القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

حكومة الشاهد بعد عامين هل هي في الطريق الصحيح ؟

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-09-30 10:35:00 | 190 مشاهدة

 

ملخص

بالرجوع الى الظروف المناخية الجيدة والى التوافق السياسي في بداية عهدة حكومة الشاهد والى الدعم المالي من طرف المؤسسات الدولية، لم تكن النتائج الاقتصادية والاجتماعية في حجم الانتظارات. فقد تراجعت المقدرة الشرائية واستقرت نسبة البطالة وارتفعت معدلات الهجرة المنظمة وغير المنظمة وأصبحت الأرضية ملائمة لمزيد الاحتقان الاجتماعي، ممّا قد ينعكس سلبا على مناخ الاستثمار ولا يشجع المستثمرين في الداخل والخارج على المغامرة في استثمار ذو مخاطر عالية وقد يفشل الجهود المبذولة في مؤتمر الشراكة الأخير بين القطاع العام والقطاع الخاص ويجبر الحكومة على مزيد تمويل موازنتها بالديون الخارجية وهو ما ستكون له آثار سلبية على الأجيال القادمة.

مقدمة

في خطابه الأخير بمناسبة انعقاد الندوة الوطنية لعرض التوجهات الاقتصادية والاجتماعية لقانون المالية لسنة 2019، تحدث السيد رئيس الحكومة السيد يوسف الشاهد عن الانجازات الاقتصادية التي تحققت في فترة حكمه مقارنة بالوضع الاقتصادي الصعب الذي وجده في أواسط 2016. ووصف الإجراءات الاقتصادية التي اتخذها في قانون المالية لسنتي 2017 و2018 بالإجراءات الموجعة التي مكنت من إحلال التوازنات الداخلية الضرورية وخاصة في موازنة الدولة وقد تكون الأخيرة من حيث انعكاساتها الاجتماعية السلبية. ووعد بأن تكون سنة 2019 سنة الإقلاع الاقتصادي والنهوض الاجتماعي والاقتراب من الأهداف التي تعهدت بها حكومة الشاهد تجاه صندوق النقد الدولي. فهل حقق الشاهد فعلا نتائج أفضل من سابقيه ؟ وهل أن السياسات الاقتصادية التي يعتمدها تمكن تونس من الوصول إلى برّ الأمان ؟

بداية متعثرة في السنة الأولى من عهدة حكومة الشاهد

لئن نجح الشاهد في إيقاف المنحى التنازلي للنمو الاقتصادي منذ حكومة لعريض وتحسين نسبته بفضل الفلاحة والصيد البحري (3.1%) والخدمات المسوقة وخاصة منها السياحة والاتصالات بتحقيق نسبة نمو تقارب 8% لكل منهما في سنة 2017، إلا أنها عجزت على دفع النمو الاقتصادي في مختلف القطاعات الصناعية وخاصة منها غير المعملية والتي واصلت تدحرجها للسنة السابعة على التوالي لتحقّق نسبة نمو سالبة ب -2.8% سنة 2017. ولم تستطع حكومة الوحدة الوطنية أن تؤمن الإنتاج في قطاع المحروقات والذي تراجع بصورة ملحوظة (-12.9%) من جرّاء الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها منطقة الكامور بولاية تطاوين. وبالرغم من الجهود المبذولة في قطاع المناجم، والذي شهد تحسنا واضحا في الإنتاج ب21.8% سنة 2017، إلّا أنه لم يترجم بزيادة في إنتاج قطاع الصناعات الكيميائية والذي تراجع بصفة جلية ب13-% ولا بزيادة في صادرات الفسفاط ومشتقاته.  وقد شهدت الصناعات المعملية، هي الأخرى، تراجعا في نسبة النمو من 1% سنة 2016 إلى 0.6% سنة 2017 خاصة في قطاع حساس وهو صناعة مواد البناء والخزف والبلور والذي شهد في سنة 2017 تراجعا ب-3.9%. ولم ترتقي الصناعات المعملية الأخرى إلى حجم التطلعات، حيث لم تحقق الصناعات الغذائية وصناعة النسيج والملابس والجلد وحتى الصناعات الميكانيكية والكهربائية إلّا نسب نمو ضعيفة وهي تباعا 0.2% و 0.4% و2.6% سنة 2017.

ولم يترجم هذا النمو الاقتصادي الذي حققته حكومة الوحدة الوطنية الى خلق المزيد من فرص الشغل وبقيت نسبة البطالة على حالها في حدود 15.4% بل زادت على ما كانت عليه في حكومة لعريض (15%) ولم تتمكن حكومة الشاهد من إحداث سوى 36 ألف موطن شغل في سنة 2017 أغلبهم في قطاعي السياحة والبناء والأشغال العامة وهو ما يفسّر الطابع الموسمي والهش لهذا النوع من التشغيل. ولعل التراجع الطفيف لنسبة بطالة أصحاب الشهادات العليا من 31.6% سنة 2016 الى 30.6% سنة 2017 قد يفسّر  قبول خريجي الجامعات للاشتغال في هذه القطاعات ولو بصورة موسمية بعد أن طالت بطالتهم لسنوات عديدة لم يجدوا فيها الشغل الملائم والذي يتوافق مع شهائدهم العلمية.

ومن الانعكاسات السلبية للسياسات المعتمدة في حكومة الشاهد، هذا التصاعد الصاروخي للأسعار والتي ارتفعت بأكثر من نقطتين في غضون سنة ونصف وهو لم يحصل سابقا في كل حكومات ما بعد الثورة،بل أن حكومات لعريض والصيد أسهمتا في تقليص نسبة التضخم المالي بأكثر من نقطة في أقل من سنة بالنسبة للأولى وفي سنة ونصف بالنسبة للثانية.

Image 2

 

وبالرغم من السياسة الجبائية التوسعية والتي ترجمت بزيادة بنصف نقطة في نسبة الضغط الجبائي، وسياسة التمويل عبر الديون وخاصة منها الخارجية، لم تتمكن حكومة الشاهد من السيطرة على ميزانية ارتفعت لأول مرة 5.1 مليار دينار في سنة واحدة ليصل عجز موازنة الدولة إلى 6.1% والمديونية العمومية إلى 70% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2017. ولم تكن التوازنات الخارجية، هي الأخرى، أفضل من الأولى حيث وصل العجز التجاري الى أرقام قياسية لم تشهدها تونس منذ سنوات عديدة وبلغ هذا العجز 15.6 مليار دينار خاصة مع الصين وإيطاليا وتركيا ممّا أسهم في تراجع كبير في المخزون بالعملة الصعبة وفي قيمة الدينار التونسي مقابل اليورو والدولار .

مقارنة بين الشاهد والصيد

في خطابه الأخير بمناسبة الندوة الوطنية حول قانون المالية وميزانية الدولة لسنة 2019، أظهر الشاهد أن المؤشرات الاقتصادية التي تحققت إلى حد الآن لا يمكن مقارنتها بالفترة التي سبقته والتي تميزت حسب قوله بتدهور كل المؤشرات الاقتصادية والمالية. وركز الشاهد خاصة على مؤشر النمو الاقتصادي في السداسي الأول من سنة 2018، بنسبة 2.6% وهو ما لم يتحقق منذ حكومة المهدي جمعة في سنة 2014. لكن بالنظر إلى تفاصيل هذا الرقم  يتبين أن القطاع الأهم والذي أسهم في ارتفاع نسبة النمو الاقتصادي في فترة الشاهد لكن قلص منها في فترة الصيد، هو قطاع الفلاحة والصيد البحري، القطاع الأكثر ارتباط بالتقلبات المناخية. فقد شهدت فترة  الصيد في النصف الأول من سنة 2016 تراجعا في القيمة المضافة لهذا القطاع -8.4% في الثلاثي الأول و ﺒ -8.6% في الثلاثي الثاني بينما أصبحت هذه النسب تباعا 11.9% و9% في سنة 2018 وهو ما أسهم في الترفيع النسبي في نسب النمو.

النمو الاقتصادي

حكومة الصيد سنة 2016

حكومة الشاهد سنة 2018

الثلاثي الأول

الثلاثي الثاني

الثلاثي الأول

الثلاثي الثاني

الفلاحة والصيد البحري

-8.4%

-8.6%

11.9%

9.0%

 

الصناعات المعملية

0.5%

2.3%

2.4%

0.8%

 

الصناعات غير المعملية

0.4%

0.4%

-5.3%

1.3%

 

الخدمات المسوقة

1.8%

2.2%

3.3%

3.6%

 

الخدمات غير المسوقة

2.5%

3.5%

0.2%

0.1%

 

المجموع

0.7%

1.2%

2.5%

2.8%

 

ولئن اجتهدت حكومة الصيد في بداية عهدتها في المحافظة على إنتاج الصناعات الإستخراجية من نفط وفسفاط، فإن حكومة الشاهد شهدت صعوبات كبيرة للسيطرة على هذا القطاع الهام، حيث انخفض الإنتاج -5.3% في بداية هذه السنة وحتى الارتفاع الطفيف له في الثلاثي الثاني من سنة 2018 لم يتحول الى تحسن في صادرات هذا القطاع ولا إلى تحسن في تحويله إلى مواد كيميائية. غير أن الخدمات المسوقة وخاصة منها السياحة شهدت تحسنا ملحوظا في فترة الشاهد مقارنة بما سبقه لكن بدون إن ينعكس ذلك إيجابا على المدخرات من العملة الصعبة والتي تراجعت بصورة أوضح في حكومة الشاهد.

أما بالنسبة للمؤشرات الاقتصادية الأخرى، فلم تكن حكومة الشاهد أفضل من سابقتها بما أن التضخم المالي في حكومة الصيد كان في حدود مقبولة، 3.8% في أوت-أغسطس 2016 ، وقيمة الدينار التونسي في حدود 2.4 اورو  بينما أصبحت في حكومة الشاهد في نفس الفترة 7.5% بالنسبة للتضخم المالي وفي حدود 3.3 بالنسبة لقيمة الدينار.

استفحال  الأزمة الاقتصادية والمالية في بداية سنة 2018

تقدم حكومة الشاهد الأرقام المسجلة في بداية هذه السنة على أنها عنوان للانتعاشة الاقتصادية وبداية تعافي الاقتصاد التونسي وتركّز على المؤشرات الثلاث، معدل النمو الاقتصادي وتطور الصادرات من السلع والخدمات وخاصة منها خدمات السياحة وتطور الاستثمار الأجنبي المباشر. وقد أفرزت النتائج الأولية للثلاثية الثانية لسنة 2018 ارتفاعا في نسبة النمو الاقتصادي بنسبة 2.8% مقارنة بالثلاثية الثانية للسنة الماضية وبذلك تكون نسبة النمو الاقتصادي للسداسية الأولى من هذه السنة، 2.6% بحساب الانزلاق السنوي. وقد تحققت هذه النسبة من خلال التطور الملحوظ والمستقر في قطاعي الفلاحة والصيد البحري من ناحية والسياحة من ناحية أخرى، وهي قطاعات هشة شديدة التأثر بالعوامل المناخية أو الداخلية المرتبطة بالأمن والاستقرار. فقد حقق قطاع الفلاحة والصيد البحري نموا   12% في الثلاثي الأول و 9% في الثلاثي الثاني من هذه السنة كما حقق القطاع السياحي ارتفاعا في معدل النمو الاقتصادي 8% في الثلاثي الأول و 11.5% في الثلاثي الثاني من سنة 2018. وقد شهدت بداية هذه السنة كذلك ارتفاعا ملحوظا في القيمة المضافة لقطاع المناجم قدّر بحوالي 22% في الثلاثي الأول من هذه السنة قبل أن يسجل استقرارا في الثلاثي الثاني 0.3% لكن بدون أن يترجم هذا التطور في إنتاج الفسفاط إلى زيادة في مبيعاته في الأسواق العالمية ولا إلى زيادة مستقرة في القيمة المضافة للصناعات الكيميائية المرتبطة بهذا القطاع، حيث سجلت هذه الأخيرة تراجعا بحوالي -1% في الثلاثي الأول قبل أن تسجل تطورا ملحوظا بحوالي 5% في الثلاثي الثاني من هذه السنة.

فبخلاف هذه القطاعات الثلاث، الفلاحة والسياحة والمناجم، سجلت جل القطاعات الأخرى تراجعا ملحوظا في نسب نموها. فاستخراج النفط والغاز الطبيعي تراجع بحوالي -13%  في الثلاثي الأول و 1.4-% في الثلاثي الثاني وقطاع صناعة مواد البناء والخزف والبلور أكّد تراجعه المتواصل مسجلا نسب نمو سالبة -3.9% في الثلاثي الأول و  -2.3% في الثلاثي الثاني من هذه السنة.

ولم يترجم هذا التحسن في معدل النمو خلال النصف الأول من هذه السنة إلى تخفيض في معدلات البطالة والتي بقيت مستقرة في حدود 15.4% منذ حكومة الصيد الأولى سنة 2015 ولا إلى انفراج في التوازنات الداخلية والخارجية بل تفاقم عجز موازنة الدولة بأكثر من نصف نقطة ليرتقي الى حدود 6.1% من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2017 مقابل 5.5% في سنة 2016 و1% فقط سنة 2010، ممّا أدى الى استفحال أزمة المديونية العمومية والتي وصلت إلى أكثر من 70% من الناتج المحلي الإجمالي وخاصة حصة الاقتراض الخارجي من حجم ميزانية الدولة والتي تضاعفت أكثر من ثلاث مرات بعد الثورة لتصل إلى 24% سنة 2017 مقابل 7% سنة 2010. ولأول مرة في تاريخ المالية العمومية في تونس ما بعد الثورة، أصبحت الموارد الذاتية للدولة لسنة 2017 ، من موارد جبائية وغيرها، لا تكفي لتسديد النفقات الضرورية من أجور الموظفين ونفقات الدعم واستخلاص الديون ويأمل الشاهد أن يمكّن قانون المالية لسنة 2018 من تقليص الفارق بين هذين المكونين حتى توجّه الديون الى تمويل نفقات التنمية لكن يبدو أن التراجع المتواصل لقيمة الدينار التونسي من جراء سياسة الصرف المتبعة ستضخم من كتلة استخلاص الديون الخارجية وتعرقل هذا التوجه.   

              Image 1

ولم تمكّن الاستثمارات الأجنبية، والتي تطورت 20% خلال الستة أشهر الأولى لهذه السنة، ولا العائدات السياحية ولا الصادرات والتي تطورت تباعا 46% و 43% خلال نفس الفترة من تحسين الميزان التجاري بل تفاقم هذا العجز ليصل إلى أرقام قياسية لم تسجلها التوازنات الخارجية سابقا حيث وصل هذا العجز إلى 15.6 مليار دينار خلال سنة 2017 مقابل 12.3 مليار دينار خلال سنة 2016. وتواصل تفاقم هذا العجز ليصل الى أكثر من 12 مليار دينار خلال الثمانية أشهر الأولى من هذه السنة مقابل 10 مليار دينار خلال نفس الفترة من السنة الماضية متأتي أساسا من المواد الأولية ونصف المصنعة (-5.1) والطاقة (-3.9) ومواد التجهيز (-2.7) بدون أن ينعكس إيجابا على الاستثمار والذي بقي في مستوياته الدنيا.

وقد أدى هذا الاختلال في التوازنات الخارجية إلى مزيد من الانزلاق في قيمة الدينار تجاه العملات الأجنبية وخاصة منها الدولار والأورو بقيمة 2.77 و 3.21 لكل منهما في تاريخ 7 سبتمبر 2018 مقابل 1.49 و 1.92 في سنة 2010. وقد أثمر هذا التراجع في قيمة العملة المحلية تضخما ماليا لم يتوقف عن الارتفاع من شهر إلى آخر ليستقر في حدود 7.5% في أوت 2018.

واعتمادا على مؤشر التنمية الجهوية للمعهد التونسي للتنافسية والدراسات الكمية، والذي يعتمد على أربع عوامل تشمل المتطلبات الضرورية للحياة والمستوى الاجتماعي وجودة رأس المال البشري وحجم سوق الشغل لكل جهة، فأن التنمية قد تراجعت بصفة ملحوظة في كل جهات الجمهورية خلال فترة حكومة الشاهد ما عدى محافظة تطاوين والتي شهدت في الفترة الممتدة ما بين أبريل ويونيو 2017، أحداث الكامور وأجبرت حكومة الشاهد على تخصيص برنامج تنموي خاص بها. 

السياسات الاقتصادية المتبعة لا يمكن لها أن تحلّ الأزمة

وتعتمد حكومة الشاهد على أربع سياسات اقتصادية على المدى القصير، السياسة الجبائية التوسعية، السياسة النقدية الحذرة، سياسة الصرف المرنة والسياسة التعديلية لأسعار المحروقات وهي سياسات أسهمت كلها في تسارع وتيرة التضخم المالي ولم تمكّن حكومة الشاهد من بلوغ الأهداف المتعهد بها تجاه صندوق النقد الدولي في إطار ما يعرف ب"اتفاق الصندوق الممدّد" والمدوّنة في البرنامج الاقتصادي والاجتماعي للحكومة 2017-2020. ومن الأهداف الكبرى التي تعهدت بها حكومة الشاهد في سنة 2020، بلوغ نسبة نمو اقتصادي 4.5% ونسبة بطالة 12% ونسبة تضخم مالي 4% وعجز موازنة الدولة 3% على ألا تتجاوز نسبة أجور الوظيفة العمومية في الناتج المحلي الإجمالي 12% ونسبة الدين العمومي من الناتج 70%.

وإذا واصلت حكومة الشاهد في انتهاج نفس السياسات الاقتصادية لما تبقى من عهدتها، فإن بلوغ الأهداف التي رسمتها لنفسها في برنامجها قد يبدو أمرا صعبا. فالترفيع في نسب الأداءات المباشرة وخاصة منها المتعلقة بالمؤسسة الاقتصادية والتي اتخذتها هذه الحكومة خاصة في قوانين المالية لسنتي 2017 و2018 أسهم في مزيد إرهاق كاهل المؤسسة التونسية وانعكس سلبا على الاستثمار الخاص وبالتالي على النمو الاقتصادي بدون أن يؤدي الى تنمية للموارد الجبائية للدولة. كما أن الترفيع في الأداء على القيمة المضافة في قانون المالية لسنة 2018 سرّع في وتيرة التضخم المالي وأثّر سلبا على المقدرة الشرائية للمواطن التونسي وعطّل الاستهلاك وهو أهم محرك للنمو الاقتصادي. كما أن الترفيع المتواصل لنسبة الفائدة المديرية جعل من الاستثمار الخاص أكثر كلفة من ذي قبل ومن الحصول على التمويل البنكي له أكثر صعوبة بما أن إقراض الدولة أصبح أكثر مردودية وأقل خطرا من إقراض المؤسسات الاقتصادية الخاصة. وقد أدت هذه السياسة النقدية الحذرة المتبعة من طرف البنك المركزي التونسي الى تزايد كلفة القروض الموجهة للعائلات لاقتناء مساكن وبالتالي الى تعطل قطاع البناء والأشغال العامة، وهو القطاع الدّافع الأهم للنمو الاقتصادي. وقد أسهمت السياسة المرنة لسعر الصرف والتي أدت الى تراجع متواصل لقيمة الدينار التونسي في تنامي نسب التضخم المالي عبر الترفيع في كلفة الإنتاج من ناحية وفي انخرام التوازنات المالية  الداخلية والخارجية عبر كلفة إضافية لاستخلاص الديون والدعم أدت الى مزيد من العجز في موازنة الدولة وعبر واردات أكثر كلفة أدت الى تفاقم العجز الجاري والذي وصل الى أرقام قياسية خاصة في بداية هذه السنة بأكثر من 12 مليار دينار في الثمانية أشهر الأولى.

الخاتمة

تمتعت حكومة الشاهد بأوفر حظوظ النجاح على المستوى الداخلي حيث سجلت كميات الأمطار أرقاما قياسية أسهمت في تحقيق نسب نمو عالية في القطاع الفلاحي. كما ساعد التوافق السياسي الذي أنتجته وثيقة قرطاج 1 على تمرير زيادات في موازنة الدولة خاصة لسنة 2017 لم تشهدها الموازنات السابقة من قبل. كما تمتعت حكومة الشاهد بدعم كبير من طرف المؤسسات المالية الدولية وخاصة صندوق النقد الدولي الذي لم يتوقف على تسريح الأقساط المتفق عليها بالرغم من البطء في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية. وقد لم تكن النتائج المسجلة خاصة في بداية هذه السنة في حجم الآمال المنتظرة فقد تسارعت وتيرة التضخم المالي وتراجعت قيمة الدينار مما أدى الى تهرأ المقدرة الشرائية للمواطن التونسي وتآكل الطبقة الوسطى خاصة من الكفاءات الوطنية من أطباء وجامعيين ومهندسين ممن خيّر الهجرة خارج حدود الوطن. ولم تكن حكومة الشاهد أفضل من سابقتها خاصة على المستوى الاجتماعي من حيث نسب التضخم المالي ونسب البطالة ومؤشرات الهجرة ممّا يستدعي تغيير المقاربة الاقتصادية المتبعة منذ بداية الثورة والتي تعتمد على سياسات اقتصادية لا تتماشى والسياق التونسي وعلى تمويل موازنات الدولة عبر الارتهان إلى التداين الخارجي.

أ.د. رضا الشكندالي

أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك