القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

حكومة الرئيس في مواجهة الرئيس

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-01-29 12:24:00 | 1769 مشاهدة

ملخص:

نبحث في هذا المقال "المأزق " الأخلاقي والسياسي الذي يثيره تحمل رئيس الجمهورية قيس سعيد مسؤولية اختيار شخصية لتشكيل حكومة، بعد فشل الحزب الأول في البرلمان في تمرير حكومته التي ساندها ،ويحلل المقال مضمون ودلالات ما عرف في الساحة السياسية والإعلامية بحكومة الرئيس وهو مصطلح منحوت من خارج النظام السياسي القائم لا ينص عليه دستور ولا تفرضه مجريات العملية السياسية لكن فرض كمصطلح تداولي أصبح حمال أوجه لعل أخطر وجوهها إمكان إعلانها "موت الرئيس" سياسيا و أخلاقيا بالنظر لما تحمله من تناقض مع برامجه وما يدعو إليه من ضرورة إعادة النظر في النظام السياسي برمته وهو ما نرصد تجلياته في هذا المقال

مقدمة:

اتسم المشهد السياسي في تونس في الآونة الأخيرة بحراك غير مسبوق منذ الثورة فللمرة الأولى في تاريخ الدولة التونسية تفشل حكومة في نيل الثقة من البرلمان وفي آخر عهدتها الدستورية وللمرة الأولى يخرج تعيين الحكومة من يد الأحزاب ليمر الى رئيس الدولة وفق ما ينص عليه الدستور، وهو ما يطرح أسئلة نطرحها في هذا المقال.

1/ واقع وأسئلة :

 قد يبدو ما جرى عاديًا في تجربة ديمقراطية فهو  نتيجة حتمية لتشتت المشهد البرلماني المفرز عقب انتخابات أكتوبر 2019،الذي غاب فيه وجود كتلتين وازنتين ومتقاربتين في التوجه والسياسات لتشكيل حكومة مثلما كان الشأن مع النهضة والنداء في البرلمان السابق

 لكن ما ليس عاديًا في وضعنا الحالي هو ما حف بالحدث في حد ذاته على مستوى الفاعلين السياسيين أساسًا. فالرئيس  عرف بانتقاده الحاد للمنظومة الحزبية التقليدية بل للنظامً السياسي برمته  لكنه يجد نفسه مجبرا على قيادة مشاورات مع الأحزاب لتحديد الشخصية الأقدر  لتولى منصب رئاسة الحكومة ،ورغم أن الدستور لم يمنح الرئيس سلطة مطلقة بهذا الخصوص لكن جرى تداول مصطلح "غير دستوري" هو مصطلح حكومة الرئيس ،ونقصد بغير الدستور عدم تنصيص الدستور عليه إذ ينص الدستور فقط على أن رئيس الدولة يختار الشخصية الأقدر من بين مقترحات الأحزاب أو من خارجه بعد فشل الحزب المكلف في تشكيل حكومة .

وفي الواقع فقد سبق لبعض الأحزاب والشخصيات الدعوة إلى مثل هذه الصيغة مباشرة بعد النتائج الانتخابية في بادرة من نوعها تتنافى مع التقاليد الديمقراطية ونص الدستور الذي يمنح الحزب الفائز الحق في تشكيل الحكومة. وقد دعا الرئيس الأحزاب إلى تقديم مقترحاتها مكتوبة في ما يبدو أنها إشارة إلى استمرار غياب الثقة بين الرئيس والأحزاب حسب بعض الملاحظين الذين يرون أن  عملية انتقال الموضوع إلى الرئيس برغم كل ما يحيط بها هي في حد ذاتها ضربة اخرى للأحزاب في المشهد بعد ضربة الانتخابات التي جاءت برئيس من خارج المنظومة الحزبية. نحن إذن إزاء معطى واقعي وليس دستوري فالرئيس نسبت إليه الحكومة وعليه أن يتحمل تبعاتها الأخلاقية والسياسية ،ويبدو أن الرئيس سعيد واع بهذا "المأزق " وهو ما يطرح أمامنا سؤالين مهمين :

هل يرغب الرئيس فعلا في قيادة المرحلة ؟

ما هي الاكراهات التي تحيط بقرار الرئيس ؟

وهما سؤالان محوريان لبحث هذا الموضوع 

2 / الرئيس وقيادة المرحلة:

بالنسبة إلى السؤال الأول تحتاج الإجابة الى تتبع خطاب الرئيس وتصرفه ازاء مسار تشكيل الحكومة فقد احترم الرئيس كل شكليات الدستور في المرحلة الاولى وكلف الحزب الفائز الذي اختار شخصية مستقلة  استوفت كامل المدة الدستورية على مستوى المشاورات والمفاوضات قبل أن يعرض تشكيلته  التي فشلت في نيل الثقة.  لكن الرئيس سعيد بدا غير متعجل لعرض الحكومة في أول فرصة على البرلمان فقد اختلف في مرة أولى مع رئيس الحكومة المكلف ثم طلب منه التأجيل  كأنه كان يبحث عن الشروط الأكمل لضمان مرور الحكومة  حتى لا تعود الكرة في مرماه ،وهذا المعطى /المؤشر دعمه مؤشر آخر هو دخوله على خط المفاوضات مع الأحزاب السياسية التي اختلفت بعد اتفاقها على تركيبة حكومية جمعت النهضة الحزب الفائز بالتيار الديمقراطي وحركة الشعب.  فقد كان فشل المفاوضات بين هذه الاحزاب التي تصنف على الثورة بمثابة الصدمة للرئيس الذي بذل قصارى جهده لتثبيت الاتفاق وتمرير  الحكومة  لولا تمسك حركة النهضة بإنهاء هذا المسار  بعدما اعتبرته غيابا للجدية من الأحزاب المفاوضة . هل كان الرئيس يتهرب من مسؤولية عودة الامر اليه ،هذا ما يبدو عليه ظاهر الأمر ،فلم يكن تحت إكراه الدستور وليس هناك من معنى لإنقاذ مفاوضات حزبية بين أطراف مختلفة ليس من بينها حزب للرئيس سوى أنه كان يحاول "انقاذ" نفسه من المأزق الذي يعنيه فشل المفاوضات . وذهب بعض المحللين الى أن موقف النهضة كان ثلما كبيرا في علاقتها بالرئيس خاصة ان زعيمها هو رئيس البرلمان وتوقع هؤلاء الملاحظون أزمة بين رأسي المؤسسة التنفيذية والمؤسسة التشريعية لكن يبدو أن التوقع كان مبالغًا فيه فعلاوة على أنه لم يصدر ما يدفعنا في اتجاه هذا التحليل من رئاسة الجمهورية استأنفت المشاورات بين الطرفين بشكل عادي. ورغم أن الرئيس تحمل مسؤوليته الدستورية وشرع في النظر في اقتراحات الأحزاب والتباحث مع المرشحين إلا أن ذلك لا يغطي على حقيقة أن الرئيس سعيد لم يكن يرغب في تحمل مسؤوليته في قيادة المرحلة لأن ذلك يعني اسقاط مشروعه السياسي أو على الأقل تأجيله إلى عهدة ثانية ليست مضمونة بالضرورة، فمن كان يدعو لأسقاط النظام السياسي وتغييره لا يمكنه التنصل من مسؤوليته الأخلاقية والسياسية في حال عمل من داخل هذا النظام وتشكلت الحكومة برعايته واختياره

3/ إكراهات السياسة في حكومة الرئيس:

محور السؤال الثاني هي الإكراهات التي تحيط بقرار الرئيس المنتظر في اختيار الشخصية الأقدر  لتشكيل حكومة ،وسنبحث هذا السؤال في ظل فرضيات نبينها على قراءة في الأسماء المرشحة إذ من المحتمل أن يكون القرار قد صدر مع نشر هذا المقال نظريا تتمحور الاكراهات المحيطة بقرار الرئيس في مسألتين اثنتين الأولى أن الرئيس مجبر  بصفة ضمنية على اختيار شخصية ترضى عنها الأحزاب الممثلة في البرلمان حتى وان لم تقترحها وهذا أضعف الاكراهات بالنظر إلى وجود ورقة ضغط لصالح الرئيس سعيد والرئيس المكلف في الوقت نفسه هو تخوف الأحزاب من انتخابات سابقة لأوانها في حال عدم تمرير الحكومة هذه المرة .

الإكراه الثاني يخص الشخصية الأقدر التي على الرئيس اختيارها والتي يفترض فيها أن تكون نظيفة اليد غير فاسدة ولا متحالفة مع الفاسدين وهي شروط ذكرناها من وحي برنامج الرئيس سعيد نفسه ومما بنى عليه حملته الانتخابية من صورة "طهورية " تؤكد على حرب الفساد وتطبيق القانون على الجميع. لقد شكل هذا البرنامج والصورة الواقعية للرئيس صورة متخيلة لدى الناخب التونسي سيكون من الصعب على الرئيس خرقها باختيار رئيس حكومة مكلف لا تستجيب شخصيته لهذه المواصفات لأن ذلك سيكون ثلما آخر في رصيد الرئيس الاخلاقي. ففي المحصلة يجد الرئيس سعيد نفسه أمام ضرورة اختيار شخصية يضمن لها حزاما سياسيا قويا في البرلمان حتى لا تفشل في مهمتها وإن نجحت في نيل الثقة ،فإن كانت الأحزاب مجبرة على منح الثقة قطعا لإمكانية الانتخابات السابقة لأوانها فلن تجد نفسها مجبرة على دعم الحكومة بل ربما ستعمل على افشال كل مشاريعها أو جلها التي تقترحها في البرلمان وهذا ما سيزيد من مأزقها و مأزق الرئيس نفسه ،فإذا كان مأزق الحكومة سياسي عملي فإن مأزق الرئيس أخلاقي وهو الأصعب بالنسبة إليه إذ أن ذلك هو رصيده الوحيد في مخاطى الشعب وقد رفض سابقا أن يقدم لهم أية وعود انتخابية . ثم إن الرئيس من جهة أخرى في مواجهة التزام شخصي ألزم به نفسه ورغم توفر الصفات التي يحبذها الرئيس في الشخصيات المرشحة فلن يكون من السهل عليه اختيارها فللسياسة اكراهاتها الواقعية الضاغطة خاصة أن الرئيس يدرك حقيقة أن الحكومة ليست حكومته ولكنه مسؤول عنها أخلاقيا، وعلى سبيل المثال يرى بعض الملاحظين أن الرئيس سعيد لن يجازف باختيار  مرشح من بين الأسماء المقترحة عرف بصدامه مع الاتحاد العام التونسي للشغل ولن يكون عليه من السهل أيضا اختيار شخصية محسوبة على الفساد حتى و إن لم تكن مدانة قضائيا .

خاتمة

إن هذه الاكراهات هي مبررنا في توصيف موقف الرئيس في المأزق الذي أودت إليه التشكيلة الحزبية غير المتجانسة داخل البرلمان فلا هو قادر على التراجع عليه بحكم مسؤوليته الدستورية ولا هو باليسير عليه المضي فيه دون حسابات تأخذ بعين الاعتبار جملة الوقائع السياسية التي خلقتها الانتخابات التشريعية الأخيرة وبالنظر إلى لمعطيات الواقعية والاكراهات المبدئية اللتين تبدوان متناقضتين، فهل تكون حكومة الرئيس "قاتلة" للرئيس أخلاقيا وسياسيا؟

  الدكتور سمير ساسي (باحث تونسي)

 

 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك