر 2015 ما يلي  "...من الصعب ادراج تركيا ضمن قائمة الدول الحريصة على افشال الدور الروسي في سوريا فمصلحتها  القومية أكبر بكثير  من أن تربطها بمصير الأسد. و مهما يكن الأمر، و على عكس ما يعتقد البعض، ستكون تركيا في المستقبل القريب معنية لا فقط بإنهاء الأزمة السورية بل أيضا بالحفاظ على وحدتها السياسية و الجغرافية. ذلك أن تنوعها الطائفي و العرقي سيجعلها تعترض و ربما تقاوم المختطات الرامية إلى دفع سورية نحو حافة التفكك على أساس طائفي وعرقي و مذهبي لهذه الأسباب ستراجع تركيا موقفها من الحلول التي تقترحها روسيا للأزمة السورية، ومن المرجح أنها ستقبل بالكثير منها. بهذا المعنى  يمكن القول أن  حادث اسقاط الطائرة الحربية هو على الأرجح  نهاية للخلاف بين روسيا و تركيا لا بداية له "[1].

   على هذا الأساس لم يكن من المستغرب أن تُعيد تركيا النظر في موقفها من التحولات الدراماتيكية التي تشهدها العديد من الدول العربية كمصر و سورية منذ 2011 . بل سيكون من المستغرب فعلا أن لا تفعل ذلك خصوصا بعد التدخل الروسي و الإيراني المباشر فى الأزمة السورية والدعم الغربي للأكراد سياسيا وعسكرا. و لا شك أن مصدر استغراب أغلب المحللين و السياسيين العرب هو فهمهم الخاطئ  للقواعد والرهانات التي تحتكم إليها الجمهورية التركية بقطع النظر عن الحزب السياسي الذي يديرها. و لعل مثل هذا الفهم هو الذي جعل العرب يتمثلون تركيا على أنها إما صديقا وفيا أو عدوا لدودا. لقد سبق أن تمثل العرب مثل هذه الصورة النمطية لإيران، مما يُفيد أن المسألة لا تتعلق بتلون أو تبدل سياسة الحكومة التركية بل بعجز الفكر العربي على تكوين فهم موضوعي لرهانات تركيا و استراتيجيتها في المنطقة العربية. ومن أجل بلورة مقاربة موضوعية للسياسة التركية إزاء المنطقة العربية و موقفها مما يجري من أحداث في سورية   ترنو هذه الورقة إلى :

_  التعرّف على نظام الحكم التّركي المستند إلى الفكرة القومية .

_ الكشف عن أهم  الاهداف  الداخلية و الخارجية للنظام السياسي التركي.

_ خلفيات السياسة التركية  تجاه المنطقة العربية و أهدافها ، مع التركيز على الحالة السورية.

أولا : الجمهورية  التركية .شعب مسلم و هوية قومية

  قامت الجمهورية التركية  منذ تأسيسها في 29 أكتوبر 1923 على يد كمال أتاتورك على أساس الهوية  القومية.  إذ تقر ديباجة الدستور في فقرتها الأولى أن  الدستور إذ " يُؤكد على الوجود الأبدي للوطن التركي والأمة التركية والوحدة غير القابلة للانقسام لدولة تركيا السامية ، فإن هذا الدستور ، متوافقاً مع مفهوم الوطنية الذي طرحه مؤسس جمهورية تركيا ، أتاتورك ، القائد الخالد والبطل الفذ ، ومع إصلاحاته ومبادئه " .و تُضيف في الفقرة الرابعة "  أنه لا تُمنح أي حماية لنشاط  يُضاد  المصالح الوطنية التركية ، والوجود التركي ، ومبدأ عدم قابليتها للانقسام بدولتها و أراضيها ، والقيم التاريخية والأخلاقية التركية ؛ وتعني النزعة الوطنية ، والمبادئ ، والإصلاحات والنزعة الحضارية لدى أتاتورك وأن المشاعر الدينية المقدسة لا تُضمَّن في شؤون الدولة وسياستها كما يشترط مبدأ العلمانية " .[2]

  من الواضح أن مؤسسي تركيا الحديثة بقيادة كمال أتاتورك سعوا إلى  تبديل الرابطة الاسلامية ،التي جعلت من الشعب التركي لعقود عديدة  جزء من أمة الاسلام  بالرابطة القومية التركية  تحديدا والتي تجعل من الشعب التركي أمة في حد ذاتها مستقلة عن سائر الأمم بما فيها الاسلامية. و لقد اعتقد القادة الأتراك أن النجاح في بناء الأمة التركية على أسس ثابتة يفترض أن يقوم نظامها السياسي على مبدأ العلمانية الذي يعني إبعاد المشاعر و التشريعات الدينية عن شؤون الدولة و سياساتها .  لقد كان الهدف من هذا الاجراء محددا بدقة أنه التحرر من الإرث الإسلامي  و تقاليده التي اعتبرتها القيادة التركية ثقلا باليا يحول دون تقدم تركيا و تطورها الحضاري  يتعين التخلص منه من جهة أولى و تبني القيم والمبادئ السياسية الحديثة كتلك التي جاءت بها الثورة الفرنسية من جهة ثانية. للحقيقة نجد مقدمات  لهذه الرؤية السياسية الحديثة  في عصر التنظيمات 1839.[3] و تعززت  لاحقا في أول دستور لتركيا العثمانية  1876 ثم في نشاط جمعية الاتحاد و الترقي، و تبلورت أخيرا بشكل نهائي أثناء الحرب التحرير بزعامة كمال أتاتورك  التي تم خوضها تحت  شعار الوطنية التركية لا الامبراطورية العثمانية .[4]  بهذا المعنى توج أتاتورك مسارا تاريخيا من المطالبة بإجراء إصلاحات سياسية جوهرية على الخلافة  العثمانية التى بدت مع نهاية الحرب العالمية الأولى مفككة و متهالكة.  و ربما لهذا السبب  لم يجد أتاتورك  صعوبة في الاعلان عن اندثارها الفعلي. غير أن سياسة العلمنة الصلبة و الهجر المعلن للدين الإسلامي في مضامينه و أشكاله  التي انتهجها أتاتورك  منذ تأسيس الجمهورية عام 1923 لم تكن محل اجماع  الشعب التركي و ليس من المستبعد أنها مورست بشيء من العنف المادي و النفسي و الرمزي من أجل ترسيخ القناعة بأن التطور الحضاري  يتطلب مثل هذه السياسة. و بقطع النظر عن التقييمات المختلفة لمدى نجاح هذه السياسية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي ، فإن الأتراك يُجمعون على نجاح أتاتورك في بناء جمهورية الأمة التركية بل و يعتزون بذلك . علينا أن نأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار فنقد المعترضين على ما يمكن تسميته بـــ"الكمالية " يتجه صوب اعتماد العلمانية الصارمة  التي تكاد تكون متطرفة و لا يطال ، على الأرجح ، تصور الأب المؤسس لهوية  الأمة التركية المختلفة عن سائر الأمم . و لذلك  سيكون من  سوء الفهم القول أن حزب العدالة و التنمية برئاسة  أردغان يعمل جاهدا على مراجعة هذا التصور  وليس من المستبعد أن مصدر هذا الفهم هو الاعتقاد الزائف أن الخلفية الاسلامية لحزب العدالة و التنمية ، وأي حزب إسلامي أخر ، يجب أن تدفعه إلى الاعتراض على اعتماد الفكرة القومية هوية للمجتمع و للدولة . و مع أن  الأحزاب التركية تخوض صراعا أيديولوجيا حادا في ما بينها و تتبادل تُهما متعددة تتصل بالحرية و العدالة و المساواة و العلمانية، فإن إيمانها بتركيا أمة واحدة و موحدة يبدو راسخا وغير قابل للمراجعة. و على هذا الأساس يمكن القول أن مسألة هوية الدولة لا تمثل موضوع صراع و لا تجاذب سياسي بين الأحزاب التركية. فجميعها تقر بالمادة الثالثة من الدستور التي تؤكد على أن  "دولة  تركيا  ، كيان غير قابل للانقسام ، ولغتها هي اللغة التركية ". كما أنها تلتزم بالمادة الرابعة التي تؤكد على أنه "لا يجوز تعديل أحكام المادة 1 من الدستور التي تحدد شكل الدولة كجمهورية ، وأحكام المادة 2 بشأن سمات الجمهورية ، وأحكام المادة 3، ولا يجوز التقدم بمقترح  لذلك ".[5]   والأغلب على الظن أن الرأي السائد في الوطن العربي و القائل أن حزب العدالة و التنمية يسعى إلى إعادة النظر في هوية الدولة التركية ، يستمد براهينه من اشكاليات الوضع العربي لا التركي، و يجد  بالتالي مبرراته في مخاوف الفكر العربي و تطلعاته . ذلك أن جزء هاما  من المفكرين العرب منقسم اليوم  حيال هذه المسألة إلى تيّارين كبيرين :

      _ تيار اسلامي  مرحب بالتوجهات التركية الجديدة، و يعتبرها اسلامية الشكل و الجوهر من شأنها أن تعيد احياء الهوية الاسلامية.

       _ تيار علماني حداثي  يحذر من مخاطر هذه التوجهات  التركية الجديدة  و يعتبرها ممارسات " اخوانية "  تسعى إلى الاعلاء من فكرة "الجماعة " على حساب فكرة الدولة.

     و إلى أن يتم تجاوز هذه المواقف الانطباعية المعبرة  عن هواجس الفكر العربي  أكثر من تعبيرها عن حقيقة ما يجري داخل الدولة التركية من تفاعلات ثقافية و صراعات سياسية  ستبقى صورة  الدولة التركية لدى العرب ملتبسة إذ ستبدو شيطانا في عيون البعض و ملائكة في عيون البعض الآخر.

       سيكون من غير الجائز إنكار وجود صراع داخل تركيا حول الدين و العلمانية و الحداثة و الأصالة و المعاصرة.إلا أنه يجب التنبيه  إلى أن هذه المسائل  طرحت و لا تزال  في إطار البحث عن الوسائل و الطرق الأكثر فائدة لوحدة الدولة التركية و تطورها الاقتصادي والحضاري، ولم تطرح كتجسيد  لرغبة في إعادة النظر في هوية الدولة و المجتمع، ولا كمؤشر لانقسام اجتماعي حيال هذه المسألة.  ومرجّحات هذا التحليل كثيرة ،فالعديد من الأحزاب السياسية التركية  التي فازت بالانتخابات دعت صراحة  منذ منتصف القرن العشرين إلى رد الاعتبار إلى الدين في علاقته بالمجتمع التركي، ذلك هو حال الحزب الديمقراطي برئاسة عدنان مندرس 1950 و حزب الوطن الأم برئاسة تورغوت أوزال 1983 و حزب الرفاه .[6] كما أن نشأة الأحزاب السياسية ذات الخلفية الاسلامية  في تركيا لم يكن امرا مفاجئا إذ هي تجسد استمرار النزعة الاصلاحية في إطار فكرة الخلافة الاسلامية. كما أن ظهورها العلني لم يكن، على الأرجح ،اعتراضا على اعتماد الهوية التركية أساسا للاندماج السياسي و الاجتماعي لعموم الشعب التركي، بقدر ما هو ردة فعل على سياسة العلمنة الدوغمائية التى انتهجتها الدولة التركية منذ نشأتها. ليس هذا بالأمر المستبعد فموقف الأحزاب التركية  من المسألة  الكردية و الأرمينية تعزز الرأي القائل  بأنها جميعا، بما فيها الاسلامية ،تفكر بخلفية قومية محضة و أن سياساتها الداخلية و الخارجية تستهدف تحقيق مصلحة الأمة التركية  في المقام الأول .

ثانيا : أهداف النظام التركي . ترسيخ الوحدة الوطنية و تبديد المخاوف الخارجية

 لخصت ديباجة الدستور التركي أهم الأهداف التي تسعى الجمهورية التركية إلى تحقيقها في تعزيز الوحدة الداخلية للدولة التركية و تحقيق الرقي الحضاري لمواطنيها. هذا أمر واضح، فالدستور اعتبر الأمة التركية موضوع هذه الوحدة ومصدرها و غايتها. و ليس هناك من شك في أن تأكيد  الجمهورية التركية على وحدتها الوطنية ،الذي يبدو للبعض مبالغ فيه ،هو نتيجة لثلاث أسباب رئيسة :

   _ السبب الأول يتمثل في وعي النخبة الحاكمة بأن تركيا و باعتبارها دولة حديثة النشأة (1923)مهددة بعدم الاستقرار خصوصا أنها سليلة الامبراطورية العثمانية متعددة الأعراق و المذاهب.

_ السبب الثاني يتصل بالتنوع الإثني الذي  يتصف به المجتمع التركي ( أكراد ، أرمن ، ، سنة ، علويين يهود ....) وهو تنوع جعل الحكومات التركية المتعاقبة تستشعر مخاطره المحتملة على وحدتها السياسية و الاجتماعية و الترابية.

_ السبب الثالث يتلخص في وعي النخبة التركية بوجود قوى إقليمية ودولية تسعى ، لاعتبارات اقتصادية و سياسية و استراتجية ، إلى اضعاف الدولة التركية من خلال تأليب  "الأقليات " على الدولة وتشجيع البعض منها على الانفصال عنها .

من زاوية عملية صرفة سيكون من المتعذر فهم السياسية الداخلية و الخارجية التي اتبعتها الحكومات التركية ،بقطع النظر عن الحزب أو الأحزاب المشكلة لهذه الحكومات ،من دون أخذ هذه الأسباب بعين الاعتبار.  فإذا دقّقنا النظر في مواقف هذه الحكومات تجاه القضايا الداخلية و الخارجية ذات الصلة بأمن تركيا القومي و بوحدتها السياسية و الجغرافية ستبدو لنا هذه المواقف متطابقة أو تكاد.ذلك أن اختلاف الحكومات التركية حيال السياسات التى يتعين اتبعاها لحفظ الأمن القومي و وحدة الدولة التركية  لا يعدو أن تكون مجرد تكتيكات متعددة لخدمة استراتيجية واحدة . بهذا المعنى لا تُعبر السياسات الخارجية المختلفة التي تتبعها الحكومات عن "حيرة "الدولة التركية كما يذهب إلى ذلك-البعض [7] بقدر ما تكشف عن حقيقة أن لتركيا خيارات متعددة و مختلفة  . و للحقيقة فإن النظر إلى تعدد خيارات  الدولة التركية على أنه تذبذب أو حيرة  وجودية هو على الأرجح تصور لا يحظى بالرواج إلا في المجال العربي حيث لا يزال الكثير من المفكرين حريصين على البحث عن مبررات لعقائدهم  السياسية أكثر من حرصهم على بلورة فهم موضوعي للظواهر السياسية و الاجتماعية التي يعالجونها.  ومهما يكن الأمر فإن المتتبع لمواقف الحكومات التركية يدرك وجود ثوابت سياسية لم تحد عنها فموقفها من المسألة الكردية  على سبيل الذكر بقي يراوح مكانه فهي تعترف بوجود الأكراد إلا أنها لم تعترف بوجود قومية كردية تجمعهم. و حتى  بعد وصول حزب العدالة والتنمية ذو الخلفية الاسلامية  إلى الحكم في 19 نوفمبر عام 2002 لم يتغير التعاطي  السياسي و الأمني والعسكري مع المسألة الكردية.  لقد أطلق حزب العدالة و التنمية  عام 2009 مبادرة لحل المسألة الكردية حملت عدة تسميات مثل مشروع الوحدة الوطنية و الانفتاح الديمقراطي و المبادرة  الوطنية، و كانت تهدف إلى تحقيق غايتين أساسيتين :

أولهما : " التحويل الجذري للنظام السياسي التركي الذي تشكّل بعد الانقلاب العسكري عام   1980 من خلال توسيع فهم المواطنة  الأمر الذي من شأنه إعادة تعريف المجتمع السياسي ، وتعزيز مشاركة المجتمع المدني ، والانخراط في لا مركزية الدولة مع الحكومات على المستويات المحلية للتكامل مع العاصمة السياسية. ثانيهما : هو وضع حد للصراع المسلح من خلال نزع سلاح وتسريح حزب العمال الكردستاني ." [8]إلا أن ما تشهده  اليوم  المسألة الكردية  من تعقيدات  بينت أن الآمال التي علقها البعض  على مبادرة حكومة  حزب العدالة  و التنمية كانت في غير محلها  لأنها ببساطة بنيت على فرضية زائفة  مفادها أن  قيادات الحكومة يمكنها ،بحكم خلفيتها الاسلامية ،أن تخفف أو أن تتحرر من وطأة الالتزام  بمبدأ القومية . على عكس هذا الفهم   لم يحد حزب العدالة و التنمية على خط الالتزام بمبدأ  الاعلاء من شأن الامة التركية و من السخافة اتهامه بأنه كان بصدد التخلي عنها.ذلك  أن مبادرته لحل المسالة الكردية  لم تكن مختلفة في غايتها النهائية  عن المبادرات السابقة سواء تلك التي اقترحها الرئيس تورجت أوزال أو تلك التي اقترحها البعض من رؤساء الوزراء  الأتراك كنجم الدين أربكان و مسعود يلماز و بولنت أجاويد.

لقد أدركت حكومة حزب العدالة و التنمية كغيرها من الحكومات السابقة أن  بلورة حل لمشاكل  أكرادها لا يتوقف على ارادة الدولة التركية فقط  فأكراد العراق و سورية و إيران يكافحون هم أيضا من

أجل نيل حقوق يرونها أساسية .و ليس من المستبعد أن هذه الدول سترى أن أي حل للمسألة الكردية في تركيا سيؤُثر سلبا على أمنها لذلك ستعمل على افشاله بكل الوسائل و الطرق . غير أن هذا  الأمر لا يدفعنا إلى الاعتقاد أن تركيا و ايران و العراق و سورية  ترغب  في  بلورة حل  مشترك  للموضوع الكردي لأن مثل هذا الحل سيؤدي  إلى خلق كيان سياسي كردي  يهدد الوحدة  السياسية و الجغرافية لدولها جميعا.   ليس هذا بالأمر الخفي على الحكومة التركية إذ هي تدرك أن الموضوع الكردي  تتخذه  العديد من الدول ذريعة  للتأثير في قرارها السياسي و أداة لتهديد أمنها  الاجتماعي و وحدتها الوطنية . يصدق هذا على الاتحاد  الأوروبي و الولايات المتحدة الامريكية  التي تمارس ضغوطا معلنة على تركيا بمبرر دفعها إلى احترام الحقوق الثقافية للأقلية الكردية  ، كما يصدق أيضا على دول الجوار التركي  التي تستثمر المسألة الكردية في صراعها السياسي مع تركيا و هذا تحديدا شأن  ايران و العراق و سورية .

ثالثا: الموقف التركي من القضايا العربية : الخلفيّات والأهداف.

 سعت جميع حكومات تركيا بمختلف خلفياتها الأيديولوجية إلى تعزيز وحدة الدولة التركية و حماية أمنها. و من المؤكد أن سياستها الخارجية و علاقاتها الدولية كرست لخدمة هذا الهدف.  و لذلك سيكون من الخطأ أو من باب التضليل القول أن سياسة الحكومة التركية تجاه المنطقة العربية تحكمها اعتبارات أيديولوجية. لقد وقع العديد من المحللين في مثل هذا الخطأ و ربما مارسوا عن وعي مثل هذا التضليل. فمن الواضح أن حكومة حزب العدالة و التنمية ذي الخلفية الاسلامية لاتبني علاقتها مع الدول العربية وفق اعتبارات دينية أو مذهبية كما يذهب إلى ذلك المتعاطفون مع هذه الحكومة أو المناوئون لها.  بينة ذلك أن حكومة العدالة و التنمية حرصت منذ نشأتها (2002)على أن يحتل "البعد الاقتصادي موقعاً أساسياً في دبلوماسيتها   حتى إن تطور العلاقات الثنائية كان يقترن بفتح الأسواق ، وإنشاء مناطق تجارة حرة (كما هي الحال مع سورية ومصر والمغرب وتونس " [9] . و مع أن حسني مبارك و زين العابدين بن علي و بشار الأسد و ملك المغرب لم يكونوا أعضاء في حركة  الاخوان المسلمين فإن الحكومة التركية لم تتردد في تطوير علاقاتها الدبلوماسية و الاقتصادية مع دولهم.  كما  حرصت  على تجسيد مفهوم  { صفر مشكلة }من أجل القضاء على أسباب التوتر في محيطها الاقليمي  خدمة لهدف أكثر شمولا هو تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة تساعد على تحقيق الاستقرار و الامن الداخليين. بالفعل لقد ساعد تبني هذا المفهوم الحكومة التركية على تطوير علاقاتها مع سورية و العراق و ايران و اليونان والقضاء على أسباب التوتر مع أرمينيا و مكنها من  " توفير شروط التنمية الاقتصادية السريعة حيث بلغ الناتج المحلي للبلاد  774  مليار دولار عام 2011 بعدما كان مقداره 232 مليار دولار عام 2002 أي أنه  ازداد بمقدار ما يقارب  ال 330 بالمئة ."[10]

 والسؤال المطروح، هل يمكن اعتبار مناصرة الحكومة التركية للانتفاضات الشعبية التي شهدتها العديد من الدول العربية تحولا جوهريا في سياساتها تجاه المنطقة العربية ؟ و إلى أي حد يمكن أن ننسب هذا التحول إلى الخلفية العقائدية لحزب العدالة و التنمية ؟.

  إن مناصرة حكومة العدالة والتنمية للانتفاضات التي عرفتها تونس و مصر و سورية  و ليبيا عام   2011 أمر غير خاف على احد و هي  على أية حال لا تنكر ذلك. غير أن  الحكومة التركية تصرّ على أن دعمها للتحولات السياسية في المنطقة العربية يتأسس على ايمانها  الثابت بقيم العدالة و الحرية و المساواة التي تطالب بها الشعوب العربية المنتفضة . بهذا المعنى يمكن أن تكون مجرد مصادفة أن هذا الدعم  سيشمل  التيارات الاسلامية المساهمة بقوة في الانتفاضات العربية بما يفيد أن اتهام الحكومة التركية بأنها حليفا لما يسمي بحركات الإسلام السياسي في المنطقة العربية اتهام في غير محلّه. و مع أن هذه المصادفة ممكنة الحدوث فإن الموضوعية العلمية تدفعنا إلى التساؤل عن حدود القبول بها .  ذلك أن حزب العدالة و التنمية لا يزال يروج إلي فكرة أن نجاحاته الاقتصادية سببها تبنيه للقيم الإسلامية،  وهو في هذا الصدد يرى  تجربته مثالا يتعين على الدول الاسلامية و منها العربية أن تسارع إلى الأخذ بها. و للحقيقة ليست وحدها الحكومة التركية ترى هذا الرأي، فالولايات المتحدة الأمريكية و جزء هام من الرأي العام العربي يعتقد في أن تركيا نجحت في الجمع بين الإسلام والديمقراطية و تحقيق الرقي الاقتصادي لشعبها، و أنها بسبب ذلك لها الحق في الترويج لنموذجها في الحكم.  من وجهة نظر سطحية قد يكون الأمر كذلك ،إلا أنه   من  الصعب التسليم بفكرة أن الحكومة التركية يمكن أن تضحي بمصالحها القومية من أجل مناصرة تيارات اسلامية في المنطقة العربية  و لا حتى من أجل القضاء على الأنظمة  التي تصفها بالاستبدادية.

  في هذا الاتجاه، يجب أن تتم مقاربة سياسة الحكومة التركية تجاه الجمهورية العربية السورية على سبيل المثال فلقد ناصرت في البدء ما اعتبرته ثورة على الاستبداد بل و طالبت علنا بتنحية الرئيس بشار الأسد .إلا أن تطور الأوضاع في سورية  و الذي  يؤشر إلي  امكانية تقسيمها على أسس عرقية  دفع تركيا إلى التريث و تعديل سياساتها بما يتوافق مع مصالحها الوطنية.  ليس هذا بالأمر المستبعد و قد تكون الحكومة السورية  جرت تركيا إلى هذا الموقف من خلال الأمر  بسحب  الجيش السوري في صيف 2012  من المناطق ذات الأغلبيّة الكردية في الشمال و الشمال الشرقي السوري على الحدود التركية ( عفرين و قراها و منطقة الجزيرة  ). لقد كان هذا الانسحاب مدروسا و يهدف  إلى إثارة خوف تركيّا من قيام إقليم كردي على حدودها مع سوريا يكون بمثابة القاعدة الخلفية لمقاتلي حزب العمال الكردستاني . لقد نجحت استراتيجية الحكومة السورية على ما يبدو في هذا الصدّد إذ استشعرت الحكومة التركية المخاطر التي تهدد وحدتها الترابية فنابت الجيش السوري في محاربة القوى الكرديّة الانفصالية  و أعلنت صراحة و من دون مواربة دعمها لسوريا موحدة سياسيا و جغرافيا و قبلت بل رحبت بدور الصديق الروسي في سورية.

 لقد فنّد هذا التحوير في السياسة التركية ادعاءات العديد من العلمانيين و الحداثيين  العرب الذّين يصرون على أن حزب العدالة و التنمية  الحاكم حركة "إخوانية " أممية تهدد المصالح  الوطنية  العربية و التركية على حد السواء. كما فند أيضا مزاعم العديد من الإسلاميين الذين يتوهمون أن الحكومة التركية مسخرة حصرا لخدمة أغراضهم السياسية. لذلك  يتعين على الفكر العربي من هنا فصاعدا  أن يبدد هذه الأوهام، و عليه أن يضع في الحسبان حقيقة أن من حق الدول أن تضبط سياساتها الداخلية و الخارجية و أن تعدلها وفق ما تقتضيه مصالحها  الوطنية من دون أن تتهم بالنفاق أو التنصل من المبادئ و القيم الانسانية .في هذا الاتجاه ليس من المستبعد أن تعيد تركيا النظر في علاقتها مع مصر و أن تكف عن وصف حكامها بالانقلابيين .فكما أن المصالح القومية  التركية  أكبر بكثير من أن  تربطها بمصير بشار الأسد فإنها أيضا أكثر أهمية من أن تربطها بعودة حركة الاخوان  إلى حكم مصر.

  الخاتمة  

    أليس من الغريب أن ترحب فئة من العلمانيين العرب بمحاولة الجيش الانقلاب على الحكومة التركية و تعبر عن أسفها لفشلها، في الوقت الذي يندد فيه عتاة العلمانية في تركيا بهذه العملية ويؤكدون دعمهم لرئيس الدولة و لحكومته ؟ أوليس من العجيب أيضا أن يندد البعض من الساسة و المفكرين العرب بمحاولة  الانقلاب الفاشلة و يعتبرونها انقلابا  على تجربة حكم حزب اسلامي ناجح؟  في حين تراها جميع الأحزاب التركية و أغلب التيارات الفكرية انقلابا على الديمقراطية و اعتداء على مبدأ سيادة الشعب لا غير.  تكشف مثل هذه المفارقات على مدى الأزمة التي يعيشها الفكر العربي : انشطاره من الداخل و فساد رؤيته  و فهم قاصر للقضايا و الظواهر. و مهما يكن الأمر فإن فهم السياسة التركية  تجاه المنطقة العربية يجب أن يتحرر من تلك القوالب الجازة التي لطالما ركن إليها الفكر العربي كتلك التي تعتبر الحكومات التركية مجرد أداة طيعة يستعملها الغرب في ضرب مقومات عزة العرب و المسلمين أو هي مجرد وسيلة  تعتمدها التيارات الاسلامية للوصول للسلطة في هذا القطر العربي أو ذاك. لقد بينت التجربة أن  الدولة التركية أكبر من ذلك بكثير، و ان حكوماتها لا تتردد في مراجعة علاقاتها مع الحلف الأطلسي و الاتحاد الاوروبي و دول الجوار و الحركات السياسية و الاجتماعية بمختلف روافدها الثقافية و الفكرية إذا ما رأت  أن المصلحة  العليا للأمة التركية تقتضي ذلك .

شفيع بومنيجل

عن مركز الدّراسات الاستراتيجية والديبلوماسية.

الهوامش

[1] راجع  في هذا الصدد شفيع بومنيجل  .التحاف المؤقت و حدود التالف الرويسي الايراني في سورية  مركز الدراسات الاستراتيجية  و الدبلوماسية تونس .بتاريخ 4 _ 12_ 2015. ( موقع الكتروني )

[2]  الدستور التركي لعام 1982 مع جميع تعديلاته إلي غاية 2011 .ترجمة المؤسسة الدولية للديمقراطية و الانتخابات .تحديث مشروع الدساتير المقارنة .

[3]  صلاح سالم .تركيا و جدل الحوار الحضاري بين الاسلام و الغرب .مجلة شؤون عربية عدد 126 صيف 2006 صفحة 86

[4] نفس المصدر صفحة 87

[5]  الدستور التركي . مصدر سابق .

[6]   فؤاد نهرا . السياسة الاقليمية لتركيا و استراتيجية بناء العمق الاستراتيجي . حلقة نقاشية .العلاقات  العربية التركية . مجلة المستقبل العربي عدد  447  مايو 2016صفحة 92

[7] راجع في هذا الصدد  .محمد نور الدين .تركيا الجمهورية الحائرة .مقاربات في الين و السياسة و العلاقات الخارجية . مركز الدراسات الاستراتيجية و البحوث و التوثيق .بيروت 1998.

[8] انظر .معز فيصل خولي .المسألة الكردية في تركيا .من الانكار إلى الاعتراف .مركز الروابط للبحوث و الدراسات الاستراتيجية ( موقع الكتروني ).

[9] فؤاد نهرا مصدر سابق  صفحة 90

[10 نفس المصدر صفحة 99]

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك